الرئيس التركي تورجوت أوزال: لماذا يموت الزُّعماء بالسم؟

08:36 مساءً الأحد 25 نوفمبر 2012
فاطمة الزهراء حسن

فاطمة الزهراء حسن

مخرجة تليفزيونية، وكاتبة من مصر، مستشار شبكة أخبار المستقبل (آسيا إن)

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

تورجوت أوزال … هل مات بالسًّم؟

شكوك متصاعدة ومتكررة إستمرت طوال تسعة عشرة عاما  أحاطت بالرواية الرسمية للحكومة التركية حول وفاة الرئيس التركي الثامن للجمهورية التركية < تورجوت أوزال >  عن عمر ناهز 65 عاما نتيجة لأزمة قلبية في 17 إبريل نيسان 1993 , تلك الشكوك التي جعلت الرئيس التركي الحالي <عبدالله جول > يشكل لجنة تحقيق رئاسية خاصة للبحث في هذه الشبهات تلك اللحنة التي طالبت في تقريرها بضرورة إستخراج جثة أوزال و إجراء عملية تحليل كاملة في معهد الطب العدلي على عينات سيتم أخذها من جثمان الرئيس التركي الراحل تورجوت أوزال ونحو 50 سم من التربة تحت جثمانه حيث وري الثرى في مقبرة < توب كابي> التاريخية في استنبول .

وكانت صحيفة ديرتاجسشبيل الألمانية قد ذكرت أن تحقيقات النيابة التركية ستتركز على فرضية وضع السم للرئيس التركي في كأس عصير برتقال أعطيت له خلال حفل إستقبال جرى مساء اليوم السابق على وفاته وأشارت إلى إهتمام المحققين بفرضيات عديدة ترجح القتل بالسم من بينها عدم إجراء تحقيق رسمي بشأن حدث كبير يتعلق بوفاة رئيس تركي وهو في سدة الحكم  والتخاي عن فكرة إجراء تشريح لها .

وكانت المفاجأة المدوية في الأوساط التركية والدولية إذ نقلت صحيفة < تودايز زمان > التركية  عن خبراء في معهد < آي تي كي > للطب الشرعي المكلف بإجراء الفحوص أنه قد تم العثور على أربع مواد سامة في جثمانه منها مادة تعادل في درجة سميتها عشرة أضعاف درجة السمية في مادة < دي دي تي > , إضافة إلى مادة البولونيوم المشعة وأشار الخبراء أن هذه المادة كان قد تم إستخدامها بهدف إنهاك جسد الرئيس الراحل .

وكانت تقارير سابقة لم يتم التأكد من صحتها بشكل رسمي أنه قد تم العثور على ماد <ستركنين > شديدة السمية في رفاته .

السيدة سمراء أرملة أوزال أعلنت في حوار مع الصحيفة الألمانية  عن رفضها للرواية الرسمية التي تقول أن زوجها قد توفى بشكل طبيعي إثر نوبة قلبية حادة وقالت : إن إنشغال أوزال قبيل وفاته بإيجاد حل سلمي للمشكلة الكردية ورفضه القيام بعمليات غير قانونية لمواجهة المتمردين الأكراد قد أثار إستياء المؤسسة العسكرية وهو مايرى فيه الكثير من الأتراك سببا لأن تتخلص المؤسسة العسكرية من أوزال , ورأت الصحيفة أن ما يؤكد هذه الفرضية هو قيام الجيش التركي بتنفيذ  ضربات قاسية للأكراد بمجرد وفاته .

كان تورجوت أوزال قد إنضم لحزب< السلامة >ذي الإتجاهات الإسلامية  في بداية حياته السياسية ذلك الحزب الذي أسسه< نجم الدين أربكان> الذي كانت تربطه صلات وثيقة بأوزال منذ أيام الجامعة ونجح أوزال في إنتخابات مجلس الشعب عن ولاية أزمير وبعد الإنقلاب العسكري 1980 والذي كان يهدف إلى تحجيم حزب السلامة الإسلامي تم إنتخاب أوزال كوزير للدولة ونائبا لرئيس الوزراء وأسس حزب< الوطن الأم >وسرعان ما إتسعت شعبية هذا الحزب الذي كان يصنف كحزب محافظ والذي نجح عام 1983  في الإنتخابات ومن ثم شكل تورجوت أوزال الوزارة التركية وأصبح رئيسا للوزراء لمدة ست سنوات حتى عام 1989 وقد شهدت تلك الفترة تقاربا بين تركيا ودول العالم الإسلامي ونجح أوزال في تخفيف بعض القيود العلمانية المتشددة للجمهورية التركية كما سمح بإرتداء الحجاب في الجامعات إلا أن الرئيس التركي آنذاك < كنعان إفرين > قد رفض هذا القرار, زكان أوزال خلال فترة توليه رئاسة الوزراء قد نجا من محاولة إغتيال نفذها متطرف يميني عام 1988 عندما أطلق عليه الرصاص أثناء إنعقاد مؤتمر لحزب< الوطن الأم > ولكنه أصاب إصبعه فقط .

تولى أوزال رئاسة الجمهورية التركية في التاسع من تشرين ثان < نوفمبر> 1989 وطالما نظر المحللون السياسيون إليه كمهندس البناء الديمقراطي والليبرالي في تركيا .

كانت العلاقات بين الحكومة التركية من ناحية والمتمردين الأكراد من ناحية أخرى قد ساءت وإحتدم الصراع وتصاعدت وتيرته عندما خطط < حزب العمال الكردستاني > برئاسة < عبد الله أوجلان > آنذاك , لإعلان إستقلال الأكراد في منطقة نفوذهم بجبال كردستان عن الأراضي التركية بحلول عام 1994 , وبناء على هذه التقارير الإستخباراتية نشب جدال محتدم في مجلس الأمن القومي التركي م نهاية عام 1992 حول كيفية السيطرة على المتمردين الإنفصاليين الأكراد ولكن الحمائم في المجلس يتصدرهم أوزال والجنرال < أشرف بيتيليس > فضلوا عدم اللجوء إلى الحلول العسكرية ومن المفارقات المذهلة أن هذين الرجلين : أوزال و بيتيليس ما لبثا أن توفيا عام 1993 , نفس العام الذي شن فيه الصقور  بمجلس الأمن القومي التركي حملات سرية بإستخدام القوات الخاصة وقد ساهم الفرع التركي من منظمة < الجلاديو > أو المنظمة المضادة للمليشيات المسلحة .

تتزامن هذه الحقيقة المفجعة حول إغتيال الرئيس التركي الثامن مسموما  مع قرار القضاء الفرنسي بفتح تحقيق قضائي يوم 28 أغسطس الماضي حول ملابسات وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات  عن عمر ناهز 75 عاما والذي قد فارق الحياة أثناء تلقيه العلاج بمستشفى بيرسي العسكري في باريس في أعقاب قيام أرملته السيدة سها عرفات برفع دعوى قضائية ضد مجهول بتهمة إغتياله للإشتباه في أنه مات مسموما بمادة البولونيوم المشعة السامة ومن ثم فسوف يتم إستخرج جثمانه الثلاثاء القادم  لأخذ عينات لتحليلها وإعادة دفنه في مراسم عسكرية .

ستكون معرفة الحقيقة أو التأكد من صحتها مؤلما ومما يزيد من فجيعته أننا لن نملك شيئا حيال هذه المعرفة لأن الجاني سيظل مجهولا  دائما في سلسلة من المصالح السياسية والعسكرية والإقتصادية عابرة للقارات ولا مكان للمشاعر الإنسانية في قاموسها .

اترك رد

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات