عصام أبو زيد في خيمته الافتراضية: أحلام مورجان فريمان

01:46 مساءً الأربعاء 24 يناير 2018
أشرف أبو اليزيد

أشرف أبو اليزيد

رئيس جمعية الصحفيين الآسيويين

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

 

Bruce Almighty

Bruce Almighty

في الثالث من أبريل 2016 عرضت قناة ناشيونال جيوجرافيك أولى حلقات سلسلتها التسجيلية التسعة قصة الله مع مورجان فريمان . لم  يكن اختيار فريمان محض مصادفة، فصوته الرخيم يُنئبك بنبراته أنه قادمٌ من علٍ. ومن الحلقة الأولى سيصارحنا البطل ـ الذي يمثل شخصيته الحقيقية ـ أنه عائد إلينا من مكان لم نذهب إليه مطلقا، وأنه مثلما وقع هنا في الحب للمرة الأولى، وتعلم هنا قيادة السيارات لأول مرة، فهو كذلك خَبَرَ الموت.

نحن أمام مورجان فريمان كأسطورة، يسائلنا ماذا يحدث حين نموت، وهل سنرى أحباءنا مجددا في الجنة؟

morgan

مورجان فريمان وعصام أبو زيد وديوانهما

لا يتماس مورجان فريمان مع الأسئلة الحساسة، بل يخلقها فينا كذلك، خاصة حين نراه يؤدي ـ سينمائيا ـ دور الرب مرتين، ويغمز لنا بعينه في نهاية أحد المشاهد كأننا نتواطأ معه ضد الشخصية الإنسانية أمامه!

في الفيلم الكوميدي الأول؛ بروس الخارق أو بروس العظيم: Bruce Almighty ، عام 2003 مع جيم كاري، للمخرج توم شادياك، يقرر فريمان / الرب أن يأخذ أجازة، ويختار أن يعطي قواه لمراسل تليفزيوني، فيصبح بروس نولان (جيم كاري) الرب المؤقت، وهو ما يُحدث المشكلة لشخص لا يتمتع إلا بشذرات الحكمة.

أما الفيلم الثاني Evan Almighty ، 2007، ويكاد يكون مكملا للأول، يعود شادياك إلى المدينة ذاتها ليحاكي قصة النبي نوح عليه السلام، حيث يحاول مذيع تلفزيوني آخر هو إيفان باكستر (ستيف كاريل) إنقاذ المدينة من فيضان مدمر، يراقبه الإله / مورجان ثانية.

لم تكن مصادفة، فالمصادفات تحدث في الروايات، أما في الشعر فعلينا أن نبحث عن مسمياتٍ أخرى.

26907826_10155367704143786_2653043571876292224_nهذه المقدمة ـ نصف الطويلة ـ لأحيلكم إلى ما قد يثيره عنوان ديوان الشاعر المجدد عصام أبو زيد “أحلام مورجان فريمان”. وإذ انتظرتُ عبثا أن يلمِّحَ الأصدقاء والشعراءُ والنقادُ، أو يتساءلوا، عن سر التسمية، لكن الجميع تجاوز التسمية، كما لو كان الأمرُ وحيًا من مورجان فريمان نفسه!

ربما أغوتنا جميعًا ـ بداية ـ مجرة الأسماء الكوكبية في متون القصائد، ليصبح حضور مورجان فريمان مجرد اسم آخر؛ وأن تفسيره يعني أن لكل منها تفسيرًا مغايرا، وإن هي إلا لعبة من بين ألعاب كثيرة يلهو بها الطفل الشاعر، لتسرية وقت الشعر وسطوره.

لكنني رأيت ما هو أبعد من ذلك، لأنني بعد تجاوز الغلاف، وجدتني أمام الكائنين الأولين للبشرية؛ آدم وحواء، وكأنها هنا ليعيدا صياغة الحياة مجددا، فأنا أمامهما وقد هبطا من الفردوس إلى الأرض لينغمسا في موبقاتها اليومية، وقد باتا يقلبان الشرائط التي عاشتها البشرية ليعرضا منها لقطات مصورة، حرة وحية وساخنة، مثيرة للدهشة والألم، باعثة على الضحك والبكاء، تحمل المتناقضات التي اقتات منها والدا البشرية، وهما يمضيان الوقت بين عناق وعراك، بحروفية تعبير عصام أبو زيد نفسه.

ربما لم يقصد عصام أبو زيد ببشرته السمراء ومداعباته الباسمة أن يتماهى شكليا وعمليا مع إلهه الساخر الساحر مورجان فريمان، ولعله لم يقصد اختزال البشرية إلى معامليها البشريين الأولين كما تفعل معادلة في الرياضيات؛ موجب وسالب؛ آدم وحواء، بل لعله لم يتقصّد إلى ذلك التفسير برمته، لكنني أسمعه يقول إن القاريء ربما يأتي بما ليس يفكر فيه الشاعر، وأضيف : ويكون حقيقيا.

adam

دعوني أصف لكم عصام أبو زيد على لسانه؛ الذي يتجسد هنا على لساني شخصيتيه الوحيدتين؛ كي تحكموا معي:

أنت لا تفهم أنني غيرتُ حياتي؛ قمتُ بعمل جريءٍ وترجمتُ حياتي إلى لغة أخرى

وفي تلك اللغة لا يعني هروبك شيئا

وحتى احتمال عودتك تشير إليه كلمة واحدة

كلمة مشتقة من تفاهة الوجود

أنت أصلا غير موجود. (42)

هل تعرف معنى أن تموت برصاصة خضراء؟

يعني أنك ـ يا حبيبي ـ أصبحت قديسا،

وأن جسدك الشهي ـ أبدًا ـ لن يلمس الأرض. (43)

 أنا جميل، وأنت تشوهين جمالي (63)

أنا مجموعة من الخرافات (35)

ثم ها هو مورجان فريمان، يتجلى بشحمه ولحمه، وعصام نفسه يركب السيارة ذاتها معه:

كنا … أنا ومورجان فريمان

في نفس السيارة القديمة

المخصصة لنقل الأحلام

بين القرى والمدن.

كان مورجان يتكلم عن فيلمه الشهير

“فتاة المليون دولار”

بينما أفكر في بقعة الضوء فوق حذائي …

بقعة غريبة لا تتحرك أو تتزحزح عن مكانها،

وكأنها التصقت بالحذاء …

حاولتُ كثيرًا أن أغير مكاني ـ في السيارة ـ من مقعد إلى آخر،

حاولت … ولكن بلا جدوى.

وظل مورجان يتابعني غاضبًا بعينيه،

بينما البقعة في مكانها ترفض أن تغادر.

لا أتذكر متى وصلنا إلى الشارع الأزرق

ـ نسيت أن أقول إننا كنا في طريقنا إلى الشارع الأزرق ـ

أتذكرُ أن مورجان سبقني واخترق قلب الزحام

بينما أنا بقيتُ أراقبُ بقعة الضوء فوق حذائي،

وأبتسمُ … في خبث. (84-85)

ها هو يتورط وهو يريد أن يبدل مقعده، في سيارة لا تقل سواه ومورجان، ولمن فاته مشاهدة الفيلمين اللذين أشرت لهما، عن مورجان فريمان في سمائه، سيرى كيف يقدم عصام أبو زيد فيلما ثالثا؛ وكأنه حدث، ومن العجيب أنه مشهد في “الشارع الأزرق”؛ الذي لا يمكن أن يكون إلا السماء التي تجمع مورجان مع قرينه!

لا أحب أن أعبث بالنصوص الشعرية، فأقتلعها من مكانها، كما يقتلع مدمر عينين من محجريهما، لأن تكوين القصيدة عصي على الترتيب، فقد رتبها الشاعر وفق الخرافة، التي لا تستقيم في سياق منتظم، فالقصيدة ليست إنسانا آليا، وإنما جسد يستحم، وعليك أن تراقب القطرات وهي تأخذ طريقها عبر الثنيات، فتتابع الماء، ولكنك تتلمس بصريا في الوقت نفسه جسد القصيدة اللدن، والشهي، والطازج، والشقي أيضا.

لا يمكنك أن تمضي في الحديث دون أن تتكيء على معجم الإنسان الذي ابتكره  الشاعر، وربما لتبحث عن السر وراء هذا المنحى اللغوي.

يأتي شاعرنا من صعيد مصر حيث يحكي لنا ـ خارج الديوان – عن تغيير جذري نال من الحياة اليومية الطبيعية والمشبعة بالروح المصرية التي تعشق الجمال والفن، لتتحول مدينته ومسقط رأسه إلى بقعة جغرافية أرهقتها الهجرة العكسية من الصحراء.

لم تكن الصحراء نفطا مقابل الغذاء، وحسب، وإنما كانت إزاحة للأخضر واليابس معًا في الأرض الأصل (للشاعر ديوان يحمل عنوانا لافتا كأشقائه: الحياة السرية للمجنون الأخضر ـ 2014)!

وهو ـ الشاعر ـ يأتي من تلك البقعة الخضراء على وادي النيل ليسكن على مرمى جبل من الربع الخالي في الجزيرة العربية، حيث لا نيل، ولا ناس، ولا حياة غير التي يخترعها، وهو ما أصبح عليه حتى أنه كتب ديوانه (اخترعتُ برتقالة ـ 2015).

ها هو يقيم هنا … وحدوده تلك الكائنات الصحراوية، التي ألزمته أن يخترع خيمة افتراضية، لتصبح واقعه والبديل، التي يعيش فيها عالمًا مغايرا.

هذا العالم المغاير يضج بالألوان، بعيدا عن أحادية باليتة الألوان خارجه، وتهدر فيه الحياة نائية عن الصمت خارج خيمة لا تؤرقه أذنيه غير صوت الريح.

هنا ستعزف له الميوزات، وستأتيه الملهمات، وسيتحدث بحرية ويتناول ما لذ وطاب من شراب، ويصغي إلى موسيقا لا تتوقف، وسيفتح ألبومات الكون، وسنقرأ له معجما عن الغناء والمطربين والمطربات…وستتحول هذه الخيمة الافتراضية المنعزلة عن فضائها إلى مجرة، فيها مفردات النجوم والكواكب، وسيسافر في باطنها بين ألف مدينة ومدينة، وسيحلق في سماء الخيمة منشرحًا، حتى أنه سيبدأ بالرسم الإفتراضي؛ والحديث غير المؤطر بسياقات مستهلكة:

اتصلتُ عليكِ ولكنَّ البيانو كان مغلقا

كلمتني الموسيقى وقالت إنك مشغولة

حملت إبريق الشاي على كتفي وكان فارغا

وأخبرني الماء أن البيت مهجور

وهكذا … أفقد نفسي وأنا أشتاق إليكِ. (89)

وبجانب معاجم الموسيقا، ومع قواميس الطرب، وبعيد موسوعة الكواكب، وتحت سماوات المدن، وعبر ألبوم اللغات، سيتحدث الشاعر المتخم بأساطيره الشخصية، والمترع بأحاجي العالم، فإذا به يلهو في أوقات فراغه برواية ما تيسر من ألغازه المبتكرة، حتى تلك المتعلقة بالقبلة:

قبلاتي إلى ذيل ضحكتك الحلوة

قبلاتي إلى حبة المانجو الوحيدة في يدك

لا تأكلي المانجو يا حياتي

أخشى أن تتوجع شفتاك. (94)

شفتاي في الصيانة، ولا يمكنني الآن تقبيلك (104)

لكن أكثر ما يمكن أن يعبر عن ذلك الحشد المصور للشعر في أبسط تعبيرات عصام أبو زيد:

أنام الليلة في بيت أبي وأمي

تعال وغازلني من الحديقة.

 

لا توجد حول بيتنا حديقة

ولكنك قادر على إحضارها معك. (53)

 

تلك هي قصيدة عصام أبو زيد؛ قادرة على إحضار كل شيء، وربما هدمه في اللحظة التالية، ليؤسس ما بعد البناء، الخيال.

وأيا كانت السيارة التي يقودها مورجان فريمان؛ أو عصام أبو زيد، وسواء كانت تلك السيارة وردية أو مصنوعة من خشب الأبنوس، كما بدت سيارتان في الديوان، فهي تعبر الآن “الشارع الأزرق”، تحت أكثر من سماء، تراقب البشر، بينما تتابعها العيون في مسارها الافتراضي نحو كوكب آخر، أو ـ ربما ـ ديوان قادم.

………………………………

نشر الجزء الأكبر من هذه القراءة في جريدة الحياة اللندنية 

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات