أدب الرحلة العربية المعاصرة إلى الهند

11:01 مساءً السبت 9 ديسمبر 2017
أشرف أبو اليزيد

أشرف أبو اليزيد

رئيس جمعية الصحفيين الآسيويين

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

indiaلَمْ تُعنَ الرحلة العربية باكتشافِ الأرض وحسب، وإنما ظل همُّها اكتشافَ الإنسانِ الآخر، وإعادةَ اكتشافِ الذات، في الوقت نفسَه. وإذ يربط المحللون بين كشوفات أدب الرحلة على عمومه والحملات الإستعمارية اللاحقة عليها، باعتبار الأدب قد مهّد لها، وعرَّف بجغرافيتها وتضاريسها، وربما غرس بذرة الطمع في خيرات البلدان المحتلة لاحقا، فلا ننكر أن الاستعمارَ بفضل نضال الأمم وثوراتها، وبفعل حركات التحرير، قد زال، ولكن بقي الأدب شاهدا على منجز ثقافي حي.

وقد عُني الباحثون بأدب تلك الرحلات العربية القديمة، حتى باتت أسماء هؤلاء الرحالة أمثال ابن بطوطة وابن جبير وابن فضلان أيقوناتٍ تستدعيها الذاكرة الشفاهية باستدعاء ذلك النوع الأدبي، على الرغم من تفاوت ما قدمته، في المتن وفي المقاصد.

لكن الرحلة العربية إلى العالم، على نحو عام، وإلى الهند، بشكل خاص، لم تتوقف عند القرون الماضية، ولذلك اخترتُ أن أركّز  في هذه الورقة على الرحلة العربية المعاصرة إلى الهند في القرن الأخير.

يقول الإمام الشيخ حسن العطار، شيخ الجامع الأزهر في عصر محمد علي باشا،”أن السفر مرآة الأعاجيب، وقسطاس التجاريب” (1)، وليس أكثر برهانا من رحلات الهند على هذه المقولة التي تحمل الدهشةً صنوًا للعلم.

فالرحلة هي “عين الجغرافيا المبصرة” كما يقول العالم الجغرافي المصري صلاح الشامي (2) الذي يعتبر الرحلة جزءًا من حركة الحياة على الأرض. ومن ثم لا يمكن النظر إلى الحياة الطبيعية خارج سياق الرحلة، ولا يمكن الوثوق بها خارج إطار توثيقها، وهو توثيق يتفاوت بين جفاف العلم، وثراء الأدب، لكنه يجمع بينهما على نحو كبير.

وسوف أقدم لأنواع الرحلة العربية المعاصرة إلى الهند وفقا لمتونها:

رحلة عربية إلى الأدب الهندي، وهي الرحلة التي ينقل فيها العربي متنا من متون الأدب الهندي إلى لغته العربية، بكل ما تقدمه هذه النصوص الأدبية من نظرة موسوعية، تجمع التاريخ والآداب والفنون، ونموذجها ملحمة (الراميانة) التي ترجمها شعرا وديع البستاني وحققها الدكتور خليل الشيخ وراجعها البروفيسور ذكر الرحمن (3)

وهناك رحلة أميرية إلى الهند تعود للعام 1915، تحمل عنوان (سياحتي في بلاد التيبت الغربية وكشمير)، للأمير يوسف كمال، الرحالة والجغرافي المصري، الذي تميزت كتابته بالأمانة والموضوعية(4)

والنوع الثالث للرحلات التي سنعرض لها هنا هو رحلة دبلوماسية للأديب السفير الدكتور إيهاب الشريف الذي جعل من سنوات سفارته إلى الهند رحلة لاكتشاف الزمان والمكان والإنسان، فكان كتابه الموسوعي (الهند .. أسرار ومفاتيح) في 497 صفحة بعدسة وقلم د. إيهاب الشريف (5)

أما النوع الأخير فهو الرحلات الصحفية التي قمت بها أنا وزملائي في مجلة العربي، منذ تأسيسها في 1958، وشكلت رافدا معاصرا للتعريف بالهند الجديدة والمتطورة بالحرف والصورة.

الراميانة

زار مترجم هذه الملحمة الشاعر والباحث وديع البستاني الهد عام 1912، ومكث فيها عامين، ثم عاد إليها عام 1915، وبقي فيها للعام التالي. هناك انكب على آداب الهند القديمة، وشرع يقرؤها مستعينا بالترجمات الإنجليزية والفرنسية وباللغة السنسكريتية التي عرفها، فنقل ملحمة المهبراته، وهي إحدى الملاحم الهندية الكبرى، إلى العربية شعرا، كما ترجم إلى العربية بعض من أشعار أشهر أدباء البنغال وهو رابندرانات طاغور (1861 ـ 1941)، وكان طاغورقاصا شاعرًا ومؤلفا موسيقيا ورسامًا وكاتبا مسرحيا، ونال في 1913 جائزة نوبل للأدب. وقد كتب البستاني عن زيارته لمعهد طاغور واستضافته هناك للاثة أيام في مجلة الهلال، مايو 1916، رفعه به إلى مصاف القديسين: “يمتلك نفسا سامية، تنبعث من عينيه أشعة سنية، وتسيل مع صوته الرخيم العذب نغمات”.

من ثم كان طبيعيا للأديب المترجم الزائر أن يقدم الملحمة الشقيقة للمهبراته وهي الراميانة، الت نشرتها جمعية متخرجي الجامعة الأمريكية بعد وفاته.

وتُنسب الراميانة المتكئة على الموروث الهندي المقدس إلى الشاعر فالميكي الذي يظهر بين شخصيات الملحمة، الممتدة حتى 24 ألف بيت من الشعر، وجاءت في نصها العربي في 287 صفحة.

ولعلي أجد أدب الرحلة إلى الهند حيا في هذه السطور الشعرية، حيث يسجل وصفا للشتاء في بَنْشَفَات:

وخريفٌ ذهبي جاء بالطَّلِّ وراح |       وشماليُّ السَّوافي صفّقت فوق البطاح

فهو وقتٌ خَضْرميٌّ من شمال وجنوب         |حلّ والليلُ تولى سَحَرًا بعد غروب

فابتغى راما وُضُوءَ الصُّبح في الماء الفُرَاتِ  | وبإبريق تهادت خلفه أختُ المهاةِ

قال راما لأخيه البطل البادي الحنان | صف شتاء الهند وصفا صادقا يا لقشمان

“شبم الأرواح نور فوق نور فوق نور |                 كعروس تتجلى بسرور وحبور

لبست أزهى وأبهى ما تسنى عندها | فهي تشدو وتغني وتحيي هندها” (6)

في هذه الرحلة الأدبية التي قام بها البستاني عبر ترجمة أثر أدبي هندي، سكب الرحالة العربي بعضا من روحه وثقافته، حتى كأنَّ المفردات التي تشرّبت بروح النص القرآني قد تسللت إلى الملحمة، مثلما نفذ الشاعر المترجم إلى روح الهند.

وبعد نحو قرن من رحلة البستاني إلى الأدب الهندي، مررتُ بالتجربة ذاتِها مع شاعر معاصر  هو هيمانت ديفاتي، ولعلي حين ترجمت ديوانه (فضاء رتيب يبعث على الكآبة)، سجلتُ لا إراديا ذلك التحول في الهند المعاصرة، من أجواء الملاحم في البراري والفضاءات المفتوحة في الراميانة، إلى سماوات المدن المزدحمة والغرف المغلقة في الديوان.

إن قصائد هيمانت ديڤاتي  أشبه بمرثيات لتاريخ اندثر وأحلام تكسرت وصور ذهنية تم مسخها، خاصة منذ حقبة ما بعد الاستقلال السياسي للهند قبل نحو 70 عاما. في هذه العقود الأخيرة فقد كل شيء معناه، حتى قصص الطفولة التي كانت تلوِّن الأمسيات، في غيبة الكتب، تلاشت، رغم وجود  تلال الكتب اليوم. بالأمس كانت هناك قصص بلا كتب، واليوم هناك كتب بلا قصص، بكل ما تحمله مفردة القصص من معنى، قد يوازي طعم كل شيء مميز في الحياة:

“حطمت آنية الماء المصنوعة من الطمي

التي أهداها لي صديق

الهدية الوحيدة التي روت العطش

بالعطش

فلم يبق بعدُ عطش

والآن، بعد تجرُّع زجاجةٍ تلوَ الأخرى من المياه المعدنية

يبقى الظمأُ حيا لا يُروى عطشُه”. (7)

رحلة الأمير

في الوقت الذي انطلق فيه رحالة الغرب إلى الشرق باحثين عن صورة رسمتها لهم خيالات ألف ليلة وليلة، بكل ما فيها من سحر ومروق عن الواقع، فتقصدوا صيد الغرائبي والمثير، لغذوا مخيلة الأوربي النهم لهذه الصورة النمطية عن الشعوب دونهم، جاءت الرحلات العربية ممن “يحملون إرثا فكريا عريقا يتسم بالتسامح، والاتساع، والإيمان ـ وهذا هو الأهم ، باختلاف الآخر، واحترامه، مهما تباينت عاداته ومعارفه ونظمه الاجتماعية والخلقية، وأديانه ومعتقداته” (8)

ورحلة الأمير يوسف كمال واحدة من هذه الرحلات، قصد فيها التيبت الغربية وكشمير للصيد والاستجمام إبان سنوات الحرب العالمية الأولى، وقد جعلها على شكل يوميات، يقطعها بالتاريخ المستقى من قراءاته، قبل أن يعود لتدوين مشاهداته، وهو يقول في ختامها برسالة إلى الأمير كمال الدين حسين، يتحدث فيها عن هذه الرحلة:

قد انتهت سياحي الثانية في البلاد الهندية وكشمير وإقليم التبت الغربي، وهانذا في وطننا العزيز من زمن، وقد غادرت الأقطار الهندية، ولكنني أشعر بأن كل ما رأت عيناي مطبوع في مخيلتي، ومحفوظ في ذاكرتي، على تلك اللوحة الحافظة التي ما زالت تذكرني بتلك البحار الواسعة التي عبرتها، والبلاد الجميلة التي رأيتها، والجبال الشاهقة التي علوتها، والغدران العديدة التي شربت من مائها، والغابات الكثيفة التي نزلت بها، والحيوانات الوحشية التي طاردتها، وتلك الأمم المختلفة التي عشرتها، وتلك العادات المختلفة التي شاهدتها، ووجدت من بينها ما يشبه ما هو معلوم عندنا ومتبع في بلادنا، وما هو  مجهول لنا لعدم وجوده عندنا…

لما وصلت إلى أول بلدة من بلاد الهند، وهي مدينة بومباي، واختلطت بأهلها قلت في نفسي: هل أنا في مصر، أو يكفي المرء أن يكون في بلاد شرقية مهما كانت، حتى يرى من التشابه العظيم ما يجعله يظن أنه لم  يفارق بلاده؟ ولكنني أدركت في الحال أنللمؤلفات التي قرأتها في وصف بلاد الهند، وأهلها، تأثيرًا أخذ يتغير، خصوصا لما رأت عيناي شرقيي بلاد المشرق، فأردت أن أزيل عن نفسي كل تأثير مما علمته بوساطة غيري وأخذت أرى، وأقيس ما أشاهده بما في بلادي” (9)

دبلوماسي في الهند

يعد (الهند .. أسرار ومفاتيح) أول كتاب يقدم كل الهند بعيون عربية ورؤية عربية، حيث يقول مؤلفه الدبلوماسي والكاتب والمصور الدكتور إيهاب الشريف:

متعة الألوان التي تستهوي المصور ليست كل ما في جعبة الهند … فهذا البلد استطاع أن يخرج أفكارا تزيد أضعافا عن عدد كانه  الذي تجاوز المليار نسمة، والغريب أنهرغم اختلاف وتنوع تلك الأفكار من النقيض إلى النقيض، إلا أنني لم أجد صعوبة في إيجاد همزة الوصل بين كل هذه الإبداعات الفكرية والفلسفية : احترام الإنسان، وتقديس الفكر”. (10)

تبدأ فصول رحلة الشريف الموسوعية بصفحات مصورة تمهد للنصوص المختلطة بالمشاهد، وكأنه  يريد أن تدخل أجواء القراءة، ويستحثك بمشاهد جامعة لتدخل في مدار المكان. فخريطة الفهرست المبتكرة تبدأ بتقديم عدة عناوين، قليل من  الجغرافا (ص 8)، معالم في تاريخ الهند (ص 44)، الناس (ص 58)، أديان وعقائد (ص 112)، إبداعات حضارة عبقرية: عمارة / مطبخ / صناعات / فن وثقافة (ص 36)، قبل يستكمل الفهرست بخريطة تحمل أسهما بفصول مقسمة إلى الشمال والشرق والولايات الداخلية والجنوب، والغرب. فماذا كتب الرحالة عن كيرالا؟

أهلا بكم في بلاد التناقضات الحلوة تلك … فكيرالا ، في أقصى جنوب شبه القارة تعد من أكثر ولايات الهند بعدا عن الدول الأخرى المجاورة، ويحاصرها بحر العرب، ومع ذلك هي من أكثر الولايات انفتاحا على العالم، وأهلها من أكثر سكان الهند تعلما وتسامحا” (11)

الصور الموزعة على صفحات رحلة كيرالا تحمل عناوين موحية: في أرض المعابد والنخيل .. كيرالا .. معبد تريفيكرامانجلام)، .. ونافذة السيارة تتيح لك مشاهدة فيلم لا حدود لعذوبته وتنوعه، تريفاندروم… حاضرة كيرالا في حالة حصار جميل تفرضه جيوش من النخيل، إذا لم تكن هندوسيا، ولم تكن ترتدي الدهوتي، فلا تفكر أبدا في دخول معبد بادما نا بهاسوامي، شمس غاربة على ساحل كيرالا…

التاريخ والأسطورة يقترب أحدهما من الآخر إلى أقصى درجة في كيرالا، حيث يؤمن الهندوس أن الرب فيشنو، في تجسده السابع، بارا سوراما، ألقى ببلطة كان يحارب بها، في عرض البحر، فظهر للتو شريط من الأرض هو كيرالا، خصصه فيشنو للراهما، وبما أن تلآريين قد  غزوا شمال الهند واتعنقوا العقائد ذاتها، فقد اجتذبتهم كيرالا إلى أقص الجنوب، بقداستها الدينية، فقاموا بغزوها، وترتب على ذلك اختلاط العناصر الآرية القادمة من الشمال بالأهالي ذوي الأصول الدرافيدية، ورغم هذا الاختلاط فقد عرفت كيرالا كيف تحافظ  على شخصيتها الخاصة، وبقيت بعيدة عن  سيطرة الحكومات المركزية فترات طويلة، كما أن كيرالا بأجزابها السياسية الحديثة كانت أول ولاية هندية يصل فيها الشيوعيون للحكم عقب انتخابات 1956 (12)

 

حفدة ابن بطوطة

منذ إنشائها في الكويت برئاسة تحرير العالم المصري الدكتور أحمد زكي سنة 1958 أصبحت  مجلة العربي باستطلاعاتها الشهيرة رمزا لأدب الرحلة العربية المعاصرة، فهي التي أحيته أولا بتقديمرحلاتها إلى ربوع الوطن العربي، ثم إلى العالم الإسلامي، قبل أن تنفتح على الدول جميعها، في أكثر من ألف رحلة ورحلة.

وانطلق حفدة ابن بطوطة إلى آسيا، والهند خاصة، فكانت لهم صولاتهم وجولاتهم، وقد صدرت ثلاثة كتب تضم فصولا منها رحلات عربية معاصرة إلى الهند؛ الأول هو “آسيا بعيون العربي” (13)، بأقلام نخبة من الرحالة في 496 صفحة، و”جنوبا وشرقا | رحلات ورؤى” (14) للأديب المصري محمد المخزنجي، وأخيرا “نهرٌ على سفر” (15) لأشرف أبو اليزيد.

في الكتاب الأول والثاني يتكرر فصل ممتع نسافر  عبر صفحاته مع المخزنجي في الهند مع سحر المثلث الذهبي ؛ دلهي ـ أجرا ـ جايبور، فيقول:

إنها الهند، وطن طاغور، وغاندي، وتاج محل، وحدئق المغول، وأكواخ الفقراء، ومعبد الشمس، وقصر لرياح، وشجر التين البنغالي، والأفيال الصاعدة إلى القلعة القرمزية،والأيقار الهاجعة في الشوارع، والقردة المطلة من الشبابيك، والطواويس السارحة في الحدائق، وقصائد العشق المغناة قعودا، وحلاوة وجوه فقيرات راجستان، ولهيب أطباق التندوري، ونظام الاتصالات الفضائية المتفوق، والطاقة الآتية من المحطات الكهرونووية، والعربات التي تجرها الجمال والثيران، ومخازن الكتب العالمية زهيدة الأسعار، ومرقصي الأفاعي والنسانيس والدببة، إنها الهند التي قطعنا على أرضها ألف كيلومتر تربط بين ثلاث نقاط ترسم ما يسمونه بالمثالث الذهبي، وهو ذهب من تنوع الألوان والأغام والروائح وأصداء التاريخ وأصوات العصر“. (16).

وفي “آسيا بعيون العربي”  جولة مصورة أخرى بقلم يحيى مطر وعدسة الفنان جعفر إصلاح، وهي تأخذ الرحلة إلى راجستان أيضا تحت عنوان “قصور وحكايات راجستان”، وهي رحلة تاريخية تحكي فيها الصورة الواقع ويتجول بها الحرف في الماضي.

14390877_1804132449830112_3378529352856692831_nوقد اخترت من رحلاتي إلى الهند اثنتين لأقدمهما في كتابي “نهر على سفر”، الأولى “تحت سماء كوجرات” التي استهللتها كما اعتادت مدرستنا الصحافية بتقديم موجز للرحلة:

مساجدٌ ومعابدٌ، شيوخ يتعبِّدُون آناء الليل، ونسَّاك زاهدون عن ضجيج النهار، مناراتٌ تهتزُّ، وأخرى تختفي، بوابات مهجورة، ودروب مزدحمة، بيوت ليس لها من سمت البيوت شيء، وقصور تستعيد أبهة عصور السلاطين، متاحفٌ نادرة في عرض الطريق، ومقتنيات آسرة تحت حراسة مشددة، أضرحة تعانق قبابها المزركشة السماء، وقبور تفترش توابيتها الحجرية الأرض، غابات من صفيح، وأشجار من أسمنت، وأسوار من خيش، وشواهد من حجر، وهواء من رماد، إنها السماء التي تحتها تنام أحمد آباد وسورات وفودرا وغاندي نَجَار، وكثيرٌ من مدن محافظة كوجرات الهندية، متلحفة بألف لون ولون”. (17)

من نافذة الطائرة، بين بومباي وأحمد آباد، وقبل أن نختفي في السحاب، يسرح النظر في السواحل الهندية الشاسعة. هنا مر الغزاة والتجار على موانئها، وهو ما جعل للهند نصيب في تجارة العبيد. في ولاية كوجرات وحدها 41 ميناء، وفي بعضها استقر بالشتات طائفة السيديين، وهم الأفارقة ذوو الأصول الحبشية الذين جلبوا بسبب تجارة العبيد، على متن السفن البريطانية والهولندية والبرتغالية، وغيرها. إن الحضور البحري القوي تاريخيا للهند في بحر العرب، وارتباط البلاد بشبه الجزيرة العربية وأفريقيا أدخل الهند في منظومة التجارة (العالمية) آنذاك، وأسهم في وجود هذه التجارة.

يعيش اليوم بمناطق الهند الغربية في كوجرات وكارناتاكا وأندريا براديش وماهاراشترا أحفاد هؤلاء الذين جلبوا من أفريقيا، لن نرى ذلك الخط الوراثي في ملامح وجوههم السمراء وحسب، بل وفي العمارة التي تسللت لتنقش بصماتها على الأبواب والنوافذ، وتدق بإزميلها على الأفاريز والشرفات، وتبقي معالمها في الثياب والسلوك. لقد بقي في كوجرات وحدها نحو 20 ألفا منهم، انخرطوا في الأعمال الدنيا بالمناطق العمالية، ونادرا ما تجدهم يفلحون داخل القرى. لقد أصبحوا شريحة من نسيج الفقراء الضخم الذي تصافحه العين في المناطق القديمة من المدن والموانئ الكوجراتية. كان يطلق على هؤلاء اسم حبشي، ثم لقبوا باسم سيدي، وهم الأجراء. وهكذا فإن من لم تقطفه في أفريقيا يدا تجارة العبيد عبر المحيط الأطلنطي حصدته يدا الرقيق عبر المحيط الهندي. ويقال إن معظم هؤلاء جاءوا من إثيوبيا، ولكن منهم أيضا من جاء من منابع النيل في الصومال وغيرها. وفي القرن السادس عشر حين بزغ نجمُ الأوربيين ـ ومنهم البرتغاليون ـ في المشهد الهندي، تم جلب العبيد من مناطق إفريقية قاصية داخلية وساحلية مثل موزمبيق، وتنزانيا، ومالاوي، والكونغو.

على العكس من هؤلاء، القادمين إلى كوجرات من أفريقيا قسرًا، وعلى النقيض من سلالتهم الفقيرة، يعيش المسلمون المهاجرون من كوجرات في جمهورية جنوب أفريقيا. ففي إحدى الضواحي المتاخمة للعاصمة جوهانسبرج توجد أغلبية هندية كوجراتية مسلمة، وقد تأجج حضورهم خلال الحرب على أفغانستان بملصقات وزعوها تندد بالحرب، ووزع الكثير منهم شرائط صوتية معادية. هؤلاء يقولون إنهم ينتمون للإسلام أولا وأخيرًا، وإنهم ليسوا هنودًا لمجرد أن آباءهم وأجدادهم جاءوا من كوجرات، وبالرغم من ذلك لا تزال عائلات كثيرة منهم تمارس حياتها وفقا للطقوس الكوجراتية في الأعياد والملابس والزواج، حتى تلك العادات المقتبسة ثقافية من تقاليد الهندوس”. (18)

.

الرحلة الهندية الثانية لي في “نهر على سفر” كانت إلى “عرش السُّلطان أكْـــبر” في راجستان، وكانت الرحلة من دلهي إلى أجرا، توقفت في محطاتٍ كثيراتٍ، كُنتُ أقرأ خلالها صفحاتٍ من كتاب «طبقات أكبري» لمؤلفه نظام الدين أحمد بخشي، الذي يضم ـ بلسانه ـ ذكرًا مجملا عن «جلائل فتوحات، وعظائم حالات، أتباع الحضرة المقدسة المنزلة لمركز دائرة الرأفة وقطب فلك الخلافة السلطان السعيد، ملك الملوك العادل، مُظهر القدرة الإلهية، صاحب التأييد السماوي، رافع عرش العظمة والجلال، باني قصر الدولة والإقبال، رافع المسند الحقيقي والمجازي، أبي الفتح جلال الدين محمد أكبر بادشاه غازي، خلد الله ملكه، وأيد ظلال عدله وإحسانه». كنتُ أبحث عن شخص امتلك كل هذه الصفات، لكنه بقدر ما مدحه وزيره وصديقه أبو الفضل بن المبارك، أشهر مؤرخي عصر السلطان جلال الدين أكبر، في كتابه «أكبر نامه»، الذي تناول به أحداث ست وأربعين سنة قضاها السلطان بالحكم، بقدر ما نال من هجاء، فما كان من مناقب عند محبيه، أصبح مجرد مثالب عند كارهيه، وبين المحبة والبغض، وبين الحقائق والأساطير، وبين دلهي وأجرا، ومدن وعواصم أخرى، وجدت طرفا من سيرة ذلك الرجل.

والواقع أنني في هذه الرحلة كنت بدأت نهجا جديدا في كتابة الرحلة الاستطلاعية؛ اختيار شخصية ثم الرحلة على خطاها، في التاريخ، واقتفاء آثارها في الحاضر، كانت ذلك ما حدث في رحلة ابن فضلان في تتارستان، ورحلة الست الحرة الملكة المغربية التي ولدت في شفشاون وحكمت تطوان، وهي هنا رحلة على آثر السلطان أكبر.

وكما اعتدت أن تكون الرحلة عينا على العمارة والفنون، مع الآداب والتاريخ، أعود إلى هذا المقطع:

“كانت مساقط الأبنية المغولية في رحلتنا ذوات مساقط، وهي صحون واسعة محاطة بأروقة مسقوفة أحيانا بقباب صغيرة، ومن النافورة التي رأيناها أمام الضريح، والحدائق التي أحاطت بالقلاع، كما شاهدناها من عل، تتضح العناية الكبرى بتنظيم الحدائق والمياه، وهو إرث من أسرة الصفويين في إيران، وشاعت العقود المدبب الفارسية، (قسمها العلوي مقعر نحو الخارج) والفاطمية (بقوس علوي مستقيم)، كما انتشرت القباب ذوات الأقواس المدببة والدائرية ومعظمها من طبقتين بينهما فراغ واسع، مما يجعل عنصرها العلوي يشبه الكأس المقلوب. أما الأروقة فهي مظللة أو غير مظللة، تعلوها قبة أو قنطرة. وهناك رفارف بارزة في الواجهات أو فوق الأروقة أو أسفل طاسة القبة من ألواح حجرية كبيرة أو رخام محمول بواسطة مساند حجرية، وقل استعمال الأعمدة واستخدمت العضائد بدلا منها.

أما مآذن العمارة المغولية فقدت من الحجر، وهي تبدو مضلعة أو اسطوانية مخروطية ذات شكل نخلي، زخارفها، وزخارف الجدران في المنشآت تنتهي بمقرنصات ومحاريب ونقوش حجرية، وتطعم حجارة البناء الأساسية بحجارة من لون مختلف (خلط) كالرخام. وقد شاع استخدام الرخام الأبيض كمادة أساسية للبناء، وكثيرا ما نجد فسيفساء حجرية أو رخامية أو أحجار كريمة مغروسة أو مخلوطة مثلما خلطت قطع الزجاج الملون على الجدران لتعكس أشعة الضوء بافتتان ملون. وقد استخدمت الرسوم الجدارية الملونة بالحوائط والسقوف والعضائد كبديل عن الترصيع لسرعتها وقلة كلفتها، مثلما رسمت المواضيع الزخرفية بالألوان فوق أرضية بيضاء من الكلس أو الجص أو عجينة الصدف، بحيث تبدو كالرخام الناصع البياض. عمارة ستبلغ قمتها في ضريح حفيده شاه جهان وزوجته المحبة، والمعروف باسم تاج محل، والذي اختتمنا به رحلتنا في راجستان على خطى السلطان أكبر (19).

أما ما نختتم به ورقتنا فهو الإشارة إلى أن الرحلة العربية المعاصرة إلى الهند أكدت على أن هذا البلد القارة يظل مقصدًا للرحالة العرب على مختلف مشاربها، وأن أدبيات الهند في الإبداع ووثائقها في التاريخ تظل مصدرا للإلهام، كما أن الصورة الفوتوغرافية قدمت للرحلة المعاصرة بعدا إضافيا دون أن تقلل من قيمة النص المكتوب، وأن الاهتمام بنشر أدب الرحلة العربية المعاصرة يتنامى، ليس فقط باعتباره بلد العجائب، بل لكونه بوتقة إبداع معماري، وحاضنة حضارات عريقة، وشعلة إشعاع ثقافي، ونموذج حكم ديمقراطي.

الهوامش

  • أدب الرحلات، د. حسين محمد فهيم، عالم المعرفة، دولة الكويت، 1989 (ص 19)
  • أدب الرحلات، مرجع سابق (ص 21)
  • الراميانة: ملحمة مترجمة شعرًا / تعريب وديع البستاني ، تحقيق وتقديم خليل الشيخ ـ أبو ظبي: هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، كلمة 2012
  • سياحتي في بلاد التيبت الغربية وكشمير، الأمير يوسف كمال، حررها وقدم لها :جمال المحم، ارتياد الآفاق، الطبعة الأولى، أبو ظبي، 2004
  • الهند … أسرار ومفاتيح، د. إيهاب الشريف، المجلس الهندي للعلاقات الثقافية، نيودلهي، الطبعة الأولى، 2002
  • الراميانة، مرجع سابق (ص 144)
  • فضاء رتيب يبعث على الكآبة، هيمانت ديفاتي، ترجمة أشرف أبو اليزيد، سلسلة إبداعات طريق الحرير، القاهرة، 2016 (ص ص 9- 10)
  • سياحتي، مرجع سابق (ص 15)
  • سياحتي، مرجع سابق (ص 139)
  • الهند … أسرار ومفاتيح، مرجع سابق (ص 5)
  • الهند … أسرار ومفاتيح، مرجع سابق (ص 400)
  • الهند … أسرار ومفاتيح، مرجع سابق (ص 402)
  • آسيا بعيون العربي، إشراف وتحرير د. سليمان إبراهيم العسكري، العربي، وزارة الإعلام، دولة الكويت، 2010
  • جنوبا وشرقا. رحلات ورؤى، محمد المخزنجي، دار الشروق، 2011
  • نهرٌ على سفر، أشرف أبو اليزيد، سلسلة كتاب العربي، وزارة الإعلام، دولة الكويت، 2015
  • جنوبا وشرقا (مرجع سابق ص 119)
  • نهرٌ على سفر (مرجع سابق ص 116)
  • نهرٌ على سفر (مرجع سابق ص 120)
  • نهرٌ على سفر (مرجع سابق ص ص 149-150)
  • …………………………………………………………………
  • من أوراق مؤتمر التبادل الثقافي بين العرب والهند على مر العصور – نشر في بوابة الأهرام
  • ROUZATHUL ULOOM ARABC COLLEGE & POST GRADUATE & RESEARCH DEPARTMENT OF ARABIC, FAROOK COLLEGEو INTERNATIONAL SEMINAR ON CULTURAL EXCHANGE BETWEEN INDIA AND ARAB WORLD THROUGHOUT AGES”   from 22nd to 23rd, November  2017 at  Farook College Auditorium Cultural exchange between India and Arab world throughout ages

 

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات