لغة الأشياء / بطلتي و«غوغل» !

09:53 صباحًا الإثنين 4 مايو 2015
باسمة العنزي

باسمة العنزي

روائية وقاصة من الكويت، فازت بجائزة الدولة التشجيعية، لها عمود أسبوعي في جريدة (الراي) الكويتية.

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

ذات مساء صيفي، وأنا أقضم اللقمة الأولى من بيتزا الخضار بالجبنة، وقبل أن أشرب كأس الكولا المملوءة حتى منتصفها بالثلج، جاءني اتصالها المفاجئ!

مرحبا، قرأت اليوم في الصحيفة خبراً عن روايتك، ألا تبدو البطلة كأنها أنا؟!

كانت مُلهمتي. كلُّ من قرأ الرواية رسخت شخصيتُها في باله أكثر من غيرها، قالوا لي: «رسمتِها بدقة»، و«كأننا نعرفها جيداً». صحيح أنني أخذت نصف الحقيقة والمتبقى مزجته بمحلول الخيال، وأنها كانت حاضرة في نهاري، وفي النسيج الروائي لعمل أمضيت تسعة أشهر وأنا أكتبه! ولكنها – لسوء حظي – بعد سنتين من النشر، تكتشف تقاطع سيرتها مع أخرى من ورق.

جلستْ ساعات تفتش في «غوغل» عن كل ما كتب عن النص والبطلة التي تشترك معها في بعض جوانب حياتها! حسناً لأعترف هنا: تشترك معها في أكثر من نصف جوانب حياتها الغريبة. كانت ليلة كابوسية، وزعت فيها الأسئلة المدببة والملاحظات المليئة بالشك، أخذت تقرأ على مسامعي آراء القراء والنقاد، وتتساءل عما قصدت، وأنا أبرر كما يبرر أهل الكتابة، أو الواقعون في ورطة:

إنها محض مصادفة! أصلاً من كتبتُ عنها لديها أربعة أبناء وأنت لديك واحد. هي طويلة وأنت قصيرة. عيناها سوداوان وعيناك عسليتان. ثم إنها ماتت في النهاية، وأنت حية ترزقين، فكيف أكون كتبتُ عنك؟!

بردت البيتزا. ذاب الثلج في قاع الكأس. أكلمها بتوتر وأحوم في المنزل، أغلق النوافذ، أفتح الثلاجة، وأشحن جهاز اللاب توب، أنهيت المكالمة معها بحجة أن هناك من يطرق الباب، بينما ظنوني تخلع أبواب الطمأنينة.

عدت إلى نسخة من كتابي، مسحت عن غلافه الغبار. أخذت أقرأ مجدداً المقاطع التي تظن أنها عنها! أصابني الرعب لو سقطت نسخة بيدها! هل ستبكي أسىً على نفسها؟ هل ستعجبها الشخصية التي أخذت دور البطولة في العمل بتلقائية مزيحةً من سواها؟ الدور الذي لم يُتح لها يوماً على أرض الواقع.

googledoodleأخبرت والدتي بالأمر وصديقتي وأختي، الكل شهق متعاطفاً معها! في اتصالها، لمحت أنها قرأت معظم ما كتب عن العمل، كانت تستخدم «غوغل» لمزيد من الأدلة. عندما طلبت مني نسخة ورقية أخبرتها بأنها نفدت، وهو الأمر الذي لم يتحقق يوماً، فالنسخ مكدسة في دار النشر وفي خزانتي. دخلت فراشي مضطربة. داهمني الأرق. ماذا لو حصلت على الرواية؟ هل ستنزعج من وصفي أم تُحرج أم تكرهني؟ في النهاية كلها مشاعر مؤذية، وهي شخصية مسالمة. ما الذي جعلها تقرأ صحيفة الصباح؟ نحن في مجتمعات لا تقرأ إلا مقررات الدراسة، وهي لا علاقة لها نهائياً بالأدب، طوال عمرها لم تقرأ رواية! استيقظتُ صباحاً بمزاج متعكر، فتحت جهاز اللاب توب، قبل أن أعدّ لنفسي إفطاراً، وبدأت أنقّح المخطوطة، بحيث أمسح كل ما يمكن أن يعزز شكوكها. أكملت عملية تزوير عملي. طبعت الأوراق، وفي صباح اليوم التالي، توجهت إليها متظاهرة بعدم الاهتمام:

هذه الرواية التي سألتني عنها، ليتك تضعين ملاحظاتك عليها وتعيدين إليّ النسخة.

فرحتْ، وشوشتُها أن تُبقيَ الأمر سراً بيننا، وراقها أن يكون الأمر على درجة عالية من الأهمية.

مرت أيام ولم تقرأ سوى عشر صفحات من العمل المنقح. مرت أسابيع، وكل مرة نلتقي تعدني ما إن تخرج رأسها من دوامة حاضرها حتى تتفرغ لأوراقي والتعليق عليها. مرت أشهر الصيف البطيئة، بعدها لم أعد أسأل، ولا أظنها قرأت صفحة جديدة من القصة التي هي بطلتها!

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات