الخروج من المضمار الضيق في العلاقات الثقافية المصرية – الصينية

07:04 مساءً الثلاثاء 31 يناير 2017
أشرف أبو اليزيد

أشرف أبو اليزيد

رئيس جمعية الصحفيين الآسيويين

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

IMG_4300الصديقات والأصدقاء
طابت أوقاتكم

يمكننا أن نتحدث مطولا عن عمق ثقافتينا المصرية – الصينية، وقد نحكي عن التشابهات الكثيرة التي اكتشفناها حين اقتربنا من أصدقائنا في الشرق الأقصى، مثلما نحكي عن التباينات، وهي ليست قليلة كذلك، التي قد نحاول حصرها بين بلادنا والصين.

لكننا، وهذا أمر بدٓهي، نبقى كمثقفين، مثل كائنات دقيقة، أسرى ذلك الشريط الأبيض الضيق، في مضمار رملي داكن الحمرة، بملعب الحياة، الذي يضم الفريقين المتنافسين على العشب الأخضر، والجماهير المشجعة في المدرجات. نحن، المثقفين النخبويين، لا يتخطى تأثيرُنا ذلك الحيّز (the white track line ) الذي نشعر أننا نملكه، ونتحكم فيه، ونسيّره وفق ما نضع من خطط ثقافية سنوية وخمسية وعشرية، وجيلا بعد جيل، نقطع الزمن، أو يقطعنا، ولكن لا نزال نراوح أماكننا في ذلك الفضاء ، البعيد عن التأثير في اللاعبين الأساسيين، والبعيد، بالطبع، عن التأثير في جمهور عريض.

هذا ليس تقرير حال تشاؤميا، وإنما هو محاولة لقراءة الواقع، في بلدين هما الأكبر سكانيا في محيطهما؛ الصين في آسيا والعالم، ومصر في المنطقة العربية والشرق الأوسط ودائرة البحر المتوسط.

إن فضاءات التأثير لا تقتصر على الكتاب المطبوع وحده، وترجمة الأدبين المصري والصيني بلغتي شعبيهما، فالكتاب الورقي، مهما زعم القائمون على صناعته، يظل صناعة نخبوية، خاصة بعد القيود الصناعية والرقابية والاقتصادية التي جعلته يكاد يقبع بين السلع الكماليات، والحال نعرفه في مصر، التي لا يتجاوز فيها الكتاب المطبوع حاجز الألف نسخة، إلا نادرا، ناهيك عن حجم توزيع تلك النسخ، والمرتبط بشبكة إتاحته للجمهور من خلال المنافذ، وثمنه، ومجال قراءته في مجتمع يشكو من أمية القراءة، دون التطرق للأمية البصرية والثقافية.

إعلان المائدة المستديرة

إعلان المائدة المستديرة

فما هي تلك الفضاءات البديلة التي يمكن للثقافة، كمحتوى، أن تعبر فيه عن حضورها القوي بشكل أكثر اتساعا؟

التليفزيون، بداية هو ذلك التنين الأبدي الذي لا تنطفيء نارُه، ولذلك فإن المادة التليفزيونية المتبادلة بين الثقافتين يمكنها الإسهام في التعريف والتنوير بجانب الإمتاع، وقد يفكر القائمون عليه بعمل خطة طموحة لمدة عامين لعرض أسبوعي لأهم مائة فيلم صيني مترجمة على شاشة التليفزيون الرسمي المصري، بالتوازي مع عرض أهم مائة فيلم مصري مترجمة إلى اللغة الصينية على شاشة التلفزيون الرسمي الصيني. هذا الموعد الأسبوعي المتجدد سيتحلق حوله الملايين، هنا وهناك ، بما يمثل نقلة نوعية للتعريف بالثقافتين.

ولا يفوتني أن أشير إلى أن أغنيات مختارة، وأفلاما وثائقية نوعية، يمكنها معا أن تمثل رافدا يصل إلى أبعد من ذلك المضمار الضيق الذي تبيت فيه الثقافة مطمئنة إلى أنها أدت دورها بطباعة كتاب تذكاري أو إقامة ندوة ، أو إعداد مائدة مستديرة، نتحلق حولها، فنقول كلاما قد يكون مفيدا … لكنه يطير في الهواء.

كما أن المهرجانات ، بشكلها التقليدي، لن تكون أفضل حظا من الكتاب، إذ تظل دائرتها مغلقة على الفاعلين فيها والمتصلين بها، وهي أعداد حفنة، مهما كثرت، ولا تجتاز عتبة التأثير الثقافي خارج المضمار، كما أردت أن أوضح هنا.

ثاني الفضاءات هو المنتج الصناعي، حيث تستهلك الأسر المصرية المنتج الصيني في كل مناحي حياتها، ولا سبيل هنا لتعداد تلك المنتجات، ولكنني أتصور أن إضافة صفحة ثقافية في كل كاتالوج لمنتج صيني قد يكون ثورة ثقافية جديدة، وهي صفحة مترجمة إلى اللغة العربية قد تقدم حكاية شعبية، أو قصيدة كلاسيكية، أو لوحة تاريخية، أو نبذة بيوجرافية، لا شك أن هذا المنتج سيصل إلى أبعد من فضائنا الضيق، وقد تطور بعض الشركات الفكرة بطباعة كتيبات ثقافية طباعة اقتصادية التكاليف، ليكون لدينا جيل جديد من المنتج الثقافي ذي الانتاج الموسع. والأمر مماثل في المنتجات التي نصدرها إلى الصين، حين تغلف مع قصيدة لصلاح عبد الصبور باللغة الصينية، وتكون هذه، مع منتجات فكرية ابداعية مصرية أخرى، هدية من المصدِّر المصري إلى الشعب الصيني للتعريف بثقافة مصر ومبدعيها، وهذا التبادل الثقافي عبر المنتج الصناعي والزراعي سيصل إلى أيدي الملايين.

أما ثالث الفضاءات فهو التعليم، وربما يكون المحتوى التعليمي في التاريخ ذا حظ إذا تحدثنا عن علم المصريات الذي يدرسه العالم كله، ولكن ماذا عن حضور التاريخ المعاصر، وفِي الحالتين أنا لا أتحدث عن حضور من جهة واحدة، وإنما أزعم أن لطريق الحرير الثقافي اتجاهين علينا أن نمهدهما بالقدر نفسه من الإخلاص والدقة والغزارة.

ورابعا، فإن الملاحق الإعلامية الدورية، مثل الصين في أسبوع، أو الأسبوع المصري، حين تطبع وتوزع مع صحف كبرى، كالشعب في الصين، والأهرام في مصر، مثالا، يمكنها كذلك أن تضيف للتعريف بالثقافتين والأفكار المعاصرة.

ثم لنتحدث، خامسا، عن الانترنت، الذي أصبح محتواه متاحا للملايين، ورفد هذا المحتوى بما هو ثقافي، ولو كان مطبوعا ورقيا، سيوسع من دائرة التواصل بين الثقافتين، مع القراء في البلدين.

آخر ما يردني، هنا، هو الفضاء الخاص بالرياضة، وقد أتحدث عن دورة ألعاب خاصة تقام كل سنتين أو أكثر، تجمع في عدة ألعاب فردية وجماعية متنافسي البلدين، وأن تقام دورة في الصين، وأخرى في مصر، تتبادل بها المدن استضافة القرى الرياضية، واعتقد أن ذلك يفتح الباب للتعرف موسعا على الثقافتين، في إهاب الجو الذي يخلقه التنافس.

علي أن أختم بالاشارة إلى دور المؤسسات الخاصة، مثل بيت الحكمة، التي تطهرت من عقم المؤسسات الرسمية الروتيني، بحركتها المبادرة والفاعلة، لتصنع حالة ثقافية، رغم محدودية الكم الذي تضم من كوادر، ولكن لأن كلا من هذه الكوادر قد يمثل مؤسسة قائمة بذاته، وقد رأينا تكريم مؤسسها الشاب، الدكتور أحمد سعيد، في الصين، ورأيناه يمد ذلك الجسر وحده، كوزارة مستقلة، ولهذا نجح، وسينجح أكثر لأنه يؤمن أن علينا الخروج من شرائط المضمار الضيقة إلى الفضاءات الرحبة، خاصة ونحن، في مصر والصين، نمتلك المقومات، مثلما نستند إلى التاريخ العريق، والثقافات النوعية.

ولذلك أتمنى أن نخرج بتوصية لبيت الحكمة، أن يدعو المؤسسات التي يرى مخاطبتها، كي تنقل ما طرحت من أفكار إلى حيّز الفعل، وأن نلتقي، لاحقا، لنقيم التجربة، الخروج من المضمار الضيق، للتفاعل بين اللاعبين والتأثير في الجمهور.

شكرا لكم

……..

نص الكلمة التي ألقيت خلال المائدة المستديرة، قاعة أمل دنقل، ٣١ يناير ٢٠١٧

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات