جعلوني بوذيّا! | 24 ساعة في معبد المائة بِركة

10:30 صباحًا الأحد 4 يونيو 2017
أشرف أبو اليزيد

أشرف أبو اليزيد

رئيس جمعية الصحفيين الآسيويين

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

 

جبل سوراك خلف معبد بايكدامسا Baekdamsa

جبل سوراك خلف معبد بايكدامسا Baekdamsa

تأكد لي ما ظننته مسحة من خيال؛ وهو وجود علاقة ثلاثية راسخة بين الرهبان والشعر والجمال، وأن هذه الرابطة لم تنفك أبدًا، في كل ما رأيته هنا، حيث بدا لي أن داخل كل راهب حبا للجمال، وغواية للشعر، يغذي كل منهما الآخر، ويرفدان معا تلك النفوس الهادئة ذوات الابتسامات الصافية.

كنت أجيب نفسي في حوار داخلي ونحن نصعد شمال سيول، عاصمة جمهورية كوريا (كوريا الجنوبية كما شاع وعُرف اسمها)، قبل أن نأخذ الطريق باتجاه قمة جبل داي شيونج بونج Daecheongbong  حيث سنكون على موعد في معبد بايكدامسا Baekdamsa  وهو اسم يعني حرفيا معبد المائة بِرْكة، حيث يُعتقد أن به 100 بحيرة طبيعية تستقبل مياهها العذبة من المساقط العديدة بعد أن يذوب الجليد في رأس داي شيونج بونج، في محافظة إنجيه، الحدودية مع كوريا الشمالية.

نصعد الجبل، وتظل الأرض تدور مع حافلتنا الكبيرة، وكأننا في طقس صوفي بإحدى سبحات المولوية نحو السماء في رقصتهم الأثيرة، حتى توقفنا أمام عدة أبنية بسيطة العمارة تضم مدرسة، وغرفا للتعليم، وأخرى للمعلمين، ومكتبة، ومطعما، وحانة يشغّل المقيمون عليها في الأمسيات أسطوانات الفينيل العتيقة والأسطورية بأغنياتها القادمة عبر القارات.

هذا الصرح التعليمي، لديه معبد نموذجي صغير، وجرس عملاق، وسمكة خشبيى ملونة، والأهم تمثال الشاعر الذي سنستمع إلى اسمه مجددا  حين نصل إلى غايتنا في معبد بايكدامسا.

التوقف الثاني كان لتغيير الحافلة الكبيرة، فقد ضاق الطريق عليها، وأصبح صعبا أن تصعده، إلا الحافلات الصغيرة، فانقسمنا بين حافلتين، بينما وضعت حقائب أكثر من أربعين شخصا في شاحنة صغيرة، وانطلقنا ثانية في طريق لعلي أسميه بدرب المرايا، حيث تعددت المرايا الدائرية التي تبين الطريق الحلزوني والضيق للصاعدين والهابطين، وهكذا لن نتأمل الثلوج والسحاب في القمم وحسب، ولن نتابع الكرز والزهر على الجانبين فقط، ولن نكتفي بتعداد الراقات الخضراء للقمم والمساحات بدرجاتها الفاتحة والداكنة، وإنما سنراقب المرايا، لحافلة تصعد، وأخرى تنتظر إذنا للمرور باتجاه السفح.

ما إن وصلنا لساحة المعبر إلى قلب مجمع معبد بايكدامسا حتى أحسسنا بفارق درجة الحرارة، صحيح أنا لا نزال في الربيع، لكن درجة الحرارة ليس أكثر من خمس درجات مئوية. من مجال الرؤية الفسيح انتشرت مباني المعبد، وكأنها لوحة خبيئة كانت مطوية فبسطناها.

طقس شرب الشاي

طقس شرب الشاي

حامل أختام جبل سوراك

استعدت ذكريات مرتين سابقتين زرت فيهما المكان نفسه، وبدا لي أنه كالأساطير خالد، يتبدل الزمن ولكنه الصامد، فقط البشر يأتون ويذهبون، سواء كانوا رهبانه، أم زواره. لقد بدأ بناؤه في القرن السابع الميلادي، إذ شيده جيانج يولسا في 647 ميلادية، وتعددت أسماؤه مذ ذلك الحين، حتى استقر على مسماه الحالي، كما استمر البناء بمرافقه حتى اكتمل منذ 70 عامًا تماما.

هذه العزلة الجغرافية النائية في الشمال وبالأعالي، جعلت المعبد بمثابة حامل أختام يقف عند عتبة جبل سوراك، وجسدته أيقونة للرهبان في أجمل جبال كوريا الجنوبية. هنا أنشأ الرهبان البوذيون عالمهم الخاص والفريد، لكن تلك الخصوصية طوّرت من ثقافتها بمفهوم جديد عبر برنامج temple stay  وهو ما يتيح لغير الرهبان، من أي دين، ومن أي دولة، ومن أي ثقافة، أن يعايشوا البوذيين المعتكفين هنا في حياتهم اليومية؛ وأن يستفيد نحو 750 ألف شخص يفدون سنويا إل المكان، بأن يتوجه بعضهم لممارسة الحياة البوذية بالإقامة في المعبد ليوم كامل، وربما أكثر. إقامة ليست للمرح، وإن خالطتها البهجة، وليست للتسلية وإن امتزجت بها تزجية الوقت، وإنما لفسحة كبيرة من التأمل عبر الممارسة والاسترخاء معا.

كانت حافلتنا تضم الإعلاميين من أعضاء جمعية الصحفيين الآسيويين، التي انتخبتُ لرئاستها منذ العام الماضي، وفينا المخضرمون مثل مؤسسها قبل 14 سنة الكوري لي سانج كي، ورئيسها الشرفي السنغافوري آيفان ليم، ومستشارها الباكستاني نصير إعجاز، وأعضاء جدد يزورون كوريا للمرة الأولى كالشاعر السوري هاني نديم، والكاتب السوداني ـ الألماني الدكتور حسن حميدة، والصحافية اللبنانية غنى حليق،  والإعلامية البحرينية ـ المصرية هند كارم، والصحفي العُماني خلفان الحسني، وبين المخضرمين والجدد أطياف إعلامية، زارت كوريا، وبعضها يزور المعبد مجددا، من قلب آسيا وتخومها.

بانتظارنا عند بوابة أحد المباني الرئيسية وقفت الراهبة الصلعاء، التي غطت رأسها بقبعة صوفية كبيرة، تشرح لنا كيف سيمضي اليوم: “ستتوزعون على غرفكم، وترتدون ملابس الرهبان الخاصة بكم، وسنجتمع للعشاء في الساعة السادسة مساء، تماما”.

قص علينا راهب شاب تاريخ المعبد، وفيما توزع الجميع باتجاه الغرف كان البعض يتناثر كالحصى في الماء بمائة بركة، لالتقاط الصور.

كنا منذ خرجنا من الحافلة وحتى دخلنا الغرف نحمل المظلات تقينا من المطر الخفيف الذي توقف أخيرًا احتراما لتجربتنا البِكْر! تركت حذائي عند عتبة الباب، وفي الغرفة كانت ثياب الراهب النظيفة والمكوية جاهزة لاستيعاب الجميع. الأرض الخشبية، مثل الجدران، تنعم بتدفئة مريحة لا أعتقد أن الحياة ممكنة بدورها.

مطعم وساعة رملية ورهبان جدد

مطعم وساعة رملية ورهبان جدد

ليلة في زي الرهبان

لم تكن الحقائب قد جاءت بعد، فارتديت زي الراهب فوق زي الخروج، منها تدفئة، وربما أبهة! وضعت الأجهزة في الشاحن الكهربائي، وتأملت الحجرة التي تبدو مثل أية غرفة فندق مزودة بحمام عصري، قلت لنفسي، ولم لا، إنهم رهبان الألفية الثالثة، وليسوا رهبان القرن السابع الميلادي! الفارق هو أن النوم سيكون على ألحفة سميكة، كعادة الكوريين التقليديين أغلبهم.

كان المطر قد صنع بركه الطينية الخاصة به، فتقافزت لكي أصل إلى باب المطعم. لن يبدأ العشاء بمجرد وصولك، وإنما حين تحين الساعة السادسة تماما، وعندما تجلس على الطاولة مع رفاقك، ستبدأ الطعام بقلب ساعة رملية، حباتها الناعمة تنتقل من جهة لأخرى في نصف ساعة تماما. قال لنا الراهب وهو يرشدنا إلى استعمالها: “ليس عليك أن تسرع بتناول الطعام فتنسى الاستمتاع به، ولا أن تبطيء فتفوّت برنامجك. نصف ساعة وقت مثالي لاتمام وجبتك!”.

أمسك كل منا طبقه العملاق وسرنا في صف طويل لتضع لنا الطاهيات من قدورهن ما نريد: الأرز المطبوخ على البخار، الأعشاب البحرية، الكيمتشي (المخللات خاصة الكرنب)، أوراق السلاطة الخضراء، البطاطا الحلوة، والشوربة النباتية، وفواكه أكثرها الأناناس والفراولة. لا عجب في أن أجساد الجميع هنا رياضية رشيقة ويتمتعون بصحة ويقاومون المرض. ليس عليك أن تترك طبقك بعد الطعام، بل ستحمله إلى الحوض، لتلقي في سلة مصفاة ما تبقى، وتغسله بالماء والصابون قبل أن تضعه ليجف مع الصحاف النظيفة، اخدم نفسك بنفسك، لا أحد سيخدمك هنا، ربما لطفا منهم سيحضرون لك قهوتك الساخنة بمكوناتها الثلاثية الجاهزة، القهوة والحليب والسكر.

طقس الشاي بين بونه ندائي، إيران، وخاتونه، جورجيا

طقس الشاي بين بونه ندائي، إيران، وخاتونه، جورجيا

طقوس الشاي وتحولاتها

لكن حديث الشاي مختلف عن حديث القهوة العصرية!

في طقس تناول الشاي الأخضر، نجلس في باحة الدرس داخل المبنى التعليمي الرئيسي المعد للاستقبال مثل مستطيل ينقصه ضلع، ستجلس في صدره معلمتنا الراهبة بايكجيو، وقد ظهرت رأسها الحليقة، جالسة أمام تمثال بوذا   الذي يعلو نحو 70 سنتيمترا. نجلس معها على حاشيات بدلا من المقاعد، في شكل قرفصاء الكاتب المصري، وراءنا العلبة الفارغة التي أخرجنا منها أواني الشاي المصنوعة من البورسلين، وأمامنا الأواني موزعة بشكل دقيق: الترموس المعدني بالماء المغلي، البراد الصغير بغطائه الدقيق، الكأس تحمل عيدان وأوراق الشاي الجافة فوق طبق كصحفة منبسطة من ورق اللوتس، وإناء توزيع الماء، وأخيرا الآنية التي تعد سلة مهملات.

نبهتنا بايكجيو أن نتبع تعليماتها بدقة، وأن نعمل معا كلحن واحد لا تنفك رناته. في البداية نمسك أوراق الشاي بين أصابعنا لنستشعر ملمسها، ونقربها من الأنف لنشم رائحتها، ونأخذ عودا منها لنتذوقه. بعد حواس الرؤية واللمس والشم والتذوق، بقيت الحاسة الخامسة؛ السمع، هكذا سنرهف السمع والحبات تسقط من أيدي نحو أربعين مشاركا إلى قلب البراد، هنا لن نسمع دبة النملة وحدها، وإنما قد نسمعها وهي تعد على أصابعها!

الماء له حكاية أخرى. فالماء المغلي في الترموس علينا أن نتخلص من شرارة الغليان وشره بسكب ما يملأ ثلثي الإناء المداول له. ستهدأ درجة الحرارة إلى نحو 85 درجة مئوية، إنها الدرجة المناسبة للقاء أوراق الشاي الجافة لترطبها. واحد. إثنان. ثلاثة. ننقل الماء الذي هبطت حرارته، معا على قلب راهبة واحدة، إلى البراد الذي سكن الشاي الأخضر في قلبه. من علو مسطرة نحو 30 سنتميتر، سيهبط الماء لينشء صوت خرير مذهل، لحن جماعي، لقلوب متابعة لقلب الماء الدافيء وهو يرطب الشاي الجاف، فيحوله إلى كائن حي. سنقرب الشاي من العيون المغمضة والأنوف المفتوحة والخيال المتدفق. ومرة أخرى سنعيد الكرة، ولكن هذه المرة من البراد إلى الكأس، واحد. اثنان. ثلاثة. نملأ الثلثين، ثم، معا أيضا، نتذوق ونشرب.

حين سألتني بايكجيو عن طعم الكأس الأولى، أجبتها تشبه تذوق قطرات عسل أبيض على الريق عند الصباح. طلبت ما أن نكرر ما فعلنا لنصنع كأسا ثانية، وهذه المرة سنقدمها لجيراننا. تذوقت الكأس من جاري المونغولي تشولون باتار، سألتني بايكجيو عن الطعم، أجبتها، إنه أقرب إلى طعم الشاي الأخضر النقي. في المرة الثالثة والأخيرة، تغير طعم الكأس التي صنعتها، وبدت أقرب إلى طعم الزبادي الخفيف مع العسل. لم يتغير شيء. الماء هو الماء. الأواني هي الأواني. ولكنها الحضرة الطقوسية التي تلعب بالمخيلة. ومثلما بدأ الطقس أنهيناه. عادل كل إناء إل مكمنة، وطوينا المنديل العملاق إلى غطاء للعلبة.

بعد ختام طقس الشاي وتمامه، استأذنت الراهبة بايكجيو في أن أهديها إصدارات سلسلة إبداعات طريق الحرير، فضاء رتيب يبعث على الكآبة للشاعر الهندي هيمانت ديڤاتي، والأنامل القرمزية ، لروايات كورية قصيرة بترجمة رضوى أشرف، و فيلم نهر على سفر، وأخيرا ديوان “قدِّيسٌ يُحَلّق بعيدًا، للشاعر تشو أو هيون، الذي ترجمتُه عن الانجليزية، وصدر في مسقط. في الصباح كانت المفاجأة التي أعادت للذهن ثلاثية الشعر والرهبان والجمال، حين وزعت الراهبة على الجميع النسخة الكورية من ديوان  قدِّيسٌ يُحَلّق بعيدا ، Far-off Saint الذي أهدتها بالأمس نسخته العربية.

قديس يحلق بعيدا باللغة العربية هدية إلى راهبة بايكدامسا

قديس يحلق بعيدا باللغة العربية هدية إلى راهبة بايكدامسا

رهبان … شعراء وعشاق ومناضلون

وقد سعدت بلقاء الشاعر  تشو أو هيون أكثر من مرة، وهو يرسم بروح مفعمة بالحب، رغم بعض التأملات الفلسفية التي قد يشيع منها شعور باللاجدوى: “لا سبيل للتقدم، لا سبيل للتراجع، أنظر حولي، فلا أجد إلا سماء خاوية وجرفا لا نهاية له. إنها سخافة: أن أطوف طيلة حياتي، فقط كي أصل إلى حافة هذا الجرف. يهبطُ الضبابُ حولي ليزيدَ ارتباكي، هذا الجرفُ هنا، حيث يجبُ أن أحطَّ الرحالَ لذاتي أخيرًا، بالحياةِ والموتِ معًا. إنه عبثٌ: أنَّ كلَّ ما قبضتُ عليهِ طيلةَ حياتي ليس سوى الضباب”.

من بعيد كان يمكننا ـ تحت ضوء القمر ـ أن نلمح بعض الضباب الهارب، استمتعنا بفاصل زمني قبل أن نستكمل برنامجنا في الإقامة بالمعبد، لكن هذه المرة سيكون المعبد مضيفة لثلاثة علماء، مرة واحدة، ليتحدثوا إلينا، بعد يوم عبثي بين السفر والطقوس، عن محتوى علمي يندر أن تقدمه جامعة عادة في وسط النهار!

البروفيسور كيم يتحدث عن ذاكرة الماء

البروفيسور كيم يتحدث عن ذاكرة الماء

العلم … بين ذاكرة الماء وطاقة الفضاء

بدا لي وون إتش كيم Won H. Kim، بشعره الأبيض، ونظارته السميك زجاجها، طفلا كبيرا حركته الفجائية، أو ممثلا قديرا بقدرته على استخدام يديهوتعبيرات وجهه، وتواصله مع أشياه النائمين أمامه، لكنه طلب من الجميع أن يتخففوا بجلستهم، فمن يريد أن يراه وهو ينام لينم، ومن يفضل أن يشاهده متكئا، فليتكأ، وهكذا تحول معبد بايكدامسة البوزذي إلى قاعة محاضرة شبابية ونصف الجالسين في عقدهم الرابع، وما فوق:

“كل مادة في االكون تأتي بصحبة موجةٍ ما، وقد طورت تقنية لأنقل تلك الموجة، وما ترثه من المادة، إلى الماء. هنا أصنع للماء ذاكرة عبر ما أطلقت عليه وابتكرته باسم (الموجة الثلاثية الأبعاد). ولن أنقل ذلك للماء وحسب، بل ويمكنني أن أنقله إلى وسيط آخر. لذا فإن الماء الذي يحتوي على موجة ثلاثية الأبعاد من هورمون معين أو دواء بعينه سيعمل تماما كما تعمل المادة الأصلية، عبر ما أسميه (ذاكرة الماء).

الأكثر هو أنني استطعت أن أحول ذاكرة الماء إلى موجة رقمية ثلاثية الأبعاد، يمكن أن يتم تخزينها في الكمبيوتر، أو تمريرها بالكهرباء، أو في الفضاء حولنا”.

هذه الثورة العلمية التي يقودها الدكتور وون إتش كيم منذ أكثر من عقد ستمثل قريبا ثورة في الطب ـ مثالا ـ بمعالجة الأمراض الدماغية وكل ما يرد إلى ذهن أي خيال يستطيع الاستفادة منها. هكذا توضح الأمثلة التي استطاع فيها عالمنا الاستفادة في أكثر من مجال، منها مجالي مرض السكري ومرض السرطان. أما أكثر فقرات المحاضرة شططا فهي الحضور في الهولوغراف، ذلك الفضاء المجوف ثلاثي الأبعاد، الذي برهن الدكتور وون إتش كيم على استطاعة نظريته الموجية ضغط المعلومات القادمة من ذاكرة الماء في بطاقة بلاستيكية مثل بحر لا نهائي يطلق موجة حول البطاقة لها تأثير المكون الأصلي! هكذا تحدث البروفيسور وون، عميد كلية الطب، في جامعة يونساي، والمختص بالكيمياء الحيوية.

ثم كان محاضرنا الثاني، لا يقترب بنا من أرض المعبد، بل يصعد بناء أكثر إلى سماوات جديدة، فهو من مؤسسة كوريا لطاقة الفضاء، واختير الأفضل بين 1300 شركة من 21 دولة في مؤتمر ومعرض تكنولوجيا المشاريع الصغيرة والمتوسطة كأفضل ممارسات الابتكار لعام 2016 بفضل تقنية انبعاث طاقة الإشعاع من مولد. أحضر لنا يونجاي لي Eunjae Lee الجهاز نفسه، الذي يشبهعجلة صغيرة مطعمة بالماس، لكن لا يستطيع شخص بمفرده حمله بسهولة من ثقل حجمه. كان هذا الجهاز الإشعاعي المعترف به دوليا يسمح بالتنقية الطبيعية للهواء والغابات والأنهار والمحيطات دون المرور مسبقا بمصدر طاقة آخر. الطاقة الفضائية التي يتحدث عنها البروفيسور (والمعروفة أيضا باسم الطاقة الحرة، الطاقة الفراغية، أو طاقة النقطة الصفرية) هي الطاقة الأساسية الأساس – حتى الطاقة الكمية التي تشكل القوة الكهرومغناطيسية. في عام 1999، تم استخدام التكنولوجيا التي تسمح باستخدام هذه الطاقة الفضائية في الفضاء اليومي عبر موجات الراديو، وبعد ذلك، واصل العلماء والباحثون عمل لي يونغ ون على جمع وتطبيق الطاقة الفضائية بمساعدة ابنه الواقف أمامنا وهو اليوم يبلغ 62 عاما.

بروفيسور يون جاي لي وسر الطاقة

بروفيسور يون جاي لي وسر الطاقة

يريد العالم الذي مشى على خطى والده، أن تذيع أفكاره الشابة، في الحياة اليومية، وأن يتم استخدام مولد إشعاع الطاقة الفضائية واسعة النطاق وبعيدة المدى في أكثر من مجال مثل: تقسيم وفصل التركيب الجزيئي للمياه لإنتاج مياه الشرب على نحو سلس بجودة عالية، وتسريع عملية التخمير من الكحول وهذه التكنولوجيا أيضا مفيدة في المنزل مع التخمير، والطبخوالإنضاج، ومكافحة الشيخوخة، والخصائص المضادة للأكسدة، وتنقية المياه وتطهير الهواء الملوث.

مع العلماء الثلاثة لذاكرة الماء وطاقة الفضاء وبسكويت الأرز

مع العلماء الثلاثة لذاكرة الماء وطاقة الفضاء وبسكويت الأرز

لا أكتمكم، أن من عاشر القوم صار منهم، وإذا كان ابن الأوز عوّامًا، فقد فوجئنا بالسيدة لي زوجة البروفيسور توزع علينا علبا بلاستيكية بها ما يشبه رقائق البسكويت. ظننا أنها تهيئنا للوداع بتحية محببة، وهدية لطيفة، لكننا اكتشفنا أنها طورت تقنية ـ كذلك ـ لصنع رقائق أكثر إفادة من الأرز بطهوه مدة أكثر من المعتاد، باستخدام مولد الطاقة، وربما يقودنا لأحد تفسيرين؛ إما أن البروفيسور دخل المطبخ، أو أن زوجته سبقته إلى المعمل!

وكنت أظن ـ وبعض الظن إثم ـ أن المعبد فرصة للتأمل الروحي وحسب، لكنني اكتشفت، وفي الرحلة إعادات لاكتشافات الذات، أن الروح لا تهدأ إلا إذا ساهم العلم في توفير فرصة مناسبة لها. فالجسد يرتاح بطقس صحي في الشراب والطعام والتدفئة. ربما لتأمل على نحو أفضل.

ما بقي من طقوس الليلة الكبيرة كان الطواف بالشموع، ثم الاستيقاظ فجرا لاستقبال النور الأول، ودق الأجراس، وكان الموعد ـ مجددا ـ في السادسة للطعام وتكرار الطعام مع وجبة الفطور وطقس الساعة الرملية ذات النصف ساعة.

ومع التأمل، خاصة ونحن في المقهى والسوق التذكارية بالمعبد، تساءلت إن كانت ثقافتنا الإسلامية والمسيحية بوسعها الانفتاح كما تنفتح الثقافة البوذية على الآخر؟ صحيح أن هناك فارقا بين ديانات سماوية وأخرى أرضية، لكن هناك الملايين ممن يؤمنون بهذه وتلك. وإذا كنا أعداء ما نجهل، فلماذا لا نحاول أن نكون أصدقاء ما نعرف؟

هل يمكن أن يسمح الجامع الأزهر ـ مثالا ـ بأن تزوره مجموعات لترى طقوس الشعائر الإسلامية وتستمع إلى محاضريه في علوم الإسلام، قدامى وعصريين، وأن يرتدي الزوار ذلك الزي الوقور أثناء الزيارة، وأن تخصص أماكن للإقامة يتعلم فيها الضيوف كيف مباديء الحياة لدى المسلمين، من الطعام للوضوء، وربما إعادة تجسيد تلقّي الدروس عند أعمدته، كما بدأ، والأمر مماثل في الكنائس المصرية التاريخية التي عاشت لما يقرب من الألفيتين، فتتيح لزوارها التعايش والتجانس ولو ليوم واحد، وفي فضاءاتها المتعددة والمتجددة، يخرجون بعدها وقد علموا ما جهلوا مسبقا، وعرفوا ما لم يتح لهم مسبقا.

التجربة حية أمامي؛ لقد حول البوذيون زيارة المعبد إلى طقس ثقافي أكثر من كونه طقسا دينيا، بل وأصابوا هدفا آخر بأن تكون الزيارة مربحة، حيث تباع عاديات وتذكارات بأسعار عالمية. فكرة جاءت في سحابة تأمل وأنا أشرب الشاي بالفاكهة في قلب المقهى، قبل أن تظهر مجددا الراهبة بايكجيو.

بناء الباجودات

بناء الباجودات

النفس الأمارة بالحصى

دعتنا بايكجيو لزيارة واحدة من البحيرات المائة حولنا كي نبني الباجودا الخاصة بنا. وصحيح أن أرض المعبد وأبنيته من التراث العالمي الجدير بالحماية من قبل اليونسكو، فيحظر أن يأخذ أحد شيئا، لكن بوذا يسمح لكل واحد أن يحتفظ بصخرة من باجودته، كما ابتسمت وهي تسر لنا، وكأنها تعرف النفوس الأمارة بالسوء وأخذ الصخور!

تشبه الباجودا المئذنة، إلا أنها أكثر سمكا، لأنها ليست منارة وإنما مبنى ديني تمارس فيه طقوس الديانة البوذية، وفي أكثر مناطق الشرق الآسيوي نرى الباجودات، الصغيرة كحليات، والعملاقة كأهرام، شاهدة على ثراء هذا الملمح المعماري.

تناثرت آلاف الباجودات تجري من تحتها المياه الشافة، وتوزعنا كل يبني باجودته، يختار لها بحس معماري الصخرات التي تسمح بحمل أخرى، بوجه مسطح، وتدرج في الحجم، وثبات في توزيع الثقل. إنها مثل قصيدة نثر قوية لا ترهبها الرياح العامودية، وتتدفق المياه الباردة لتداعب أقدامها الصلبة. لا يزال الجو باردا، وأحتمي به بجاكيت فوق زي الراهب، وقفازات جلدية، وقبعة. احتفظت بصخرة بحجم الكف وثقل حقيبة سفر، ها هي هدة بوذا ترقد مسترخية أمامي وأنا أكتب هذه السطور.

في طقواس أخرى موازية، زرنا مباني الاعتكاف. هناك يمكن للراهب البوزي أن يعتزل الحياة سنوات في غرفة ضيقة مغلقة خالية من زخرف الحياة، وليس من نافذة سوى مربع ضيق يأتيه الطعام مرة في النهار، وعليه أن يأكله مرة، أو يوزعه على مرتين أو ثلاثة. فلن يرى مثله إلا اليوم الثاني. قال دليلنا اليوم تكثر الخلوات لمدة ثلاثة أشهر، وتندر اعتكافات السنوات. وجرب الجميع الكتابة على الألواح المنحنية أسماء ودعوات. هذه ستوضع على ألأسقف لتصعد إلى السماء. تجاورت الخطوط الفارسية مع العربية، والروسية مع الصينية، والكورية مع الأردية، وغيرها من أبجديات زارت المعبد ذلك اليوم.

زي مانهي في متحفه

زي مانهي في متحفه

راهب وعشرة آلاف بحر

لكن قبل أن أغادر، علي أن أحيي الراهب الراهب البوذي هان يونج أون (1879 – 1944)، الذي أطلق عليه اسم مانهي (وتعني: عشرة آلاف بحر)، وكما قلت عن الثلاثية الرابطة بين الرهبان والشعر والجمال، كان مانهي رغغم خجله من أن يسمى شاعرا.

كتب مانهي قصائده باللغتين الصينية والكورية، منها تسعون قصيدة، كتبت في صيف 1925 على بعد أمتار من حيث أقف في معبد باكدامسا، بسلسلة جبال سوراك فى مقاطعة كانج وون. سوراك يجمع في اسمه سول، وهو الثلج، وآك، وتعني الجبل الكبير. وكان اختيارها كمحمية طبيعية من قبل منظمة اليونيسكو عام 1982. في 1905 نصّب ماهي راهبا، ثم جاء الاحتلال الياباني  (1910 – 1945) فبدأ تاريخ ثالث، بعد الشعر والرهبنة، وهو النضال، حيث قاوم ـ سلميا ـ احتلال اليابان لبلاده، وكتب عريضة الاستقلال التي وقعها 33 من المثقفين والمناضلين ضد الاحتلال.

في المتحف على أقصى يمين المعبد كانت تماثيله وصوره ومخطوطاته الأولى وسيرته وكتبه في طبعاتها الأولى، ولافتات، وأدوات استخدمها الشاعر في حياته. وفي الثاني عشر من أغسطس من كل عام تقدم جائزة كُبرى باسمه، تخليدا لمباديء الحرية والسلام التي دافع عنها، وتُمنح في فروع الأدب، والفن، وخدمة المجتمع، والسلام.

من ديوان مانهي، قصيدة “الفنان” التي نقلتها للإنجليزية الناقدة والمترجمة  فرانشيسكا تشو: “أنا رسَّامٌ أخرق. | يجافيني النوم، بينما إصبعي تصل الخطوط بين أنفك، وشفتيك، حتى غمازتك، فوق صدري. | ثم، رسمت الابتسامة الطفيفة التي تُحوِّم حول عينيك، | لكني أمسح ذلك أكثر من مئة مرة. | أنا مغنٍّ مبتديء. | ذهب الجيران، وهدأت الحشرات، وأنا أريدُ أن أشدو بالأغنية التي علمتِني إياها، | لكني شعرتُ بالخجل حين رأيت القطة الغافية. | لذا شاركت بهدوء جوقة النسيم الذي يرتجف قبالة الباب الورقي. | ليس لدي أدوت شاعر الكلمات الموزونة. | لا أريدُ أن أكتب عن “البهجة” أو “الحزن” أو “الحب”. | أريد أن ألتقط وحسب صورة وجهك، صوتك، مشيتك. | سأكتب عن بيتك، وسريرك، وسأكتب حتى عن الحصى في حديقة أزهارك”.

هكذا سيكتب مانهي عن الحصى، ربما بعد أن صنع منه باجودته الخاصة بحبه. ليس فقط كراهب، وإنما كمناضل، وشاعر، وعاشق.

من العناوين الخادعة هو ما جئت به عناونا لهذه الرحلة؛ جعلوني بوذيا! فالحق أنه ما من أحد فعل ذلك، ذلك عنوان ينطوي على القسر، وقد سافرت بكل رضى، ثم أنه يُجهِّل الداعين لزيارة المعبد وممارسة الطقوس، وهم معروفون، ومضيافون، ومشاركون في فعاليات ثقافية حتى خارج حزام المعبد، كما أن التحول لم يحدث، حتى وقد وقع الإعجاب بالتجربة وتفاصيلها الثرية، واسقاط الحواجز بين البشر بكل تنوعهم واختلافهم، كما أن التداعي لاسم الفيلم الشهير يضع البوذي موضع الاتهام والإدانة، وهو ما لم أفكر به، ولا أحب لأحد أن يظن ذلك، فأنا أحترم الجميع، ربما لو شاء القاريء لشطب العنوان وكتب: جعلوني إنسانا!

وزعت الراهبة على الجميع النسخة الكورية من ديوان قدِّيسٌ يُحَلّق بعيدا ، Far-off Saint الذي أهديتها بالأمس نسخته العربية

وزعت الراهبة على الجميع النسخة الكورية من ديوان قدِّيسٌ يُحَلّق بعيدا ، Far-off Saint الذي أهديتها بالأمس نسخته العربية

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات