محمد عبد الناصر: سلمـان وأكاديمية خـان

12:10 صباحًا الأربعاء 29 مايو 2013
مدونات

مدونات

مساهمات وكتابات المدونين

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

 

الكاتب: محمد عبد الناصر حجاج.

هل من الممكن لحدث اعتيادي أن يصل بانسان ما لأن يحدث تغييراً دائماً في العالم ؟
نعم، إن وقع هذا الحدث للشخص المناسب … شخص لديه ما يكفي من الايمان و التفان و الحب لما يفعله. انه “تاثير الفراشة” في أكمل صوره.

كنت سعيد الحظ بما يكفي لأشهد أحد هذه التحولات.

هل سمعت عن “أكاديمية خان” من قبل ؟

هي أكاديمية تعليمية على الانترنت تحوي وقت كتابة هذه السطور 4000 فيديو تعليمي في الرياضيات، التاريخ، الصحة، الطب، الأحياء، الفزياء، الاقتصاد، الفلك و علم الكونيات، الكيمياء، علوم الحاسب، الكيمياء العضوية وأخيراً علوم الحاسب. كانت تستهدف في البداية طلبة المراحل الما قبل الجامعية، ثم توسعت الى ما أبعد من ذلك لاحقاً.

في الحقيقة تأثير الأكاديمية أكبر بكثير من مجرد مجموعة من الدروس المجانية على الانترنت، حيث أحدثت تحولاً جذرياً في مفهوم “التعلم و التعليم” كما سنذكر لاحقاً.

بطل الرواية هو سلمان خان.
سلمان هو مواطن أمريكي من أصل بنجلاديشي. ببلوغه الـسابعة و العشرين كان قد حصل بالفعل على أربعة درجات علمية، ثلاثة من MIT (بكالريوس الرياضيات، بكالريوس الهندسة الكهربية و علوم الحاسب، ماجستير علوم الحاسب) وواحدة من جامعة هارفارد (ماجستير ادارة الأعمال). لمن لا يعرف MIT وهارفارد، هما مؤسستان تعليميتان لا تخرجان غالباً من الثلاثة مراكز الأولى على مستوى العالم في قوائم تقييم المؤسسات التعليمية السنوية.

في يوم من أيام العام 2004، كان سلمان يدرس ابنة عمه “نادية” الرياضيات باستخدام تطبيق مشابه للرسائل الفورية. فكر سلمان في وضع فيديو على اليوتيوب يلخص محتوى الدرس ثم قام بارساله. كما يقول سلمان، فقد أحبت نادية النسخة الالكترونية منه أكثر منه شخصياً عندما تعلق الأمر بالتدريس، فقد كان باستطاعتها أن تعيد تشغيل ابن عمها عدة مرات دون أن تشعر أنها تضيع وقته. باستثناء بعض التعليقات الايجابية من بعض سكان الانترنت الذين تقابلوا مع الفيديو مصادفة على شاكلة (لقد حاولنا كل شئ مع ابننا ليتعلم الأرقام العشرية لكننا فشلنا، وهاهو الآن يتقنها بفضلك)، فلم يحدث الكثير.

لكن كان هذا أكثر من كاف لسلمان ليكمل ما بدأه.
تحولت التجربة الى شغف لدى سلمان. أنتج المزيد و المزيد من هذه الدروس و وسع نطاقها لتتعدى الرياضيات. ابتكر سلمان طريقة “المايكرو فيديو” كحل لاضفاء المزيد من التفاعليه على عملية التدريس باستخدام الفيديو: بدلاً من تصوير المدرس وهو يقوم بالشرح لمجموعة من الطلبة لمدة 50 دقيقة متواصلة، قام سلمان بتقسيم كل درس الى مجموعة من الفيديوهات لا يتعدى طولها في المتوسط 10 دقائق ، واعتمد أسلوب “الشرح التفاعلي” ان جاز التعبير، حيث لا يظهر هو في أي من فيديوهاته، فقط صوته وهو يتكلم بطريقة أقرب لمحادثة عادية بين شخصين منها لشرح مدرس في فصل دراسي، بالاضافة الى شاشة سوداء للكتابة عليها.

في عام 2006 أطلق سلمان موقع “أكاديمية خان” كمكان موحد للوصول لكل المحتوى التعليمي الذي ينتجه. استمر سلمان واستمرت ردود الأفعال الايجابية في الازدياد الى أن وصل الى نقطة اختيار فاصلة في حياته في العام 2009 – والتي سيتضح لاحقاً أنها نقطة فاصلة في تاريخ التعليم للأبد – كان عليه الاختيار بين أن يترك عمله كمحلل مالي في مكان مرموق مما يعني انه سيكون بلا دخل، أو أن يأخذ هوايته التي بدأها منذ خمسة سنوات للمستوى التالي.

ترك سلمان صاحب الدرجات العلمية الأربعة عمله ليتفرغ بالكامل لاكاديميته.
يقول بيل جيتس مؤسس شركة مايكروسوفت عن هذا اليوم (لقد كان يوماً سعيداً عندما سمحت زوجة سلمان له أن يترك عمله ليتفرغ لأكاديمية خان).
يبدو الأمر كما لو أن سلمان قد وجد أن تعليم الناس هو أثمن كثيراً وأكثر امتاعاً من يضيع وقته في جمع المال، كما لو انه قد وجد الهدف من وجوده في الحياة.

طريق طويله قطعها سلمان في التأقلم مع حياته الجديدة بوضعه الحالى، سعى كثيراً لجمع التبرعات للأكاديمية، لجذب المزيد من الأشخاص لمساعدته، كان جلياً له أنه مقبل على أمر لن يتم كما يريده بجهود فردية.
في عام 2011 تحدث سلمان في أحد مؤتمرات TED عن تجربته، وكيف كان تأثيرها عليه نفسياً، وكيف يرى تأثيرها على التعليم ومستقبله، ثم كيف سيؤثر كل ذلك على العالم، وتمنى في آخر كلمته أن يحذ أساتذة الجامعات حذوه.

كان من بين المستمعين البروفيسور “سباستيان ثرن”، الأستاذ بجامعة ستانفورد (جامعة ستانفورد هي التوأم الثالث لهارفارد و MIT) و أحد رواد علم الذكاء الاصطناعي في العالم. شهور قليلة مرت قبل أن تطلق جامعة ستانفورد الكورس التعليمي الشهير “مقدمة في علم الذكاء الاصطناعي” تحت اشراف البروفيسور سباستيان ثرن و بيتر نورفيج – أحد أعمدة علم الذكاء الاصطناعي ورائد الترجمة الآلية في مراكز ابحاث جوجل- كتجربة لقياس مدى كفاءة الطريقة التي ابتكرها سلمان في تدريس واحدة من أكثر المواد العلمية تعقيداً.

كانت النتائج مذهلة!
مذهلة للدرجة التي دفعت سباستيان ثرن للاستقالة من جامعة ستانفورد ليتفرغ بالكامل لجامعته الافتراضية على الانترنت “يوداسيتي” Udacity التي انشاها لتقديم المزيد من العلم المجاني للجميع، تماماً كما فعل سلمان قبل عامين.
عن ذلك يقول سباستيان ثرن: أن متعة المعلم في الحياة تتمثل في أن يصل علمه لأكبر قدر من المستفيدين، فاذا كان عدد المستفيدين من التجربة التي قمت بها يتعدى عدد من درستهم في الـ20 عاماً الماضية، فكيف يتطلب أمر استقالتي من الجامعة الكثير من التفكير ؟

تحول الأمر بعدها من تجربة الى ظاهرة عالمية، بكل ما تحمله كلمة ظاهرة من معنى سميت لاحقاً بـ Massive open online course.
أصبح المحتوى التعليمي لأفضل الجامعات العالمية متاحاً للجميع ومجاناً. بغض النظر عن عمرك أو جنسيتك أو مكانك لا تحتاج الآن لأكثر من وصلة انترنت مناسبة لتتعلم أي شئ بمعنى أي شئ.

في أبريل 2012، تم اضافة سلمان خان لقائمة أكثر 100 فرد تأثيراً في العالم للعام 2012.

و هكذا كانت “نادية” هي بداية سلسلة أحداث تأثير الفراشة، ان لم تكن في حاجة الى بعض المساعدة في الرياضيات، لم يكن لكل ذلك أن يحدث.
نادية هي “تفاحة نيوتن” القرن الواحد والعشرين..

لزيارة موقع أكاديمية خان: من هنـا.  كما يمكنكم مشاهدة فيديو المؤتمر الذي تحدث فيه في عام 2011 في TED: من هنـا

ولمن يرغب في معرفة المزيد والتعامل مع مواقع التعليم الإلكتروني للمستوى الجامعي، عليكم بزيارة هذه المواقع: UdacityCoursera , edX

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات