سَراديبُ الذَهب (روايــة) الفصل الأول

09:41 مساءً الأربعاء 5 يوليو 2017
محمد العون

محمد العون

كاتب وروائي وعضو اتحاد كتاب مصر

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

سراديبالليل الحالك الذى لا يظهر فى سمائه قمر هو الوقت المناسب ، التسلل خفية بظهور منحنية والمشى بحذر على الرمال الناعمة بعيداً عن الطرق المعبدة المدكوكة ، وتحسس مواضع الأقدام حتى لا تصطدم بحجر قد يُصدر صوتاً مهما كان خافتاً يمكن أن يلفت أسماع الحراس ! برغم وجودهم على مسافة بعيدة تصل لعدة أميال ، يمكن للرياح أن تنقل أقل همسة فى هذا الصمت الشامل ، الذى يغطى تلك المنطقة المرهوبة من الصحراء ، البعيدة عن العمران.

إنه عمل يحتاج إلى قلب ميت لا يستطيع فقط مواجهة الرعب ولكن التغلب عليه أيضاً ، ومهارة وقدرات خاصة ، وكم من الجرأة لا يستطيعه إلا عتاة الرجال !

الغنيمة كبيرة تستحق المخاطرة ، يمكن للرجل أن يبقى ثرياً إلى آخر حياته لو تمكن من الحصول عليها ، لكن الأمر ليس سهلاً ، بل فى منتهى الصعوبة .. والخطورة أيضاً ! الإنسان لا يحصل على شىء بلا مقابل فى هذا العالم ، لابد من العمل الشاق لأيام متواصلة ، فى الخفاء وسط سكون الليل وصمت الصحراء فى هذا المكان المرعب ، وبلا مشاعل أو حتى شمعة صغيرة ، أصابع اليدين عليها أن تقوم مقام العينين فترى وهى تتحسس طريقها فى الظلام المطبق داخل هذا العمق السحيق فى باطن الأرض .. حيث يرقد الذهب.

وصلوا بالقارب الصغير إلى شاطئ النهر ، دفعوا به بين الحشائش الكثيفة التى تغطى الضفة حتى أخفوه تماماً ، ساروا بين الحقول القريبة مسرعين وهم يحملون معداتهم حتى بلغوا منطقة تكثر فيها أشجار النخيل ، آخر حدود الزراعة ، بعدها تبدأ الصحراء الممتدة حتى نهاية الأفق.

أيام عيد والجميع يحتفلون ، يعُبون النبيذ حتى يمتلئوا ، الحراس أيضاً لا يتورعون عن شرب جرعات منه وهم فى عملهم ، هو الوقت المناسب إذن ، الأفضل فى السنة للقيام بهذا العمل والحصول على الذهب من الجب العميق الذى ترقد فى نهايته جلالتها رقدتها الأبدية !

يتقدم وهو يشير لزملائه أن يتبعوه ، يعرف هذه الأرض ، كل شبر فيها ، عمل هنا لشهور طويلة قاطع أحجار ونحاتاً ، وأقام فى مساكن العمال على مقربة من هنا حيث يمشى الآن ، مضت على الغروب ساعتان وأصبح الظلام حالكاً ، يستطيعون العمل لست ساعات متواصلة دون أن يشعر بهم أحد.

يشق مع زملائه ممراً عبر مسافة تمتد لعشرات الأذرع فى باطن الأرض، محفورة ومطمورة بالرمال وسط متاهة من الممرات ، لكنه يحفظها ويعرف طريقه خلالها ، الرمال بما تحويه من قطع الحجارة لا تعد شيئاً مقارنة بعمله السابق فى حفر هذه الممرات التى  تتلوى فى باطن الأرض الصخرية ، عمل شاق استغرق عدة سنوات ، حتى استطاعوا أن يبنوا لجلالتها قبراً يليق بمكانتها العظمى فى الدولة ، إنها ترقد الآن فى سلام محاطة بالذهب وبجسد سليم كامل الأعضاء يضمن لها حياة أبدية خالدة عندما تُبعث من جديد !

بعد مشوار طويل قطعوه فى صمت وصلوا إلى بداية الجُب ، تناول حرنخت أدواته ونزل درجات السلم المنحوتة فى الصخر والموصلة إلى الممر الغائر فى انحدار عميق ، ولا يلبث أن يتشعب إلى عدد من السراديب ينتهى بعضها إلى حجرات خالية وأخرى تصل إلى حجرات وهمية ، مجرد نقش على شكل باب منحوت فى صخر الجدار.

شرع فى العمل على الفور ليكمل مع عصابتة ما بدأوه منذ يومين ، دون كلام أخذ هو وأصدقاؤه الخمسة فى إزاحة الرمال ليصنعوا ممراً يكفى لمرورهم ، بعد لحظات يغمرهم العرق وتتغطى أجسادهم بطبقة لزجة من التراب ، تزداد صعوبة التنفس مع الوقت ، لكن هذا لا يمنع توغلهم ولا يبطئ حركتهم السريعة ، كلهم عملوا من قبل فى نحت جدران وسراديب وفى قطع أحجار هائلة الحجم وتسويتها وضبط حوافها وزواياها ، يتقنون هذه الحرفة ويبرعون فيها ..

يقتربون من نهاية السرداب ، لم يعد يفصلهم عن المقصورة الرئيسية سوى عدة أذرع ، حماسهم يشتد يدفعهم الأمل المشوب بالطمع ، حرنخت فى المقدمة يضرب بمعوله النحاسى ليزيح أكوام الرمل من طريقه ، ضربات منتظمة متوالية وبمعدل ثابت ، بجانبه صديقه أونن نفر لا يقل عنه سرعة وإتقان ، عملهما متناغم يُكمل أحدهما الآخر ، كلاهما من أتباع ست ، من خلفهما الرجال الأربعة يملأون الرمل فى سلال من ليف النخيل ليسحبوه على الفور إلى الخارج.

عندما وصلوا أخيراً إلى كتلة الحجر الجرانيتى الضخمة التى تسد مدخل المقصورة بإحكام ، خبطها حرنخت بكفه مبتهجاً ، لقد وصل إليها بعد ثلاثة أيام ، تماماً كما قدر فى حساباته ، شارك بنفسه فى وضع هذا الحجر الضخم عند مدخل البيت الأبدى للملكة قبل ما يقرب من عامين.

كان الكهنة بعد أن انتهوا من وضع التابوت فى مكانه وحملوا كل أغراض الملكة وهى مغطاة بالقماش الأبيض إلى مكانها الأخير ، يقفون عن كثب يتابعون الخطوة الأخيرة لمراسم الدفن ورائحة البخور العطرية تعبق الهواء ، كبيرهم يقف منتصباً فى صمت ، وعيناه ترصدان المشهد الذى يجرى أمامه ، لم يكن بحاجة لأصدار أوامر أو توجيه تعليمات ، فالعمال الذين لا يُسمح لهم بالدخول إلا بعد انتهاء كل طقوس الدفن ، ليقوموا بالخطوة الأخيرة فى سد المدخل ، يعرفون عملهم وينفذون خطواته كما ينبغى وفق الرسومات الهندسية التى درسوها بعناية من قبل ، كتلة الجرانيت الضخمة المحمولة على عوارض خشبية والمربوطة بالحبال الغليظة ، تنزل إلى مكانها ببطء بأيدى العمال الذين يتحكمون فى الحبال ويجذبونها من عدة جوانب إلى أن تستقر على قاعدتها عند مدخل المقصورة لتسده تماماً .. وإلى الأبد.

همس حرنخت لعصابته قائلاً.

– يكفى هذا ..

توقفوا جميعهم وشرعوا فى جمع معداتهم ووضعها فى السلال ، خرجوا هم الستة تباعاً ، عندما نظروا إلى النجوم فى السماء الصافية فوقهم عرفوا أنهم أمضوا ست ساعات كاملة داخل السرداب ، فى لحظات سدوا مدخل السرداب المؤدى للمقبرة بطريقة ابتكرها حرنخت بذكائه الفطرى ، الذى يمكنه من الابتكار وإيجاد حلول لكثير من المشاكل التى يصادفها فى عمله.

أغلقوا المدخل بحيث لا يستطيع من يمر على مقربة من المكان أن يلحظ شيئاً ، هو أمر نادر الحدوث الآن ، فلم تعد لهذه المنطقة نفس الأهمية التى كانت لها من قبل ! بعد أن اختار الملك مكاناً آخراً فى الشمال فوق هضبة الجيزة ، ليكون مقراً أبدياً له بعيداً عن المنطقة التى يستقر فيها أبوه وأجداده ، ولم يعد هنا فى المعابد الجنائزية القريبة سوى عدد محدود من الحراس .. لكن لابد من الحذر.

قطعوا المشوار الطويل حتى شاطئ النيل إلى أن وصلوا لمكان قاربهم ، الراقد بعيداً عن القناة التى حفرها الملوك السابقون لتصل من النيل إلى حافة الصحراء ، حتى تتمكن السفن من الوصول إلى الجبانة الملكية بما تحمله من أحجار وأخشاب ! لم يكن بإمكانهم الدخول بالقارب فى القناة خشية أن يشعر بهم الحراس.

بعد أن سار بهم القارب مبتعداً إلى عمق النهر ، سأل أونن نفر صديقه.

– فى رأيك ، كم يلزمنا من الوقت لنحفر حجر الجرانيت الذى يسد مدخل المقصورة ؟

أجاب حرنخت بثقة.

– يومان ، حتى نتمكن من صنع فتحه تكفى لمرور رجل.

هز أونن نفر رأسه موافقاً ، ثم صمت وقد استغرقه التفكير المشوب بالقلق فى الذهب الراقد بأمان فى جوف الأرض !

بينما كان زملاؤهم يجدفون على سطح النيل العريض ، أراح حرنخت جسده القوى على المقعد وهو ينظر إلى المياه وهى تنساب مسرعة تحت القارب ، تذكر الملكة التى أصبح على بعد خطوات من جثمانها ..

***

منذ سنوات بعيدة عندما كان صبياً صغيراً ضمن العمال المساعدين ، أتت عدة مرات لتنظر بنفسها إلى مقرها الأبدى وهم يعملون فى بنائه ، خرج جميع العمال وانحنوا أمامها وهى ماتزال جالسة داخل محفتها المصنوعة من خشب الصنوبر ، المُطعم بنقوش نباتية من الذهب الخالص لرسوم وزخارف متداخلة من زهور وأغصان اللوتس.

أربعة من الجنود الأشداء يحملون المحفة ، ويحيط بهم عدد من الوصيفات ، وخلفها بقليل وقف كبير الكهنة بملابسه الناصعة البياض وصندله المصنوع من شرائط الفضة المجدولة ، الصنادل الفضية بلونها الأبيض الذى يرمز للنقاء والطهارة لا يرتديها إلا الكهنة الكبار أصحاب المراتب العليا وتُصنع خصيصاً لهم ، بجوار الكاهن وقف باحترام مهندس الجبانة وضباط الحرس الملكى وعدد كبير من الجنود ، نزلت من المحفة بمساعدة وصيفاتها ومشت بخطوات هادئة وقورة وهى تمسك بعصاها الخشبية الطويلة المطلية بالذهب تحت مظلة تحملها إحدى الوصيفات.

سيدة فى منتصف العمر رشيقة الجسد ، دقيقة الملامح واسعة العينين ، ترتدى ثوباً داكن اللون من الكتان السميك المحبوك حول جسدها يصل إلى منتصف ساقيها ، وفوقه ثوباً آخراً واسعاً من الكتان الرقيق شاهق البياض يغطى كتفيها ويصل إلى قدميها ، يملأ عطرها القوى الهواء حولها ، ترتدى باروكة شعرها طويل فاحم السواد يكاد يلمع تحت شمس الصباح الباكر الناعمة ، على رأسها تاج رقيق من الذهب مُزخرف بزهور ملونة وفى مقدمته رأس الكوبرا ، أما صدرها فمغطى بعقد من الذهب المجدول والمطعم بالزمرد والفيروز ، يغطى معصميها سواران ذهبيان سميكان ، ويدور حول وسطها حزام عريض من الذهب الملون المرصع بالجواهر ، إنها ابنة الملك الراحل وزوجة ملك البلاد وأم ولى العهد خنوم خوفوى ، الملكة حُتب حِرس.

أخذ كبير الكهنة الذى يتم العمل تحت إشرافه يشرح لجلالتها خطوات سير البناء ، وطبيعة الأرض ونوع الأحجار والصخور الموجودة فى الطبقة العميقة التى يشيدون فيها بيتها الأبدى ، بعد أن انتهى من كلامه تراجع عدة خطوات مفسحاً الطريق للمهندس الذى تقدم منها وفى يده اسطوانة ورقية ، فردها أمامها فبدت خريطة تفصيلية لسراديب وممرات وحجرات البيت الأبدى ، استمعت باهتمام ثم أشارت إلى الحقول التى تبدو فى نهاية الأفق وسألت المهندس.

– هل يمكن للمياه التى تروى هذه الزراعات أن تتسرب إلى باطن الأرض وتصل إلى هنا ؟

– لقد درسنا هذا الأمر بعناية يا صاحبة الجلالة ، الأرض هنا جافة تماماً ومرتفعة عن مستوى الأرض المزروعة فلا يمكن لمياه الرى أن تصل إلى هنا مطلقاً ، إنها بعيدة تماماً.

هزت رأسها موافقة ولاحت ابتسامة على وجهها.

– أنا على ثقة من كفائتكم ، والآن أريد أن أرى ما تم فى الداخل.

تقدمت وأمامها الكاهن والمهندس يتبعهم بعض ضباط الحرس.

الهواء كان يحمل شذا عطرها القوى إلى حيث يقف على مبعدة حرنخت مع بقية العمال ، كانوا جميعهم يسترقون النظر إليها وإلى وصيفاتها الجميلات ورائحة العطر تسكرهم وتدير رؤوسهم !

فى نهاية اليوم جلس العمال حول المأدبة التى أمرت بها الملكة مكافأة لهم ، الصنف الرئيسى فيها من لحوم الثيران غالية الثمن التى لا يأكلها العمال إلا نادراً ، بالإضافة إلى أوز وبط وكميات وفيرة من أرغفة الخبز وأنواع متعددة من الفاكهة ، مع كمية معتبرة من الجعة والنبيذ ، كان الطهاة يطبخون الطعام ويقومون بشوى اللحوم أو قليها فى الزيت ، والعمال يمرحون ويتعالى صخبهم وهم يستمتعون بالأكل والشراب.

قال أحد الرجال الكبار وهو يحتسى النبيذ بعد أن امتلأ بالطعام.

– يالروعة رائحة عطر جلالتها ، مازلت أشمها حتى الآن.

علق زميل له مبتسماً.

– يقولون إن الوصيفات يدهن جسدها كله بالعطر ويدلكنه فى جلدها مع أنواع من الزيوت تجعله ناعماً ومشدوداً لا تظهر فيه التجاعيد !

رد الأول كالحالم وهو منتشٍ وقد غالبه النعاس.

– آه .. ياليتنى أقوم بعمل الوصيفات هذا.

– هاها .. بجلد كفيك الخشن هذا ، الذى يشبة جلد التماسيح هاهاهاها ..

ابتسم حرنخت فى سره بينما تفكيره يحوم فى مكان آخر ، الذهب .. الذى ترتديه الملكة ، ما أروعه ، كمية هائلة من الذهب تكاد تغطى جسدها كله ! استغرقه التفكير فى الذهب وهو جالس مع هذه المجموعة من العمال المهرة ، الذين تم اختيارهم من بين العاملين فى تشييد البيت الأبدى للملك ، بيت من الحجر هائل الحجم لم يسبق له مثيل ، على شكل هرم يرتفع نحو السماء ، ويقع على مسافة قريبة من المكان الذى يجلسون فيه.

 

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات