أفارقة في بلاد السند

10:31 صباحًا الأحد 20 أبريل 2014
نصير إعجاز

نصير إعجاز

محرر الصحافة الدولية، باكستان، كاتب في آسيا إن

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

منذ أكثر من عقد جاءنا من غانا البروفيسور آدامز بي بودومو، وهو من كان يرأس قسم الدراسات الأفريقية في جامعة هونغ كونغ وجامعة فيينا، النمسا، وكان أيضا أستاذا زائرا في جامعة آنستد، ماليزيا. وفي محاضرة له، قال “إنه على الرغم من وجود روابط، ليست قوية؛ تاريخية وثقافية ولغوية، بين أفريقيا وآسيا وأفريقيا، فإن إفريقيا ليست حاضرة في أذهان الآسيويين بالمقارنة مع أجزاء أخرى من العالم”.  كان موضوع بحث البروفيسور بودومو “الوجود الأفريقي في آسيا”، قد تطرق إلى الروابط التاريخية بين آسيا و أفريقيا من خلال تتبع تاريخ سكان أفارقة استقروا في البلدان الآسيوية، مثل الهند وباكستان وسري لانكا وجزر المالديف والصين أيضا . وقد استلهمت عنوان محاضرته، لأكتب عن “الوجود الأفريقي في بلاد السند”؛ لأن السند، وكذلك بلوشستان ، وهما محافظتان في باكستان، هما موطن لمئات الآلاف من الذين ينتمون لأصل أفريقي .

بالرغم من مستوى المعيشة السيئ للغاية ، لهؤلاء الذين ينتمون إلى الطبقة العاملة، ومعظمهم أميون، يعيشون في أحياء فقيرة منعزلة، محرومين من المرافق الأساسية، يبدون سعداء حين يبدأون رقصاتهم التقليدية أو حين يستمعون إلى الموسيقى المفضلة لهم على إيقاع الطبول، مما يجعل الفن هويتهم الثقافية. إنهم يعرفون باسم الشيديين أو المكرانيين، وهم مشهورون بشغفهم للرقص، حتى أنه حين يحاول شخص غير شيدي أو مكراني تقليدهم، يقولون إنه تلبسته روح الشيدي .

ينحدر الشيديون والمكرانيون من أرقاء الرجال والنساء والأطفال الذين جلبتهم الشركات المستعمرة من شرق أفريقيا، وشحنتهم إلى مختلف القارات بما في ذلك آسيا منذ قرون خلت، بداية عن طريق التجار العرب، ولاحقا بواسطة المستعمرين البرتغاليين والبريطانيين. كان هؤلاء يُباعون للعمل بالمزارع، وعمال موانيء وحراس اسطبلات الخيل وحمالين، وصبية ممتدربين لدى الحدادين والنجارين، وخدم للمنازل وكذلك كجنود بفضل قوتهم البدنية وتحملهم العمل الشاق.

 ذكر السير ريتشارد بيرتون، الذي خدم بالجيش البريطاني في السند، في عام 1851 ، في كتابه عن السند، عن الأعراق التي تسكن وادي السند بأن هناك 700 من عبيد مومباسا، زنجبار، ومناطق أفريقية أخرى يتم جلبهم إلى بلوشستان سنويا. وكان الطلب كبيرا على الإناث وسعر المرأة يصل 50 جنيها. وتتم مقايضة الأطفال بالحبوب، والقماش، وغيرها من السلع.

وقال بعض المؤرخين الآخرين أنه في عام 1650 م ، تاجرت عُمان في العبيد بشكل أكبر وتم نقل الأفارقة إلى ساحل مكران في بلوشستان، ثم بيع العبيد الأفارقة إلى السند، الدولة المجاورة آنذاك. ويقال إن حكام تالبور السند اعتادوا شراء المئات من العبيد الأفارقة سنويا.

تمثال قائد الجيش السندي حوش محمد الشيدي أحد أحفاد الأفارقة الذين استشهدوا في معركة مع القوات البريطانية في 1843

كان من المعروف أيضا عن العبيد الأفارقة ولاؤهم . فعلى الرغم من أنهم أحضروا كعبيد، وخدم، فقد كسبوا ثقة سادتهم جدا، كما فاز الأفارقة بقلوب السكان المحليين للغاية، نظرا لمسلكهم الودي. مع مرور الوقت أصبح هؤلاء جزءا لا يتجزأ من المجتمع السندي و يعتبرون أنفسهم سنديين (مواطنون من أبناء السند) تمثل السند لهم كما وطنهم الام . ويبدو هذا جليا من حقيقة كون العديد من جنود السند من أصل أفريقي، ضحوا بحياتهم وهم يدافعون عن السند خلال الحرب مع القوات البريطانية الغازية في 1843.

أحفاد الشيدي يحافلون أمام تمثاله

وكان قائد الجيش السندي حوش محمد الشيدي أحد أحفاد الأفارقة الذين استشهدوا في معركة مع القوات البريطانية في 1843. وقد خاض معركة قرب مدينة حيدر أباد ، و بعد ذلك عاصمة السند ، 160كيلومتر شمال شرق ميناء مدينة كراتشي.

بطل السند، الجنرال الشيدي

منذ ذلك الحين، اعتبر الأمين العام حوش محمد الشيدي بطلا لشعب السند، وكانت كلماته الأخيرة في قتاله ضد القوات البريطانية” Marvesoon, Mervesoon, Sindh na desoon” ومعناها نحن سوف نبذل أرواحنا، ولكن لن تسمح لكم بغزو السند. لقد أصبحت كلماته شعار الوطنية للشعب السندي الذين ما زال يقاتل من أجل حقوقه على الرغم من مغادرة الحكام البريطانيين شبه القارة الهندية بعد حكم دام 103 أعوام في 1947. ويقتبس الكتاب والمثقفون السند في كثير من الأحيان كلمات الجندي الأفريقي الأصل في مقالاتهم وكتبهم، يشيرون إليه باسم حوشو الشيدي، مما يظهر الحب والاحترام لبطلهم . كما تحتوي الكتب المدرسية في المدارس الابتدائية أيضا دروسا حول حوشو.

 لدى باكستان أكبر عدد من أحفاد الأفارقة في جنوب آسيا ، يقيمون في بلوشستان والسند. فما لا يقل عن ربع مجموع سكان ساحل مكران في بلوشستان هم من أصل أفريقي ويسمون المكرانيين. ومع الهجرة الداخلية استقر عدد كبير من هؤلاء الناس في كراتشي، حيث يتركزون بمنطقة لياري ومنغوبير وسط المدينة وضواحي أخرى من عاصمة السند.

ويسمى أحد شوارع بمنطقة لياري في كراتشي باسم شارع  ممباسا، في حين أن هناك قرية بكراتشي تعرف باسم قرية الشيدي . ويسكن أولئك الذين خدموا حكام تالبور في حيدر أباد ومناطق أخرى في المنطقة الجنوبية من السند. ومع مرور الوقت ، بدأوا بالتزاوج مع المجتمعات الأخرى، وفي كراتشي زيجات المختلطة مع المجتمع البلوش شائعة.

احتفالات أفريقية في بلاند السند

في كراتشي ، يعقدون مهرجانا سنويا مدته ثلاثة أيام في منغوبير، الشهير بوجود ولي تعيش التماسيح في بركة مجاورة له. وتقام مهرجانات مماثلة في أماكن مختلفة . يتدفق الآلاف من مجتمع الشيديين، بما في ذلك النساء والأطفال، للمشاركة بنشاط في هذه المهرجانات ينشدون الأغاني ويرقصون. هذه هي أغنيتهم الشهيرة: Sheedi Basha, Hum Basha.

ويعد  الشيديون والمكرانيون مسلمين ديانة، ويتكلمون لغتي البلوشية و السندية ويقدر مجموع سكانهم في كراتشي وأجزاء أخرى من السند إلى بأكثر من مليون شخص.

المجتمع الأفرو ـ سندي ، كما يمكن تحديد ذلك الآن، لم يعد مجتمع عبيد، إنهم احرار ومواطنون من باكستان، لهم حقوق متساوية مع الآخرين في إطار الدستور. ولكن في الواقع فإن الوضع العكس من ذلك. فنظرا لأنهم ينتمون إلى الطبقة العاملة ، فإنهم لا يمكنهم التركيز على التعليم. ولذلك يتشرب الأطفال منهم بعد المدرسة الابتدائية أو الثانوية بسبب الفقر وبدء العمل لكسب الرزق. ويوجد عدد قليل جدا منهم في وظائف الحكومة ، وكذلك في قطاع الشركات. لكن أيا منهم لا يمكن أن يرتقي إلى مناصب أعلى في أي قطاع بعد تأسيس باكستان في عام 1947.

ومع ذلك يقدم المجتمع الأفرو ـ سندي شخصيات استثنائية في مجال الرياضة ، وخاصة في الهوكي و كرة القدم. وفي السنوات الأولى من هذا البلد الوليد ، حصل الرياضيون من هذا المجتمع على شرف تمثيل باكستان على المستوى الدولي من خلال اللعب في دورة الالعاب الاولمبية . ولكن ، لسوء الحظ أن ذلك لم يعتمد من قبل أي من الحكومات أو الهيئات المتعاقبة الأخرى ، وبالتالي ، فقد عاشوا حياة بائسة. وعلى الرغم من مثل هذا السلوك ، لا يزال الشباب المنحدرون من السند يلعبون الهوكي وكرة القدم ، ويشكلون فرقا خاصة بهم على المستوى المحلي .

بسبب مثل هذه الحالة، يسود شعور عميق من الحرمان بين المجتمعات الأفرو ـ سندية البلوشية السندية ويقولون: ” ، أجدادنا كانوا يعملون بجد كعبيد خلال حكم تالبور والحقبة الاستعمارية البريطانية ، ولكن منذ الاستقلال لم يتحقق لنا أي تغيير في حياتنا، كما يقول السيد أكبر البلوشي، أول مصور صحفي من هذا المجتمع.

أكبر الذي تجاوز السبعين من عمره، تخرج في الجامعة ، وبدأ حياته العملية كمصور بدوام جزئي يغطي مباريات كرة القدم والهوكي في الحي الذي يقيم فيه و انضم في وقت لاحق إلى صحيفة في سبعينيات القرن الماضي. كان يريد تغيير الصحيفة من أجل مستقبل أفضل ، لكنه فشل و حاليا يعمل كمصور صحفي حر. ” أنا لا أكسب ما يكفي لتلبية احتياجات عائلتي. ابني يعاني أيضا البطالة و اقترحت عليه أن يحمل الكاميرا لأنه لن يحصل على أي وظيفة ” .

مثل هذا الشعور بالحرمان في أوساط المجتمع الأفرو ـ سندي ظهر أيضا مؤخرا في ندوة عقدها في كراتشي إتحاد الشيديين في باكستان ، وهو تحالف يضم منظمات المجتمع مختلفة من الشيديين، وقد أعلن قادة المجتمع الشيدي في هذه المناسبة أنهم وجدوا علاجا في التعليم ليرفعوا عن كاهلهم قرونا من العبودية المرتبطة مع المجتمع الذي لا يسمح لهم بالازدهار.

قارعة الطبلة في متحف سندي، ذات ملامح أفريقية

نحن أبناء السند

” نحن هنا لنبقى، ونحن السنديون (مواطنو السند) ، ولكننا لا يمكن أن ننأى بأنفسنا عن هويتنا الأصلية التي تربطنا مع أفريقيا”. هكذا قال رجل في منتصف العمر له ملامح بشرة أفريقية مثالية، بينما كان يلقى خطابا أمام حشد لأكثر من مائتين من الرجال والنساء والأطفال من مجتمعه.

 وأضاف زعيم الشيديين ” كنا دائما ضحية تمييز ضدنا، نلقى معاملة خشنة من قبل الحكام البريطانيين مثلما كنا ضحايا لعقلية منحازة للشعب المحيط بهم. ولم نكتشف سوى بعد فترة طويلة قبر  حوشو الشيدي ، الذي ضحى بحياته من أجل السند حين قاتل القوات البريطانية في 1843.

 الندوة أقيمت مع وجود صورة رمزية لزعيم جنوب افريقيا نيلسون مانديلا بابتسامته الكبيرة وضعت على كرسي في وسط المسرح. وكان من قبيل المصادفة أن جنازة نيلسون مانديلا وقعت في نفس اليوم . وقد تأثر البرنامج بشكل كبير مع الحكايات الدينية و الاستعارات ، ولكن بلغ التأثر ذروته مع الموسيقى الصاخبة على إيقاع الشعر السندي، والإيقاعات الأفريقية المتألقة في لوحة فنية قصيرة.

______________________________

ماجازين إن | يونيو 2016

One Response to أفارقة في بلاد السند

  1. فاطمة الزهراء حسن رد

    20 أبريل, 2014 at 7:11 م

    مقال غاية في الأهمية ويحمل معلومات دقيقة لكنها خفية على الكثيرين بسبب ندرة الدراسات والتحليلات حول ديموغرافيا هذه المنطقة لاسيما الباكستان واعراقها والبلدان المحيطة بها قبل الاحتلال البريطاني وحتى من بعده

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات