صلاح عيسى … الأيقونة الصحفية لجيلنا

11:56 صباحًا الثلاثاء 2 يناير 2018
ناصر عراق

ناصر عراق

كاتب وروائي وناقد من مصر

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print
وجوه صلاح عيسى يتوسطها بورتريه للفنان محي الدين اللباد (1992)

وجوه صلاح عيسى يتوسطها بورتريه للفنان محي الدين اللباد (1992)

برحيل الأستاذ صلاح عيسى (1939/ 2017) تفقد الصحافة السياسية الساخرة رجلا من ألمع نجومها، كما يفقد اليسار المصري كاتبًا دؤوبًا عرف كيف يستخرج من عباب بحر التاريخ المتلاطم الأمواج الكنوز الخفية واللآلئ المنسية، ويعيد عرضها على الناس مشفوعة بتحليلات سياسية صائبة، وبلغة عربية لاذعة وممتعة.
عرفت الطريق إلى أسلوب صلاح عيسى في عام 1982 عندما كنت طالبًا في السنة الثالثة بكلية الفنون الجميلة بالزمالك، آنذاك وافق نظام مبارك، وكان في أول عهده، على السماح بإعادة إصدار جريدة “الأهالي” التي أوقفها الرئيس السادات ضمن حملته الأمنية على اليسار ورجاله وصحفه في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وكنت أنتظر يوم الأربعاء من كل أسبوع بفارغ الصبر لأهرع في الصباح المبكر إلى بائع الصحف على رصيف شارع 26 يوليو بالزمالك لأبتاع “الأهالي” وأبحث عن باب (الأهبارية) الذي يحرره الراحل صلاح عيسى، ثم أشرع في القراءة وأنا أسير في شوارع الزمالك مأخوذا بأسلوبه الساحر غير منتبه لما يجري حولي، متفاديًا عابري السبيل قدر استطاعتي حتى لا يحدث ارتطام في المشهد الفاتن للصباح.

نشر هذا البورتريه بريشة الفنان العبقري محيي الدين اللباد في الألبوم الثالث من سلسلة نظر وقدمه بأنه المؤرخ السوسة كتب!

نشر هذا البورتريه بريشة الفنان العبقري محيي الدين اللباد في الألبوم الثالث من سلسلة نظر وقدمه بأنه المؤرخ السوسة كتب!

لم أكن أعرف حينها ملامح الأستاذ صلاح، إذ لم تكن تنشر مع المقالات التي يكتبها صورة له إلا فيما بعد عندما بدأ يمهر يوميات الصفحة الأخيرة من الأهالي بتوقيعه، لكني فتنت بأسلوبه الرشيق وبراعته في التقاط التناقضات التي تزخر بها حياتنا السياسية والاجتماعية، فبحثت عن كتبه وبالفعل استطعت في تلك الفترة اقتناء كتابه (البورجوازية المصرية وأسلوب المفاوضة)، فأضاء لي طاقة نور ساعدتني على إعادة قراءة تاريخنا السياسي الحديث بشكل مغاير عما هو شائع ومكرور.
مع مرور الأيام استطعت اقتناء بقية كتبه مثل (الثورة العرابية)، (مثقفون وعسكر)، و(البرنسيسة والأفندي)، و(شخصيات لها العجب)، (تباريح جريح)، وغيرها، وأشهد أنه يملك مهارة عجيبة في سرد الوقائع التاريخية بمنطق متفرد مستنبطا نتائج مدهشة ومثيرة، ولا ريب عندي في أنه أحد الذين أسهموا بنصيب في تعزيز علاقتي بعشق التاريخ والاستزادة من القراءة فيه.
ومع عملي في الصحافة التقيت به غير مرة، وقمت بزيارته في منزله بالمهندسين مع “صديق قديم” لإجراء حوار معه عام 1991، إذ كان الإعداد لمؤتمر مدريد بين العرب والفلسطينيين وقتها يسير على قدم وساق، واعترض حزب التجمع اليساري على الأهداف الخبيثة وراء عقد هذا المؤتمر، ولم يقبل المشاركة، لكن الراحل لطفي الخولي أصر على الذهاب، وهو أحد رجال الحزب المرموقين ساعتها، وسألنا الأستاذ صلاح عن رأيه في ذهاب لطفي الخولي للمشاركة في مؤتمر مدريد وهو رمز من رموز حزب التجمع، فقال لنا: (إن الأستاذ لطفي ذهب بمفرده، ولا يمثل حزب التجمع)، ثم بسخرية مرة أضاف : (لم أكن أحب للأستاذ لطفي أن يشارك في هذا المؤتمر المشبوه، فإذا كنا سنفرّط، فلا ضرورة لأن نؤسس جبهة وطنية للتفريط) وضحك بعمق وغرقنا معه في الضحك!
وعندما تولى رئاسة تحرير جريدة القاهرة قمت بزيارته في مكتبه وهنأته، ودعاني للكتابة في صفحة الفنون التشكيلية مع الناقدة القديرة الأستاذة فاطمة علي، كما التقيت به مرتين في الكويت على هامش الندوة السنوية التي كانت تعقدها مجلة العربي. وأذكر جيدًا أن الأشقاء في الكويت نظموا لنا عام 2005 رحلة لزيارة (الأكواريوم/ المتحف المائي) الذي يضم أشكالا متنوعة من الأسماك، وجلست بجواره في الأوتوبيس الذي ينقلنا من الفندق إلى هناك، ودعوته إلى الكتابة في مجلة (دبي الثقافية) التي كنت مدير تحريرها، ورحب بالفكرة، وطلب مني أن أمهله بعض الوقت، ثم انتقل إلى الحديث عن أوضاعنا العربية العامة، ولما توقف الأوتوبيس عند المتحف المقام على شاطئ الخليج مباشرة أشار لي وبسمة خفيفة تكسو وجهه (ها قد وصلنا إلى الخليج الثائر) مستلهمًا الشعار الشهير المرفوع في فترة الستينيات (من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر).
أما المرة الثانية فكانت في عام 2007، حيث التقيت به فجأة في مطعم بالدور السابع في فندق شيراتون الكويت. آنذاك كنت بصحبة الناقد الكبير الراحل رجاء النقاش وزوجته والكاتب الكبير الأستاذ محمد المخزنجي، وكان هناك سوء تفاهم كبير بين النقاش وصلاح عيسى، حكى لي أسبابه بالتفصيل الأستاذ رجاء، ومع ذلك عندما التقى الرجلان فجأة تصافحا بمودة وأدب واحترام أذهلني، وقلت في نفسي (هكذا هم الكبار دومًا).
يبقى أن أشير إلى أن الأستاذ صلاح كان الأيقونة الصحفية لجيلنا، فمنه تعلمنا الكثير، ومن لغته المنطقية المبطنة بالسخرية المرة أدركنا كيف تكون الكتابة جادة وعميقة… وممتعة، وكم تحدثت مع شقيقي الأصغر الراحل (اسمه صلاح أيضا) عن حصافة صلاح عيسى في الكتابة، كما أنه يمتلك براعة في صياغة عناوين (حرّاقة)، تستلهم أمثالنا الشعبية أو مقاطع من أغنياتنا الشهيرة بذكاء، فمرة كتب فاضحًا أوضاعًا لا تليق (ما عدش فيها كسوف)، والعبارة مأخوذة من أغنية فايزة أحمد موفورة الصيت (يا أمّا القمر ع الباب)، ومرة رثى صديقه الحميم إبراهيم منصور بمقال دامع وضع له هذا العنوان الشجي (إبراهيم منصور… ده الأنس كان أنت)، مستعينا بما تقوله أم كلثوم بحسرة في تحفتها الخالدة (الآهات).
برحيل صلاح عيسى يختفي جزء حميم من ضمير الوطن.
مع السلامة يا أستاذ صلاح.

…………………

مقال نشرته جريدة القاهرة في عددها الخاص عن صلاح عيسى

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات