ماجدة عمارة.. بيانيست “عابرة للهوية”

06:14 مساءً الخميس 14 ديسمبر 2017
  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

201089DC-4706-431D-B5E7-2EF2D8D9511Dفوشيا – فيينا – محمد عزام

ساقتني الأقدار إلى إحدى حفلاتها. كان البرنامج “كونشيرتو تشايكوڤسكي للبيانو والأوركسترا”.. وكانت مطبوعات الحفل تحمل اسم “ماجدة عمارة” وهو ما أيقظ فضولي وأعادني إلى ما سبق، وطالعته عن فنانة روسية من أصول مصرية كتبت عنها الصحافة القاهرية وتردد اسمها أخيرا في مختلف قاعات الموسيقى في العاصمة النمسوية. ولعلني هنا أقف تحديدا عند ما قالته ماجدة عمارة عن نفسها في حوار صحفي مع جريدة “القاهرة” أشهر الصحف الثقافية المصرية: “إنني أعتبر الفنان شخصا عابرا للهوية، والقومية، يبحث باستمرار عن كينونته في هذا العالم، وأعتقد أن الوقت الوحيد الذي أستخدم فيه هذا التعريف “البيانيست المصرية، أو ذات الأصول المصرية هو عندما أكون في القاهرة، ففي روسيا لا يكتبون أنني بيانيست مصرية، أما في الغرب فهم لا يشيرون الى الجنسية أبدا، ومن حيث المبدأ”.

ومع ذلك يمكن القول أن ماجدة عمارة، هي فنانة مصرية الأصل، روسية المولد، نمسوية الإقامة والعمل.. أصبحت رقما مهماً في عالم الموسيقى، كعازفة بيانو متميزة في فيينا، عاصمة الموسيقى، بلد موتزارت وجوزيف هايدن وفرانز شوبرت والكثيرين من أساطين الموسيقى العالمية..

لم تنتظر ماجدة القادمة من موسكو طويلاً قبل أن تدلف من البوابة الواسعة، التي يدقق حراسها في الهوية الموسيقية للقادم إلى ساحة قدس أقداس المدينة: صالات ومعاهد الموسيقى الكلاسيكية، التي تفاخر بها فيينا المدن الأوربية الأخرى..

ماهو مدون في صدر الهوية يكفي وزيادة كجواز مرور، البيانو كان عالمها، منذ أولى سنوات الطفولة.. تلمسته أناملها الصغيرة ولم تكن تجاوزت الرابعة من العمر. معه تلمست الطريق الى مدرسة «غنيسين» الموسيقية بموسكو، إحدى أشهر المدارس الموسيقية في روسيا وخارجها. ومنها انطلقت الى عالم المسابقات المحلية والعالمية، تشد من أزرها دراستها الأكاديمية في “كونسرفتوار تشايكوفسكي” بموسكو ذي الشهرة العالمية على يدى “سيرجى دورينسكي” صاحب الرقم القياسي العالمي الذي تجاوز المائة والسبعين، وهو عدد تلاميذه ممن حصلوا على أشهر الجوائز العالمية ومنهم ماجدة عمارة. وفي هذا الصدد نقول أن رمزى يسى عازف البيانو المصري العالمي كان الأول في هذه القائمة في منتصف سبعينات القرن الماضي..

2B21BA63-0E70-4996-99AC-8FD10F930D38ماجدة عمارة.. رحلة حافلة

لم يمض من الزمن الكثير حتى حصدت 11 جائزة عالمية ومحلية كانت خير معين لها في مسيرتها الموسيقية ونقطة الانطلاق الى زياراتها وحفلاتها في الكثير من بلدان العالم من اليابان شرقاً، وحتى الولايات المتحدة وكندا غرباً، مرورا بالنمسا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وأسبانيا وإيطاليا وغيرها من البلدان الأوروبية، التي انطلقت منها عائدة الى أحضان الوطن على ضفاف النيل حيث دار الأوبرا وقصر المناسترلي وقصر محمد على بالقاهرة، وأوبرا سيد درويش بالإسكندرية، وكذلك مكتبتها العالمية الشهيرة، التي قدمت فيها ومعها أجمل حفلاتها، التي حظيت بتقدير نقادها الموسيقيين ومنهم من قال: “ماجدة عمارة، ومع أنها لا تعيش في القاهرة، وترعرعت ودرست في بيئة روسية صرفة، إلا أن شيئاً ما في إرادتها وقدرتها على الإمساك بتفعيلة النص الموسيقي بعزيمة إيقاعية لا يخطئها المستمع وتدفعه الى البحث عن أصولها المصرية، الشرق أوسطية، الأفريقية”.

ولذا لم يكن غريبا أن تواصل ماجدة عمارة مسيرتها التي جمعت بين الدراسة الأكاديمية التي توجتها بالحصول على أعلى المؤهلات العلمية الموسيقية في “كونسرفتوار” موسكو، وجامعة فيينا للموسيقى، لتكون سبيلها الى عملها كأستاذة ورئيسة قسم البيانو بأكاديمية فيينا للموسيقى، والذي تجمع بينه وبين برنامجها الفني الذي تجوب به كبريات المدن والعواصم العالمية والعربية، كعازفة بيانو متميزة تقدم حفلاتها التي قالت عنها: “إنها تتراوح بين حفلاتها “الريسيتال” وبين “ثلاثي البيانو، ورباعي البيانو، وخماسي البيانو”. وقالت أيضاً “إنها تعزف كذلك مع مجموعتي موسيقى الحجرة: خماسي البيانو “سيزار” في موسكو، و”دويتو” مع عازفة التشيللو النمساوية “هارييت كريج””.

وأكدت يقينها من أن “موسيقى الحجرة لابد أن تحظى باهتمام أكبر، لأن هناك الكثير من الموسيقى الموجودة في هذا القالب، التي لا يعرف عنها الناس أي شئ، يكفي الإشارة إلى الحركة الرابعة من رباعي البيانو في سلم صول الصغير مصنف 25، وهي رقصة مجرية بديعة لا مثيل لها، كما أعاد كتابة الرباعي للأوركسترا آرنولد شونبيرج، أي أنه رأى أن الرباعي يعدّ سيمفونية متكاملة مكتوبة لأربع عازفين (ڤيولينه، ڤيولا، تشيللو، بيانو). هناك الكثير من الموسيقى الرائعة في ريبرتوار موسيقى الحجرة، التي لا نعرف عنها شيئاً”.

0E368179-228A-4E2F-B218-6E8CBC3564F9ماجدة عمارة.. والجوائز

في الثالثة عشر من عمرها حصدت الجائزة الأولى في مسابقة “جينيس ميوزيكال الدولية” (بوخارست عام 1998)، والتي كانت بداية طريق لسلسلة من الجوائز العالمية والمحلية ومنها الجائزة الكبرى في مسابقة “جايداموفيتش” الدولية، والجائزة الأولى لموسيقى الحجرة في “ماجنيتورجورسك” الروسية (ديسمبر 2007)، والجائزة الأولى في المسابقة الدولية السابعة عشرة، (كالياري ـ إيطاليا، نوفمبر 2008)، الجائزة الأولى في مسابقة “روبنشتين” (موسكو، 2001)، الجائزة الأولى في مسابقة موسكو المفتوحة (عام 2003)، الجائزة الثالثة في مسابقة “كابورالي” الدولية (سولموني ـ إيطاليا، 2005)، والجائزة الثالثة في مسابقة “هوروفيتز” الدولية (كييف ـ أوكرانيا، 2007).

ونذكر أن ماجدة كشفت في أحد أحاديثها الصحفية عن تأثير نشأتها الروسية ـ المصرية، وانعكاسها على أدائها وحبها لموسيقى الحجرة، التي قالت عنها “إنها تجد فيها القدرة على رؤية القضايا الموسيقية من أكثر من جانب، وقد أثرت نشأتي الروسية ـ المصرية في ذلك بكل تأكيد، أعتقد إننا نتحدث هنا عن “الكوكبية Cosmopolitism”، عن القدرة على أن تكون قادراً على الخروج من القالب الجغرافي، الإثني، الإقليمي، والتعامل مع الموسيقى بشكل مجرد، وقدرتك على قبول وجهات نظر أخرى، وعدم التمسك بوجهة نظر وحيدة. هناك دائماً طرق مختلفة للحقيقة”.

وخلصت ماجدة الى القول: “أعتقد أن الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية، وربما ممارستها، في إطار محدود في الصغر شيء مهم جداً، فعلاوة على أن الموسيقى تعمل على تطوير التنسيق العضلي العصبي عند الإنسان، فإنها تؤثر أيضاً على نفسية الإنسان وتجعله أكثر اتزاناً، وتوسع من مداركه ورؤيته للعالم. الأمر الذي أجده أمراً هاماً للغاية في عالمنا المضطرب”.

 

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات