صور إيزابيل ألليندي العتيقة: تاريخ نسوي للعالم

06:02 مساءً الجمعة 30 سبتمبر 2016
أشرف أبو اليزيد

أشرف أبو اليزيد

رئيس جمعية الصحفيين الآسيويين

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

imageيبدو إكليشيهيا القول إن سير النساء أمر موازٍ ومعادل لتاريخ الأوطان، لكن إيزابيل ألليندي تعيد تذكيرنا بذلك في روايتها “صورة عتيقة” حين تستعرض ذاكرة. نساء عائلة هاجرت من تشيلي إلى الولايات المتحدة.

ففي الوقت الذي ينشغل الرجال – هناك – بتدمير العالم، يظهر جليا انشغال النسوة بإعمار الحياة، وحين يشتعل البارود على الجبهة، فتسيل الدماء، ويتناثر الرماد، فيغشى البصر والفؤاد، تضيء هي الشمع بجانب الأسِرّة، وتنثر العطر فوق الشراشف، وتدبر حياة العائلة عاطفيا وماديا.
تأتي “صورة عتيقة” واسطة عقد ثلاثية نسوية، لسلالة من السيدات ذوات السطوة، بدأتهن بإلزا سوميرز في “ابنة الحظ” واختتمهن بكلارا وروسيا في “بيت الأرواح” ليجسدن معا سيرة وطنها على مدى قرن ويزيد.
مفاتيح الحكي في رواية “صورة عتيقة” هي تلك اللقطات الأرشيفية التي تستدعيها الكاتبة، كخيط بكرة صوف، غازلة منها حكاية وراء أخرى، وهي في أعمالها، كما نقرأ هنا، شهرزاد تشيلية تولد الحكايات من باطن حكايات أخرى، وعوضا عن ألف ليلة وليلة، ها هي تعرض لنا ألف صورة عتيقة وصورة.
يبدأ القسم الأول للرواية (١٨٦٢ – ١٨٨٠) في العام الذي استحضرت فيه قطعة أثاث من أوربا عابرة مياه الأطلنطي، وموانيء الهادئ حتى يصل سرير صنع خصيصا لعشيقة جد الرّاوية؛ باولينا دل بايي، في أوج سنوات الحرب الأهلية بالعالم الجديد في قارته الشمالية، ومن فلورنسا إلى كاليفورنيا يبدأ تاريخ المخدع ، المصور ببراعة، كديناصور خشبي ملون وثقيل ، يعلوه نقش غائر للإله نبتون محاطا بأمواج زبدية ومخلوقات تحت مائية ، بينما تتقافز عن قواعد سيقانه دلافين وترقص جوارها حوريات بحر.
هذا العالم الذي أحضرته العاشقة الخليلة من أوربا هو نقيض لما أحضره الرجال من مدافع وبارود وبنادق، فالسرير الذي احتضن باولينا يمثل فن أوربا الذي عشقته النساء وحاولت أن تورثه، وتفخر به، وتتخذه رمزا لأنوثة منتصرة، خاصة حين تتصفح الراوية صورة عتيقة أخرى لباولينا وهي تستند إلى وسائدها الساتانية المطرزة فوق سريرها الأسطوري، مرتدية قميص نومها الشاف بثقوبه، مثقلة بنصف كيلوجرام من المجوهرات!

هذا السرير الذي ترسله باولينا إلى القب حين تستشعر نهاية حياتها، لتنام على سرير زاهد بديلا، لكي تموت بدون فخفخة كما كتب مترجم الرواية الشهير صالح علماني، لعل القديس بطرس – كما قالت – يمحو ما سبق ويبدأ حسابا جديدا.

النساء في “صورة عتيقة” يصنعن كل شيء، وكأنهن يرسمن النهار لليوم، والشمس للسماء، فالأسرة المهاجرة لم تجمع ثروتها في حمى الذهب التي أتت بمعظم المهاجرين، وقطاع الطرق، والحالمين بالثروة، ولكنها غريزة تلك المرأة، التي تخون زوجها فيليثيانو لأنه سيّء.
فقد هدتها تلك الغريزة التجارية فكرة نقل منتجات طازجة من تشيلي إلى كاليفورنيا فوق بساط من ثلج المنطقة القطبية الجنوبية، ففي خضم تلك الحقبة الصاخبة بضجيج الحرب والهجرة وأتونهما، كانت الفاكهة الطازجة تساوي وزنها ذهبا. وتحولت الأسرة المهاجرة إلى ذراع استعمارية، كذلك، حين صدرت دقيق الشمال الناصع البياض، فلم يستطع دقيق الفلاحين التشيليين منافسته، فأكله في مخازنهم دود القمح، وأفلس العديد من هؤلاء المزارعين ، بمن فيهم أبو باولينا نفسه، وهي صورة ساخرة لكنها ناجزة في دلالتها، كيف يهدم المهاجر تاريخ أسلافه بعد أن تبنى قيم الربح، وحسب، في عالمه الجديد. رغم أن باولينا كانت تفك الخط بالكاد فأبوها المتعصب كان يؤمن بأن الجهل هو الضمانة لخضوع النساء والفقراء.
في القسمين الثاني؛ ١٨٨٠ – ١٨٩٦ ، والثالث ؛ ١٨٩٦ – ١٩١٠، لا تمل ألليندي؛ شهرزاد تشيلي، من استيلاد حكاية من أخرى، وهي تقلب الصور، وتتقلب بين المدن ، والقارات. لعلي بهذا المقطع من الرواية أقدم لأسلوبها:
“وصلنا إلى تشيلي بعد مرور سنة، حين كانت ثروة جدتي المتعثرة قد نهضت من جديد بفضل مضاربتها في السكر خلال حرب الباسيفيك. لقد أثبتت نظريتها صحتها؛ فالناس يكثرون من أكل الحلويات في الأزمنة السيئة. وقد توافق وصولنا مع تقديم سارا بيرنارد الفريدة لأكثر أدوارها في المسرح شهرة؛ غادة الكاميليا. لم تتمكن الممثلة المشهورة من هز مشاعر الجمهور، مثلما فعلت في بقية أنحاء العالم المتحضر، لأن المجتمع التشيلي المرائي لم يتعاطف مع الخليلة المسلولة، وبدا للجميع أنه من الطبيعي أن تضحي لتتجنب كلام الناس ، ولم يروا مبررا لكل تلك المأساة ولا لكل تلك الكاميليا الذابلة. وقد غادرت الممثلة المشهورة وهي مقتنعة بأنها زارت بلد حمقى خطرين، وهو الرأي الذي تشاطرها إياه باولينا دل بايي دون تحفظ. كانت جدتي قد جالت مع موكبها المرافق في عدة مدن أوربية، ولكنها لم تحقق حلمها بالذهاب إلى مصر، لأنها افترضت أنها لن تجد هناك جملا قادرًا على تحمل وزنها، وأنها ستضطر لزيارة الأهرامات مشيا على الأقدام تحت شمس كأنها المُهل الموقد.” (ص ١٥٤، صورة عتيقة، إيزابيل ألليندي، ترجمة : صالح علماني، دار المدى، دمشق، ٢٠٠١).
هكذا هي الصور العتيقة، هي مجرد لقطات pictures لكنها تقدم صورا ذهنية images ليس فقط عن الأشياء والنساء، ولكن، وبالتأكيد ، عن الأوطان، خاصة بين يدي كاتبة ترى أن التاريخ الحقيقي للعالم لا يكتبه الرجال، في قوتهم وضعفهم، ولكنه تاريخ النساء اللائي يرسمنه على هواهن، فهن نساء المتعة والعمل، ومغامرات الحل والترحال، وهن صائغات الأمس وصانعات المستقبل.

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات