مدينة السعادة في المستقبل … سيجونغ

10:31 مساءً الإثنين 5 يونيو 2017
د. حسن حميدة

د. حسن حميدة

الدكتور حسن حميدة كاتب لأدب الأطفال واستشاري تغذية في المحافل العلمية الألمانية

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

IMG_6384في صباح يوم جديد أتي الباص مبكرا وحملنا مغادرا العاصمة المليونية سيول إلى هدف آخر. كان الهدف زيارة المدينة السعيدة سيجونغ أو كما يحلو للكوريين تسميتها بمدينة المستقبل. وتحمل المدينة السعيدة إسم ملك كوريا العظيم “سيونغ” تخليدا لذكراه وإنجازاته، خصوصا في المجالات الزراعية والغذائية والحفاظ على الطبيعة والبيئة. وعاش الملك الكوري العظيم سيجونغ في الفترة ما بين 1397 إلى 1418. ومن مزايا الملك العظيم سيجونغ التي يتذكره بها كل كوري، هو إهتمامه بالزراعة حتى في حدائق قصره. وهذا حتى يفيض الغذاء، ليشبع منه أفراد الطبقة الفقيرة في مملكته.
والإسم الحقيقي للملك العظيم هو أي دو، وينحدر من سلالة جوسون، وينتمي لعشيرة جونجو أي. لقب في في مبكرة العمر بالأمير العظيم “تشونغنيونغ”. وبلغ من بعد ذلك وليا للعرش، الشيء الذي أهله بمرور السنين ليتوج ملكا لكوريا سمي بسيجونغ . وللملك سيجونغ إصالحات في شتى المجالات في كوريا، يذكر منها تطبيق السياسة الكونفشيوسية، وتعديل القانون الكوري إلى قانون مواكب للتطورات الكورية في عهد حكمه. كما كانت للملك العظيم سيجونغ إصلاحات إجتماعية وإقتصادية يصعب حصرها. فكان من مشجعي ودافعي عجلة التعليم ومحو الأمية في كوريا، وقام بوضع قواعد اللغة الكورية المكتوبة والمتحدثة اليوم أو ما تسمى بلغة “الهانغول”، والتي تتكون من ثمانية وعشرون حرفا.
وللملك سيجونغ عدة كتب كلاسيكية، تحفظ حتي اليوم بعناية في المتاحف الكورية، منها ما هو في الأدب: أغاني التنين الطائر، أغاني القمر الساطع على آلاف من الأنهار، ومنها ما هو في البوذية: حلقات من حياة بوذا، ومنها ما هو في اللغة: قاموس النطق السليم بين الصين وكوريا. وفي التقدم العلمي لكوريا، يحمد للملك سيجونغ إهتمامه الجم بمجال الزراعة والمعالجة العلمية للتربة وتسميدها، وطرق الزراعة والحصاد والتخزين بطرق علمية مواكبة. وهذا لتوفير الغذاء للمواطن الكوري قديما، خصوصا الفقير منهم. وفي مجال الزراعة قام بالملك العظيم سيجونغ بتجميع كتاب بعنوان “ونغسا جيكسيول”، والذي يعد أول مرجع للزراعة على الطريقة الكورية التقليدية المأخوذة من منطقة جوسون.
رحل الملك الكوري العظيم “سيجونغ” في عمر مبكر ببلوغ ال53 عام بسبب مضاعفات مرض السكري. ولما كان الملك سيجونغ محبوب بين حاشيته وحتى الآن عند الشعب الكوري، تحمل أكبر العملات الكورية على الإطلاق ومن فئة ال10.000 واان إسمه وصورته. ويعتبر بذلك عالم الأديب الكوري الوحيد الذي يمجد بمثل هذا التخليد. كما تم إستحداث جائزة اليونسكو، سميت “بجائزة الملك سيجونغ لمحو الأمية”. فهي جائزة تاريخية تمنح في هذا المجال الهام، والتي قام الملك العظيم سيجونغ قبل مئات من السنين لمنحها للمستحقين من أصحاب الإنجازات المميزة لمحاربة الأمية والنهوض بالتعليم في كوريا.
وبعد أن رحل الملك العظيم سيجونغ وتبقت فلسفته وفكرته محفوظة في قلوب وعقول كوريا شعبا وحكومة. وكانت فكرة بداية المدينة السعيدة “سيجونغ” تطبيقا لفكرة وفلسفة الملك العظيم “سيجونغ” في العام 2003. وقتها قرر الرئيس الكوري السابق “روه مو-هيو” تحويل العاصمة الكورية المزدحمة بالسكان “سيول” إلى مقاطعة “شونغ شيونغ نام-دو”، مكان وجود مدينة المستقبل الحالية “سيجونغ”. وبلغت التكلفة الكلية للتخطيط المعماري وبناء مدينة سيجونغ حوالي ال20 مليار دولار أمريكي، والتي سوف تكتمل لاحقا في العام 2030. ووضعت خطة معمارية لتسع مدينة سيجونغ حوالي ال500.000 ساكن، بحلول العام 2030.
IMG_6385وفي المؤتمر القصير الذي إنعقد في مكاتب مدينة سيجوغ بحضور الإعلاميين المشاركين في المؤتمر العالمي، بحضور الرئيس المؤسس لجمعية الصحفيين الآسيوين السيد “سانج كي لي”، ورئيس الدورة الحالية للجمعية السيد “أشرف أبو اليزيد”، بين حاكم مدينة سيجونغ ورجل الإقتصاد المعروف عالميا، الدكتور “لي تشون” للحضور، ما تتميز به المدينة العصرية “سيجونغ” من مزايا إقتصادية وحياتية مستقبلية لكوريا وسكان العاصمة الكوريا سيول وما يجاورها. وتعتمد فكرة بناء مدينة سيجونغ على أن تصبح هي المدينة السياسية والقومية لكوريا، وعاصمة كوريا الموحدة في المستقبل. وتبني الفكرة لسيجونغ على تحويل عدد من الهيئات والوزارات من العاصمة الكورية سيول، ويبقي بضع آخر كوزارة الدفاع فيها. وتدفع الحكومة الكورية بكل مجهوداتها التقنية الحديثة والمادية، لتكون مدينة سيجونغ مركزا للثقافة والعلوم والإقتصاد في المستقبل. وهذا ببناء ههيئتين ووكالتين حكوميتين، وستة عشر مركزا علميا، وبناء مراكز للثقافة والحضارة الكورية.

الكاتب خلال الرحلة

الكاتب خلال الرحلةإ


وترتكز الجهات المخططة لمدينة سيجونغ، في إنشاء وتنفيذ بناء المدينة السعيدة أو مدينة المستقبل على الفكرة الفلسفية للملك العظيم “سيجونغ” وصاحب الإسم والفكرة في المحافظة على الطبيعة والبيئة والزراعة، وتوفقر الغذاء من فناء حدائق قصره للفئات المستضعفة من حاشيته. ومن هنا تأتي مساعي التنفيذ الحديث، مبنيا على فكرة تاريخية ترجع لمئات السنين، لخلق بيئة صحية تلائم السكان في المنطقة. ولذا يستعان في مدينة سيجونغ بإستخدام الطاقة البديلة والمتجددة، كالطاقة الشمسية في الإضاءة والتدفئة والتبريد. وإنشاء مرافق ووحدات للترفيه والإستجمام للسكان. وهذا بشق بحيرات ذات ماء نظيف، تحفها حدائق وارفة الخضرة. لتوفير مكان سكني سعيد، ذو هواء طلق ونظيف، حفاظا على الطبيعة والبيئة، وحفاظا على حياة وصحة الإنسان الكوري.
صور مختارة: 3

 

 

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات