2016 … عام “القاع”

08:30 مساءً الأربعاء 21 ديسمبر 2016
جلال نصار

جلال نصار

رئيس تحرير جريدة الأهرام ويكلي، مصر

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

العدد السنوي للأهرام ويكلي

العدد السنوي للأهرام ويكلي

تمر الدول والشعوب بدورات متعاقبة من الصعود والرفاهية ثم الإنهيار والإنحدار إلى الهاوية؛ ولأسباب كثيرة اصبحت تلك الدورات فى التاريخ البشرى حتمية وحددت إلى درجة كبيرة ملامح مصر والعالم ومنطقة الشرق الأوسط؛ تلك البقعة الاستراتيجية على الخريطة الكونية.
وبين الصعود والانحدار توجد دائما منطقة “القاع” التى تفصل ما بين المرحلتين ولعل حكمنا على عام 2016 فى عدد الأهرام ويكلى السنوى أنها سنة “القاع” التى شهدت ادنى نقطة للهبوط مع “أمل” فى بداية الصعود إلى مناطق أكثر أمنا واستقرارا ورفاهية فى عام 2017؛ حيث شهدت السنة التى تلملم أوراقها أحداثا عصيبة ودامية ومؤلمة على كل المستويات داخليا وإقليما ودوليا مما يرشحها لأن تكون سنة التحولات التى يؤسس عليها فى البناء لمستقبل مغاير عن واقع مؤلم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
فقد شهدت منطقة الشرق الأوسط وفى قلبها مصر رياحا شديدة امتدادا لرياح التغيير التى عصفت بها منذ 6 سنوات تحت مسمى “الربيع العربى” حتى أن ثلاثة3 دول منها أصبحت خارج التاريخ ووصلت لمرحلة الإنهيار التام هذا العام: اليمن وليبيا وسوريا ما بين انهيار مؤسسات وجيوش وملايين اللاجئيين يجبون الأرض شرقا وغربا بحثا عن خيمة يحتمون بها من مجهول وخوف وطبيعة زرعتهم فى أرض غريبة دون رغبة مسلوبين الإرادة ولم ينجو من هذا المصير سوى مصر وتونس ويقف العراق فى مفترق طرق محاولا استعادة الارض والسيادة على كل ارضيه وثرواته وموارده.
ويكفى أن نعرف أن الوطن العربي به 5%من سكان العالم و25%من سلاح العالم و60%من قتلى نزاعات العالم المسلحة خلال السنوات العشر الماضية لندرك المرحلة التى نحن بصددها وقابليتنا لكل مشروعات التقسيم وبأننا أرض خصبة لتنفيذ أى مؤامرة.

مارك سايكس و جورج بيكو مع عبد العزيز آل سعود في الخيمة التي تم فيها التوقيع على اتفاقية سايكس بيكو

مارك سايكس و جورج بيكو مع عبد العزيز آل سعود أمام الخيمة التي تم فيها التوقيع على اتفاقية سايكس – بيكو

لقد شهد هذا العام مرور قرن كامل على اتفاقية سايكس بيكو التى وقعت سنة 1916، وكانت اتفاقا وتفاهمًا سريًا بين فرنسا والمملكة المتحدة بمصادقة من الإمبراطورية الروسية على اقتسام منطقة الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا لتحديد مناطق النفوذ فى غرب آسيا بعد تهاوى الدولة العثمانية، المسيطرة على هذه المنطقة، فى الحرب العالمية الأولى؛ ويعيد التاريخ دورته لتحل الذكرى المئوية والمنطقة ممزقة مهزومة تتحلل بفضل عوامل التدمير الذاتى وأصبحت مهيئة لكل سيناريوهات التقسيم والتبعية تحت وطأة صراعات واطماع دولية وإقليمية لم تتغير ولم تتبدل عن ما شهدته المنطقة قبل عشرة عقود ومثلما كانت 1916 نقطة تحول كبرى فى تاريخ المنطقة والعالم فإن 2016 بحكم ما شهدته مرشحة لتلك المكانة فى “القاع” وبداية لتحولات كبرى من وجهة نظر شعوب المنطقة رغم استمرار انكار بعض من نخبتها لنظرية المؤامرة التى تعيشها المنطقة.
تلك النخبة التى لم تتعلم من دروس التاريخ البشرى وحروبه الساخنة والباردة فى تاريخنا المعاصر حيث كان الشرق الأوسط مسرحا لبعض منها؛ فخلال حقبة الحرب الباردة التى دارت وقائعها فى الفترة ما بين انتهاء الحرب العالمية الثانية سنة 1944 حتى انهيار الاتحاد السوفيتى سنة 1992 وظفت المنظومتان الشرقية والغربية كل ما بحوزتهما من عناصر للقوة، كالاقتصاد والتكنولوجيا والأجهزة الأمنية والثقافية والعلمية والإعلامية، لخوض الحرب بينهما ووظفوا منظومات صراع جبارة استخدم فيها عشرات الدول ومئات الملايين من البشر بكل ما تملكانه من إمكانيات مرعبة ومن المهم ايضا التذكير بأنه كان صراع ظاهره ايديولجى بين الاشتراكية والرأسمالية أو بين الشيوعية والليبرالية ولكنه فى جوهره صراع مصالح على مناطق النفوذ والثروة والنفط وها نحن فى نهاية 2016 نشهد وصول كل التجارب إلى نقطة القاع وطى صفحة فى تاريخ السياسة بمفهومها التلقيدى ونشهد صعود تيارات اليمين فى معظم الدول شرقا وغربا جنوبا وشمالا وهو ما ينذر بصدام محتمل على خلفية الصراع والمصالح جزء منه تحت ستار الدين والجزء الاخر تحت شعارات استعادة المكانة والهيبة والنفوذ.
لقد كانت مصر عام 2016 فى قلب الأحداث كشأنها على مر العصور؛ فشعبها الذى ثار فى 30 يونيو 2013 تصحيحا لمسار ثورة 25 يناير 2011 وأطاح بحكم الأخوان ومندوبهم فى قصر الأتحادية هو من غير معادلات وتوازنات المنطقة وما كان يخطط لها من صعود جماعى لتيار الإسلام السياسى فى دول الربيع العربى بل كل دول المنطقة تنفيذا لرؤية غربية ترى فى هذا التيار البرجماتى ضالتها القادرة على التعاطى مع كل تحديات المنطقة وخدمة مصالحه؛ فاليمين الدينى السنى والشيعى واليهودى كان لهم دور فى هذا المخطط على عكس ما كانت تراه نخبتنا من صدام محتمل بينهما.
إن عام 2016 بالنسبة للمصريين كان ذروة العقاب للشعب الذى ثار على الأخوان فكانت الحرب المعلنة على السياحة وتحويلات المصريين فى الخارج وتمويل ودعم جماعات الإرهاب المسلحة فى سيناء وعلى حدودنا الغربية فى ليبيا واستهداف الاقباط بهدف اشعال الفتنة والتأثير على الوضع الإقتصادى وتركيع الدولة المصرية للقبول بعودة الأخوان للمشهد السياسى على جثة مئات الشهداء من الجيش والشرطة والمواطنين الأبرياء؛ هذا الوضع الإقتصادى المتردى الذى حمل الحكومة على اتخاذ حزمة من القرارات الإقتصادية الصعبة والتى شبهها البعض بـ “الدواء المر” فكانت المرة الأولى فى تاريخنا الحديث أن تتعامل الدولة مع “المرض” وليس “العرض” فى عملية الإصلاح الإقتصادى التى بدأت بتحرير سعر الصرف ورفع الدعم الجزئى عن المواد البترولية وتنقية قوائم الدعم السلعى للمواطنين وهو ما كشف عن عجز حكومى واضح فى مواجهة ارتفاع الأسعار وضبط الأسواق ونقص السلع الاستراتيجية وتأثر قطاعات مهمة فى مقدمتها الأدوية والمستلزمات الطبية والإنتقال من أزمة إلى أزمة جعلت معظم طبقات المجتمع المصرى تصرخ من الأحوال المعيشية وزاد معها حد الفقر وزادت معها ما تبقى من الطبقى الوسطى المصرية عصب الحياة والحراك والتقدم فى كل مراحل تاريخ مصر المعاصر.
هذا إضافة لفوضى فى إدارة عدد من الملفات الهامة التى وصلت بنا إلى القاع فى عدد من القضايا والممارسات مثل ملف الإعلام والصحافة والعمل الإهلى وتدنى مستوى الخدمات فى التعليم والصحة والنقل والفساد فى منظومة القمح وأزمة الهجرة غير الشرعية وأزمة جزيرتى “تيران وصنافير” وتوابعها من تظاهرات وحبس نشطاء وشباب وازمة نقابة الصحفيين التى ارتبطت بأزمة الجزيرتين من ناحية الشكل واختلفت فى مضمونها.
إلا أن هناك بصيصا من الأمل يدلنا على الطريق نحو الخروج من القاع سريعا الا وهو هذا الكم الكبير من المشروعات العملاقة التى يتم تنفيذها على قدم وساق حيث وعد الرئيس عبد الفتاح السيسى بتسليم 1300 مشروع كبير قبل منتصف 2018 تعد قاطرة للإقتصاد والصناعة إضافة إلى صدور حزمة من القرارات التى تشجع مناخ الاستثمار الخارجى والداخلى وقرب تشغيل عدد من مشروعات البترول والغاز العملاقة فى 2017 وفى مقدمتها حقل زهر بالبحر المتوسط؛ إضافة إلى جرعة الأمل التى منحها مؤتمر شرم الشيخ للشباب بكل توصياته التى الزمت الدولة بتنفيذها.
يظل الأمل فى 2017 والسنوات التى تليها هو الوقود الذى يبقى المصريين على قيد الحياة بعد أن مرت عليهم 2016 بكل قسوتها؛ ويظل الأمل فى أن تستعيد سوريا وحدتها وأن تطرد كل الجماعات المسلحة تحت أسم المعارضة وتبدأ سريعا عملية سياسية يختار فيها السوريون رئيسا وبرلمانا ومؤسسات؛ وأن يستعيد اليمن بعضا من مقومات الدولة التى تعينه على اتمام عملية سياسية تنهى القتال وتوقف نزيف الدم والدمار؛ وأن يقف العالم إلى جانب وحدة ليبيا وجيشها الوطنى كى تكون قادرة على تطهير أراضيها من كل تيار العنف المسلحة تحت راية الدين وأن لا تنجر دول الخليج إلى حرب طائفية مع إيران الشيعية تؤتى على الأخضر واليابس فى كل دول المنطقة.
إننا فى هذا العدد السنوى من الأهرام ويكلى نرصد كل تلك التحولات والملفات داخليا وإقليميا من خلال شبكة كبيرة من المراسليين والمحلليين على أمل أن نخرج وقارىء الويكلى برؤية للتعامل مع أعوام مقبلة إن لم تكن خروجا من “قاع 2016” فمن المؤكد أن البديل نهاية مأساوية لكل مقومات الحياة فى الإقليم.

……………..

المقال الافتتاحي للعدد السنوي من الاهرام ويكلي بقلم رئيس تحريرها الأستاذ جلال نصار

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات