علبة السجائر من الفضة وفتيات النهر

05:46 مساءً الخميس 8 مارس 2018
مدونات

مدونات

مساهمات وكتابات المدونين

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

تكتبها  : سارة عبد العزيز، كاتبة من مصر

سارة عبد العزيز

سارة عبد العزيز

 

الوقت حوالي الظهيرة و ظلال أغصان الأشجار القائمة أمام البيت الراقي المهيب تلوح وتختفي على حائط الشرفة ترسم لوحة جدارية عظيمة ملهمة عن الخزلان الذي تعيشه سيدة وساكنة هذا البيت وكانت تلك ظهيرة يوم جديد يحتفل به العالم بأكثر الأعياد كذبا وهشاشة..

5C5B5419-86A0-46DB-8006-5FD2BDF9C395في طموح دائما ردىء للتعبير بشكل كرنفالي مفتعل عن اكثر المعاني دفئا وشجنا.. كان بالطبع عيد الحب في ركن ما من تلك الشرفة وسط غناء العصافيرالذي صبغ على المكان حالة من الأستقرار وشعورا بالألفة وكأن يسكن البيت عائلة كبيرة هانئة منذ أمد بعيد. في هذا الركن استقرت مائدة مستديرة عليها مفرش مزهر بلون البنفسج و فوقه كان هناك تلك العلبة ,علبة سجائر وحيدة يبدو انها قطعه انتيكة قديمة مصنوعة من الفضة المطعمة ببعض الفصوص لأحجار الزيرجون الأبيض الصافي ورغم تخلي بعض من تلك الفصوص عنها وفقا لعامل الزمن الا انها كانت تزداد جمالا تتغنى به في خجل ..وقد حفر برفق ورهافة على واجهتها فتيات جميلات يحملن قدر ماء وكأنهن أحضروها توا من النهر ليبدو مشهد اّثر من الجنة ..ولكن لأمر ما لم تستخدم تلك العلبة الصغيرة المرهفة كاوعاء لبعض السجائر الفاخرة هذا الأستخدام الذي يليق بقيمتها المادية والمعنوية حيث كانت تحمل ذكرى خاصة لصاحبة البيت مرتبطة أرتباط وثيق بهذا اليوم (عيد الحب ) الذي طالما حلمت أن يكون يوم لا يعوض في الذاكرة لتأتي نسائمه طبطبة ودودة وونس يعينها على باقي الأيام المؤلمة التي تعاني فيه مرار الوحدة والهجران .. كانت أبتاعتها االعام الفائت كهدية تصبو أن لا تنسى لزوجها الغائب دائما والذي أصر لسبب ما ان يحول تلك العلبة عوضا عن دورها الأصلي النفيس كحاوية سجائر الى منفضة يطفئ بها سجائره والتي غالبا ما كان يشعلها عقب عراك او صدام مع تلك السيدة المحبة التي كانت بالقدر الكافي من السذاجة في نظره لتفرح في عيد الحب بل وتمادت تصرفاتها الصبيانية لتبتاع له علبة السجائرالغبية هذه ..التي أبتاعتها هذا اليوم بعد أن جالت الشوارع تراقب العشاق والمحبين في عيدهم المنشود و في وله وحيرة وقد شاجت الأحلام الرومانسية المفعمة بروائح الفل و الياسمين مخيلتها تتسائل عن ماذا يمكنها ان تشتري له ؟ الزهور!! تحضرها دائما ولا يهتم بها وأوقات كثيرة حتى لا يلحظ وجودها وبعد تفكير طويل وساعات من التأمل أمام الفاتارين .. أخيرا أستمالت تلك العلبة عينيها وروحها الباكي وقد ملئته الشجون من أثر الخيبة والوحدة وأجهاد البحث .. بدت لها العلبة الصغيرة خلف الفترينة كأنها نائمة تنتظر من يوقظها من أحلامها لتحكي له ذلك الحلم عن تلك الفتيات القادمات من النهر وقد ببلت
اجسادهن مياهه العذبة بعد يوم يملئه الفرحة والعشق الاّثر..وكأنهن في طريقهن من الجنة الى الأرض شهدن ميلاد العالم في صورته الندية البكر قبل ان تبتلعه الأحزان وتتجلى
ماّسيه.. في فرحة كالأطفال أبتاعت العلبة بكل ما تبقى في حقيبتها من نقود عائدة بها الى المنزل تنتظره فور عودته قدمت له العلبة الفضية وهمست له في أذنيه تنشد له عام سعيد ووسط دهشته سئلها عن سبب المعايدة واصلت حديثها وكأن شعلة قديمة تسكن فيها منذ سنوات قد أنطفئت للأبد “أنه عيد العشاق ” جاوبها بفتور وقد بدى على وجهه الأرهاق وكأن شئ معتاد ملول تردد لماسمعه “اّسف ” على مائدة الطعام الذي أعدته بعنايه أرتعشت أضواء الشموع التي حرصت على أشعالها كاشفة لها شئ ما داخله يشعر بأمتنان لكن يأبى أن يفيض به لها ربما لكي لا تعتاد على تلك التصرفات التي أبدا لم يقدرها أو كانت في خاطره تعوق ما رسمه ل تلك العلاقة الزوجية بأن تكون في نصابها الصحيح محصورة في زواج سري ربما عابر أو يطول راضية بذلك على أمل التغيير الذي لم يأت أبدا .. بعد العشاء الذي جاهد فيه ليبدو رجل لائق داهمه النعاس وفي الليل استيقظ وأشعل سيجارة وبحث مطولا عن مطفئة سجائر ولم يجد.. حتى وجد تلك العلبة ليطفئ بها سيجارته وتملكه في تلك اللحظه شعورا غامض لم يفهم سببه بالانتصار وعندها كانت اّخر شكوكه بأنه سيد الموقف ومالك زمام تلك المرأه التي كان يخاف كثيرا أن تهجره وفي هذه الليله فيما يبدو وفي تلك اللحظة كما لوكان أقام داخله أحتفالية خاصة ل عيد العشاق الذي شعر به لأول مرة في حياته وعاد جوارها في الفراش مطمئنا .. بعد ذلك فشلت كل المحاولات المرهقة منها لأقناعه أن يستخدم العلبة كحاوية سجائر وليس كمطفئه.. حتى داهمها اليأس و الاستسلام ووصل بها الأمرفي بعض الأوقات أن تطفئ بها سيجارة عابرة هنا وهناك خاصة في ليال كان غائب فيها .. وتوالت الأيام و السنون و كانت المرأه تنتظر طويلا بينما العلبة الفضية تستقر في الشرفة مفتوحة خافية فتيات النهر في طياتها يغطيها بقايا السجائر المنطفئة لرجل غائب بينما في الداخل وبعيدا عن الشرفة جلست أمرأه وحيدة تراقب في التلفاز طقوس ومظاهر عيد العشاق حول العالم ليبدو لها مثل حلم قديم منسي كفت بالبوح به

اترك رد

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات