ميس سايجون … في يوبيلها الفضي

01:35 مساءً الجمعة 10 فبراير 2017
فاطمة الزهراء حسن

فاطمة الزهراء حسن

مخرجة تليفزيونية، وكاتبة من مصر، مستشار شبكة أخبار المستقبل (آسيا إن)

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print
ميس سايجون تبكي حبيبها الفيتنامي

ميس سايجون تبكي حبيبها الفيتنامي

كانت مشاهدة العرض الموسيقي المسرحي الملحمي الأروع (ميس سايجون) 2016 في الاحتفالية التي أقيمت بمناسبة العيد الخامس والعشرين منذ تقديمها لأول مرةعلى خشبة المسرح – كانت فرصة استثنائية للاستمتاع بواحد من أهم أربعة عروض موسيقية مسرحية على مستوى العالم؛ بالإضافة إلى كاتس، البؤساء، وشبح الأوبرا.

بين الدهشة والحيرة

لطالما درسنا في كتب التاريخ الحديث عن تحطيم أسطورة الجيش الأمريكي، الذي غرق في مستنقع ڤيتنام ، وكيف تمكن هذا الشعب الآسيوي البسيط والمناضل من تلقين الأمريكيين درسًا قاسيًا لا يُنسى.

كانت دهشتنا كبيرة حقا عندما قررنا ـ أسرتي وأنا ـ زيارة ڤيتنام  العام الماضي لنرى بأعيننا هذه الدولة؛ العظيمة في تاريخها والساحرة في طبيعتها،  وإذا بنا نجد أنفسنا أمام حقائق مغايرة!

مهندس الحياة الليلية في سايجون

مهندس الحياة الليلية في سايجون

فمشاعر أهلها إيجابية تجاه الأمريكيين، وتساءلت: هل يمكن أن تصل إيجابيتهم لدرجة وضع سائقي السيارات علم الولايات المتحدة ليزين سياراتهم؟! هل يمكن أن تكون محلات الوجبات السريعة الأمريكية بهذه الكثافة؟ والأهم أن جيل الشباب يرتدي ملابس عليها أيقونات وعلامات تجارية أمريكية؟

الحقيقة أن الأمر كان محيرًا بعض الشئ وهذه الحيرة تتضاعف عندما تزور متحف مخلفات الحرب الڤيتنام ية، الذي يقع وسط مدينة (هوشي منه) سايجون سابقًا. فالصورة حاضرة وقريبة ومفزعة وهي لا تختلف كثيرا عما ترتكبه الدول الغازية المحتلة ضد أبناء الدول التي تستعمرها!!

لكن الحيرة والدهشة الحقيقيتين كانتا عند مشاهدة عرض (ميس سايجون).

كيم وكريس

كيم وكريس

حب من طرف واحد!

العرض المسرحي يحكي عن فتاة جميلة عذراء اسمها كيم، تمثل دور ميس سايجون، تقع كيم في غرام أحد جنود المارينز الأمريكيين ويسمى (كريس). تدفع ظروف الحرب ميس سايجون للعمل في ملهى ليلي … ليشعر الجندي الأمريكي بنقائها، ويقرر أن يرتبط بها. في هذه الأثناء يبحث عنها خطيبها توي؛ الجندي في الجيش الڤيتنامي، ويطلب منها الارتباط به، تماما كما وعدت هي والدها، لكنها ترفضه وتفضل البقاء مع حبيبها الضابط  الأمريكي.

والأعجب أنه حينما تنتهي الحرب بهزيمة الأمريكيين يبحث عنها مجددا حبيبها الأول الضابط الڤيتنامي، الذي أصبح قائدا كبيرا، ويطلب منها الزواج، بعدما غادر الأمريكان البلاد، لكنها تخبره بالمفاجأة؛ أنها أنجبت ولدًا من هذه العلاقة، وحينما يقرر أن يقتل هذا الولد لأنه نتاج علاقة مع المغتصب الأمريكي تصوب عليه الرصاص قبل أن يقتل ابنها الأمريكي !!!

ثم تحاول ميس سايجون السفر إلى أمريكا لتعيش مع زوجها وابنها بعد مرور ثلاث سنوات على الانسحاب الأمريكي من ڤيتنام .

على الجانب الآخر يعيش زوجها السابق مع زوجته الأمريكية ناسيا تماما أمر ميس سايجون، التي تكتشف أن زوجها قد تزوج وأنه غير مستعد للعودة إلى الماضي.

حينما تعرف زوجته الأمريكية بشأن هذه العلاقة السابقة وأن لزوجها ابنا من فتاة ڤيتنامية تغضب كثيرا، لكنه يخبرها أنه لن يتركها. وهنا تحدث المفارقة المستحيلة حيث تقبل ميس سايجون أن تترك ابنها لزوجها الأمريكي وزوجته لكي ينعم بالحياة الرغدة، بل وتتوسل للزوجة الأمريكية أن تأخذ ابنها لأنه لا مستقبل له إلا في الولايات المتحدة !! وفي الموعد المحدد يظهر الإبن مع والدته وهو يرتدي ملابس لونها أحمر عليها النجمة الصفراء التي تتوسط علم ڤيتنام  الموحدة  مرسوما عليها ميكي ماوس في إشارة للثقافة الامريكية ،وبعد أن تسلمه لوالده وزوجته تنتحر لتُنهي حياتها!!!

الملصق

الملصق

ما يحمله هذا العرض العذب المليء بالحيوية والإيقاعات والرقصات والأزياء والإضاءة التي لعبت دورا كبيرا في الأحداث – ما يحمله من دلالات ورموز وإشارات لا تبتعد كثيرا عما تطرحه آلة الإعلام الغربي عموما والأمريكي خصوصا التي تحاول دائما أن تخلق حقائق لا وجود لها لا سيما في أذهان الأجيال الجديدة التي قد تعتمد على المرئي والمسموع أكثر من اعتمادها على الوثائق وكتب التاريخ. فشركة يونيفرسال العالمية الأمريكية ،وشركة كاميرون ماكنتوش للإنتاج المسرحي البريطانية ،هما المنتجتان لهذا العرض المسرحي البديع. قد تكون هذه أحد الإجابات على أسئلة كثيرة تطرحها سايجون ،أو لنقل مدينة هوشي منْهْ؛ المناضل الثوري الأيقونة.

أدى دور المهندس الفنان جون جون بريونز، وقامت إيفا نوبل زاده بدور (كيم)؛ ميس سايجون، أما الضابط الأمريكي كريس فقام بدوره الفنان كريس بيلوسو، أما الضابط الفيتنامي (توي) فأدى دوره هو هونج.

سقطت سايجون

لقد تزامن سقوط سايجون ـ عاصمة القسم الجنوبي من ڤيتنام  والتي كانت مدعومة من المعسكر الغربي الأمريكي منذ التقسيم وفقا لإتفاقية جنيف 1954 وحتى انسحاب الجيش الأمريكي وسيطرة القوات الشمالية على الجنوب وإعلان قيام الوحدة 1975 ـ تزامن مع فترات حاسمة من تاريخ مصر الحديث في صراعنا مع الإحتلال الإسرائيلي  لجزء غال من أرض مصر وكيف كانت الولايات المتحدة الأمريكية تدعم العدو المغتصب بالسلاح والعتاد، ولكننا في النهاية تمكنّا من استعادة أرضنا المحتلة، وفرض السيطرة على كامل التراب الوطني في عام 1973 ولعل نصر الڤيتناميين على الأمريكيين كان يمثل نصرا غير مباشر لنا .. وكانت قصيدة الشاعر المصري الكبير أحمد فؤاد نجم (سايجون):

سايجون درة … يا ثوار

عادت حرة للأحرار

داحنا هنشبع بكره أغاني

اسمع واحفظ يا كتباني

واثبت عندك ف الأوراق

مصر بتنضح بالأشواق

مصر عروسة

وبكره عريس

والعشاق؟ احنا العشاق!

فينا ولينا وبينا الثورة

احنا الثورة وهي الناس.

 

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات