إعلاميون في المعبد البوذي

07:35 صباحًا الأربعاء 17 مايو 2017
د. حسن حميدة

د. حسن حميدة

الدكتور حسن حميدة كاتب لأدب الأطفال واستشاري تغذية في المحافل العلمية الألمانية

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print
الاعلاميون والبوذيون والعلماء

الاعلاميون والبوذيون والعلماء

أوشك ثاني يوم للقاء مجموعة الإعلاميين الآسيوين على الإنقضاء بإنتهاء آخر لقاءت اليوم. عندها أتى الصحفي المؤسس لهذه للمجموعة الإعلامية الآسيوية السيد سانج كي لي، وبصحبته مساعدته الإعلامية السيدة جريس سيو، وكانت سمة إبتسامة تفاؤل تعلو وجهيهما الاثنين. قال السيد سانج كي لي لضيوفه: سوف تكون رحلتنا في يوم الغد حسب تسلسل برنامجنا للمعبد البوذي وعقب: سوف ننام ليلة هناك. ثم أردفت السيدة جريس سيو: إنها منطقة جميلة، تقع على الجبال العالية، ذات طبيعة جميلة وهواء نظيف. وسوف تنال إعجابكم بالطبع. وفي صباح اليوم التالي أتى البص السفري المجهز مبكرا للفندق، مكان المشاركين في المؤتمر. وكان يقف أمام البص منتظرا رئيس مجموعة الصحفيين الآسيويين السيد أشرف أبو اليزيد، الذي حضر ليلا في رحلة بعيدة لمتابعة مجريات اللقاء الإعلامي الهام في كوريا الجنوبية. ووقف يحي المشاركين في المؤتمر الأول فردا فردا. حيث إكتمل عدد الحضور للرحلة والذين بلغ عددهم الأربعة والعشرون مشارك ومشاركة. وعندها إنطلق بنا البص مسافرا.

وفي البص المزود بكل ما يلزم من متطلبات الرحلة. تناول السيد أشرف أبو اليزيد، رئيس الجمعية الإعلامية الميكروفون ورحب بالحضور في البص، ثم دعاهم لتقديم أنفسهم الواحد تلو الآخر. وهاهو البص ينطلق بنا إلى عالم آخر، عالم المعابد والروحانيات. وبعد السفر المتواصل ولعدد من الساعات، توقف بنا البص للإستراحة والإستجمام في منطقة تقع في منتصف المسافة. وحللنا بمطعم في الطريق يشتهر بالطعام الكوري البلدي على أصوله. وتناولنا فيه الطعام في مجموعات وفي جلسات مميزة على الطريقة الكورية. وكنا وقتها نجلس بإسترخاء على الأرض وأمامنا طاولات زاهيات وقصيرات العلو، توزعت عليها أطباق طعام شهية وأكواب جميلة للشرب. ووقتها تناولنا أطراف الحديث بأخوية مع بعضنا وأكلنا وشربنا ما أعد لنا من وليمة بنفوس مفتوحة. وهذا لطول المشوار وبرودة الجو الذي أمطر في خارج المطعم الدافيء. لقد حان الوقت لمواصلة السفر بعد إنتهاء تناول وجبة سريعة على الطريق السفري. وصعدنا مرة أخرى لبصنا وسافرنا. واصلنا السفر إلى أرض المعابد والروحانيات.

كان وقتها في خاطري المعبد البوذي، موقعه، لونه، شكله وكيف يكن؟ وهذا خصوصا لعدم رؤيتي لمعبد بوذي من قبل، لم أدخله من قبل ولم أنم فيه. وهاهو البص يصل بنا إلى نقطة قبل النهاية، وهانحن نتلقى معلومة من مرافقة البص الكورية، التي أذنت لنا بالنزول من البص الكبير، وإستبداله ببص صغير، يتيسر عليه الصعود إلى قمة الجبال. ثم أردفت: علينا بترك متاعنا هنا في البص، وسوف نتلقى كل المتاع في المعبد البوذي، حيث تأتي لنا به سيارة أخرى في غرفنا هناك. ثم قلت لنفسي: يا له من نظام تام ويا لها من دقة متناهية. وهانحن ننزل من البص كبير، ونصعد لبص صغير، وهاهو ينطلق بنا رغم صغره إلى أعلى الجبال، وكأنه طائرة تتأهب للإقلاع. وأخيرا يصعد بنا البص الصغيرعبر طرق ضيقة، ويتوغل بنا إلى قمم الجبال. كانت الطرق ضيقة ومتعرجة يصعب وصفها. أذكر منها: جبال تقع بين جنوبها أودية توزعت على حوافها الصخور، تتدلى من قممها شلالات متدفقة، يتلاطم ماؤها مع الصخور المتوزعة بترامي، محدثة خرير للماء، الذي يندفع بقوة ويزيد جريانه لأسفل الجبال.

لقد حطت الثلوج البيضاء على قمم الجبال وغطت عليها، وحفت الجبال الغابات ذات الأشجار المعمرة والشجيرات التي بدات تودع فصل الشتاء البارد، مكسوة ببداية خضرة خفيفة اللون. وعلى الطريق المحفوف بالأشجار، منها المستقيم، ومنها المائل، ترامت أفرع الأشجار على البص الصغير، وبنت عليه عروشها وكأنها تحميه من السقوط من جنوب الجبال والوقوع في القاع الجبلي بين الصخور. يا لها من طرق، ويا لها من دروب، ويا لها من طبيعة ساحرة وغناء. وهانحن الآن في المعبد البوذي. لقد وصلنا المعبد البوذي بسلام ووصل معنا متاعنا كما وعدت مرافقة البص في نفس الآن. والذي حمل ووضع لنا بنظام في غرف سوف نتشاركها في النوم. ونحن في طريقنا للمعبد البوذي، يلتقينا في مدخله الراهب البوذي الكبير، فهو بروفيسور في عالم اللاهوت والبوذية. يحيينا الراهب بحرارة ويستضيفنا بكرم وشهامة تزينها شيمة خشوع ديني عميقة. ثم يأتي زملاءه من راهبين وراهبات، يحيونا بإحترام وتبجيل وكرم كوري فياض. يقومون على أمرنا، يزودوننا بالملابس القطنية المريحة التي يستعان بلبسها في المعبد البوذي والتي تميزت بجودتها، دفئها وحدتها وبساطتها. ثم إتجهنا من بعد ذلك لتفقد غرفنا للمبيت.

وكانت الغرف المشتركة مزودة بتدفئة أرضية وومخدة لوضع الرأس ومرتبة غير سميكة للنوم وغطاء نوم رفيع. ثم أذن لنا بعد وضع متعنا وتغيير ملابسنا بلتفضل لتناول وجبة العشاء. وكانت الوجبة المعد لنا في صالة كبيرة لتناول الطعام بنيت من خشب جميل، وضعت فيها طاولات وكراسي جميلة للجلوس. وفي الصالة وقف الراهبون والراهبات من المعبد البوذي وزودونا بكرم بالطعام والشراب. وكان الطعام في المعبد على الطريقة البوذية من النباتات والخضروات والحبوب وخالي من اللحوم. وكان الشراب مكون من الماء أو الشاى. وبعد تناول العشاء، قدمت لنا الدعوة لتناول الشاى على الطريق البوذية. وجلسنا جميعا، حيث أتي لنا بمعدات الشاي الكورية الأصلية، ثم الشاي والماء المغلي. ومن بعدها أعددنا الشاي بأنفسنا وبطريقة شبيهة بإجراء تجربة كيميائية في المعمل الكيميائي. وهذا فقط للتوضيح: لون ورائحة وطعم ومفعول الشاى تتغير بعد كل خطوة لإعداد الشاي. وهذا مبنيا على خطوات تخفيف الشاي بالماء، المدة الزمنية التي يستعان بها ليحل الشاي. ثم طريقة شرب الشاي، فترة تركه في الفم، إحتكاكه باللسان ثم بلعه. وعندها يختلف الشاي رائحة ولونا وطعما ومفعولا.

لقد كانت تجربة فريدة لشرب الشاي على الطريقة البوذية والتي إستمرت لساعتين كاملتين أستفدنا وخبرنا منها الكثير. ثم أعقب ذلك ثلاثة محاضرات ثريات بالمعلومات عن الطعام الكوري والماء وقوته. وكان من المحاضرين موظف من هيئة السياحة الكورية وبروفيسور في الكيمياء الحيوية وبروفيسور في علوم الفضاء. لقد ولى المساء وحان وقت النوم، حيث إتجهنا لغرفنا المدفئة أرضيا للنوم، تارة يداعب خيالنا تناول الطعام وتارة يلاعب خيالنا إعداد الشاي علي الطريقة البوذية. وهاهو النعاس يداهمنا وتسترخى أجسادنا بإنهاء يوم طويل وجميل. الجو يمطر في خارج الغرفة المدفئة أرضيا، سكون الجبال يحف المعبد البوذي الآمن، ليل حالك أسدل ستاره على الكون الساكن، فيه لا تسمع غير خرير ماء الشلال بين الصخور وإنسياب ماءه متدليا على النهر، يجري ويرتطم مزمجرا على الصخر.

نمت أول ليلة لي في المعبد البوذي، وكانت تلك اليلة هي أجمل مما كنت أتصور. كانت أجمل ليلة أنمها في حياتي، في طبيعة هادئة وأرض مدفأة لا غير. وفي صباح اليوم الثاني بدأت مراسم الصلوات البوذية مبكرا، ثم التجوال في فناء المعبد وتلقي معلومات وافية عن نشأة المعبد، وتاريخه ومستقبله، والقائمون على أمره ودوره في حياة المجتمع الكوري. الوقت يجري، ولم يتبقى لنا منه الكثير، وهاهم السياح والزوار يتدفقون على أرض المعبد البوذي العريق. لقد حان الوقت لمغادرة المعبد الخالد ومواصلة اللقاء الإعلامي الدولي خارج المعبد البوذي. وهاهم الراهبون والراهبات يودعوننا بحرارة، وعلى وجوههم الخاشعة إرتسمت علامات حزن لمغادرتنا لهم. هنا وهناك صور جماعية معهم، يحملون لكل منا وبكفين هدايا رمزية وذات معني. هدايا منهم صنعت في المعبد وكتب كتبت في المعبد. هدايا وكتب تذكارية لنا نحن الزوار ويقولون وداعا. ونحن نركب البص، نلوح لهمن وهم يلوحون لنا مودعين، على أمل أن نلتقيهم مرة أخرى أو لا ننساهم. نحن في سفرنا الطويل، وهم في معبدهم البوذي البعيد.

 

 

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات