مفتتح رواية | شبرا | للكاتب نعيم صبري

12:17 صباحًا الأربعاء 6 أبريل 2016
نعيم صبري

نعيم صبري

روائي من مصر

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print
غلاف الرواية

غلاف الرواية

ما أرحب هذا العالم الذي نعيش فيه، وما أدقه. اتساع لا نهائي من المجرات والأنجم، التي تتراقص الكواكب حولها وهي تدور حول نفسها، بإيقاعات مهيبة محسوبة لا تحيد.
عالم دقيق، في مستوياته اللامتناهية، والمتناهية، في مجراته وذراته، كياناته وخلاياه. دقيق… ورحب.
في هذا العالم الرحب، يقع حي شبرا، بمدينة القاهرة، بمصر المحروسة، بأقصى الشمال من القارة الإفريقية المترامية، عند لقاءها مع قارة آسيا، والبحرين؛ الأبيض والأحمر.
حي محدود في مدينة تاريخية عريقة، لكنه يمتلك رحابة متميزة من نوع خاص؛ رحابة الصدر. حي ذو صدر رحب يتسع للجميع كما سوف نرى؛ يتسع لي ولك… وللآخرين جميعاً.
يتحدثون الآن عن الآخر، وقبول الآخر… أي آخر؟!… لم يكن الآخر ذا وجود من الأساس، لم يكن معنى مُدركاً في الوعي الجمعي. يتحدثون عن قبول الآخر، وكأنه طلب عزيز المنال في أيامنا هذه، لكن ذلك حدث ببساطة فيما مضى، وكان يحدث كل يوم بتلقائية وسلاسة.
لا يهم من تكون؟… من أي الأعراق؟… من أي الأديان؟… بأي لغة تتكلم؟. المهم… أنك موجود… تعيش في حي شبرا آمنا مطمئنًا… تولد وتشب. تحب وتتزوج… تنجب الذرية… تربي الأبناء… يشب الأبناء ويعاودون الدورة، ثم ترحل في الأجل المحتوم.

الكاتب الروائي نعيم صبري

الكاتب الروائي نعيم صبري

(2)
كلما شعرت بالحنين؛ ذهبت إلى حي شبرا. كلما شعرت بالأسى؛ ذهبت إلى حي شبرا. كلما شعرت بالمرارة؛ ذهبت إلى حي شبرا.
لنبدأ بوصف سريع لحي شبرا. يقع حي شبرا بجوار محطة مصر؛ محطة القطارات التي تصل وتسافر، من وإلى أطراف مصر المحروسة. حي شبرا أول من يستقبل، وآخر من يودع. يلقاك حي شبرا أول ما تصل، فينطبع في ذاكرتك، ثم يودعك قبل الرحيل، فتتذكره دائمًا.
يبدأ حي شبرا بكوبري شبرا ونفق شبرا. تشاهد عليهما الباعة السريحة يدفعون عرباتهم، وحلاقي الفقراء، يعملون جنبًا إلى جنب مع ماسحي الأحذية.
لحي شبرا شريانان طوليّان؛ شارع شبرا وشارع الترعة البولاقية. يقال إنه كان ترعة فيما مضى. حدثني جدي فقال، إن شبرا كانت أرضًا زراعية في معظمها؛ لذلك فمن الطبيعي أن تكون بها ترع، وأصل كلمة شبرا في اللغة القبطية، “جبروا”، وتعني العزبة، والعزبة هي الخلية الأولى في مجتمع الزراعة، والتي تنمو فيما بعد إلى القرية.
يتفرع من شارع شبرا عدة شوارع رئيسية؛ بعد نفق شبرا، وعند نقطة التقائه مع كوبري شبرا؛ يتفرع من ناحية اليسار شارع جزيرة بدران، الذي كان يطلق عليه فيما مضى، “قصورة الشوام”؛ لكثرة ما به من قصور للشوام الذين يعيشون بحي شبرا. إذا تقدمت قليلاً في شارع شبرا، يقابلك شارع أحمد بدوى إلى اليمين؛ حيث يصل شارع شبرا بشارع الترعة البولاقية، ثم يقودك إلى منطقة الشرابية. نسير قليلاً في شارع شبرا بعده، نلتقي يسارًا بشارع مسرة، والذي يقودك إلى سوق الخضار بروض الفرج، يليه شارع طوسون فدوران شبرا. يلي شارع أحمد بدوى ناحية اليمين، شارع شيكولاني أو شارع المستشفى، فشارع يلبغا. من دوران شبرا، إذا اتجهت يسارًا فأنت في شارع روض الفرج، فحي روض الفرج الشهير بملاهيه فيما مضى، ثم المبيضة وساحل الغلال. إذا اتجهت يمينًا من دوران شبرا فأنت في شارع خلوصي، الذي يأخذك أيضًا إلى شارع الترعة البولاقية.
تستقبلك شبرا البلد بعد دوران شبرا، ثم الخلفاوي، فشبرا المظلات، التي تودعك إلى شبرا الخيمة.

هذا وصف عام سريع للمحاور بحي شبرا.
لحي شبرا معالم لابد أن الكثيرين منكم قد سمعوا بها، ولو بشكل عابر؛ سينما دوللي، سينما شبرا بالاس، سينما أمير بخلوصي، سينما الجندول الصيفية، مدرسة التوفيقية، مدرسة شبرا الثانوية، مستشفى كتشنر، جمعية المحبة القبطية الأرثوذكسية وملجؤها للأيتام؛ هذه يعرفها كل أقباط مصر؛ حيث إنها تقوم بطباعة التقويم السنوي الشهير، الذي يحتوي على نتيجة العام، وجميع الأعياد والصيامات القبطية، وتجد هذه النتيجة في جميع البيوت القبطية، وقد رأيتها في بعض بيوت المسلمين بشبرا.
من معالم شبرا الشهيرة أيضًا، سانت تريز، بعد دوران شبرا، والتي يشعل لها الجميع الشموع تبركًا ورجاءًا. هناك أيضًا البوظة بأول شبرا، وعلى رصاص صاحب ثلاجة البيرة المثلجة كالرصاص بالشارع الصغير المتفرع من شارع خلوصي ناحية الدوران.
يمتلئ حي شبرا بمحلات يدير بعضها الأجانب من اليونانيين والإيطاليين والأرمن، ويدير المصريون من أهل البلد بعضها الآخر؛ محلات بقالة وأفران إفرنجية وبلدية و خمارات. محلات جزارة ومحلات خضار وفاكهة. محلات عصير قصب ومحلات فراشة. محلات كشري ومحلات فول وطعمية. مقالي لب. هذا إلى جانب العديد من المقاهي البلدية.
حي لا هو بالحي الأرستقراطي، ولا هو بالحي الشعبي في مجمله؛ هو حي بين بين، تجد فيه الأسر الموسرة، والأسر محدودة الدخل، لكن ما يميزه هو رؤوس أبنائه؛ أقصد عقلياتها طبعًا؛ فهي عقلية الطبقة الوسطى التي كانت، العقلية المتفتحة للتواصل والتعلم والتفهم والتطور، وقبل ذلك جميعًا؛ المحبة وقبول الاختلاف؛ مما يجعل الحياة مع الآخرين متعة وهناء وعشرة طيبة.
(3)
والله العظيم دي مسخرة وقلة أدب… عشنا وشُفنا. دا بيت ناس محترمين… افتح البَاب أحسن لك يا قليل الأدب أنت وهو… على آخر الزمن شرموطة في بيت الحاجة فريدة والمرحوم محمود صدقي سويلم.
أخذت الست بطة تبرطم بملء فمها، وهي تخبط بكفها بقوة وعناد على باب شقة المرحوم محمود صدقي سويلم، بعدما أخبرها عليّ، ابن عم سيد البواب ذو الثلاثة عشر عامًا؛ أن سالم وصالح، أبناء الحاجة فريدة، قد اصطحبا معهما إلى الشقة فتاة غريبة، مستغلين غياب والدتهما وابنتها نادية والخادمة العجوز صف صف العبيطة عن الشقة.
توالت دقاتها المتتالية وبرطمتها الثائرة، وهي تقف مهتاجة، أمام باب شقة الحاجة فريدة. عندما يئست من فتح الأولاد للباب، أحضرت أحد كراسي السفرة وجلست متحفزة أمام باب شقتها المقابل لباب الحاجة فريدة جارتها، وقد التَمَّ الجيران يتفرجون على هذا المشهد الصاخب.
انفتح باب الحاجة فريدة فجأة وخرج منه صالح في حالة هسـتيرية صارخًا وهو يمسـك بأحد سكاكين المطبخ في يده:
– من يقترب منكم سأفتح بطنه بالسـكين.
بُهت الجميع لمنظر صالح وهو يصيح صارخًا في الجميع وملوحًا بالسكين في يده. كانت مظاهر الجنون تبدو على سيماه، بينما مرق أخوه سالم كالبرق وهو يمسك بيد الفتاة ويقفز الدرج كالسهم ساحبًا إياها خلفه، و الفتاة تولول في فزع عظيم.
دخل صالح إلى الشقة بعد الاطمئنان على نزول سالم والفتاة وتخلصهما من تلك الورطة، ثم صفق الباب بشدة خلفه، مغلقًا إياه في وجه الست بطة وبقية الجيران..

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات