طريق الحرير البحري … من التاريخ إلى السينما

08:19 صباحًا الأربعاء 31 ديسمبر 2014
أشرف أبو اليزيد

أشرف أبو اليزيد

رئيس جمعية الصحفيين الآسيويين

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print
أبطال طريق الحرير البحري ( راه آبي ابريشم ) ، الفيلم أخرجه وكتبه للسينما محمد بزرك واشترك في التمثيل نخبة من نجوم السينما الإيرانية منهم بهرام رادان ، داریوش ارجمند، رضا کیانیان، بكاه آهنكراني، بیام دهکردي، مهدي میامي، محسن حسیني، فرشید صمدي ‌بور، هوشنك قوانلو، محمدعلی قویدل، حمیدرضا میلا وعزت‌الله انتظامي

أبطال طريق الحرير البحري ( راه آبي ابريشم ) ، الفيلم أخرجه وكتبه للسينما محمد بزرك واشترك في التمثيل نخبة من نجوم السينما الإيرانية منهم بهرام رادان ، داریوش ارجمند، رضا کیانیان، بكاه آهنكراني، بیام دهکردي، مهدي میامي، محسن حسیني، فرشید صمدي ‌بور، هوشنك قوانلو، محمدعلی قویدل، حمیدرضا میلا وعزت‌الله انتظامي

لم يتوقف طريق الحرير في قلب التاريخ، حيث تركه المؤرخون والرحالة في سيرهم ومدوناتهم، ولم يهدأ عند حدود الجغرافيا حيث ودعه التجار والمغامرون قبل قرون ليولوا وجوههم نحو طرق أخرى. فها هو يستعيد زمانه الذهبي، لتتردد أصداؤه على كل لسان، في الأدب والتاريخ، بل وفي السياسة والفن.

قبل نحو 4 سنوات بدأت كتابة سلسلة جديدة لأدب الأطفال، عنوانها “مغامرات ماجد على طريق الحرير”، تنشرها مجلة (ماجد) أسبوعيا، بطلها الطريق الذي اهتممت به سنواتٍ وأنا أعد موسوعتي (طريق الحرير) الصادرة قبل عام عن مكتبة الإسكندرية. وكنت قبل ذلك كله بأعوام قد دعوتُ في مؤتمر أقامته جمعية الصحافيين الآسيويين، أقيم بالعاصمة الكورية الجنوبية إلى إنشاء “طريق حرير إعلامي” يمثل جسرا للتواصل والتفاهم بين الثقافات العربية والآسيوية. وهذا العام شاركت في إقامة ملتقى مجلة (العربي) السنوي ـ كمنسق ومحاضر ـ الذي خصص لدراسة طريق الحرير. لذلك لم تغالبني الدهشة وأنا أرى  الجميع يفكر الآن في هذا الطريق ملاذا للخروج من الأزمات السياسية والاقتصادية والمجتمعية، ولم لا، وهو طريق ربط العالم القديم من أقصاه إلى أدناه.

هكذا يفكر الرئيس الصيني شي جين بينغ بإحياء طريق الحرير البحري والبري عبر علاقات مع 65 دولة، التقى منها رؤساء 50 دولة، كان آخرهم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مثلما يمد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين طريق حرير حديديا، يربط روسيا بآسيا، وتخطط منظمة اليونسكو لطريق حرير ثقافي يحيي فنون وحضارات طريق الحرير. جميعها أفكار تبدأ في الظهور، وتأخذ مكانها في الواقع، بل ويحتفل بها فنيا.

افتتاح الدورة الأولى لمهرجان طريق الحرير السينمائي الدولي في الصين

افتتاح الدورة الأولى لمهرجان طريق الحرير السينمائي الدولي في الصين

ففي الصين  تم تدشين “مهرجان طريق الحرير السينمائي الدولي” كفعالية للتبادلات السينمائية الدولية. يقام المهرجان في مدينتين؛ شيآن (مهد طريق الحرير) وفوتشو بالتناوب كل عام. وقد افتتحت الدورة الأولى لمهرجان طريق الحرير السينمائي الدولي في مدينة شيآن عاصمة مقاطعة شنشى في يوم 20 أكتوبر الماضي بحشد ألف سينمائي حضروا المنتدى الثقافي عن أفلام طريق الحرير فضلا عن عرض أكثر من 100 فيلم تعزز التعاون والتبادل بين الصين والعالم في مجال السينما وتدفع الرخاء المشترك لدول طريق الحرير في صناعة السينما.

وبالمقابل نظمت روسيا مهرجان ” طريق الحرير العظيم : حوار الحضارات والثقافات ” السينمائي الدولي في مدينة ياراسلافل،أكثر المدن الروسية ذات القيمة الروحية والتاريخية ، فطريق الحرير  كان يمر بها  قديمًا، ويشرف على ذلك المهرجان مدير المكتب الصحفي للكرملين ديمتري بيسكوف، وهو حدث أعتقد أنه يوازي مهرجان قازان الدولي لسينما دول العالم الإسلامي، الذي يقام منذ عقد بعاصمة جمهورية تتارستان الروسية، ويرأسه مفتي الديار الروسية.

في طريق الحرير ستظل الصين وجهتنا، وهي كذلك وجهة الفيلم الإيراني الذي شاهدته قبل ساعات، حيث يدور محور ذلك الشريط السينمائي ” طريق الحرير البحري ” ( راه آبي ابريشم ) حول عالم الفلك الإيراني، شاذان بن يوسف، ابن مدينة شيراز (على طريق الحرير البري)، الذي يرافق البحارة في رحلتهم إلى الصين للتجارة لتدوين سيرة الرحلة من آمال وآمال، ومسرات ومخاطر. ويروي الفيلم رحلة سفينتين يقودهما القبطانان سليمان وادريس في القرن الرابع الهجري، العصر الذهبي للبحارة الإيرانيين.

طريق الحرير البحري ( راه آبي ابريشم ) ، الفيلم الذي عرض في الكويت ضمن أسبوع لأفلام السينما الإيرانية، أقامته الاستشارية الثقافية الإيرانية

طريق الحرير البحري ( راه آبي ابريشم ) ، الفيلم الذي عرض في الكويت ضمن أسبوع لأفلام السينما الإيرانية، أقامته الاستشارية الثقافية الإيرانية

الفيلم أخرجه وكتبه للسينما محمد بزرك واشترك في التمثيل نخبة من نجوم السينما الإيرانية منهم بهرام رادان ، داریوش ارجمند، رضا کیانیان، بكاه آهنكراني، بیام دهکردي، مهدي میامي، محسن حسیني، فرشید صمدي ‌بور، هوشنك قوانلو، محمدعلی قویدل، حمیدرضا میلا وعزت‌الله انتظامي ، بالإضافة الى بعض الممثلين من الصين وتايلاند .وقد نال الفيلم جائزة السيف الفضي بمهرجان ” وارسو ” للافلام التاريخية والعسكرية في بولندا.

تاريخيا، بدأ طريق الحرير البحري منذ عهد أسرة هان، في الصين، بعد أن تمرس الحرفيون المهرة على بناء سفن تسمح بركوب الموج العاتي للبحار التي تمر بها، مثلما تمكن نواخذتها من تقنيات الملاحة، كما ظهر في الفيلم بقراءة السماء عبر النجوم، وتسميتها، كما رأينا ملاح السفينة الشاب يعطي الأميرة خريطة للسماء لتضع اسمها بجوار أحد النجوم.

من الصين إلى العالم، عبر طريقي الحرير البري والبحري، سافرت بضائع مثل حرير القز  من جنوب نهر اليانغتسي والمناطق الساحلية، التي كانت قاعدة لصنع السفن إلى وراء البحار، وشق الإمبراطور وو دي 140ق.م –87 ق.م  ، من أسرة هان “طريق الحرير” البحري، ووصلت التجارة إلى قلب أوربا عن طريق الهند عبر البحار.

ويظهر تاريخ الرحلة في الفيلم أنها سابقة على رحلات أمير البحار سندباد الصين تشنغ خه بحار ، الذي درس الملاحة ومواقع النجوم وفن عبور المحيطات من السجلات الأجنبية المختلفة حول عبور البحار والفلك والجغرافيا وقيادة السفن وإصلاحها. وفي الفترة من عام 1405 ( عهد أسرة مينغ ) حتى عام   1433، قاد تشنغ خه أسطوله الضخم في رحلاته السبع البحرية مرورا بجنوب آسيا الشرقي والمحيط الهندي إلى مناطق آسيا وإفريقيا وأقصاها إلى البحر الأحمر وساحل إفريقيا الشرقي، وزار أكثر من 30 مقصدا في آسيا وإفريقيا، إنها الرحلة العكسية للفيلم، الذي وعد ربانها الصينيين بحسن استقبالهم.

ومثلما كان طريق الحرير بوابة للتعرف على ثقافات الشعوب الأخرى وعاداتهم، كان فيلم طريق الحرير البحري نافذة لقراءة ذلك، حين يتوقف في ميناء مسقط، بعد انطلاقة الرحلة من ميناء سيراف، الذي كان يعد من أهم المراكز التجارية في الشرق بحكم موقعه المتميز على ساحل الخليج العربي (خليج فارس في الفيلم بطبيعة الحال)، وقد بقيت مدينة (وميناء) سيراف تؤدى دوراً مهماً في حركة التجارة العالمية خلال القرنين الحادى عشر والثاني عشر الميلاديين إلى أن اغار عليها المغول ودمروها فإذا هي باطلال لا يقطنها سوى صيادي السمك.

الممثل داريوش ارجمند، الربان المتأنق الذي راح ضحية مخالفته لقوانين البحر

الممثل داريوش ارجمند، الربان المتأنق الذي راح ضحية مخالفته لقوانين البحر

في عالم ركوب البحار، نادرا ما توجد النساء، لذلك توقعت فيلما جافا لا تلوح به وجه امرأة، لكن سرعان ما وصلنا إلى بندر مسقط (عاصمة سلطنة عمان حاليا) لتظهر النساء، بداية، جَارِيَاتٍ يتم بيعهن، بين جورجية وزنجية وإيرانية، ولكن الأخيرة أميرة، تَعرّض قومها للغدر، حين هموا باستقبال سفينة، فإذا بها قراصنة يقتلون الرجال ويأسرون الحريم.

وبينما تموت الأم على ظهر السفينة مرضا تظل الأميرة تحتفظ بثيابها، حتى حين تُساق رغما عنها ـ لأن الأميرات لا يُبعن جاريات ـ إلى سطح إحدى السفينتين، لكنها تجبر شاريها القبطان ألا يمسها، وحين يحاول النكث بوعوده تحل اللعنة بالسفينة، ويقتل، بينما الجميع يعاني أهوال الموج وأعداء الملاحين، ويقود .

كرس الفيلم ظهور المرأة بشكل إيجابي، فبعد الصورة الأولية للأسيرات تحول النص السينمائي ليعلي من قدر المرأة، حيث حكمة الأسيرة، وكبريائها، بل ومروءتها وهي تسقي البحَّارة ما تبقى من مياه بعد أن طال السفر وغابت اليابسة.

ثم ظهرت المرأة، كذلك، حاكمة مستنيرة وكريمة، في أرخبيلات الجزر التي توسطت الرحلة عبر بحار فارس والهند والملايو وصولا إلى بحر الصين.

كانت الحكايات التي تروى عن طريق الحرير البحري تصور الطريق من الصين إلى الشرق الأوسط، هكذا كانت رحلات سندباد الصين ، وكانت بالمثل رحلة السفينة تانج، التي عرضها فريق ناشيونال جيوجرافيك والتي غرقت في المياه الاندونيسية قادمة من الصين في طريقها الحريري البحري لشبه الجزيرة العربية، لكن الرحلة العكسية تقدم رحلة الاستكشاف الأولى التي قادها عالم الفلك الإيراني، شاذان بن يوسف، ليتعلم ويعلم.

استطاع المخرج ـ كذلك ـ أن ينقلنا من سطح المياه إلى قلب النواخذة، ومن هياج الموج، إلى ثورة المشاعر، فهؤلاء هم الذين يعرفون أسرار الدبس (عسل التمر) ويمتشفون صلاحيته، هم يعرفون النساء ويخبرون مكرهن، وأولئك يصلون بإيمان لا يبغون إلا مرضاة الله ويرضون بقدره وعدله، موجودون مقابل من يؤمنون بالسحر والطلاسم، وقدرتها على تطويع الإنسان والجن، والبحر أيضا.

الحكايات المتواترة في الفيلم تعكس تواريخ أساطير، مثلما تقدم حكايات قصيرة موازية، وقيما أخلاقية، حيث تنتهي مصائر الخونة، دائما، بالوقوع في شراك أعمالهم الشريرة.

طريق الحرير متسع للثقافات جميعا، وقد عرف أفلاما تسجيلية كثيرة، لكن الطموح أكبر من التوقف عند أمير البحار الصيني، وعالم الفلك الفارسي، ورحالة إيطاليا الأشهر (ماركو بولو)، الأمر يحتاج إلى سرد قصص الرحالة العرب، برا وبحرا، هؤلاء الذي قدموا تراثا في أدبيات البحر وتراثه جديرة بأن تتحول أفلاما. ربما يدق هذا الفيلم باب المنطقة العربية لتتجه نحو هذا الطريق الحريري السينمائي.

أمام ملصق مهرجان السينما الإيرانية الذي استضافته قاعة السينما سينيسكيب في جاليري ليلى ، السالمية، الصورة بعدسة الروائي إبراهيم فرغلي

أمام ملصق مهرجان السينما الإيرانية الذي استضافته قاعة السينما سينيسكيب في جاليري ليلى ، السالمية، الصورة بعدسة الروائي إبراهيم فرغلي

One Response to طريق الحرير البحري … من التاريخ إلى السينما

  1. فاطمة الزهراء حسن رد

    31 ديسمبر, 2014 at 5:34 م

    مقال اكثر من رائع واستعراض وافي لتاريخ طريق الخرير بين الواقع والسينما
    ولعل الأديب والروائي اشرف أبواليزيد من أوائل كتاب أدب الرحلة العرب الذين كتبوا عن طريق الحرير وساهموا في تحقيق تاريخه وجغرافيته عبر العصور
    شكرًا لرئيس تحرير النسخة العربية لشبكة آسيا إن الكاتب والروائي اشرف أبواليزيد

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات