شبرا

10:21 مساءً الخميس 23 مارس 2017
نعيم صبري

نعيم صبري

روائي من مصر

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

بمناسبة مناقشة رواية ” الكاتب نعيم صبري شبرا فى بجمعية النهضة العلمية و الثقافية ، تنشر (آسيا إن ) هذه الفصول من الرواية
IMG_5073

(5)

اغتمت الحجة فريدة عندما عملت بالمصيبة من جارتها الست بطة بعد عودتها من المنيل. أقسمت ألا يبيت صالح في البيت. عنّفَت سالم بشدة، لكنها تعرف في قرارة نفسها أن صالح هو سبب البلاء، والعقل المدبر الذي ينقاد له سالم دائمًا. انتظرت حضور صالح دون جدوى. هام صالح على وجهه بقية النهار وردحًا من الليل. لا يجرؤ على الاقتراب من البيت. عزم على أن ينتظر توغل الليل قبل أن يتسلل عائدًا إلى البيت. تعبت الحاجة فريدة من الانتظار وغلبها النعاس. يعلم أنها لا تقوى على السهر. بعد منتصف الليل، تسحب صالح متلصصًا. لم يجد عم سيد البواب مكانه بمدخل البيت بجوار ثلاجة الكازوزة في ذلك الوقت من الليل. دلف من الباب سريعًا وقفز درجات السلم مسرعًا إلى شقتهم. كان الظلام والنعاس ينبعثان من شقق البيت. دس المفتاح بهدوء في الباب و فتحه ببطء. تسلل إلى داخل الشقة على أطراف أصابعه وأغلق الباب وراءه بحذر. توجه إلى غرفته التي يقتسمها مع سالم. خلع ملابسه بهدوء واندس في فراشه. راح بعدها في نوم عميق بعد عناء اليوم العصيب.
هو يعرف ما سيحدث في اليوم التالي. ستجيء الحاجة في الصباح لتوقظه وهي ثائرة. قم يا كلب يا مكسور الرقبة… انهض يا شيطان… لك عين تعود إلى هذا البيت الذي دنسـته. لو كان المرحوم أبوك موجودًا لعرف كيف يؤدبك ويكسر شوكتك. ملعونة البطن التي حملتك…
مضت الحاجة فريدة في غضبتها و صالح لا ينطق بكلمة واحدة. ظل مطأطئ الرأس وهو جالس على حافة السرير كالصنم. يحدث هذا مع كل فصل من فصوله السخيفة، لكنها زادت هذه المرة كثيرًا عن سابقاتها.
(6)
المهندس إميل فرنسيس زوج الست ليزة مالكة بيت شارع الزهور، والتي يناديها الجميع الست بطة؛ اسم على مُسَمَّى. امرأة ممتلئة تتهادى في مشيتها كالبطة وأردافها الضخمة تعلو وتهبط بانتظام. خرج المهندس إميل على المعاش منذ أكثر من عام بعد خدمة طويلة في نشاط المقاولات. عمل مهندسًا مدنيًا مع العديد من المقاولين المصريين والأجانب. يعتز بمهارته الفنية ويدعي وهو يضحك من قلبه ضحكته الصافية المتقطعة، أنه لو أسس شركة مقاولات خاصة منذ بداية عمله، لأصبح الآن مقاولاً كبيرًا قد الدنيا. هذا ما يعتقده الباشمهندس إميل. لكنه في الحقيقية مجرد كلام، فهو لا يجيد إلا دور الموظف الذي يقوم بأداء المهام الموكلة إليه بشكل جيد. يحب أن يعود إلى بيته بعد نهاية يوم العمل، فيستريح قليلاً، ثم يستمع إلى الراديو، أو يلعب عشرتين طاولة مع جاره فهمي أفندي عبد الفتاح، الذي يسكن بالطابق الأسفل.
المهندس إميل خفيف الظل ومهزار. يميل دائمًا إلى مناوشة زوجته الست بطة، التي يدعي أنها تكبره بعدة أعوام، فتثور ثائرتها لتشنيعه عليها. تُقسم أنها أصغر منه فيكذّبها بهدوء أعصاب يحسد عليه مما يثيرها أكثر فأكثر، كل هذا وهو مستمر في ضحكته المتقطعة الصافية. يُطيِّب خاطرها بعد قليل عندما تشرع في البكاء. هو طيب القلب ومسالم جدًا، لكنه يعشق الهزار والمشاكسات السلمية. يعاود دائمًا مشاكسته بموضوع كبر سنها عنه، فتعاود الثورة عليه ليأخذ في الضحك من جديد، وجسمه الممتلئ يهتز من فرط استغراقه في الضحك ويتكرر السيناريو.
المهندس إميل لا يخرج من البيت إلا للضرورة القصوى، خشية لسان الست بطة السليط. مازالت تشعر بالغيرة عليهن ولا تكف عن البرطمة إذا ما فكر في الخروج بمفرده. ينتهي الأمر بأن يقلع عن فكرة الخروج رغم مشاكساتها السلمية، فهو يعمل ألف حساب للست بطة؛ لذلك أقلع تقريبًا عن الخروج. الست بطة قوية وأريبة وهو مسالم وينأى بطبيعته عن أي صراع، فيما عدا الهزار البريء، الذي يبرع في إدارته بعفوية يُحسد عليها. ربما تكون تلك المناوشات الظريفة الاستفزازية مع زوجته نوعًا من تخليص الحق، ولا نقول الثأر منها لهيمنتها عليه وتسلطها. المهندس إميل قلبه كبير ولا تدخله رغبات الثأر مطلقًا.
خرج المهندس إميل من الحمام بالفانلة واللباس بعد أن أخذ دشًا باردًا بعد قيظ النهار. يفعل ذلك دائمًا رغم إقامة إلين، أخت الست بطة، معهم. إلين تصغر أختها الست بطة بعامين ولم تتزوج. تضع عينًا زجاجية بعد أن فقدت إحدى عينيها في الصغر. لها أنف عظيم يملأ صفحة وجهها النحيف فيصبغه ببعض الدمامة. تعلمت الخياطة وتقوم بحياكة ملابسها وملابس الست بطة. تجيد الطهي، على العكس من أختها، تضطلع بالمطبخ بمفردها، بالاستعانة بوهيبة الخادمة، ذات الثمانية عشر ربيعًا. إلين على قدر من السذاجة، لكنها سذاجة لا تصل إلى مستوى العبط. سذاجة قلة الخبرة. تذهب إلى الكنيسة بانتظام أيام الأحد والجمعة وفي الأعياد وتصوم جميع صيامات الأقباط، الصيام الكبير والصيام الصغير وصيام السيدة العذراء وصيام الرسل، تصوم حتى صيام يونان الذي ابتلعه الحوت، كما تصوم أيام الأربعاء والجمعة، حتى أصبحت رائحتها مقترنة برائحة الزيت. لم تسلم إلين من سخرية الباشمهندس إميل، خاصة فيما يتعلق بحنبليتها في الأمور الدينية. يتلذذ بخروجه من الحمام بالملابس الداخلية ومشاهدتها إياه. الست بطة يئست من اعتراضها عليه ولومه على ذلك التصرف الإباحي. انتهى بها الأمر إلى التسليم والرضوخ للأمر الواقع نتيجة لمواجهته لبرطمتها دائمًا بالضحك المستمر. يفاجئ الباشمهندس إميل إلين والست بطة بنكاته الإباحية الخارجة، مما يثيرهما عليه، فتغادران مكان وجوده اعتراضًا.
لم تنجب الست بطة إلا ابنها الوحيد ميشـيل، والذي جاءها على كبر. ميشيل يبلغ من العمر عشرين عامًا ويدرس بكلية الزراعة.
ارتدى المهندس إميل البيجاما وانتعل شبشبه ثم أبلغ الست بطة أنه سينزل لشراء الدخان من محل نسيم، بياع السجاير والحلويات. موضوع نزول الشارع بالبيجاما والشبشب هو الموضوع الآخر الذي يئست الست بطة من محاولة إثنائه عنه، فاستسلمت له أيضًا. طلبت منه أن يشتري ثلاثة أرطال لحم كندوز من إبراهيم الجزار. أعطته النقود فأخرج بطاقته الشخصية من جيب البيجاما العلوي، وأضافها إلى نقوده التي يحتفظ بها دائمًا في البطاقة. المهندس إميل تعود على إعطاء معاشه إلى الست بطة أول كل شهر وأخذ مصروفه الشهري.
ذهب المهندس إميل إلى محل إبراهيم الجزار أولاً. حياه وطلب منه اللحم وهو يوصيه باختيار قطعية جيدة، إكرامًا للست بطة وتحاشيًا لغضبها. إبراهيم الجزار دبلوماسي ومهذب. يقنعك بأنه سيعطيك أحسن اللحم، لا يمنع ذلك من تمريره لقطع من اللحم العجوز والذي لا ينضج بسهولة. يستطيع بمهارة امتصاص غضبك في المرات اللاحقة بابتسامته الودود وصوته الخفيض. يقف بين صبيانه ومساعديه كالمايسترو، يقطع بالساطور ويُشَفِّى بسكينه الحاد. يشارك صبيانه في العمل بيده. تراه أحيانًا يرتدي القميص والبنطلون بدلاً من جلبابه الأبيض المعتاد، رغم ذلك يعمل بهمة وجدية دائمًا.
أخذ المهندس إميل اللحم وعرّج على نسيم، اشترى علبتيى سيجار توسكانيللي الذي يدخنه دائمًا، مما صبغ أصابع كفه اليمنى باللون البني، حيث إنه يدخن السيجار حتى أخره، ولا يكف إلا عندما يلسعه العقب في شفتيه.
عاد المهندس إميل إلى البيت، ووضع اللحم بالمطبخ. كانت الست بطة تقف أمام السلم الخشبي النقالي، المستند إلى عتب باب الحمام، والذي تعلوه الصندرة، بينما تقوم وهيبة بتخزين البصل في الصندرة، تحت إشراف الست بطة، وتعليماتها بفرد البصل على أرضية الصندرة لتهويته جيدًا.
(7)
في شبرا، يُخَزِّن الناس البصل والثوم في الصندرة لاستهلاك العام، كما يجففون الملوخية والبامية للشتاء، يسمونهما الملوخية الناشفة والبامية الناشفة. يصنعون البامية عقودًا، مستخدمين الخيوط لتعليقها في الشرفات حتى تنشف. يجففون كذلك قُرَص الخُضَارة المصنوعة من السلق والكزبرة الأخضرين ويعلقونها أيضًا على حوائط الشرفات لاستعمالها في طهي القلقاس والبامية بالخُضارة. يخزنون أيضًا السمن البلدي من العام للعام في براني بنية اللون مصنوعة من الفخار، كما يصنعون المربات في البيوت في مواسم الفواكه المختلفة ويخزنونها في برطمانات زجاجية لاستعمال العام. الخير كتير، لكنهم دائمًا يصنعونه بأيديهم وفي بيوتهم. لم يكن السوبر ماركت معروفًا في تلك الأوقات.

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات