السياسة ترقص فوق جثث الموتى

10:27 صباحًا السبت 11 يوليو 2015
نصير إعجاز

نصير إعجاز

محرر الصحافة الدولية، باكستان، كاتب في آسيا إن

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print
زيارة من يعانون من ضربة الشمس والجفاف في مستشفى محلي في كراتشي، باكستان، الاثنين 29 يونيو، 2015. (ا ف ب )

زيارة من يعانون من ضربة الشمس والجفاف في مستشفى محلي في كراتشي، باكستان، الاثنين 29 يونيو، 2015. (ا ف ب )

حرفيا، بدا وكأنهم يعيشون في الجحيم ولكن سرعان ما بدأت تهب نسائم البحر، مما أدى بشكل كبير إلى انخفاض درجة الحرارة في مدينة كراتشي الساحلية الجنوبية، حيث عم الطقس الحار والجو الرطب بشكل لم يسبق له مثيل مما أودى بحياة أكثر من 1300 باكستاني في غضون أسبوعين في يونيو من هذا العام 2015.

انخفضت درجة الحرارة بشدة من 46 إلى 33 درجة مئوية بسبب الرياح. ومرة أخرى، كان للطبيعة دور في إنقاذ المواطنين الذين كانوا يموتون بسبب ضربات الشمس وسط مزاعم متداولة بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة الباكستانية تحمل بعضها البعض المسؤولية عن حالات الوفاة .

لم يفعل أي من الأحزاب الحاكمة والمعارضة شيئا لتخفيف المعاناة لهؤلاء، إلا بإلقاء المسؤوليات عن كاهلها لتوضع على كاهل الآخرين، وواصلت رابطة باكستان المسلمة (PML-N)، برئاسة رئيس الوزراء نواز شريف، الذي يتولى المسؤولية على المستوى الاتحادي وفي ولاية البنجاب، أكبر محافظات البلاد من حيث عدد السكان، بالإضافة إلى تقاسم السلطة في الاقليم المضطرب بلوشستان، باتهام حزب الشعب الباكستاني (PPP)، الذي يسيطر على إقليم السند ويعد بمثابة حزب المعارضة على المستوى الاتحادي، وذلك لعدم قدرته على اتخاذ التدابير المناسبة. وانتقاما، اعتبرت PPP أن PML-N مسؤولة عن اغلاق الكهرباء لفترات طويلة في كراتشي وأماكن أخرى في إقليم السند.

أما تحريك الإنصاف باكستان (TIP)، بقيادة لاعب الكريكت السابق عمران خان، والتي تحكم في محافظة خيبرباختونخوا، في مقاعد المعارضة في الجمعية الوطنية، و الجماعة الاسلامية، وهي حزب ديني سياسي، مع الأطراف الأخرى فقد القوا مزاعم سخيفة على كل من حزب الشعب الباكستاني وحزب الرابطة الاسلامية. ومن المثير للاهتمام، إجماع الأحزاب الحاكمة وكذلك أحزاب المعارضة على إلقاء اللوم على شركة كراتشي للكهرباء (KE) كونها تزيد من مآسي المواطنين بانقطاع التيار الكهربائي خلال الحرارة المرتفعة.

 مخيمات المشارح التي تستقبل الجثث في ظل نقص الأماكن بالمستشفيات والمشارح

مخيمات المشارح التي تستقبل الجثث في ظل نقص الأماكن بالمستشفيات والمشارح

لقد تمت خصخصة KE، المعروفة سابقا باسم كراتشي الكهربائية والتي كانت تديرها الحكومة الاتحادية، خلال فترة الحكم العسكري للجنرال برويز مشرف ومؤخرا جدا تم تسميتها KE. لكن الحكومة الاتحادية لا تزال تحتفظ بنصيب 26 في المئة أسهم الشركة، التي تزود الكهرباء إلى مدينة ال 20 مليون نسمة. وقد أصبحت مصدر قلق خاص، إذ تلجأ إلى قطع التيار الكهربائي لفترات طويلة في معظم المناطق بحجة الخسائر الناجمة عن سرقة الكهرباء. و لا يسلم منها حتى المستشفيات بدعوى عدم دفع فواتير الكهرباء. وقد انتهت حياة معظم الضحايا خلال انقطاع التيار الكهربائي بسبب الطقس الحار والرطوبة والاختناق.

يتجاوز هذا الرقم من الضحايا 2000 شخص إذا أضفنا حوادث ضربات الشمس في مناطق أخرى من أقاليم السند والبنجاب وبلوشستان وخيبر المحافظات الأخرى . إلا أن الحكومة وأحزاب المعارضة ووسائل الإعلام تركز فقط على كراتشي، حيث كانت المستشفيات مكتظة بالمرضى الذين عانوا من ضربات شمس أدت لإعلان حالة الطوارئ في جميع المستشفيات بالمدينة. ولم يعد بالمستشفيات ولا المشارح مكان للحفاظ على الجثث وأعلنت المستشفيات وبعض المنظمات غير الحكومية عدم وجود إمكانية لدى المشارح، وأقامت بعض المنظمات الدينية خيمة على جانب الطريق باسم “مستودعات الجثث لحالات الطوارئ”.

العدد الإجمالي للوفيات غير معروف، فالعديد من الوفيات لم يبلغ عنها، مثل تلك التي حدثت في المنازل أو في العيادات الخاصة. وقد لقي أكثر من 1000 شخص حتفهم في كراتشي في غضون أربعة أيام منذ يونيو 20. في أيام لاحقة، وكانت الخسائر اليومية في كراتشي وحدها من 30 إلى 40. حيث شكل ارتفاع درجة الحرارة موجة من الجحيم استهدفت أكثر من 70،000 شخص في جميع أنحاء إقليم السند.

مراكز مؤقتة لتوفير المياه والطعام للمتضررين

مراكز مؤقتة لتوفير المياه والطعام للمتضررين

كشفت موجة الحر عن القوانين الهيكلية في كراتشي، والتي يتفشى فيها سوء الإدارة وعدم وجود نظام موثوق لإدارة الكوارث. يعاني المواطن حالة بائسة، لأنه لا يجد المكان في المستشفيات لتلقي العلاج ولا يجد مطرحا في المقابر لدفن أحبائهم. وعانت المستشفيات والمنظمات غير الحكومية مثل مؤسسة ادهي، وعي أكبر مؤسسة خيرية البلاد، من نقص سيارات الإسعاف خاصة ساعة الذروة عند حدوث إصابات المرضى بضربة الشمس ولدى نقل الجثث إلى المستشفيات. مآس تضاعفت أكثر مع وقف إمدادات المياه بسبب اغلاق الكهرباء. ومثل هذه الحالات يتأثر بها أكثر أولئك الذين يعيشون في الأحياء الفقيرة. مستشفيات القطاع العام، المتخمة بالمرضى، اضطرت لطلب المساعدة من المتطوعين والمحسنين لتوفير الثلج والماء والدواء وحتى الأسرة.

أعلنت حكومة مقاطعة السند إنشاءها لثمانين مركزا توفر الإغاثة في المدينة ولكن مع عدم وجود خطوات عملية. ومع ذلك أنشأت السلطات البلدية أكشاك المياه في بعض الأماكن. وأخيرا، كان على الجيش التدخل وإنشاء مخيمات في مستشفيات مختلفة لضمان توفير المياه والجليد والأدوية وأعمال الإغاثة والإشراف عليها.

وهكذا اختفت الدولة تقريبا، ويمكن فقط رؤية قادة الحكومات الذين يزورون المستشفيات لالتقاط الصور مع المرضى والموتى. في وقت لاحق، بدلا من اتخاذ بعض التدابير الملموسة للتخفيف من معاناة الناس، وقد قرر الرئيس التنفيذي في المقاطعة، في اجتماع رفيع المستوى، الإغلاق المبكر للتجارة والمراكز التجارية، وقاعات الزواج وغيرها لتوفير الكهرباء. كان القرار الأكثر إثارة للدهشة من الحكومة المحلية لتنظيم اعتصام عند بوابة التجمع ولاية السند ضد الحكومة الاتحادية وKE – كجزء من “لعبة اللوم” لتبرئة نفسها من المسؤولية من الكارثة. وفعلوا ذلك في اليوم التالي لمدة خمس دقائق الحصول على تغطية واسعة في وسائل الإعلام.

بعد خمسة عشر يوما من “لعبة اللوم”، جاء رئيس الوزراء نواز شريف، يرافقه جيش من الوزراء والبيروقراطيين، إلى كراتشي قادما من اسلام اباد وعقد اجتماعا مع رئيس الوزراء ومسؤولين آخرين رفيعي المستوى من حكومة المقاطعة لمراجعة الوضع. ما فعله رئيس الوزراء كان للتعبير عن الحزن العميق على وفاة هذا العدد الكبير من الناس وإخراج مقاطعة الإدارات الوطنية لإدارة الكوارث وتعلم درس من النمط الحالي لتغير المناخ وتجريب خطة شاملة للتعامل مع مثل هذا الوضع في المستقبل .

واضاف “ستكون تجربة عقيمة ألا نتعلم مما حدث. علينا تتبع الضعف والفشل في الجهاز الحكومي والتخطيط لتلافي الأسباب “.
كان عذر رئيس الوزراء البالغ من العمر 90 سنة سيد القائم علي شاه الذي برر به فشل حكومته أن:” موجة الحرارة كانت حادثة غير متوقعة. وكان مكتب الأرصاد الجوية قد أصدرت تحذير من الأمطار ولهذا فإن الحكومة مشغولة العمل على خطة طوارئ لمواجهة الأمطار الموسمية “.

وكان مسؤول كبير من السند، هو الصديق ميمون قد أطلع رئيس الوزراء أن 65 ألفا و533 مريضا تعرضوا لضربة الشمس ، وتم توجيههم إلى مستشفيات المدينة في حين أن عدد القتلى 1256. ووفقا له، فإن عدم التأقلم، لدى الأشخاص الذين يعيشون في المناطق والأحياء الفقيرة المزدحمة بالسكان هو ما أدى إلى تفاقم الوضع. “وكانت الشرائح الضعيفة والأطفال والعجائز، ومن لا يمتلكون مأوى والمتسولين والمدمنين على المخدرات الذين يعيشون على جوانب الطرق هم الأكثر من بين القتلى ” كما ادعى.

الآن، مع انحسار موجة الحر، تعود الأجهزة الحكومية للاسترخاء، بدلا من تنشيطه، واستباقها للتعامل مع الحالات غير المتوقعة في المستقبل. في الواقع، وبعد من الإهمال المزمن من قبل الحكومات المتعاقبة التهمت الخدمات الاجتماعية. وقد أصبحت اللامبالاة والتعاسة أساس الفساد المستشري داخل أجهزة الدولة. ينبغي أن يكون الوضع بمثابة إشارات تحذير للحكام الحاليين الذين يكرهون رؤية الوضع الحقيقي في البلاد.

One Response to السياسة ترقص فوق جثث الموتى

  1. Pingback: ماجازين إن: كحول وسيلفي ومعضلات أخرى | THEAsiaN | Arab

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات