الفلسطينية كانت ولا تزال .. امرأة بحجم وطن

10:53 صباحًا الخميس 4 يناير 2018
عزة أبو العز

عزة أبو العز

كاتبة وناقدة من مصر

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

تابعت مثل غيرى صور وأخبار اليافعة الفلسطينية الشجاعة عهد التميمي ابنة بلدة النبي صالح  غربي رام الله وسط الضفة الغربية المحتلة والتى تم اعتقالها منذ أكثر من أسبوعين من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي  ووجهت لها نيابة الاحتلال لائحة اتهام أمام المحكمة العسكرية تتهمها بمهاجمة ضابط وجندي إسرائيلي بالإضافة إلى عدة تهم سابقة وهى مهاجمة عهد جنود الاحتلال وإلقاء الحجارة عليهم   .

pic_35576وضميري الإنسانى والمهني هو الذى يحثنى الآنعلى كتابة هذه السطور مع طرحى لسؤال مباشر للجميع حكاما ومحكومين ألا وهو .. إلى متى سيظل هذا الكيان الصهيونى يعربد ويستبيح الأرض العربية ؟

وإلى متى سيظل يهين ويعتقل ويعذب الأطفال والفتيات والنساء الفلسطينيات ؟

موضوع الفتاة الصغيرة الكبيرة عهد التميمي سيجعلنا نتعاطف ونشجب وربما ندعو عليهم فى صلواتنا كالعادة ولكن الحقيقة التى لا مفر منها أن الكيان الصهيونى اعتاد على سجن واعتقال وتعذيب الأطفال والفتيات والنساء الفلسطينيات منذ عدة سنوات .

ولى تجربة صحفية سابقة تواصلت من خلالها مع عدة جهات فلسطينية وتحدثت مع عدد من النساء الفلسطينيات المناضلات الرائعات بكل ما تحمله الكلمة من معنى , وكان ذلك لأجل نشر تحقيق صحفي قمت به عن الأسيرات الفلسطينيات داخل السجون الإسرائيلية ونشر فى مجلة حواء المصرية  فى 5 إبريل عام 1997 م العدد رقم 2115   .

أتذكر يوم أن أطلعت على كشف مؤسسة رعاية الشهداء والأسرى من فلسطين العربية الذى أثبت أن الأسيرات الفلسطينيات كلهن كن من البنات فى مقتبل العمر ما عدا السيدة (زهرة سعيد فرعوش) وتبلغ من العمر 39 عاماً والسيدة الآخرى كانت (أميمة موسى )وتبلغ من العمر 37 عاماً .. أما باقى الشابات فظروفهن الإجتماعية كانت شديدة القسوة .

وتصورت أنه بمجرد نشر مأساة الأسيرات الفلسطينيات داخل سجون إسرائيل سوف ينتفض الضمير  العربى والدولي لحالهن .. ولكن الواقع المرير يقول أننا نكتب ونشجب وندعو عليهم ، أما هم فينكّلون ويعتقلون ويعذبون بكل دم بارد .

فى ذاك التحقيق رصدت مجموعة من الحالات الإنسانية بالغة القسوة تدل على مدى وحشية هذا الكيان الصهيونى تجاه أطفال وفتيات ونساء فلسطين   , ومنهن من توفيت والدتها ووالدها مشلول الحركة مثل الفتاة  ( نهاية عبد الله ) 20 عاماً والسيدة ( لمياء معروف حسن ) متزوجة ومحكوم عليها هى وزوجها بالسجن مدى الحياة , وهناك من هى وحيدة والديها وتمثل لهما كل شيء مثل الفتاة أمنة إبراهيم .. هؤلاء نماذج قليلة من أمثلة كثيرة .

وقد أثبت لى ذاك التحقيق بسماعي لشهادة واحدة من الفلسطينيات التى عانت داخل سجون الاحتلال ولم ترغب فى أن يكتب اسمها وباطلاعي على كثير من الكتب الصادرة عن بعض الهيئات الفلسطينية المختصة عرفت أن الأسيرات الفلسطينيات يتعرضن لأشد أنواع التعذيب كالضرب المبرح بعصا غليظة والتعذيب بعملية يطلق عليها ( الشبح ) وفيها تعلق الأسيرة بواسطة قيد وتربط اليدان فى السقف وتتدلى كالمشنوقة لمدة دقائق معدودة ولفترات متعددة طوال اليوم وهذه العملية كفيلة بإصابتها بالشلل التام , كما تجرد الأسيرة من ملابسها وتضرب بعصا غليظة على كافة أجزاء جسمها ثم تتعرض للصدمات الكهربائية ويتم إطفاء السجائر فى الأماكن الحساسة من جسدها الذى تنهش فيه الكلاب المدربة ويتم تحريض الفتيات الصهيونيات اللاتى قبض عليهن فى قضايا الأداب والدعارة على مضايقة الأسيرات الفلسطينيات وتهديدهن بالاغتصاب بالإضافة إلى ذلك يتم تعذيب جميع أفراد أسرة الأسيرة أمامها للضغط عليها .

وقد أوضح لى هذا التحقيق كثيرا من قصص البطولة والصمود لمناضلات فلسطينيات أسيرات ولكنهن رفضن الذل داخل السجون الإسرائيلية ويكفى أن أدلل على كلامى هذا بقصة واحدة من عشرات القصص التى استمعت إليها فتركت فى نفسى جرحاً غائراً وألماً لحال هؤلاء الحرائر ولظروفهن بالغة القسوة والبشاعة داخل جدران السجون الإسرائيلية وهى قصة الأسيرة الفلسطينية  (فاطمة الحلبي )التى تم اعتقالها عام 72 وهى من أشد الأسيرات صبراً ومثابرة ً فقد تعرضت لكافة أنواع التعذيب حيث طلب المحقق الإسرائيلي من شيخ فلسطيني أن يعتدي عليها ولكنه رفض  فتم تعذيبه وتعذيبها , كما طلب من طفل فلسطيني يبلغ من العمر 14 عاماً أن يعتدي عليها فرفض فما كان منهم إلا تعذيبه وتعذيبها حتى وضعت فى سجن الرملة وأمضت فيه ما يقرب من الخمس سنوات كادت تفقد فيه بصرها , وأصيبت بالروماتيزم والتهابات المعدة والأمعاء وألام الكلى والظهر ثم نقلت إلى سجن غزة ثم سجن المسكوبية فى القدس ثم جسر الملك حسين لتلتقي بالحرية بعد خمس سنوات من العذاب الدائم والمرض .

واليوم أتمنى أن يكون للفضاء الإلكترونى المفتوح دوره فى مخاطبة الضمير الإنسانى وأن تجد عهد التميمي الصغيرة الكبيرة فى أن كل المساندة من الجميع كى لا تتحول هى الآخرى للعبة فى يد محقق اسرائيلى يلهو بها ويمتهن حريتها وأدميتها كما  أمتهن غيره من قبل حرية وإنسانية وأدمية فتيات ونساء فلسطينيات رفضن الخضوع والذل داخل سجون الاحتلال الإسرائلى .

وأقول لعهد الصغيرة الكبيرة أراك فتاتي امتداداً طبيعياً لبطلات ومناضلات فلسطينيات حفرن أسمائهن  فى كف الزمن بصمودهن ومقاومتهن لمحتل مغتصب للأرض , أنت امتداد طبيعي  لفاطمة برناوى أول معتقلة فلسطينية تلك المرأة الشجاعة التى قامت بوضع قنبلة فى سينما ( يون فى القدس فى أكتوبر 1967م) وحكمت عليها المحكمة العسكرية بالسجن مدى الحياة وخرجت بعد عشر سنوات متدهورة الصحة .

ولكن أملى يا صغيرتى الكبيرة ألا يكون مصيرك من سوء المعاملة داخل سجن الاحتلال كمصيرهن وأن تجدى ولو أقل القليل من يقظة ضمير هذا العالم الذى يغض الطرف دائماً وأبداًً عما يحدث لأطفال وفتيات ونساء فلسطين على يد محتل لا يفهم إلى الأن أنه لن يضيع حق ولن يستسلم شعب يكون فتياته رجال مثلك يا عهد

3-1-2018م

2 Responses to الفلسطينية كانت ولا تزال .. امرأة بحجم وطن

  1. السيد إبراهيم رد

    5 يناير, 2018 at 1:20 ص

    مقال أكثر من رائع حرفيا، وإنسانيا، ويشهد لكاتبتنا القديرة الأستاذة عزة أبو العز متابعتها القديمة للقضية الفلسطينية، والفلسطينية: الفتاة والمرأة والأم الحرة والسجينة، وينتهي بنداء يزلزل الضمير العالمي من أجل الفلسطينية السجينة الصغيرة عهد التميمي.. بارك ربي في قلمك، واهتمامك الصحفية الكبيرة…

  2. عزة أبو العز رد

    10 يناير, 2018 at 6:01 ص

    شكرى وتقديرى لمرورك العطر ادينا الكبير السيد إبراهيم ومع مدى بك باحثا وادي لا بارعا لا تبخل بالمتابعة والقراءة الجيدة بارك ربى فى جنابك ولا حر منى من متابع
    تك واهتمامك ا ديبنا الكبير.. تحياتى لحضرتك

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات