بيت جدتي القديم (بيت الكاميليا )

04:23 مساءً الثلاثاء 27 مارس 2018
مدونات

مدونات

مساهمات وكتابات المدونين

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

قصة قصيرة بقلم سارة عبد العزيز، كاتبة وسينمائية من مصر

 

آه من الذكريات تؤلمني ….لم يعد هناك اي سبيل للبهجه.. عندما نتأمل ما حولنا سنرى الوانهم منطبعة في المكان وعندما نهرب داخل ذواتنا سنجد ظلالهم في الذاكره… الفرحة بالنسيم الخريفي في بيت جدتي القديم الغرف المتسعة للجميع حتى الاموات منا بصحواتهم المبكرة ونحن نستمع لنشيج الصنبور الدافق بعد حمام الصباح الشبحي الرقيق .. ..التصاق امي بخالتي في الغرفة البعيدة تناجيها عن زيارات ابيهما المتوفي كل ليلة..وظلال نور المصباح القديم ترتجف على الحائط الحجري من وقع انتظارهما لزيارات روح جدي…والانصات القوي لأصوات ارجل الكراسي الخشبية وهو يعدل من اماكنها ليعيد ترتيبها كما اعتاد في حياته.

7BB60D24-BF91-4ADE-9292-B4B184597E45

………………………………………………… ,الدافئ الخزانة الصدفية الداكنة وكأنها حملت اسرار البيت برحمها لتؤنسها الملابس القديمة برائحتها الشجية والتي تحمل عطر خالاتي وفرحاتهن وأحلامهن وضحكات طفولتهن التي كان يردد صداها عبر حجر جدار البيت .. دغدغة الحديث تبدو رطبة وهادئة بين خالتي الاخريين في اّخر الليل..تحدثها الأولى عن عشقها الأول والأخيرعندما كان العشق واحد .. جدتي الوحيدة في الشرفة تنظر للمقعد الخالي امامها حيث اعتاد جدي ان يجلس قبل رحيله ..ولكنه يداهمها برائحة الكاميليا التي تعشقها.. بينما وجوه لملائكة اّتيات من جنة حفروا على الحائط الحجري وكأنهم يغنوا أغنية للبيت و جوار الشرفة وفي مقدمة البناية نقش تمثال لأسد جسده نافر و وجهه صامد شجاع وكان كما يلقي التحية على الداخل والخارج من البيت .. ليستقر جواره عند المدخل باب كبير جدا من الحديد نقش عليه زهور لوتس أتت من النيل تنسحب خيوط الشمس من خلالها كطقوس الجنة والحب معا كان باب البيت .. الذي من المؤكد قد بيع بعد الهدم في سوق المستعمل بأبخس الأثمان حتى لو غلى ماله لكن رخص معناه ومكنونه .. الاّن وبعد تلك السنوات كأني أعبر لزمن و وعي اّخر يسوده القبح امر بمكان البيت الذي اصبح ماض بعيد بعد ان قتل بيد البلدوزرالغاشم وتهدمت معه ذكرياتي وجزء من روحي ..كان ادعائهم بالقتل الرحيم بمن شارف على الموت وكأنه يرحم من اّلامه ولكن بيت جدتي لم يكن يأن او يتألم كان يغني .. كانت بالنسبة لكم صوت اّلام مرض لأنكم لم تعتادوا الأنصات او سماع الألحان الشجية كانت اّهاته ليست اّهات ألم بل شجن مثل اّهات سومة في نوبة عشق.. انتم جعلتم من الغناء اّهات الم ورحيل لأنكم أغبياء الحس والمشاعر ..

سارة عبد العزيز

سارة عبد العزيز

الاّن اعبر خلال الشارع بعد ان هربت كل تلك السنوات من ذلك المشهد الحزين لأرى مكانه بناية اسمنتية قبيحة غير واضحة الملامح وبدلا من شرفة جدتي التي كانت تظللها زهرات الكاميليا متوجة بين الزهرات الأخريات من الفل والياسمين والريحان وتحتفي بها النقوش الصامدة على سورها الحجري المطعم بالحياة وينبض في ذلك الحجر نبضات اّتيه من قلوب ساكنيه وشروخ الزمن على جداره عروق وشرايين تجري فيها دمائهم .. .. استطيع سماع زئير ذلك الأسد بوضوح يبكي الملائكة والبيت والكاميليا .. في لحظة قتل بيت جدتي القديم كان البيت ينزف دماء ساكنيه .. بعد ادعائهم بوجوب قتله الذي اطلقوا عليه القتل الرحيم لأنه أوشك على الموت ولكنه كان قتل قاس وحشي في نوبة عارمة من قتل المدينة وبيوتها القديمة دون أدنى رحمة .. كان الأسد هناك يعافر لكنه صرع معها ومع الكاميليا وسط اّهات الرحيل … كأن كل هذا اصبح حلم قديم من عالم وزمن اّخر لم يتبقى منه شئ حتى الأطلال لم تعد هناك .. ليحل مكانه بناية معلبة أشبه بالمسخ يماثل هذا الزمن ..له فتحات ضيقة و كأنها شرفات !!من الألمونيم المطعم بالبلاستيك القاتل ناشرا للسرطان والمرض والتي تستطيع ان تشم خلال الهواء الاّتي منه بدلا من رائحة الكاميليا العزبة المختلط برائحة الحجر الحي كان هناك رائحة البنكنوت التي دفعت لصاحب البلدوزر و مقاول الهدم قبيل الهدم يخاطر رائحة الموت في تملق زائف .. اما جدتي الحبيبة توفت بعد مغادرتها لبيت عمرها بسنوات قليلة بائسة بعد ان انسحب وهيج روحها مع ذلك الحجر المقتول.. واعتقد انها وجدي الاّن وبعد الرحيل التقيا في نفس البيت ونفس الشرفة القديمة هناك بين زهرات الكاميليا وابتسامة الأسد الصامد المحفور جوار الباب الكبير الذي ينبض بالحياة ناكرا انه بيع في سوق الهدم في زمن زائف .. بينما جمع جدي وجدتي فلك مناجاة العشاق و شدت سومة لهما أغنية الأطلال في مشهد أبدي خالد .. ……

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات