رسائل رضا شحاتة إلى سعد الخادم: الإنســان .. بين الحــلم والضــوء

08:48 صباحًا الجمعة 13 أبريل 2018
  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

نشر الفنان والأكاديمي الدكتور رضا شحاتة أبو المجد ست رسائل مسلسلة وجهها إلى الفنان الكبير سعد الخادم تمثل معًا وثيقة ورحلة في الفن والتاريخ والعلاقات الإنسانية. إن مشاركتها أيضا رسالة لمحبي هذا الراهب التشكيلي، وإطلالة على دراسة متعمقة وإنسانية في آن: 

 

الصورة المنشورة لوحة للفنانة الكبيرة عفت ناجى زوجة الأستاذ سعد الخادم.

الصورة المنشورة لوحة للفنانة الكبيرة عفت ناجى زوجة الأستاذ سعد الخادم.

رسالة (1) : لماذا نكتب عن سعد الخادم الآن؟.
أستاذى سعد الخادم ..

أريد أن أكتب إليك كلامً لا يشبه الكلام, وأريد ان أحكى حكايات عن الشوق معك , وأتذكر خرائط الضوء والحلم معك . فثمة أجمل الذكريات يستعصى نسيانها فى حضرتك .. أيها الطيف الجميل الذى يأتى إلينا فى لحظات الأزمة .. هذا ابنك الصغير العنيد يبحث فيك عن زمانه , ويتحدث عن حلمك البعيد فى الفن والحياة .. فافتح له خزانتك أعلم أن صورتك مع الأيام صارت طيفاً ولكن شيء إنسانى ما سيبقى بيننا عابراً للزمن .. أنت الذى قلت لنا إذا ضاقت الدنيا عليك فخذ همومك يا بنى فى يديك واذهب إلى من تحب .. وفى هذا الجو الماطر بالحزن والضباب , وفى ظل هذه الثقافة الغربية المركزية التى تنتج لنا السيطرة المسلحة والتيارات الجمالية, جنباً إلى جنب كأشكال جديدة من الاستعمار الخفى للعقول. ها أنا قادم إليك لأكتب لك وابحث عنك فى الذكريات منتظر الصبح وضوء النهار يشرق على هذا البلد . أستاذى بعد مرور هذه السنين الطويلة يصعب علينا الحديث عنك بصيغة الماضى , بصيغة الغياب . فذاكرة الموت بالنسبة لك أسمها الحياة. يقول الشاعر اليمنى الكبير.. عبدالله البردونى : ونظل نموت لكي تحيا .. وتموت لكي تحيا أكثر.

البـــــداية .. سعد الخادم .. الإنســان .. بين الحــلم والضــوء.

من هو ســـعد الخـــادم ؟.
يا أيها الرفاق .. أحتاج إلى المدد لوصف هذا الرجل الموسوعة الحية التى كانت تمشى بيننا على قدمين .. فهو المربى الجليل .. رائد الفنون الشعبية فى الوطن العربى .. الكاتب والمفكر الطليعى فى الستينيات من القرن العشرين .. الأكاديمى صاحب المدرسة العلمية فى تأصيل التراث فى السبعينيات والثمانينيات .. الأرستقراطى إبن الذوات .. الشعبى البسيط المناصر لفنون الناس الغلابة والمهمشين على أطراف الحياة .. الفنان التشكيلى الكبير .. أسمه الرباعى كاملاً : سعد سعد سعد الخادم ، ولد في 22 مارس عام 1913م، وتوفي في 17 سبتمبر عام 1987م.
ومع فكرة الموت والغياب الدائم للإنسان نحن متطلعين إلى الأمل وبقدر الحزن على رحيلك كان هذا الفقد يا أستاذى دافعاً لنا للبحث فيما تركته لنا من آمال سعيت إليها وحفرت نحوها مسارات من الحلم والضوء فى ذاكرة الوطن .. وأعتقد أن الكتابة عن هذا المربى هى مواجهة شفافة مع النفس , تزرع بداخلنا مساحات من الشجن الملون. وأصعب أنواع المواجهه مع الذات أن تتناول الجانب الإنسانى لحياة شخص كان ضميراً حياً لوجدان الناس فى هذا الوطن.

س .. لماذا سنكتب عن سعد الخادم من هذا المنظور الإنساني والمعرفى؟

(1): نكتب عن سعد الخادم : لأننا في لحظات التيه وفقدان الذات نبحث عن علامات مضيئة في تاريخنا المعاصر، ونحلم بالهوية الوطنية. وكان سعد الخادم واحداً من هؤلاء الرواد. دشن مشروعاً تنويرياً في النهضة لتسجيل وتأويل الموروث الشعبي التشكيلى العربى. فما أحوجنا إليه الآن في ظل الاستسلام لتيار العولمة الجارف الذي يسعي إلي الهيمنة علي الوعي عبر استعمار الإدراك والجماليات وصنع التصورات المتحيزة له في هذا الوطن العربي.

(2): نكتب عن سعد الخادم : لأنه كان شاهداً علي العصر، راكماً تراثاً نوعياً جديداً في مجال الفنون الشعبية، وأرسي منهج ورؤية في عملية التفاعل مع الآخر فيما بات يعرف بدراسات الفنون ما بعد “الكلونيالية” ، فشيد جسراً بين الشرق والغرب في توازن، ودون استلاب للآخر. وكان موته خسارة حقيقية لحقل الدراسات العليا فى الفنون ، حيث تباطيء مشروعه في النهضة، وتوقف الاجتهاد إلي درجة السكون بعد أن ضل العديد منا الرؤية والطريق نحو الهدف بعد هذا الزيغ الذى أكتنف مفهوم التربية عن طريق الفن.

(3): نكتب عن سعد الخادم : من أجل تفكيك رؤية هذا المعلم العظيم، الذي تحول إلي أسطورة غامضة، نحن في حاجة إلي كشف الظلال عنها، وذلك من منظور تحليلي إنساني نقدي .. يتوخي الموضوعية في الرصد. ولعل أحد أهم عناصر القوة في هذه الرؤية، أنها تقدم بيلوجرافيا دقيقة عن العديد من أعماله ،ومن ثم يمكن تقديمه كنموذج إلي جيل جديد من شباب الباحثين، الكثير منهم يجهل من هو سعد الخادم.

(4): نكتب عن سعد الخادم : ليس لكي نتصالح مع النفس، ونرد جزءاً من الجميل لهذا المعلم بقدر التحريض علي إعادة قراءة أعمال هذا الرجل والتواصل معها مرة أخري وبخاصة أننا في حاجة إلي تشييد ذاكرة جديدة ومنصفة لهوية حية متحركة، ترتبط بالجذور وتواكب التقدم. تلك الإشكالية الدائرية التي نطوف حولها منذ بداية القرن العشرين، وما نزال غير قادرين علي الإنعتاق من سلطانها إلى الآن.

س .. كيف نستحضر روح هذا الإنسان كلمة بعد كلمة، ونستدعيه إلي هذا العالم هو وإشكالياته مرة أخري؟

بمشيئة الله .. سنكتب عن سعد الخادم بعض الإضاءات وبعض الأحلام كمحطات إنسانية بسيطة نتوقف عندها في تاريخ هذا الرجل. كالمرايا الكاشفة، القادرة علي تسجيل الجانب المعرفى والوجدانى في حياته . من خلال مجموعة من المشاهدات والذكريات المنعكسة في مرايا النفس عنه. التى تقشع الضباب وتزيل الظلمة عن هذا الرجل، وتمنحنا الأمل القادم فى المستقبل.

الكتابة بالكلمات شهادة .. فلكي تشهد لابد وأن تتكلم .. وأن تتكلم يعني أن تخرج من نفسك صوب الآخر الغائب. وهكذا .. ثمة تزاوج بين الضيف والمضيف. ولذلك فعند الكتابة سوف تجدني “أنا رضا” في قلب بعض المشاهد والأحداث. أحياناً أكتب عبارات انطباعية محملة بالشجن وبالعاطفة تجاه هذا الرجل ، وهو أمر طبيعي. فنحن لا نكتب بحثاً كلاسيكياً ، ولكننا نكتب مرثية إنسانية ورؤية كاشفة فى رسائل عن عقل ووجدان سعد الخادم.

وفى النهاية ..يجب القول أن ذاكرتي لعبت دوراً أساسياً في تسجيل الكثير من الحكايات والمواقف التي كان سعد الخادم يرويها لنا، باعتبارها روافد لهذه الرؤية الإنسانية التي سنرويها عن هذا الرجل. وعليه .. فأنا وحدي المسئول عما أتذكره ، وأتصوره .. وباعتباري واحداً من رواة سيرة سعد الخادم .. أشهد الله بأن ما أكتبه هو الحق وهو الصدق.
تحياتى .. وإلى لقاء فى الرسالة الثانية.

دكتور : رضا شحاته أبوالمجد ..القاهرة 7 أبريل 2018م

رسالة (2): سـعد الخـادم .. وحكايات السيارة الصغيرة الخضراء.

إن الكلمات عن سعد الخادم هي شيء منا، أو نحن شيء منها .. فنحن أبينا أم رضينا مندمجون فيه. وكل أملنا أن نتمكن من قراءة بعض الجوانب الإنسانية ، والتي تمثل في مجملها روح وعقل هذا المفكر المصري العربي. وعندما تأتي الذكريات وتقفز الحكايات في المخيلة كما لو أنها شرائط سينمائية. الحنين يشدنى إلى الماضى إلى حكايات السيارة الصغيرة الخضراء ربما نتشبث ببعض الزمن الإنساني الجميل بجوار هذا الرجل العظيم

أستاذى العزيز .. تحياتى .

منذ ثلاثين سنة وأنا مازلت أتذكر سيارتك الصغيرة الخضراء. أتذكر الحكايات التي قيلت فيها وحفرت في داخلي ذكريات جميلة لا تنسي. سيارة سعد الخادم ماركة فيات 554 لم تكن شيئاً مادياً مجرداً من الروح .. لم تكن كما في الوصف القاموسي للسيارة ” عجلة قيادة ..عداد بنزين.. زجاج ..مكابح سرعة .. ! “. معنى السيارة هنا غير مكتمل.
سيارة الأستاذ التي أعرفها وتسكن الذاكرة هي كائن حى, كيان مفاهيمي .. هي في تصوري أكثر من السيارة .. هذه السيارة الخضراء هى صديقة تشاركنا الذكريات وتتشابك مع حياتنا بشكل كبير، وتذكرنى بالعربة الطائشة الذكية فولكس فاجن بيتل، التي لعبت شخصية ” Herpe” في عدد من أفلام الستينات والسبعينيات بالسينما العالمية

كان سعد الخادم من وجهة نظري ديكتاتوراً فى بناء مشروعه الفكري .. لا يعطي مساحة شخصية لتلاميذه بالتعبير عن النفس أو بالاختلاف معه فى عملية البحث، ناهيك عن أنه قليل الكلام والحوار والجدل .. مقتضب الحديث ذو سطوة كبيرة علي دارسيه. فهو الكاهن الذي يرشد حوارييه وأتباعه إلي الصواب والخطأ، ويحفر لهم الطريق، ويفرض عليهم المنهج في الرؤية، وحتي الصياغات اللغوية لم تسلم من أسلوبه.
أحمد الله أني تتلمذت علي يدي سعد الخادم, في آخر أيام حياته أيام ” الفوضى” . فتمتعت بحرية كبيرة نسبياً عن الآخرين. وكان أكثر انفتاحاً علي الحوار والحكى معى فى كل مكان وزمان وأنا كنت جريئاً فى الحديث معه بدرجة فجة هذه كانت العلاقة بين هذا الشيخ العجوز والمريد الطائش الباحث عن الحقيقة.

كنت أتمني السفر عكس اتجاه الزمن لاقتناص بعض الحكايات التي توارت مع النسيان .. تلك التي كانت تروي بالسيارة ونبوح بها فى بداية الثمانينات. مرة يحدثنى عن أكذوبة الفن الحديث وتزوير اللوحات .. ومرة يخبرنى بموقف اتخذه مع ابن أخيه وصديقته, الذى كان يزوره فى منزل الزيتون, ومعه فتاة ألمانية شك انها يهودية صهيونية متعصبة, فطردهم من البيت فى آخر المساء لأن فكرة التطبيع مع الآخر العنصرى خيانة للوطن .. ومرة أخرى يخبرنى على أنه واحد من الأساتذة الندرة بالعالم العربى فى تقطيع أحجار الماس .. تحدثنا عن جماليات الكاتش “Kitsch” والإنسان الوجودى والتغريب وثقافة اللايت. . تحدثت معه بكل شيء فى الحياة تقريباً بدون خطوط حمراء.

سوق على مهلك سوق ..

أذكر شعورى بالخوف في كل مرة يضع سعد الخادم قدمه علي دواسة البنزين ترتعد السيارة ويزأر محركها ، وأتشبث بالمقعد وتلتصق قدماي ! أقرأ الفاتحة وأتذكر أغنية المطربة شادية ” سوق على مهلك سوق بكرة الدنيا تروق سوق على مهلك …” فالرجل يقود سيارته كما يهيئ لى بروح الشباب فهو يسير بسرعة وسط الزحام ، والعربة تتلوي كثعبان علي الطريق متخطية الجميع.. أستر يا رب.
.. نستدعي الذكريات البعيدة ونبوح بها وما نتذكره هو ما أدهشني في يوم ما، وجاء إلي الوعي من تلقاء نفسه إلينا. الذكريات حائرات سوف أحكي بعض المشاهد منها , ففى كل الأماكن والشوارع التى مررنا عليها بالسيارة ذكريات.

1A0F5F0F-3F9B-40B6-8273-9C65E1B86B21

المشهد الأول : جماعة الحمير المصرية..

سعد الخادم يسير بسرعة علي كوبري السادس من أكتوبر، يخرج رأسه من الشباك بهدوء ناعتاً سائق سيارة كاد أن يصطتدم بنا .. بالحمار.. نظر إلي مبتسماً قائلاً: أنا بمدحه! وحتي لا تتعجب أيها القاريء.. كان هذا الرجل يستخدم لغة خشنة وتعبيرات فجة من اللهجة العامية فى حواراته الساخرة. يستطرد سعد الخادم في الكلام ويتحدث عن “جمعية الحمير” المصرية التي كان عضواً فيها، والتي ارتقي في مناصبها من حرحور “جحش صغير” إلي أن حصل علي مرتبة “الحمار الكبير” حامل البردعة.
وهو لقب ربما كان ينعت به نفسه مجازاً وسخرية من الآخرين .. يقول يا رضا.. من يحمل لقب حمار في هذه الجمعية تقريباً مئتان فقط بمصر من آلاف المشتركين. ولابد أن يتصف حامل هذا اللقب بالصبر والحكمة وقوة الاحتمال. ومن أعضاء الجمعية الحاملين لهذا اللقب العديد من المفكرين والفنانين والكتاب.. من ضمنهم طه حسين، عباس العقاد، أحمد رجب ونادية لطفي. ولم يحصل علي أعلي لقب وهو “حامل الحدوة” إلا ثلاثة فقط . من بينهم ذكي طليمات. ومن هنا أدركت سر المعني المجازي لكلمة حمار. فعندما كانت المناقشة بيننا تحتدم ونختلف أيام رعونة الشباب .. كان يسكتني بمقولته الشهيرة ” أنا حمار”. رحمة الله عليك أيها المعلم والأستاذ العظيم .. والتحية للحمار المصرى الطيب الوديع صاحب الكبرياء الرفيع الذي يعمل بإخلاص في صمت، ويتعالي عن الشكوي ولا يتهرب من أداء الواجب .

المشهد الثاني : العين صابتنى ورب العرش نجانى.

يرتفع صوت السيارات من حولنا .. وفي طريق مصر الإسكندرية الزراعى .. أتحدث عن مفهوم “الفلكلور” كمصطلح فى كتاب محمد الجوهرى. قاطعني قبل أن أقول جملة مفيدة .. صمت .. وتحدث هو بكلام يفهم منه أنه ضد التنظير الفلسفي والتاريخى الآن فهو رفاهية .. ونحن ليس مثل كلية الآداب . مرت بجوارنا عربة نقل تزمجر.. قال لي اقرأ ما كتبه هذا الرجل خلف السيارة درءاً للحسد والعين والمشاهرة.. هذا هو الواقع الذي نريد أن ندرسه ونسجله قبل أن يختفي .. “العين صابتني ورب العرش نجاني” وسكت عن الكلام. ومرت العربات وأنا أقرأ .. يا ناس سيبوني أسدد ديوني، الحلوة من الشرابية، عين الحسود فيها عود، إوعي تعدي إنت مش قدي، كل الجراح تهون، الشكوى لغير الله مذلة، اتنين مالهمش أمان الفرامل والنسوان، احترام الكبير واجب. وأخيراً وصلنا بالسلامة إلي شارع النعم وفيلا “إمبان” منزل سعد الخادم بالأسكندرية. دعوني أكتب حقيقة بعد أن أصبحت أستاذاً ، وأقول لنفسى وبعد مرور الزمن لقد أدركنا واكتشفنا الآن في نهاية الأمر أن هذا الأسلوب في عملية التعليم هو الذي اختصر لنا كثيراً من الوقت وأقتصد لنا الجهد ، وعبد لنا الطريق ، وزرع فينا بساطة الرؤية ووضوح الهدف.

المشهد الثالث : عروس المولد واليلك.

فى شارع بورسعيد تقف السيارة فى رحاب السيدة زينب وبجوار “شادر” لبيع الحلوى يتحدث سعد الخادم عن ملابس عروس الحلوي بالمولد النبوي. . فيذكر أن أحداً لم ينتبه إلي أنها تلبس “اليلك” وهو ثوب انتشر في العصر المملوكي واستمر حتي أواخر القرن التاسع عشر. وهو يضيق عند الخصر ويتسع في أسفله، ويزرر علي الطول بأزرار كبيرة. وما يميزه أن كميه مشقوقان ومتناهيان في الطول. ويبدأ الكم ضيقاً عند مستوى الخصر ويتسع عند المعصم بحيث يتدلي وينحسر عند رفع الأيدي لأعلى. والمرأة فى العصر المملوكى عندما كانت ترفع يدها إلي الأعلي قليلاً.. تبدو الأكمام وكأنها زوج من الأذرع ممسكة بالخصر، لكنه فى حقيقة الأمر هو كم اليلك المتدلي إلي الأسفل. وهناك صور كثيرة في بعض الكتب الأجنبية “لليلك” في القرن الماضي، لا تختلف كثيراً عما نشاهده في عروس حلوي المولد اليوم. والراصد لفكر سعد الخادم من خلال كتاباته وحكاياته. يجد أنه لم يكن مستقل أو متعالي على الثقافة الفنية المرتبطة بعامة الناس والتى تمثلت في الحرف الفنية التراثية، ومن ثم كان يربطها بفنون الشعب وبالاشتراكية كأيدولوجية كانت مطروحة باعتبارها البديل الثقافي الموجه لمكونات الواقع الاجتماعي بعد الثورة.

المشهد الرابع : يابو الريش إنشا الله تعيش.

فى شارع شجرة الدر بالزمالك تسير السيارة ببطئ يحكي سعد الخادم, وجاء لفظ التجريس فى سياق الكلام كوصف وسألته عن معناه فتحدث عن الكلمة وارتباطها بعادة التجريس وأصلها في الموروث الشعبي، ويقول أن الأم التي تنجب أطفالاً لا تعيش يقال لها جرسى هذا الصبى الذى يتكرر توفى بعده كل مولود جديد ، فيدهنون وجه الولد الصغير بالسلاقون الأحمر، ويلبسونه طرطوراً من ورق أخضر وأحمر ويزينونه بريش الدجاج كالهنود الحمر، ثم يركب الطفل حماراً بالمقلوب وقت الظهر، ويمشي به في طرقات القرية والصبية خلفه تردد بصوت عال : يا ابو الريش إن شا الله تعيش . . يا ابو الريش إن شا الله تعيش . هكذا كانت حكايات سعد الخادم شاهداً حياً علي مواهب العقل المصري وألمعيته، فى أستمرار التقاليد الإنسانية. ودليلاً علي قدرة مصر فى صنع الخيال والتجدد والإستمرار فى التوليد للمعانى والرموز المرتبطة بالوجود والحياة.

المشهد الخامس : سعد الخادم والملكة فريدة.

كنت أتحدث معه فى شارع رمسيس بالقاهرة فى طريق العودة للمنزل عن علاقته بصافيناز فى الصغر والتي لقبت بالملكة فريدة بعد زواجها من الملك فاروق ، فهي إبنة خاله .. يوسف ذو الفقار باشا. نظر لى صامتاً, وبعينيه حديث وكلم .. وانتقلت بالكلام إلى معرضها بالأمس الذى اقيم فى فندق المريديان على النيل حين ذاك عام 1984م.. وفى الافتتاح كان سعد الخادم متأنقاً .. يلبس البالطو الصوف الإنجليزي الأخضر ، وترافقه زوجته الأستاذة عفت ناجي بملابس السهرة السوداء .. والتى كانت تنظر إلى فريدة طوال الوقت بعدم ارتياح . سألته مرة أخرى عن المعرض وفكرة السينسيتزم “.”Cintistes تلك الإضاءة الجديدة المتغيرة علي اللوحات والانعكاسات المختلفة لعملية الإحساس بالضوء علي المسطحات، كما لو أننا جمعنا كل الأزمنة في اللوحة من الشروق إلي الغروب، وبالعكس! مستخدمة في ذلك تأثير تغير الضوء وشدته ولونه، في إحداث مجموعة من الأضواء الساخنة والباردة، والتي تحقق بدورها التباين، وتمحي الألوان .. وتبعث الحركة النابضة للإيقاع فى الحيز الفنى للوحة . رد سعد الخادم ببرود ودون اهتمام على أسئلتي بالصمت مرة والإيماءة مرة أخرى ، وفى نهاية الأمر نطق بكلمات مقتضبة .. قلت لك فى الصباح الحكاية مؤسسة تجارية تسوق لمبات ضوء يا رضا.. وكأن الصمت ليس مجرد غياب للكلام أو خواءاً , إنه يتمخض عن دلالة وينطوى على بلاغة.!

المشهد السادس : الموضة والثياب والعطر المستدام.

فى شارع “طومان باى” بالزيتون بجوار كنيسة العدرا مريم ..ولا أتذكر أسباب الحديث, يذكر سعد الخادم أن عادة الملابس المعطرة كانت منتشرة في بعض الأقاليم المصرية قى القرن التاسع عشر، حيث تحاك الثياب الشعبية وفي ثناياها أكياس متناهية فى الصغر، توضع فيها بعض أنواع الحبوب كالحبة السوداء، أو عيدان القرنفل أو غير ذلك من البذور ذات الرائحة الطيبة، فتثبت وسط الأجزاء المطرزة في الثياب لإكسابها رائحة ذكية من جهة، ومن جهة أخري لاعتقاد أصحاب الثياب بأن بعض الحبوب أو الثمار الجافة تكسب الجسم مناعة من الأمراض إذا ما التصقت ببعض المواضع من الشخص. لقد كان هذا الموروث الفنى ،دائماً ما يمنحنا هذه الحلول المبتكرة هذا المدد البطيء المتواصل من الإشراق والقدرة علي الإبداع المتجدد والتألق اللانهائي فى المشغولات الفنية.

المشهد السابع : الأزياء السحرية فى حكايات شعبية.

فى شارع البرازيل بالزمالك يحكي سعد الخادم عن سيرة الظاهر بيبرس والملابس السحرية في المخيال الشعبي فيتحدث عن بدلة سيدي “عيد المغاوري” ويقول أن هذه البدلة بكمان وغطاء للرأس (كبوط) ولها ستة وثلاثون زراراً نحاسياً.. إذا زر لابسها واحداً منها يقوم الخادم الحارس لهذه البدلة برفع الشخص قدر ذراع، وعندما يكتمل التزرير يكون الشخص قد ارتفع ستة وثلاثين ذراع، وإذا أراد النزول فيفتح أحد أزراره، وكلما فك زراراً ينزل ذراعاً حتي يصل إلي محله، وإذا أراد أن يمشي طائراً فيكون النصف مزرراً، والنصف من البدلة بدون تزرير، وإذا رفع رجليه وحركها ، يسير في السماء كما يطير الطير. والمتتبع لخطوط القوة التي كان ينشدها سعد الخادم لتحقيق أحلامه ، في وجود جمالية مرتبطة بالثقافة المحلية نجد أنه كان ينقب فى كتب التراث عن هذا العالم الغيبى والسحرى المدهش الذى يحيل الفنان أو الممارس إلي أطر خيالية لا مرئية تحدده وتتحدد به فى عملية الإبداع.

المشهد الثامن : مقابر الهو من عجائب الدنيا الخمسمائة .

فى شارع 26 يوليو بجوار سينما على بابا تقريباً , وبمناسبة الحديث عن كتاب “الزخارف الشعبية على مقابر الهو” لتلميذه النجيب “محمود السطوحى” يقول سعد الخادم عن مقابر “الهو” وعجائب الدنيا الخمسمائة الجديدة في جريدة الفنون “A rts “Lettres في عدد منها صدر عام 1957، وهو يتحدث عن دخول مقابر “الهو” بنجع حمادي بالوجه القبلي من ضمن العجائب. تلك المقابر التي اتخذت في أشكالها مظهر الجمال، وزخرفت بنقوش وحليات رسمت علي جدرانها كأنها أنواع من السروج التي توضع علي ظهورها. ويراعي المزوق أن يرسم علي مقابر الرجال شكل الإبريق وأحد الأسلحة مثل الخنجر أو المسدس أو البندقية، علي حين يرسم على مقابر النساء الشال الفلاحي الملون .. المكحلة والمشط والمرآة والمقص. ويراعي في الألوان أنها تتحدد عادة بثلاثة ألوان.. هي الأحمر والأزرق والأصفر. وهذه المقابر تشبه قطعة النحت، وهي فى تجاورها وتكرارها تذكرنا بتجمعات الجمال فى الصحراء. إنها مقابر جميلة ظهرت في فيلم المومياء للمخرج شادي عبد السلام، في مشهد الدفن.. حيث المقابر البيضاء وأوراق الجهنمية الحمراء تتناثر من حولها. لقد كان سعد الخادم فى كتاباته وأقواله عن الجماليات متحيزاً لما هو شعبى وضد ثقافة فنية لبرالية متعالية ترتبط بالفكر الأوروبي علماً وفلسفة وأيدولوجيات، يتلقاها العديد من الفنانين في مصر، فيجترون قضاياها ومشاكلها ومستجداتها في إطار من التبعية والانسلاخ عن الذات. وربما أيضاً باستسلام وانبهار وتنكر للهويات الوطنية.

وأخيراً :
حين نستدعي الذكريات البعيدة فإن الحكايات لا تنتهي، والمشاهد تمر من أمامي. وحينما يحكي سعد الخادم كنت أجد فعلاً إحساساً سحرياً غير واقعي يتسرب إلينا، حتي أنك تستشعر أنك تقف علي الخط الفاصل بين الواقع والحلم. الوقت يمضي ببطئ.. وفى كل مرة أسمع صوت فرامل العربة أكتشف أن الركوب مع هذا الرجل مغامرة باتجاه الموت حيناً، ومغامرة باتجاه الحلم والعلم في كثير من الأحيان أنزل من السيارة بجوار قصر الطاهرة الذى كانت تسكن فيه ابنة خاله الملكة فريدة وأقول لنفسي لن أركب مع هذا الرجل مرة أخري وفى كل مرة أعود فى صمت فلا شيء يجبرك على الصمود إلا كلمات هذا الرجل والذكريات التى قاومت النسيان. رحمة الله عليك أستاذي العظيم وتحية إلي سيارتك الصغير الحمقاء .. اترككم مع أغنية من كلمات أحمد بدرخان غناء فريد الأطرش ” الحياة حلوة.. الحياة غنوه ما أحلى أنغامها دى الحياة ذكرى عشها واتهنى واوعى تستنى والحياة حلوة”.
د . رضـا شحتاته أبو المجد .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملحوظة (1) .. الرسالة .. جزء من نص نشر فى كتيب .. صدر مع معرض سعد الخادم المصاحب لمؤتمر الأمسيا الثانى 2018م

1BF3C036-3DA4-42ED-BF21-4307381255C1الرسالة (3) : المرئي واللامرئي .. فى بيت سعد الخادم .

البيت هو الكون الصغير .. والبيوت لها شخصيات تشبه أرواح قاطنيها .. وبيت سعد الخادم هو حالة إنسانية برزخية يمتزج فيها المرئى واللامرئى .. الظاهر بالباطن .. الروحانى بالمادى يقول الشاعر النمساوى راينر ماريا ريلكه : البيت قطعة المرج .. يا ضوء المساء .. فجأة تكتسب وجهاً يكاد يكون إنسانياً .. أنت قريب منا للغاية تعانقنا ونعانقك.
يا صديقى لا تندهش !! بيت سعد الخادم سيتحدث معك كما لو أنك جالس معه .. وحين يتكلم فصوته يحررك من الزمن وتفاجأ بأن العالم يتسع والحياة تمتد لتسمع فيها أصداء الزمن البعيد.

أكتب : ………………………………
عن بيت سعد الخادم من هذا المنظور الإنسانى لأننى بكل بساطة أريد أن أُعزز المحبة والشوق فى القلوب تجاه هذا الرجل المتصوف الزاهد ، المفرط فى الكرم معنا.هذا الشيخ المعلم الذى يكسب تلاميذه المعرفة عن طريق المجاهدة والصبر والكشف عبر ثقافة الحياة . وعندما نتحدث عن علاقتنا الحميمة مع بيت سعد الخادم . أسأل .. كم من الحكايات قيلت في هذه المنزل لم تروي، وكم قصة فريدة لهذا الرجل تحفظها الذاكرة وتقاوم النسيان ؟

أوثق : ……………………………….
سأوثق هذا البيت القاهرى الجميل الذى استحوذ على مشاعرنا فى 12 شارع الكريم بحى الزيتون .. فهذا البيت النائم فى الأحلام اشترته والدة سعد الخادم نعمت هانم عام 1944 وهو نفس العام الذي أهدي فيه الملك فاروق زوجته, إبنة اخيها صافيناز التى لقبت بالملكة فريدة “السراي الكبير” وكتبه باسم الطاهرة تيمناً وتعبيراً عن حياتها الطاهرة التقية الشريفة . وأعتقد أن نعمت هانم اشترت هذه الفيلا الصغيرة التي نرى من شرفتها السور الخارجى للقصر لتكون بالقرب من الملكة فريدة إبنة خال سعد الخادم .. يوسف ذو الفقار باشا. ولسبب لا أعرفه لم تقطن العائلة هذه الفيلا الصغيرة إلا بعد وفاة نعمت هانم في 21 مارس 1948م . وبعد عقد قران سعد الخادم علي عفت ناجي في 14 أكتوبر 1954م. تزوج سعد الخادم فيها واتخذها بيتاً للحياة الزوجية.

أسأل : ………………………………..
س: هل يمقدور الكلمة أن تعيد بناء الأشياء؟
اسمحوا لي أن أحكى عن البيت الذى عاش فيه سعد الخادم وعاش فينا ومعنا ثلاثين عاماً تنفسنا فيه عبق التاريخ وسمعنا فيه أجمل الحكايات فى الفن والحياة.
سأحكي بالكلمات محاولاً إعادة تشييد هذه الفيلا الصغيرة عبر الخيال . فعند الفقد للأشياء , يلجأ الإنسان إلي الذاكرة للتصور. والآن أستطيع أن أغمض عينى واستعيد صورة هذا البيت المسكون بالذكريات .. والذى أذهب إليه مترجلاً من محطة مترو سراي القبة متجهاً إلي قصر الطاهرة، ثم شارع سليم الأول، وأنعرج منه يميناً إلي شارع صغير اسمه الكريم.

أسير: …………………………………
فى هذ الشارع الجانبى الصغير الذى لا يخلو من بعض المارة . وأمام شجرة عتيقة ضخمة من فصيلة “البومباكس” زهورها حمراء كبيرة.. أتوقف أمام فيلا جافة المظهر .. أسقفها عالية وشرفاتها طويلة .. وملامح شكلها الخارجي لا توحي لنا بأي شيء غير عادى . فهي أقرب ما تكون إلي المباني “الكوزوموبليناتة” المنتشرة في أحياء ا لقاهرة.

أطرق : ……………………………….
الباب الحديدي الصغير الجانبي لدخول الأفراد ، أطرق عليه بشدة منادياً .. يا عم ابراهيم .. يطول الزمن. وبعد فترة يطل من النافذة رجل قمحى اللون هادئ الملامح ليتأكد من شخصية الطارق. ينظر إلينا ملوحاً بيده ، وينزل يفتح الباب لنا مرحباً ومبتسماً .. يغلق الباب وصرير الحديد يشعرك بتأثير الزمن المفقود. وتبدأ سمفونية الضوء والظل المترجرج على الأرض من ظلال الأغصان و نسير مسافة صغيرة ما بين الباب الخارجي ، وباب الفيلا الداخلي .. في هدوء وصمت ، يقطعه أصوات زقزقات العصافير الصغيرة.

أتخيل : ………………………………..
عندما أدخل من الباب الطويل للفيلا .. يشكل ما بين الداخل والخارج في نفسي انقساماً حاداً .. المكان يجبرك علي الحلم والخيال فنشعر بالنعاس . الضوء في فيلا سعد الخادم خافت فتحلق في نور حميم .. وعبر جدرانها السميكة يأتيك الصمت الطويل. أتذكر دكة الجلوس في بداية المدخل ، وعند صعود الدرج الأبيض للسلم الطويل يتدلي فانوس شعبي دقيق الصنع كبير. حين تصل إلي الدور العلوي تشعر بالألفة والحميمية . وعندما تدخل يتدفق عليك نهراً من الإحساس العظيم بالتواضع . الطلاء قديم ، والأثاث الموجود في المكان بسيط إلى حد التجريد.
البيوت الحقيقية في الذاكرة لا تمنح نفسها للوصف بسهولة يا صديقى فالغرف لها شخصيات تشبه قاطنيها ، وفى هذا المقام سوف أقرأ لكم ما تقوله حجرة واحدة هى حجرة الاستقبال من خلال الاستعارة والكناية والمجاز, وهذه الحجرة التي تحولت فيها الأبعاد الهندسية الإقليدية إلي أبعاد هندسية حيوية تأخذك إلي حالة من زمان الحلم والفوضي المنظمة ، الواقع فيها يتحول إلي وجوداً شبحياً في الذاكرة. غرفة الجلوس هذه مكان غير عادي الفراغ فيها مزدحم بأصداء التحف والأشياء القديمة التي تمنحك طاقة البدء لتعيش زماناً آخر وتاريخاً من الوجود الجديد.

أتصور : ………………………………
غرفة الاستقبال في هذا المنزل وكأنها تبدو متحف صغير. فالإضاءة فيها صفراء خافتة تمنحك المناخ للاسترخاء والاستغراق في حالة من الخدر والحلم , يرسلها إليك عالم الأشياء الغريبة المحيطة بك . فى هذه الغرفة تسكن بداخلك حاله برزخية من الزمن ودرجة من الخيال بين الواقع واللا واقع.
في هذه الغرفة المتحف “الإنثوغرافي” الصغير يجمع سعد الخادم ثروة الوجود المتخيل .. مقتنيات ذات طابع إنساني.. تمائم وقطع أثرية من الأمشاط والعرائس العاج .. قالب خشبي لعروس المولد .. شريط لصندوق الدنيا يحكى قصة أبو زيد الهلالى .. أحجبة ومخطوطات وكتب فى الطلاسم والسحر .. “نورج” تحول إلي أريكة خشبية للجلوس .. مجموعة من طاسات الخضة النحاسية .. قوالب وبصمات طباعة خشبية بزخارف شعبية للمنسوجات فى العصر المملوكى ..أختام جمارك نبطية للحدود من الخشب عليها صور وكتابات محفور .. كوة في الحائط ممتلئة بالرسائل العلمية .. أواني وصواني معدنية نادرة .. صندوق للعروسة به ملابس قديمة ترجع للعصر الطولوتى .. كليم أسيوطي شعبى .. قطع من الصيرما التركي .. أباجورة عمودية يتدلي على تاجها عروسة لخيال الظل التركى ” قراقوز” تمثال إفريقى يحمل طاقة سحرية , قطعة أثرية من نسيج القباطي بين دفتي كتاب .. صندوق صغير يحتفظ فيه بقطع عملة رومانية أثرية .. قطعة من التلي الأسيوطى ترجع إلى بداية القرن العشرين ، كيس من مطرزات سيناء .. طائر متحرك من الألعاب الشعبية .. دولاب من الخشب الثمين مملوء بالكتب والمخطوطات القديمة .. طاولة في منتصف الحجرة مزدحمة بعاديات صغيرة، عرائس ومشغولات حرفية خشبية ومعدنية دقيقة.. وفى مكان آخر تماثيل للعب الأطفال وأواني شعبية من الفخار.. إبريق السبوع .. وعلي الجدار.. أعمال من الحفر علي الخشب لسعد الخادم موزعة على الحائط “قصعة” إفريقية بزخارف تنقيطية محفورة , رليف خشبى لحيوان. كل شيء فنى فى هذه الغرفة الأثيرة إلى نفسى يحمل معه صوتية وجوده .. فتستطيع أن تسمع وأنت جالس فيها الهمهمات اللانهائية لإيقاع الصانع الفنان الذي منح هذا الأشكال طاقة البدء في الحياة.

أعتقد : …………………………………
يا صديقى أن هذا الرجل الذي جمع في منزله كل هذا الكم الكبير من المشغولات الحرفية حوله ، كان يعى أهمية الوعي بالروح والوجود الإنساني الذي يتزمن في هذه الأشياء. سعد الخادم كان يعايش السر الحميم للكون ليقرأ اللامرئي، والمعني الحقيقيى الخفي داخل الأشياء . والمشغولة الفنية من وجهة نظره هي المعنى الذى ينتج شكلاً .. يتجسد فيه هذا الإيقاع الذى ينبض بالروح الإنساني علي هيئة خطوط ومساحات وألوان. ويفيض بالمدلولات البصرية . إنه الرنين العاطفي والضوء الداخلي والأثر المتبقى فى الشكل الذي نلتقي به عند مشاهدتنا له، فنردده لنتملكه ، فيبعث فينا إيقاع الحياة ووحدة الوجود.

أتفلسف : ……………………………….
كان سعد الخادم من وجهة نظرى يسعى إلى فن كونى يحترم فيه كل الاختلافات وجميع الهويات الثقافية ، وكان ينظر إلى الفن الحقيقى على أنه كشف واستبصار وفعل حياة وأنه ليس ثمة عمل فنى حى إذ لم يتجدد .. فهو ميت . وكان سعد الخادم يدرك أنه لا يمكن عبور النهر مرتين . فالعالم يتغير باستمرار ولذلك فهو يبحث وينقب فى الأعماق عن توجهات البنية للمشغولات الفننية وديناميتها فى إنتاج المعني عبر عملية الصياغة والسيطرة للفنان علي الخامات والوسائط المادية ، وهذه الرؤية فى التفكيك تضعف قدرة الأعمال الفنية التقليدية علي مقاومة التغيير عبر الكشف عن طلاسم أشكالها وسر بنيتها . ومن ثم سر تحولها ، وعليه يتم التحرر من سلطانها علينا .
كان سعد الخادم يتجذر داخل التراث لكى يتجاوزه حاملاً معه كل نفيس فيه .. وبذلك يتم الاشتباك مرة أخري معه في زمان ومكان وظروف جديدة وفق شروط المبدع بدون قدسية وبدون تبجيل لهذا الموروث الفنى. سعد الخادم كان يعلم إن أكثر الفنانين ارتباطا بتراثهم هم أكثرهم تمرداً عليه ، وأكثرهم أحتراماً له هو أقلهم خضوعاً له.
سعد الخادم كان يحلم بأنسنة هذا التراث والامتداد به نحو الحياة والواقع المعاش ، من أجل النمو والتكاثر من جديد مثل الكائن الحى. عبر عملية تفاعل وهجنة واشتباك مع الشرق والغرب ، هذا هو مشروع الخادم الفكرى الذى كان يهدف ويسعى من أجل توليد فن عالمي معاصر مرتبط بالهوية الوطنية يفتح أفق لهذا الإرث لتصنيع تاريخ إنساني جديد في الإبداع فاعل ومرتبط بهذه المنطقة من العالم.

أتذكر : …………………………………
في غرفة الاستقبال المزدحمة بالأشياء الإنسانية .. يوجد “أنتريه” وثير ومريح أخضر فاتح. أتذكر سعد الخادم مضطجعاً علي الكنبة كعادته في هذه الحجرة،.
أيها البيت العتيق هل تتذكر الحكايات؟.
حكاية (1) : أتذكر وأنا أطلب منه تسجيل سيرة حياته الذاتية ، فيبتسم ويتهمني بالعبط ! أضحك وأتحدث إليه .. تنفرج أساريره ويبدأ بالحكي عن تاريخ والدة الذى فقده وهو فى سن الرابعة عشر . هذا الأب كان واحداً من أطباء الملك فاروق هذا الأب الذي كان فى يوم ما يأوي ثوار ثورة 1919م في عيادته بميدان الفلكي . ويتوالى السرد والحكي عن والدة الثوري الوطنى الذي كان يصنع في معمل العيادة قنابل صغيرة للثوار .. وتنفجر واحدة منها، ويبتر أحد أصابعه. حكايات وحكايات !
حكاية (2) : أتذكر وأنا أروى له الحكايات الغريبة عن القطط الطوافة والتحذير من إيذائها فى قريتى “تل بسطة” التى كان اسمها قديماً بالفرعونية “بر بستيت” . وهى مكان لعبادة القطط السوداء أحكى عن أرواح الأطفال التى تتلبس القطط فى المساء وغيرها من حكايات الفولكلور الشعبى .ويأتى قط زوجته عفت ناجى الأرستقراطى ” لولو” متكاسلاً فى هذه الأثناء يتمسح فى قدمى ويتثاءب ويذهب ليغفو حيث يرتاح بين قدمي سعد الخادم.
حكاية (3): أتذكر كيف تملكنى إحساس بالخوف وهو يحضر لى كوب من الماء ويطلب منى أن أقرأ عليه مرة واحدة رسالة الماجستير ، وفى النهاية وبعد أكثر من ساعة توقف الكلام ، وساد الصمت وهو يبتسم و يأمرني مبتهجاً وبلغته العامية التى تتغلغل فى مفاصل كلماته ، أطبع الرسالة يا رضا بدون تعديل.
بيت سعد الخادم يعرف خطواتي ويتذكرني ويسألني في دهشة هل مات سعد الخادم؟ وأقول له كما قال نزار قبانى فى رثاء والده : أمات أبوك ؟ ضلال أن لا يموت أبي .. ففي البيت منه روائح رب .. وذكري نبي .. بقاياه في الحجرات الفساح.

أعترف : ……………………………….
أن علاقتى بالأستاذة عفت نجى كانت عابرة ولا أتذكر علي وجه اليقين المرة الأولي التي رأيتها فى هذا البيت فهى كثيرة الأسفار وكانت تفضل الاستقرار فى فيلا “أمبرون” بمحرم بيه بالأسكندرية ، ولكن علاقتي توطدت بها بعد رحيل أستاذي سعد الخادم . كنت أسأل عليها وسط العزلة التي كانت تعيش فيها بالقاهرة ، وهي كانت تطلبنى بالتليفون من أجل شراء الألوان لها أو السؤال على المعاش .. كانت تستدعينى لنعد ونحضر لإصدار كتابى “سعد الخادم المربي رائد الفنون الشعبية” بعد رحيله ، والذى خرج إلى النور وطبع فى 21 مارس 1991م. فكنا ننتقى الصور ونقرأ الوثائق التى ستنشر فى الكتاب ، وفى وقت آخر كنا نحضر لعملية إنشاء المتحف. بعد أن كتبت هى إسمى فى اللجنة المختصة بذلك .. عفت ناجى تعرف أننى تلميذ زوجها المدلل والأهوج المتمرد وهو فى خريف العمر فكانت تحكى عن زوجها وخصوصية علاقته بالفن والحياة. وكنت افتخر دائماً بأنني واحد من القلة التي تثق بهم هذه السيدة فى الحياة . وخاصة أنها إنسانة تملك مشاعر ضريرة تجاه الناس فهى كالعدالة معصوبة العينين ، لا تعرف المجاملة ، أحكامها قاسية .. وكلماتها صريحة إلى درجة الإحراج . تشبه أمطار الصيف التي تأتي فجأة وتنتهي فجأة.

أتعجب : …………………………………
كنت مندهش من مقدرتها على تذكر أسماء أولادى وأعمارهم والأحداث التى مرت بهم ! ولما سألتها عن ذلك وما هو سر هذه الذاكرة القوية التى تملكها قالت يا رضا .. أنا أمرأة عجوز فى السابعة والتمانين من العمر يا عزيزى أنا أكتب مذكرات وملاحظات صغيرة عنك بجوار رقم تليفونك في الأجندة . ضحكت .. الأسئلة تتدافع عن مسارات العمر، والذكريات مع هذه السيدة الفاضلة تمضى .. وخلاصة الأمر .. عفت ناجى كانت إنسانة مخلصة وفية لتاريخ زوجها ، أمينة على تراثه. ذلك الزوج التى عاشت حياتها بجواره تستمد منه القوة والمشورة ويجمع بينهما حب المعرفة والإبداع والعمل الدؤوب.

أكــــره : …………………………………
سأطلق العنان لنفسى وأذكر أننى أكره شرب الشاى مع الأستاذة عفت ناجى بسبب الطقوس الكثيرة المصاحبة له والبروتوكولات الدقيقة المنظمة للجلسة وفى كل مرة أريد أن أبوح لها بذلك فتخوننى الشجاعة وأجد نفسى على ترابيزة خشبية كلاسكية الطراز تحمل صينيه من النحاس عتيقة , ومع الملاعق الفضية الطويلة ، وأكواب البيشة الزجاجية الصغيرة الملتبسة بقواعد من الفضة. والبراد الخزفى العتيق وماسك مكعبات السكر الأثرى . وعلب السراميك الكثيرة التى لا أرى لها فائده . والمنـــاديل التركية المطرزة . والكراسى الخشبية القديمة والخواتم الفضية الكبيرة التى تلبسها فى كلتا يديها , ومع رائحة التاريخ فى المكان .. ومع كلماتها العربية التي أحياناً لا أفهم تركيب الجمل فيها . كنت أشرب ببطئ مثلها ، وأشكرها فى النهاية على الشاى الجميل.

أحكى : ………………………………….
نجد أنفسنا فى حاجة إلى النصيحة .. طلبت من عفت ناجى المشورة فى فكرة السفر وجاء الرد سريعاً الغربة لها ثمن ولكن سافر يا رضا ؟ وينتهى الحديث ونزلت من عندها الضوء خافت على سلم الفيلا الطويل مضيت للبيت سائراً على الرصيف وصوت أحذية المارة خلفى واضحة .. وحلم الإعداد للسفر خارج الوطن فى بداية التسعينيات يجول فى خاطرى وصدا صوت عفت ناجى فى أذنى وكأنها تقول لى أرحل ففى هذا الوطن لا يوجد ثمة أطلال لكى نبكى عليها .. أرحل ففى هذه البلد لا يوجد شئ يستحق البقاء. وفي الغربة وأنا بعيداً عن الوطن في صباح الإثنين الموافق الثالث من أكتوبر عام 1994م. عرفت من الإعلام خبر وفاتها وصعدت روح عفت ناجى إلي السماء .. رحمة الله عليها، والفاتحة على روحها الكريمة تركت للوطن الذى أحبته ثروة من المقتنيات التي لا تقدر بثمن. ووهبت منزلها بالزيتون للحكومة المصرية لإنشاء متحف لزوجها ولها.

الصور المنشورة مع الرسالة لفيلا سعد الخادم 12 شارع الكريم بجوار قصر الطاهرة قبل تحويلها إلى متحف.

الصور المنشورة مع الرسالة لفيلا سعد الخادم 12 شارع الكريم بجوار قصر الطاهرة قبل تحويلها إلى متحف.

84E02146-2DA8-489E-9453-96D33C020BE6

أرثى ……………………………………
وحشة الذكريات تدفعنى .. بالرثاء وبالبكاء علي الأطلال كما تعود القدماء فى بداية قصائدهم ، وها أنا أنهى رسالتى بكلمات الشاعر إبراهيم ناجى حيث يقول:
يَـا فُؤَادِي لَا تَسَلْ أَيْنَ ٱلْهَوَى .. كَانَ صَرْحًا مِنْ خَيَالٍ فَهَوَى .. اِسْقِنِي وَٱشْرَبْ عَلَى أَطْلَالِهِ .. وَٱرْوِ عَنِّي طَالَمَا ٱلدَّمْعُ رَوَى .. كَيْفَ ذَاكَ ٱلْحُبُّ أَمْسَى خَبَرًا .. وَحَدِيثًا مِنْ أَحَادِيثِ ٱلْجَوَى.
وأخيراً .. العزيزة عفت ناجي .. وأبى سعد الخادم. هل أقول لكما سلاماً أم أقول لكما وداعاً ؟ أنتم أكبر من السلام ومن الوداع .. وسعادتي أنني عشت جزءاً من تكويني بينكم في زمن الكبار .. وفى هذا البيت القابع فى الأحلام.

دكتور : رضـا شحـاته أبو المجــد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اللوحة المصاحبة لنص الرسالة .. للفنان : رضا شحاته .. أقمشة وخيوط " خيامية " 2004

اللوحة المصاحبة لنص الرسالة .. للفنان : رضا شحاته .. أقمشة وخيوط ” خيامية ” 2004

الرسالة (4) : الكنز المجهول .. مشروع سعد الخادم فى التراث الشعبي المصرى .

س .. أين الـــكنز الذي تركه ســـعد الخادم؟
اسمح لي أن أسألك .. هل قرأت رواية “الخيميائي” رائعة الكاتب البرازيلي “بولو كويلو” ؟ والتي تدور أحداثها في أسبانيا بالريف الأندلسي حيث يقطن راعي صغير يدعي ” سانتياجو “. وقد حلم يوماً بكنز مدفون بجوار الأهرامات المصرية .. ومن يومها .. الراعي الصغير في صراع مع فكرة .. هل يذهب في رحلة للبحث عن الكنز، أم يظل في بلاده؟ وفي نهاية الأمر .. قرر أن يتبع ما يمليه عليه قلبه. وبذلك بدأ رحلة خطيرة للبحث عن الكنز. وتتوالي الأحداث والمغامرات، ويفشل الراعي في العثور عليه! فيترك مصر ويرجع إلي بلاده، حيث توجه إلي الشجرة التي حلم تحتها برؤيا الكنز. وبدأ “سانتياجو” الراعي الصغير الحفر بحماس وترقب شديدين .. وطالعته في النهاية خزنة أثرية مليئة بالذهب والمجوهرات.. .. لقد عثر علي الكنز.!

س : ألم نسأل أنفسنا يوماً أين الكنز الدفين الذى نبحث عنه فى هذا الوطن؟
س : هل قرأت عن محارب النور القادر على فهم معجزة الحياة ؟.

فى البداية قل لى من أنت؟
سؤال نطرحه .. سؤال بسيط للوهلة الأولى لكنه الأخطر حين يتعلق بالإنسان وبالهوية؟

س: من هو سعد الخادم؟
سعد الخادم لم يكن قديساً ولكنه كان من الكبار أصحاب الرؤي الاستراتيجية في المعرفة. فهو الذي كتب في ستينيات القرن الماضي عن صدام الهويات الجمالية بين الشرق والغرب ، سعد الخادم هو الأرستقراطى الاشتراكى الذي ظل مؤمناً بالنزعة الإنسانية وبروح الشعب وأفكار التنوير التي تدعو إلي العدالة والمساواة، والتحرر والتعلم ومقاومة الظلم والاستبداد المعرفي الغربى ، فى الجماليات والعلوم الإنسانية .
لقد أسس سعد الخادم في الحقل المعرفي للفنون بمصر ما اصطلح عليه حديثاً .. حقل دراسات ما بعد الاستعمار “الكلولنيالية”. فقد كان من البديهي أن تتجه الدراسات في الفنون بعد الاستقلال الوطني إلي البحث عن الهوية الوطنية لهذا الشعب ، وكان السؤال مشروعاً. وبمرور الزمن.. انعكس السؤال الوجودى في ظل موجة الاستغراب والعولمة والكونية وتغير اتجاه الأسئلة عند البعض إلى كيف نبدع من داخل منظور الحداثة الغربية ؟

هل أنت من محاربي النور؟
أعرف العديد من الفنانين الكبار كفوا عن العيش بيننا وهربو من مشاكل الواقع وقضاياه الحية .. فالإنصات إلى صوت الناس الغلابة صعب والإنصات إلى صوت الحق والخير والجمال صعب .. لقد توقف الكثير من الفنانين فى حركة التشكيل المصرية عن الحياة هم خارج الزمن والتاريخ هم لا يرون إلا ذواتهم بنرجسية بغيضة ..هم لا يغضبون .. ولا يثورون .. ولا يقبلون تحديات الحياة ولذلك لم تعد الحياة تتحداهم وتركتهم سجناء مع وهم فنهم وتاريخهم الخاص.

حفظ وتوثيق الذاكرة الوطنية من الفنون والحرف المصرية ..

مع افتتاح الدراسات العليا بالمعهد العالي للتربية الفنية 1970، وأتت سعد الخادم الفرصة ليبدأ مرحلة جديدة فى مشروعه ، والتي تمثلت في الإيغال في التنظير للتراث الفني الحرفي بمصر بدعوي التأصيل المعرفي .. وبهدف الحفاظ علي نموذجه الصوري كمرجع محدد لمعالم الخصوصية الجمالية فيه.
لقد كان سعد الخادم واعياً بأهمية التدوين والتسجيل والتوثيق فى الاستيلاء على الذاكرة التاريخية الوطنية، وحفظها من الضياع عبر بحوث علمية من رسائل الماجستير والدكتوراة، تتلمس الآفاق الإنسانية الرحبة لتاريخ الفنون والحرف الشعبية، كخطوة مرحلية يمكن الامتداد بها، لبناء ذاكرة للأجيال الجديدة تتلمس من خلالها القوة والمدد لهذا المخزون المعرفى الحيوى الوطنى فى عملية الإبداع بهدف مواجهة العولمة والقيم الغربية في الفن والحياة.

كان سعد الخادم عميق الرؤية، يدرك أن فعل التسارع لاندثار الموروث الشعبي من الحرف والفنون كبير, في ظل عمليات التحول والتغير في المجتمع . ومن ثم كان يعتقد أن هذه الفرصة التاريخية هي فرصة صفرية لن تتكرر، وعليه أن يلتقط تلك اللحظة التاريخية التكتيكية فلا يوجد خيارات أخري أمامنا للحفاظ على هذا الأرث الفنى سوي بالتحرك للتسجيل والتحليل والرصد للمعاني في وجدان هؤلاء الناس بالكتابة والتصوير حتي لا يموت ويندثر مع الذاكرة الحافظة له، فالتراث كان يتم نقل معارفه وأسراره عبر المشافهة والتعليم المباشر بين سلسلة ممتدة من الحرفيين الفنانين. ولك أن تتخيل الموقف الآن إذا لم يتم هذا التسجيل مع موت الكبار منهم من الأسطوات الحاملين لهذا الإرث وانقطاع هذا التواصل. وفي هذا السياق تأتي أهمية مدرسة سعد الخادم وعملها الخارق في عملية حفظ الذاكرة الوطنية من الضياع .

هدف مشروع سعد الخادم.

كان الهدف المستقبلي لمشروع سعد الخادم ورؤيتة يتعدي فكرة التسجيل والتقديس والمحافظة على الموروث… فهو يدرك أن هذه الخطوة كانت لها الأولوية فى ظل فكرة الصراع بين الزمن والفناء لهذه الحرف والصناعات الفنية الشعبية.
إن سعد الخادم يؤمن بأن التراث كمشروع نهضوي بإمكانه أن يقدم نموذجاً بديلاً وأصيلاً علي مستوي الإحساس والإبداع. وأن تأسيس الحداثة والمعاصرة لابد وأن ينطلق من إعادة الانتظام في التراث، إعادة بناء علاقتنا به بصورة تتجاوز قضاياه وإشكالاته وتمكننا التحرر من عوائق التقدم فيه. ويبدأ هذا باحتواء التراث وامتلاكه.
لقد كان يتبع منهجاَ صارماً مع دارسيه من أجل رصد الدلالات الرمزية والأيقونية، وتسجيل الخطوات التقنية في الصياغات الفنية للمشغولات، وقراءة المصطلحات اللغوية المرتبطة بها.
كان يسعي لتسجيل الأنظمة الداخلية المولدة للشكل وللمعني. فالأشكال من منظوره ليست حليات زخرفية للتزيين، بقدر ما كانت أشكال حية تسعي للوصول إلي معني كامن في الجماعة الإنسانية .. وتبحث عن وظيفة نفعية أو جمالية لها.

ـ أيـــــن الكنـــز ..؟

إن الكنز الذي تركه لنا سعد الخادم تحت الشجرة قابع بمكتبة كلية التربية الفنية بالزمالك.. واسمحوا لي بالإنصات معكم إلي أسماء الرسائل العلمية التي أنجزها سعد الخادم مع تلاميذه، والتي هي بالفعل بمثابة كنز علمي لم يكتشف حتي الآن :

بيان : برسائل الماجستير التي أشرف عليها الأستاذ سعد الخادم في مجال التراث الشعبى المصرى الشعبية .

1ـ دراسة لبعض مشغولات النجارة وتوصيفها من إنتاج المدرسة الصناعية الإلهامية والآثار التربوية لها مقدمة من: محمود أحمد عبد العال، رسالة ماجستير عام 1971م.
2ـ دراسة لون من النجارة الشعبية في بصمات الطباعة الخشبية خلال القرن التاسع عشر والآثار التربوية له، مقدمة من: منير مصطفي درويش، رسالة ماجستير عام 1971م.
3ـ دراسة لبعض اللعب الشعبية في مصر حالياً وقيمتها التربوية، مقدمة من: ليلي أحمد حسن علام، رسالة ماجستير عام 1971م.
4ـ دراسة لجوانب التطريز الشعبي في محافظة أسيوط وأثر ذلك في مجال التربية الفنية، مقدمة من: سادات عباس محمد سليم، رسالة ماجستير عام 1971م.
5ـ مشغولات الجلود في القاهرة وطرق وأنماط زخارفها وأثر ذلك في مجال التربية الفنية، مقدمة من: سلوي شعبان أحمد، رسالة ماجستير عام 1972م.
6ـ الفانوس الشعبي في القاهرة أصوله وأشكاله وأغراضه الوظيفية والاجتماعية وسبل تطويره وأثر ذلك في التربية الفنية مقدمة من: محمود السطوحي عباس، رسالة ماجستير عام 1971م.
7ـ القيم الفنية في الصندوق الشعبي في مصر وتطبيقاتها في أشغال الخشب بالمرحلة الإعدادية مقدمة من: محمود كامل السيد، رسالة ماجستير عام 1972م.
8ـ مصاغنا الشعبي ودور القاهرة في إنتاجه وتطويره وأهميته في تدريس فنون المعادن، مقدمة من: علي زين العابدين، رسالة ماجستير عام 1971م.
9ـ دراسة الزخارف الشعبية في العربات الخشبية وأثرها في تدريس التربية الفنية في المرحلة الإعدادية، مقدمة من: مصطفي فريد الرزاز، رسالة ماجستير عام 1972م.
10ـ المواصفات الجمالية للأواني المعدنية الشعبية في أواخر القرن التاسع عشر وتطبيقاتها في الدراسات العملية بالمرحلة الثانوية، مقدمة من: قاسم حسين، رسالة ماجستير عام 1972م.
11ـ دراسة نماذج من النجارة الشعبية في أوائل القرن الحالي والاستفادة منها في مجال التعليم، مقدمة من: سالم عطية محمد عفيفي، رسالة ماجستير عام 1973م.
12ـ دراسة أنماط النجارة الريفية بمحافظة المنوفية والإفادة منها في دروس التربية الفنية، مقدمة من: ثروت حجازي، رسالة ماجستير عام 1973م.
13ـ دراسة الحرف الشعبية التي تعتمد علي الخامات النباتية بمحافظة الشرقي والإفادة منها في التربية الفنية، مقدمة من: سليمان محمود حسن، رسالة ماجستير عام 1973م.
14ـ دراسة تصميمات الحديد المطروق المنفذ في نوافذ وأبواب البيوت الشعبية بمحافظة دمياط وبحث إمكانية الإفادة من هذه التصميمات في دروس أشغال المعادن في المرحلة الثانوية، مقدمة من: حامد السيد محمد البذرة، رسالة ماجستير عام 1976م.
15ـ دراسة أوجه التشابه بين رموز الوشم الشعبي عند بدو محافظة الشرقية عند تلاميذ المرحلة الابتدائية، مقدمة من: حسيني علي محمد، رسالة ماجستير عام 1976م.
16ـ أساليب التشكيل في المشغولات المعدنية في مصر والإفادة منها في تدريس أشغال المعادن في دور المعلمين، مقدمة من: أحمد حافظ حسن أحمد، رسالة ماجستير عام 1976م.
17ـ دراسة مشغولات كليم بدو محافظة الشرقية النازحين من سيناء وأثرها في التربية الفنية بالمرحلة الثانوية الصناعية للبنات، مقدمة من: آمال أسعد أحمد عرفات، رسالة ماجستير عام 1976م.
19ـ توظيف بعض الألياف النباتية والثمار الجافة المستخدمة في حرف شعبية موسمية كحالات يمكن الاستفادة منها في المشغولات الفنية عند البالغين، مقدمة من: فاطمة عبد العزيز المحمودي، رسالة ماجستير عام 1981م.200ـ الملابس المملوكية وتطبيقاتها علي مسرحية “اتفرج يا سلام”، مقدمة من: نوال محمد عثمان، معهد الفنون المسرحية، رسالة ماجستير عام 1971م.
20ـ دور الأعمال الفنية ببيوت المماليك برشيد في نمو الذوق الفني الشعبي، مقدمة من: عبد المنعم الهجان، رسالة ماجستير عام 1980م.
21ـ السمات الفنية والحرفية للبرقع الشعبي في محافظات القناة وسيناء، مقدمة من: ليلي كمال فتوح، رسالة ماجستير عام 1983م.
22ـ دراسة لبعض الحرف الفنية النوبية الشعبية والإفادة منها في مجال توليف الخامات بكلية التربية الفنية، مقدمة من: رضا شحاتة أبو المجد، رسالة ماجستير عام 1984م.
23ـ الخصائص الفنية في حرفة أعلام وبيارق الطرق الصوفية، مقدمة من: مني عبد القادر سعد المعداوي، رسالة ماجستير عام 1986م.
24ـ المشغولات الحرفية القائمة علي بعض خامات النخيل بمصر، مقدمة من: نرمين عبد اللطيف شاهين، رسالة ماجستير عام 1986م.

وإذا استعرضنا أسماء الرسائل العلمية للدكتوراة التى أشرف عليها سعد الخادم والتى من بينها أول رسالة فى جامعة حلوان أعتمدت بها درجة الدكتوراة للأستاذ محمود عبد العال رحمة الله عليه .. نجد أنها محتشدة بفنون هذا الوطن الحقيقية وهي لا تعطيك الفرصة للهروب بعيداً عن هويتك الوطنية. وستجد نفسك محشوراً وسط فنون الناس الغلابة .. مصطفاً معهم دون الشعور بالغربة .. ودون الإحساس بالاستعلاء علي البسطاء من الحرفيين ، وفنون المهمشين وغير الممثلين في الثقافة الرسمية لهذا الوطن.

بيان .. برسائل الدكتوراة التي أشرف عليها الأستاذ سعد الخادم في مجال التراث الشعبى المصرى.

1 ـ الجانب الابتكاري في المدرسة الإلهامية وآثارها التربوية في تدريس النجارة في التعليم العام، مقدمة من: محمود أحمد عبد العال، رسالة دكتوراة عام 1975م.
2 ـ الحلي الشعبية النوبية وقيمتها الفنية وأساليبها التقنية والإفادة منها في تدريس التربية الفنية، مقدمة من: علي زين العابدين محمد فرج، رسالة ماجستير عام 1976م.
3 ـ تصنيف العناصر الحيوانية علي النسيج في مصر منذ الفتح الإسلامي حتي نهاية العصر الفاطمي وأثره في التربية الفنية، مقدمة من: ثريا محمود عبد الرسول، رسالة دكتوراة عام 1978م.
4 ـ مشغولات العظم والقرن في حرف مصرية قديمة والإفادة منها في إعداد معلم التربية الفنية، مقدمة من: سليمان محمود حسن، رسالة دكتوراة عام 1978م.
5 ـ تحقيق الجزء التاسع من مخطوط تخريج الدلالات المعنية علي ما كان في عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم من الحرف والصناعات والعملات الشرعية للخزاعي من القرن التاسع الهجري، مقدمة من: ثروت سيد حجازي، رسالة دكتوراة عام 1978م.
6 ـ أسس تصميم المنمنمة الإسلامية في المدرسة العربية وأثره في تدريس مادة التصميم لمعلم التربية الفنية، مقدمة من: زينب أحمد رأفت السجيني، رسالة دكتوراة عام 1978م,
7 ـ الأزياء الشعبية للمرأة المصرية في محافظة الجيزة والابتكار منها لأزياء عصرية، مقدمة من: فوزية حسن مصطفي، رسالة دكتوراة عام 1979م.
8 ـ الاستفادة بتصميمات مخطوط الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل للجذري في مجال تدريس أشغال الخشب في إعداد مدرس التربية الفنية، مقدمة من: منير مصطفي درويس، رسالة دكتوراة عام 1979م.
9 ـ سمات الأثاث الداخلي في مصر خلال القرن التاسع عشر وأثرها في التربية الفنية، مقدمة من: سالم عطية عفيفي، رسالة دكتوراة عام 1981م.
10 ـ الأثر التعليمي لمشغل هدي شعراوي في إحياء حرف نسوية شعبية وتوظيفها في أغراض نفعية لترشيد تعليم الكبار، مقدمة من: وداد عبد الحليم جاد، رسالة دكتوراة عام 1981.
11 ـ دور حرف الحدادة الشعبية في تطوير تشكيل الشرائح المعدنية الرقيقة وإمكانية الإفادة منها في تدريس أشغال المعادن بكلية التربية الفنية، مقدمة من: حامد السيد محمد البذرة، رسالة دكتوراة عام 1981م.

غياب محارب النور فى هذا الوطن ؟.

أسمح لى أن أسألك مرة أخرى هل قرأت رواية “محارب النور” للروائي والقاص البرازيلي باولو كايلو .
هكذا يبدأ كويلو روايته بالسؤال .. من هو محارب النور؟ .
سأبدأ القراءة للرواية عند المرأة الجميلة ذات الحجاب إحدى أهمّ شخصيات القصّة الخيالية التي قدَّم بها كويلو كتابه «محارب النور»، ما أن تلتقي بالصبى على شاطئ البحر، حتى تسأله هل تعرف تلك الكنيسة ؟ إذهب وزرها وقل رأيك فيها .. ذهب الصبى مفتتناً يجمالها إلى المكان المشار إليه .. وهوجالس على الرمال أمعن النظر فى الأفق لكنه لم يرى سوى المشھد الذي اعتاد رؤیته ، السماء الزرقاء المتصلة بالمحیط. سار وھو خائب الظن، إلى أن وصل قریة صغیرة مجاورة، وسأل الصیادین إن كانوا قد سمعوا بجزیرة وكنیسة. : أجابه صیاد مسن قائلا ـ أجل! كان ذلك، منذ حقبة بعیدة،. لكن زلزال حدث، فابتـلع البحر الجزیرة. ورغم ذلك، وإن كنا لم نعد ًأبد نستطیع رؤیتھا، فلا یزال یحدث لنا، حین تتحرك الأمواج في الأعماق البحریة، سمع قرع أجراس الكنیسة . عاد الصبي إلى الشاطئ، وأصاخ السمع، وظل َ المساء كله على تلك الحالة، لكنه لم یسمع سوى صخب الأمواج وصراخ النوارس

وبرغم مواظبة الصبى على ارتياد الشاطئ كل يوم ولفترات طويلة، إلا أنه لا يسمع صوت الأجراس.وتمضى الأحداث فى القصة وبعد مضيّ أشهر ينسى المرأة، وينهمك في المضي قدما بارتياد الشاطئ لسماع تلك الأصوات. ولكنه يكتشف أشياء كونية أخرى لم يكن يعيرها اهتماماً أو انتباهاً من قبل، يتعرف إلى صوت البحر والنوارس وأزيز النحل وصوت سعف النخيل وغيرها من الأصوات النابعة من سكون الكون على شاطئ البحر… بعد مضيّ زمن طويل، يأتي إلى الشاطئ فيلتقي بالمرأة ذاتها، لا تزال ترتدي الحجاب، وبالجمال نفسه، وكأن الزمن لم يمض بها. كانت تنتظره على الرمل، ما أن بدأت تتكلم معه ، … حتى يسألها من هو فارس النور؟ تجيبه: «إنه القادر على فهم معجزة الكون والحياة، والقادر على خوض معركته حتى النهاية من أجل ما يؤمن به، والقدرة على سماع صوت الأجراس التي يبثّها البحر من أعماقه.

س .. هل مر المحارب من هنا ؟
نعم كان سعد الخادم محارب النور لم يكن عبقرياً لكنه كان إنساناً حالماً بسيطاً قادراً على سماع صوت الأجراس التي يبثّها البحر من أعماقه . كان يرى ويسمع صوت الوجود والكون. سعد الخادم كان يحلم بالأنعتاق الروحى من الآخر محاولاً إيصال أفكاره لنا التى لطالما آمن بها.. حارب من أجل حلمه والحالمون عصاة على الترويض

إن الخطر الذي يداهمنا الآن في حقل الدراسات العليا .. هو غياب محارب النور المفكر المثقف صاحب المدرسة العلمية .. المتناهي في قضية فكرية واضحة الملامح يؤمن بها ويسعي إلي تحقيق أهدافها بصبر وإخلاص .. الزمن الضرير يمر ونحن ننتظر عودة المحارب.

وأخــــــيراً ..
نحن بحاجة إلي جيل من الشباب جديد يصنع لحظة الوصل، ويفتح باب الاجتهاد مرة أخري في مشروع سعد الخادم. وقادر علي تعرية سلطة الخطاب الإمبريالي في الفن والجماليات.. ولديه المعرفة والقدرة علي تفكيكها, ويسعي نحو رؤية إنسانية وطنيه فى الإبداع قادرة علي التحليق في الأفق الكوني، نحن بحاجة إلى شباب قادر على أزالة المساحيق والأقنعة عن كمبارس الغرب بيننا نحن بحاجة إلى شباب قادر على التنقيب عن الأسرار المكنونة في التراث الشعبي المصري للكشف عن زوايا جديدة في هذا الموروث الضخم، الذي يحمل بين جوانبه مخزون لا نهائي من الروح الإنسانية.

وفى النهاية ..
نحن محكومون بالأمل .. والتحية للعديد من شباب الحركة التشكيلية الكنز الحقيقى لهذا الوطن محاربو النورالذين حفروا فى حركة التشكيل المصرية بجهدهم العلمى والإبداعى مسارات للحلم والضوء في الذاكرة الوطنية لهذا الشعب.

دكتور : رضــا شحـاته أبوالمــجد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 العمل الفنى .. للفنان سعد الخادم .. منتصف الخمسينات.

العمل الفنى .. للفنان سعد الخادم .. منتصف الخمسينات.

رسالة (5) : سعد الخادم .. المؤلف .. والمفكر الموسوعى .. عليك التحية.

فى البداية .. أريد أن أكتب مقدمة طويلة ونتفق على الحد الأدنى فيها.
نحن بحاجه إلى المصارحة إلى درجة الصدمة نحن بحاجة إلى نزع السرية عن مشاكلنا والاعتراف بها .. ونحن بحاجة أيضاً إلى الكلام عن المسكوت عنه فى تاريخ حركة التشكيل المصرى . عبر القراءة فى كتابات سعد الخادم.

مقدمة (1) : الكلام المسكوت عنه فى حركة التشكيل المصرية.

يرى سعد الخادم .. أن الفن كان دائماً منذوراً لتحرير النفوس من العبودية والخوف .. والفن ليس رفاهية بل ضرورة للناس الغلابة إن الفن الذى لا يسكن قلوب البسطاء من الشعب ويتماهى مع أحلامهم لا قيمة له ولا هوية له .. فالهوية تأتى من الصك الذى يعطيه الشعب لنا .. أتذكر أغنية محمد منير .. كلمات شريف محجوب ، أنا قلبى مساكن شعبية :
الشــعب حبيـــبى وشريـــانى أهدانى بطاقة شخصية
الإســم الكامــل إنســـان ،الشـــعب الطيــــب والديـــا
المهـنـة بنــاضل بتــعلم تلــميذ فى مدرســـة شـــعبية
المدرسة فاتحة على الشــارع والشارع فاتح فى قلبى
وأنا قلبى مساكن شـعبية .. وأنا قلبى مــساكن شـعبية

وبعد أصداء هذه الأغنية المُعَبـرَهْ عن ضمائرنا .. أتساءل ماذا يؤلمني.؟

وأقول .. ما جدوى هذا الفن الذى لا يستطيع أن يصل إلى الناس . ما جدوى هذا الفن الذى لا يستطيع أن يفجر فى هذا الشعب لوحة تماثل فى ذيوعها وانتشارها مطبوعة أبو زيد الهلالى والزير سالم التى كانت تباع للعامة فى الأسواق .. ما جدوى هذا الفن الذى لا يستطيع أن ينتج لنا منحوتة فى يد الأطفال الصغار تباع على عربات الكارو فى الأرياف مثل شكوكو أو سميحة بالأزايز. بدلاً من إستيراد العرائس من الصين لقد تم تدمير الفن المصرى المعاصر فى أربعة من العقود الماضية .

اسأل نفسك .. لماذا يحترم العالم تجربة الحرانية فى الإبداع .. لماذا كان فى يوماً ما يصدر “التلى” المصرى من أسيوط إلى كافة أرجاء الدنيا لماذا أستخدم بيت أزياء كريستن ديور التلى الأسيوطى فى صنع أزياء نجمات هليوود .. هل تعرف إسم الفنانة الحرفية المصرية التى أنتجت زخارف التلى للفستان الذى ارتدته الممثلة الأمريكية باربرا سترايساند.. Barbra Streisand .. محنة الفن يا عزيزى أنه اختزلَ فى الفنون الجميلة.

لماذا لا نكون مبدعين فى مستوى البسطاء فى هذا الوطن ؟ لماذا نتمثل فكرة الفن بهذا الاستعلاء على الناس ؟. أكاد أجزم أن حركة الفن التشكيلى فى مصر لم تعرف إلتباس أو زيغ بخصوصية دورها وأهدافها وروافدها كهذا الذى تواجه اليوم .. يجب إعادة النظر فى المفاهيم والأساطير المؤسسة لحركة الفن التشكيلي بمصر والتى نتداولها ونعيش فى أوهامها كأنها مسلمات .. ويجب إزالة هالة القداسة التى يضعها بعض الفنانين بيننا فوق الرؤوس .. فبعد قرابة قرن من الكلام عن الهوية خدعوك فقالوا أن حركة الفن التشكيلى فى مصر هى حركة طليعية ومعاصرة تواكب الحداثات فى العالم الغربى ..

أعتذر وماذا يُفيدُ لَوِ اعتَذَرْ ؟

أعتذر(1)
يا صديقى أنت تفتخر بأنك تابع منهزم ومسحوق مستهلك للأفكار نحن نريد أن ننتج المعرفة والجماليات والتيارات الفنية المرتبطة بالذات وبالوطن ويتلقاها منا الآخر. نحن نريد حداثة عربية ثانية لنا لا نريد أن نكون صامتين مثل الخدم فى الروايات الإنجليزية نريد أن ننتج المصطلح فى الفن فالمعرفة الجديدة تنتج إصطلاحها كل ما نفعله فى الحياة هو الأنتظار للمصطلح الجديد القادم لنا من الغرب ثم نتشدق به لنبدو بأننا حداثيين.

أعتذر (2)
لقد تحولنا إلى ناس صامتين معرفيا لا صوت لنا الذى يتكلم هو العقل الغربى وعندما يتحدث فهو يتحدث عن ذاته هو وقضاياه وإشكالياته هو. لا نريد أن نكون تابعين ما هذا الفخر الذى ينتاب البعض منا بأنه ما بعد حداثى يدور حول مركزية الثقافة الغربية ويتبنى آخر منتجاتها أهذا هو نموذج العولمة الذى يجب أن نسير وراءه وكأننا عربة السبنسة التى تتجرجر مترنحة خلف قطار الهيمنة الغربية .. هذا العالم الذى تتشدق بفكره وتدعى أنك تساهم فى حركتة الإبداعية كالند يقول لك إخرص !
لا يوجد لك فنان واحد من أفضل مائة فنان معاصر حى فى التصنيف العالمى.
بالقطع لا أعترف بهذه التصنيفات والمؤسسات المشبوهة التى تديرها لكن هذه بعض من نظرة الغرب العنصرى إلينا .. وأنا أعتقد وبصدق أننا لدينا فتاتين بشكل فردى من الشباب والكبار المبدعين أهم من أعلام الفن المعاصر فى أوربا وأمريكا.

المقدمة (2) : الفن والحق فى التعبير لكل الناس.

يا قارئي فى البداية نحن لا ندعى تقديم وصفات كاملة خاصة بحل المشاكل كل ما نفعله هنا هو تحريك الوعى. وتدشين رؤية محرضة تهز الطبقات العميقة للمفاهيم الثابتة عن صورة الفن وحقوله المعرفية داخل خطاب حركة التشكيل المصرية .. وإذا كنا نريد حداثة عربية ثانية حقيقية تخاطب عامة الشعب تلك الفئة العريضه التى تركت بدون فن ونطالب بحقها فى التعبير عبر صيغة فنية تفتح الباب لهؤلاء الناس الطيبين الأكثر بساطة للفرح بعد أن ضاق بهم الحال وخيم الحزن والكآبة على الوجوه. إذاً فى إطار هذا الطرح علينا البحث عن أفق آخر من التعبير الجمالى بعيداً عن الغموض وقضايا الرمز وأشباح السريالية وفن الهروب من واقع الناس .. نريد فن لا يتعالى على مطالب الحياة لكى تتجاوب هذه الفئات من الشعب معه.

وفى هذا السياق أريد أن أقول هناك صيغ جمالية تقليدية ثورية مسكوت عنها ربما تفتح أفق آخر من التعبير وتحل الإشكالية وهى تنبثق من التآزر بين الفن والحرفة الذى يمكن أن يشكلا معاً منتج فريد من الأعمال الفنية الشعبية نابع من الحاجة الإنسانية وباستخدام أنواع جديدة من التكنيك يقوم بها ما اصطلح بتسميته الفنان الحرفى فى إطار ما يسمى بحركة الفنون والحرف اليدوية.
أريد أن أتحدث عن حركة الفنون والحرف الموازية للفن الحديث والمسكوت عنه فى تدريس تاريخ الفن الغربى بمصر.

لقد خرجت حركة الفنون والحرف للوجود عندما انفصلت الفنون الجميلة عن الفنون والحرف التقليدية بعد إنشاء الأكاديمية الفرنسية الملكية للتصوير والنحت عام 1648 وأكاديمية الفنون الجميلة فى إنجلترا عام 1768 وقبل هذا التاريخ كان لا يمكن التمييز بين الحرفى والفنان وبين ماينتج لهدف جمالى أو ما ينتج لهدف نفعى بين ما يتطلب المهارة والدقة وبين ما يتطلب الإبداع والخلق. وقام على أثر ذلك الانفصال كيان فكرى جديد سمى بحركة الفنون والحرف بدأ رسمياً فى أنجلترا عام 1910والتى قادتها مدرسة شيلسى للفنون والحرف التى تخرج منها سعد الخادم.

لقد خفت صوت الحرف الفنية اليدوية ولم تلقى إحتراماُ مع ظهور الفوردية” Fordism” وخطوط الإنتاج مع الثورة الصناعية وخاصة فى بداية القرن العشرين .. إلا أن كتابات رسكن ” 1819 ـ 1910″ ووليم مورس ” 1834ـ 1896″ قد بشرت بحركة الفنون والحرف من جديد وكانت دعوتهما مشوبة بالرومانسية بدافع الحاجة الى القيم الروحية الإنسانية فى ظل هذا العالم المادى. وتتابع هذا الفكر وتطور بموازاة مع ظهور مدرسة الفن الجديد والـ دى ستيل والباوهاوس فى أوائل الثلاثينات. وبعد الحرب العالمية الثانية عام 1940 انتقل مركز الثقل لحركة الحرف وتفرعت فى الولايات المتحدة الأمريكية. وكانت هذه الحركة ثورة على النهج المفاهيمى الذى سيطر على الفنون الغربية الحديثة بداية من القرن العشرين.

ويرصد سعد الخادم وتلامذته ..حركة الفنون والحرف فى مصر التى نشأت فيما أعتقد بشكل حقيقى مع تدشين المدرسة الإلهامية عام 1911 والتى أنشئتها الأميرة أمينة إلهامى بشارع الفلكى 20 باب اللوق وأشتهرت بتشجيعها الكبير للحرف التى فى طريقها للأندثار نتيجة لانتشار المشغولات والصناعات الحرفية الأوربية . وفى هذا الصدد أشتهرت مؤسسات المجتمع المدنى بالاهتمام بهذا النوع من الفنون التقليدية وظهرت المدارس الحرة ونذكر منها مشاغل هدى شعراوى لأحياء الحرف النسوية الشعبية 1923جمعية العروه الوثقى بالأسكندرية عام 1906.. المدرسة الإسرائيلية الصناعية لتعليم الحرف بالأسكندرية .. جمعية التوفيق القبطية عام 1904.. وهذا النوع من التعليم مختلف عن فلسفة الفنون التطبيقية الآن فالمشغولات الحرفية التى نتحدث عنها تتميز بالسمات الآتية.

(1) : لا يمكن عزل المشغولة الفنية الحديثة عن ميراثها الشعبى وتقاليدها الموروثة عبر تاريخها الطويل الذى أعطاها الخصوبه وأضفى عليه الروح الإنسانية السارية فى المخيال الجمعى .
(2): يجب ألا تفقد المشغولة الحرفية هذا الحس الإنسانى الذى تدمره الميكنة عبر تقسيم العمل الفنى إلى أجزاء فى خطوط الإنتاج. ومن ثم تفقد القيم الروحية الناتجة من صيرورة الأجزاء نحو الكل.
القضايا والإشكاليات التى تطرحها مؤلفات سعد الخادم.فى مجال الفنون الشعبية كثيرة وشائكة وثورية ارتبطت بثقافة الهامش إذا ربطت بزمانها .ولكن قبل أن نتناولها بالتحليل نسأل

لماذا نكتب الكتب؟
نكتب للتعبير عن الصور والأفكار التى تجول بخاطرنا .. ومن ثم تخرج إلى حيز الوجود .. نكتب لأننا نؤمن بأن هناك أفراد على الجانب الآخر من يقرأ ويتأثر ويغير الواقع فالكتابة تصنع الحياة وتعطينا الأمل فى المستقبل. والكتب تنقل المعانى وتهز النفوس بالمعرفة ومن المفارقة أن ثقافة الكتابة والكلمة ما تزال قادرة على تغيير وجه العالم.

ما أريد قوله هنا .. لقد أضاء سعد الخادم بكتاباته عن الفن الشعبي أرواحنا بالنور باعتباره نشاطاً إنسانياً يحمل المعني وتكمن فيه روح الشعب وهويته الوطنية والهوية التى نتحدث عنها هى هوية تفتح وأتصال وتوثب وليست هوية تماهى فى الآخر الغربى .. وعزاؤنا الكبير أن سعد الخادم استطاع أن يطرح الكثير من الإشكاليات والقضايا علي نحو واضح من خلال مؤلفاته في فى ظل تفجر الحداثة الغربية بالعالم فى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. وفى هذا المناخ ترك أثره الذي لا يمكن تجاوزه على تاريخ حركة الفنون والحرف الشعبية فى مصر والوطن العربى.
السؤال الوجودى المزدوج الذى يطرحه سعد الخادم علينا دائماً فى كتاباته.

س .. كيف سنجد ذواتنا ونتحرر من تلك الهيمنة للمركزية الغربية، في ظل هذا الانسحاق للثقافات والهويات؟.
س .. كيف سنخرج من دائرة إمبريالية الثقافة الغربية الجهنمية شديدة الإحكام والسيطرة، التي تعلب وتصدر لنا المعرفة والتكنولوجيا والجماليات كعبوات للاستهلاك المحلي؟.

لقد حافظ سعد الخادم علي روحه الشرقية دائماً برغم تخرجه من مدرسة شيلسى للفنون والحرف بلندن عام 1939، وكان مخلصاً لنداءه الداخلي الذي يسعي نحو الهوية .. ولم يخن أبداً هذا النداء. فوقف في كتاباته ضد عملية التنميط للإحساس في الفن. وكانت لديه القدرة علي كشف القناع عن الغزو الجمالي والفكري للرؤية والوعي. وكانت لديه القدرة أيضاً علي المقاومة والكفاح ضد ما يعرف الآن بالعولمة والمركزية الغربية. ويتضح ذلك بصورة جلية فى كتابيه , مؤامرة الاستعمار ضد تراثنا القومي , والفن والاستعمار الصهيوني.

سعد الخادم كان مهموماً بالتراث الفنى ليس من أجل نزعة الحنين إلى الماضى “النوستالجيا” ولكنه كان يتواصل مع الماضى من أجل الوعى التاريخى ومن منطلق أن الحاضر استمراراً له , ومن أجل الادراك التفسيرى للعديد من القضايا والمشاكل التى تعانى منها حركة التشكيل فى الحاضر والتى لها حلول معاصرة فى الماضى.
لقد انصرف سعد الخادم منذ أن كان شاباً إلي الكتابة والتأليف ، وأنتج ثمانية عشرة كتاباً فى حقل المعرفة منها أربعة عشر كتاباً فى مجال الفنون الشعبية وإليكم ببلوجرافيا بكتب هذا الرجل الذي كان يجلس بيننا في فناء الكلية بسيطاً مهاباً .. لا يتكلم كثيراً، وعندما يتحدث يصمت الجميع ..

أولاً : ببلوجرافيا بمؤلفات سعد الخادم فى مجال الفنون الشعبيــة :

( 1 ) .. الصناعات الشعبية في مصر , …………………… ، دار المعارف, 1975
(2 ) .. الحياة الشعبية في رسوم ناجي ، …………………..، دار المعارف, 1958
( 3 ) .. تاريخ الأزياء الشعبية في مصر، ..، المجلس الأعلي لرعاية الفنون ، 1959
(4 ) .. معالم من فنوننا الشعبية ، …………………………، دار المعارف، 1969
( 5 ) .. الأزياء الشعبية ،………………………………..، المكتبة الثقافية ، 1961
(6 ) .. تصويرنا الشعبي خلال العصور، ………………..، المكتبة الثقافية، 1962
( 7 ) .. الفن الشعبي والمعتقدات السحرية ، ……..، مكتبة النهضة المصرية، 1964
( 8 ) .. الفنون الشعبية في النوبة ، ………………………. ، مكتبة الثقافية، 1964
(9 ) .. مؤامرة الاستعمار ضد تراثنا القومي ، …… ، الدار القومية للطباعة، 1965
(10) .. الدمي المتحركة عند العرب ، ……………. ، الدار القومية للطباعة، 1966
(11) ..الرقص الشعبي في مصر ، ……………………… ، المكتبة الثقافية، 1973
(12) .. الفن والاستعمار الصهيوني ، …………………… ، المكتبة الثقافية، 1974
(13) .. الأزياء الشعبية ، ………………………………… ،دار المعارف، 1981
(14) .. فن الخــزف ، …………………………………….. دار المعارف، 1982

كتب سعد الخادم الآن بالنسبة لى قد تكون بسيطة ولكن تكمن أهميتها أنها كانت رائدة فى زمانها وقد فجرت هذه المؤلفات العديد من القضايا الفكرية والثورية واسمحوا لى بصياغتها من منظورى وفكرى الخاص وذلك على النحو التالى:
القضايا والإشكاليات التى تطرحها مؤلفات سعد الخادم.فى مجال التراث والفنون الشعبية.

إشكالية (1) : أننا نملك حضارة إنسانية عريقة يمكنها أن تقف أمام أى حضارة أخرى موقف الند لا موقف التابع. لقد كانت حضارتنا فى قلب النهضة الغربية, حضارة غازية المشكلة فينا نحن .. مشكلة الثـقة بالذات ,وفي قدرتنا على التغيير.

إشكالية (2) : أننا نعيش حالة من العجز عن مواجهة العصر, والعجز عن نسيانه فى الآن نفسه. حقيقة الأمر نحن نعيش حالة الاغتراب المزدوج, فنرى هؤلاء المتطلعين للحياة فى ظل الثقافة الغربية, وهؤلاء الأصوليون المغتربين زمانياً الذين يعيشون عصر ويتعلقون بالموروث في عصر آخر. هذا الإحساس هو قمة الاغتراب و قمة العجز إن التحرر من التبعية للآخر لا يمكن أن يتم إلا من خلال العمل للتحرر من التبعية للموروث التقليدى المتصلب فينا, بكشف أسراره وامتلاك مفاتيحه.

إشكالية (3) : نحن محكمون شئنا أم كرهنا بالتراث البصرى الأيقونى والرمزى الشعبى العربى , فهو مقوم أساسي من مقومات الحاضر, ونحن لا نملك طريقة عادلة لحجب الماضي عن الحاضر فهما متفاعلان فينا. فنحن دائماً نتحرك نحو المستقبل ولكننا مثل رجل قبيلة “الأنجلوس نوفوس” الذي تحدث عنه، ولتر بنجمان “Walter Bonjamin” فهو يسير إلى الأمام, ولكنه يختلس دوماً النظر إلى الوراء .

إشكالية (4) : هناك حركة تشكيل مصرية شعبية فى القرن التاسع عشر مسكوت عنها فى تاريخ الفن المصرى وجدت قبل إنشاء مدرسة الفنون الجميلة بدرب الجماميز عام 1908 تمثلت فى الرسوم الشعبية الملونة المطبوعة فى مطابع الأرمن والرسوم الجدارية على المنازل والمقاهى الشعبية ورسوم الوشم .. ورسوم عربات النقل والصناديق الشعبية. ويذكر أن من أشهر مصورى اليد وقتذاك يوسف العكم ومرسمه يقع فى شارع كلوت بيه .كما يرصد سعد الخادم مجموعة من الفنانين المصرين وأماكن مراسمهم بالأسواق والشوارع بالقاهرة وردت فى كتاب تاريخ العائلة المحمدية للمؤلف يوسف أضاف عام ..1890

إشكالية (5) : هل توجد حدود واضحة وشفافة بين نحن والآخر؟
الحق هناك تداخل وتمازج بين الشرق والغرب ، وهناك أيضاً تضليل للذهن عندما نحاول تجنب رؤية هذا الواقع المشتبك والذى يستعصى على التحديد, برسم خط فاصل بينهما. إن مشكل التحديث عادة ما يطرح في إطار مشكل الاختيار بين النموذج الحداثي الغربي أو النموذج التراثي العربي الشرقى . وأعتقد إن هذا الطرح مضلل, لأنه بعيد عن الواقع الحقيقي، فنحن لا نخطف التجربة الحياتية من أحد ولا نتحيز لشيء ما ضد مصالحنا, نحن نعيش الحياة والعصر من داخل إشكالياته ويجب أن نعي أننا لسنا منعزلين عن ثقافة الآخر.

إشكالية (6) : الحوار الثقافى والتعايش بين الذات والآخر فى حقل الفنون .
يعتقد سعد الخادم أن بناء الهوية يقتضى إقامة أضداد وآخرين. يخضعون دائماً للمسألة والتفسير الدائم من وجهة نظرنا لاختلافهم عنا “نحن”. فكل عصر وكل مجتمع يقوم بإعادة صنع الآخرين اللازمين له ليعرف نفسه وهويته فى ظل الحوار والتعايش المشترك والاعتراف بالآخر وهو ما يعنى دخول الفرد إلى حيز الوجود الإنساني.
رحم الله سعد الخادم كان يدرك أن ما تبقي من العمر قصير، وأن حلمه في ظهور جمالية محلية معاصرة،. سوف تظل مشروعاً في انتظار جيل من الباحثين والفنانين الشباب، مؤمن بفكر الخادم وقضيته.. الهوية في مقابل التغريب.” وبرحيل سعد الخادم الفنان والمعلم يبقي السؤال مطروحاً دائماً.. كيف نمارس التجديد والتحديث من داخل تراثنا نفسه؟

ثانياً : ببلوجرافيا بمؤلفات سعد الخادم في مجال فنون الطفل :

مما لا شك فيه .. حينما نتحدث عن الحقل المعرفي للتربية عن طريق الفن ، سيظل اسم سعد الخادم كرائد في الكتابة فى هذا المضمار باعتباره أحد الأسماء الهامة التى كتبت عن فن الطفل فى بداية الخمسينيات من القرن العشرين.
أن هذه الكتب تؤكد في وقت مبكر علي وجوب مراعاة المنظور البيئي والثقافى في رسوم الأطفال المصريين، وهو يحذر من نقل قضايا فن الطفل من منظومات ثقافية، إلي منظومات ثقافية أخري مغايرة لها بالمطلق. وهو ما يطلق عليه في أدبيات رسوم الأطفال .. الاغتراب. لفن الطفل ومن ثم يجب الحفاظ علي السمات النوعية للثقافة. وهو ما يؤكد علي أن الثقافة ليست مطلقاً نظاماً عالمياً.. ولكنها نظام مغلق في مواجهة الضد. وهذا الإغلاق ضرورة حيث تبرز الثقافة عن طريق الجدل والاحتكاك والمقاومة الإيجابية والتفاعل مع الثقافات الأخري. وفي هذا الحقل المعرفى أنتج سعد الخادم أربعة كتب هي :

ببلوجرافيا بمؤلفات ســعد الخادم فى مجال فنــون الطــفل :

(1) : الفن والتربية الإجتماعية ، …………………………. دار المعارف ، 1953.
(2) : دراسات في تطور رسوم الأطفال ،………………….. دارالمعارف ، 1954.
(3) : التربية الفنية في فترة المراهقة ،……………………. دار المعارف ، 1955.
(5) : الخبرة اليدوية وأثرها علي التعبير الفني ،…………… دار المعارف ، 1956.

البعد الثقافى فى رسوم الأطفال المصريين من منظور سعد الخادم .. والتى يمكن أن تتبلور فى النقاط الآتية:

قضايا الثقافة المحلية فى رسوم الأطفال فى مصر.

قضية (1) : ينظر سعد الخادم منذ الخمسينات من القرن الماضي إلي رسوم الأطفال علي أنها نقطة الالتقاء بين التعبير الذاتي والوعي الجماعي .. فهو يربط بين الثقافة وفن الطفل من حيث التلقي والتأثير غير المباشر ، ويعزز ذلك إلى خصوصية مفهوم المكان والزمان في الثقافة كمدركات. وما يصاحب هذه الخصوصية من تصورات وأنشطة ذهنية تحدد آلية الإدراك البصري عند الأطفال تجاه رؤية الأشياء في الواقع المرئي.

قضية (2) : العوامل المكانية والزمانية ، وما يرتبط بها من معاني ورموز كسجل مرئى داخل الثقافة المحلية ، تمثل مرجعية للإتزانات البصرية ، التي تشكل بالنسبة للطفل ما يسمي باللاشعور المعرفي الجمعى الذي يعتبر أحد المقومات الأساسية لنزوع الطفل المصري في التعبير. وهو ما يوجه إدراكه البصري هو المعيار الأخلاقي ثابت داخل الثقافة البصرية. وتأتي خطورة هذا المعيار في ارتباطه بتحديد شكل عمليات التنظيم والتحويلات التي تطرأ علي خصوصية الصياغة للمحتوي الشكلي داخل الحيز الفني.

قضية (3) : ويرى سعد الخادم .. أن التحرر من مظاهر الاستلاب إزاء الآخر الغربي , ونحن نتحدث هنا في دائرة حقل التربية الفنية معناه التعامل معه نقدياً. والدخول مع المفاهيم التي نقتبسها منه في حوار نقدي ، وذلك بقراءة هذه المفاهيم والمصطلحات والتصورات والتيارات الفكرية في تاريخيتها ، وفهم مقولاته ونصوصه البصرية في نسبيتها بحثاً عن الآليات الفعلية المتحكمة فيها، وهو أمر يتطلب الحفر في أصولها والبحث في الدوافع والإشكاليات التي أدت إلى انبثاقها. ومن هذا المنطلق يمكن التعرف على أسس تقدمها ، والعمل على إخضاعها لعملية تبيئة جديدة في حقل التربية عن طريق الفن بمصر.

وأخيراً:
أحياناً يأتينى خاطر .. ما فائدة الكتابة ؟ هل غيرت الكلمات شيئاً؟ ماذا قدمت لى الكتب سوى الحيرة الفكرية .. وتلك الرؤية المؤلمة للحقيقة. لكن الكتابة والكتب هى الحياة تنقل المعانى وتهز النفوس وما تزال قادرة على تغيير وجه العالم .

 

دكتور : رضـــا شـــحاتة أبــــوالمجد.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

العمل فى السد العالى  للفنان سعد الخادم  .. طباعة مونوتيب .. منتصف الستينيات

العمل فى السد العالى للفنان سعد الخادم .. طباعة مونوتيب .. منتصف الستينيات

رسالة (6) : الأم .. والفكر الأصولى .. فى حياة سعد الخادم

فى البداية لا أستطيع تحديد دافع خاص كان وراء الكتابة عن نعمت هانم ذو الفقار والدة سعد الخادم . ولكن الشيء الوحيد الذى أستطيع تأكيده هو أن غواية الكشف عن الأسرار فى الرسائل التى تركها سعد الخادم بعد وفاته , وشوق الحفر فى رواسب الماضى والتاريخ عبر قراءة الوقائع والأحداث الشخصية , هو ما دفعنى للكتابة وجعلنى أقع فى محبة هذه الست المصرية الأصيلة التى أنجبت لنا هذا الإنسان .. وفجرت له فى رسائلها قضايا إشكالية وأسئلة سكنت وجدانه , مر عليها ثمانون عاماُ وما تزال إلى الآن مفتوحة تنتظر الإجابة عليها.

ومن النصوص الإنسانية العظيمة في تاريخ البشرية هو جملة “الجنة تحت أقدام الأمهات”. فالأم هي أيقونة العطاء بلا مقابل، وهي نهر الحنان الذي لا ينضب. ومن الجمل الأثيرة عن الأمهات “كل البيوت مظلمة إلي أن تستيقظ الأم .. وفى الأمثال المصرية ” ادعي على ابني واكره اللي يقول آمين”

أود فى البداية أنا أعتَرِفْ لكم :

أعترف الآن (1) : أننى كنت أكره طبقة النبلاء وأرباب الثراء من الكلام العابر فى الروايات فأنا من جيل لم يعرف الطبقة العليا إلا من خلال رواية رد قلبى للكاتب إحسان عبد القدوس أو من خلال فيلم الأيدى الناعمة عن مسرحية للكاتب توفيق الحكيم. واليوم من الأمانة القول أننى غيرت رأى فتصورى كان خطأ . فالأم “نعمت هانم” هذه المصرية الأرسقراطية وبعد قراءة كل رسائلها فى اعتقادى لا تقل فى تضحيتها عن “بيلاجيا تيلوفنا” بطلة رواية الأم للروسى مكسيم غوركى.

أعترف الآن (2) : أن القراءة للرسائل الخاصة لنعمت هانم ليست محايدة بل هى قراءة متحيزة إنتقائية قامت على إختيار بعض المقاطع , وتركت البعض الأخر الخاص جداً , لأنها لا يمكن أن تكون موضع للحكى أو النشر على العامة. وأنا لست مغرماً بهذا النوع من البوح فالكتابات الشخصية جزء من الحياة الخاصة يجب استئذان صاحبها قبل أن تنشر.

أعترف الآن (3) : بعدالة الطرح للحقيقة. فمن الأمانة العلمية أننى أبحث فى ظلال السرد المرافق للوقائع المروية برسائل نعمت هانم . عن قراءة جديدة تحاول إستنطاق معنى ما كان له معنى فقط بدون تأويل . فأنا لا أعتزم يا صديقى أن ألقنك درساُ فى التفسير والتحليل النفسى. !
وبعد هذا ما أطمح إليه من هذه الاعترافات هو توضيح الطريقة التى أحاول بها قراءة الهوية لمرحلة من مراحل حياة ” سعدى” وهو إسم التدليل الذى اختارته الأم نعمت هانم لابنها سعد الخادم.

والأم نعمت الله هانم ذو الفقار التي سنتحدث عنها هنا هي والدة سعد الخادم ومعلمته الحقيقية في الحياة. والدها هو علي باشا ذو الفقار حكمدار القاهرة في عهد الملك فؤاد، وله شارع بإسمه حيث يقطن بمنطقة عابدين بالقاهرة. وينحدر نسل علي باشا من الأميرلاي يوسف بك رسمي التركي الأصل الذي تولي قيادة الجيش المصري في عهد محمد علي لمساعدة تركيا في حربها مع روسيا. وسمي لجسارته وشجاعته باسم ذو الفقار نظراً لتشابه سيفه ذو النصلين بسيف الإمام علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، وأصبحت تلك الصفة لقباً للعائلة احتفظت به من بعده وما هو جدير بالذكر أن والدة سعد الخادم نعمت هانم هى خالة الملكة فريدة ” صافيناز ” الزوجة الأولى للملك فاروق.

لعبت السيدة نعمت هانم دوراً هاماً في تكوين شخصية سعد الخادم، ورسم معالمها بعد وفاة والده وهو في سن الرابعة عشر. وهذا أمر منطقى وواقعى , لقد كانت المدخلات والوقائع التي بلورت شخصية سعد الخادم فى شبابه مبهمة، وخاصة علاقته بوالدته وأسرته كانت خفية لا مرئية لا نعلم عنها شيئاً. ولذلك إحدي فضائل نشر الخطابات المتبادلة بين سعد الخادم وأسرته في الفترة من عام 1936 إلي عام 1939″ أثناء بعثته بلندن والتى قام بنشرها السفير يسرى القويضى “*” أنها كشفت لنا الغطاء عن التقاطعات الفكرية والاجتماعية المؤثرة في فكر سعد الخادم، الذى نشأ في كنف عائلة وطنية عريقة للأم، العلاقات بين أفرادها قائمة علي الاحترام المتبادل في ظل تقاليد صارمة يحافظ عليها الكبار. ويلتزم بها الصغار بالعائلة , وفي هذا الصدد ننشر واحدة من هذه الرسائل للجد علي باشا ذو الفقار بلغته العربية الرصينة رداً علي خطاب سعد الخادم الذى أرسله له وهذا نصها :

عزيزي سعدى ..
وصلتني رسالتك المؤرخة 14 من هذا الشهر والتي قدمت التهنئة بمناسبة الأعياد، وأشكرك شكراً جزيلاً، وأتمني لك أيضاً أطيب الأمنيات… كنا نتمني أن تكتمل سعادتنا لولا الحزن الذي تعرضنا له بسبب وفاة جدتك التي رحلت يوم السبت 5 ديسمبر، وبما أن الموت حق علي كل كائن حي، فقد تقبلنا الأمر باحتساب، راجين أن يمنحنا الله الصبر والسلوان لتحمل هذه الفجيعة. نحن حالياً في القاهرة حيث سنقضي بعض الوقت، راجين أن نراك في أتم صحة ومحققاً تقدماً في دراستك. وأنا واثق تمام الثقة أنك ستكون علي قدر المسئولية لتحقيق الفخر لأسرتك وبلدك.” جدك المخلص دائماً “علي ذو الفقار”

منابع الضوء .. فى شخصية سعد الخادم الفكرية والروحية.

يقول محمود درويش : أحنّ إلى خبز أمي. و قهوة أمي. و لمسة أمي. و تكبر في الطفولة. يوما على صدر يوم. و أعشق عمري لأني. إذا متّ،. أخجل من دمع أمي !.
وإذا أردنا أن نعرف من أين أتت المياه الغيبية التى تجري فى وجدان وعقل الطفل سعد الخادم علينا أن نتوقف عند الأم نعمت هانم ذو الفقار، لنعرف مدي تأثيرها علي التكوين الفكري لسعدى .. إذاً نقرأ النصوص التالية لندرك أن نعمت هانم لم تكن أماً بيولوجية بالمرة، ولكنها كانت ذواتاً فوق مادية .. روحاً هائمة منحت ابنها الطمأنينة وقبساً من النور والشفافية. لقد كانت مؤثرة عليه بدرجة كبيرة، وهي الأم المثقفة الأرسقراطية التى تتحدث الفرنسية , والتي تمتلك رؤية ثاقبة في الفن والحياة. استمع إليها في جزء من الرسالة الأولى وهي تحث سعد الخادم على فكرة التأمل والرؤية في انطباع شروق الشمس “Soleil levent “وانكسار الضوء علي قلعة الجبل بالقاهرة، وهي تذكرنا بانطباعية “Impessionism ” كلود مونيه, في سلسلة التصوير الرائعة بالنور لكتدرائية “روان”.

رسالة (1) : عزيزى سعدى ..
” … استيقظ يومياً قبل شروق الشمس، وأري أمامي جبل المقطم، مشهد جميل وساحر، وكذلك منظر القلعة بألوانها الرائعة التي تتغير مع تغير انعكاس أشعة الشمس عليها. أ فكر فيك كل صباح مع مشاهدتي هذا الجمال الساحر، فأنت أول ما أفكر فيه … وأنت متي تفكر في؟ ” بتاريخ 20 نوفمبر 1936م
وفى الرسالة الثانية كانت نعمت هانم تمنح سعد الخادم النصيحة وتضع له أسس وتوجهات التصور والرؤية المستقبلية في الدراسة والفن. التي يجب أن ينميها الإنسان لذاته وللعالم من حوله، وترشده إلي التميزات والعلاقات التي يجب أن يقيمها بينه وبين الآخر،

رسالة (2) : عزيزي سعدي
“… اجعل كل دراساتك عن الشرق. سوف تستشعر مدي الفخر لخدمة الشرق وليس الغرب. أتركك الآن يا عزيزي سعدي متمنية أن أجد فيك الرجل الحازم القوي، فلا يذل الرجل إلا ضعفه، وحاول دائماً أن يكون لك أفكارك الخاصة بك ولا تنقل أو تقلد أحد، فالله منحك عقلاً لتميز بين الجيد والرديء، وليس للتقليد كالخراف. إختار الجيد من كل شي حولك، وطوعه برؤيتك الخاصة، وكل هذا لصالح بلدك في النهاية…” أقبلك بحرارة، وأتمني لك الصحة والعافية. والدتك. بتاريخ 24مايو1937
وفي الرسالة الثالثة تحضه نعمت هانم علي القراءة وتدفعه إلي زيارة المتاحف، لتنمية حاسة التذوق والقدرة على النقد

رسالة (3) : عزيزى سعدى.
“… ولكي تحفز خيالك علي الانطلاق، الشيء الوحيد الذي عليك أن تفعله هو القراءة “اقرأ كتب جيدة ” وكذلك المشاهدة، وليس هناك فنان حق يجلس وحيداً في غرفته، بل يسافر كثيراً، يزور متاحف.. معارض.. ليس فقط لتقليدها، بل لتنمية ذوقه وإصلاح عيوبه الخاصة به. فلكي تنقد فناناً وتجيد الحكم عليه يجب أن تعتاد عينيك علي مشاهدة ورؤية الجيد والرديء من الأعمال، حتي تستطيع فيما بعد أن تحكم من النظرة الأولي، وهذا تثقيف العين…” 21 أغسطس 1938م

نعمت هانم والبحث عن الذات:

خطابات نعمت الله إلى إبنها سعد الخادم فى باريس تثير بشكل أو بآخر عدد من القضايا الهامة فى الفن والحياة . وفى واحدٍ من خطاباتها المكتوبة فى إسطنبول عام 1938 تفجر إشكالية منذ ثمانين سنة مازال صداها يتردد فى واقع حركة التشكيل المصرية الذى يموج بالعديد من التيارات الفكرية .. فهى تطرح قضية البحث عن الأصل ومشكلة الاختيار بين النموذج الغربى فى الإبداع وبين النموذج التراثى , ومما يدعو للرثاء , فهى تضعنا أمام هذا الإنشطار المعرفى الذى يتنافس عليه ويتصارع تياران أصوليان الأول فريق يتمسك بالأصولية الحداثية الغربية , وفريق يدعو إلى الأصولية التراثية العربية بوصف أنها يمكن أن تقدم نموذجاً بديلاً وأصيلاً فى عملية الإبداع.
البحث عن صورة طبق الأصل.!!

هؤلاء السلفيون وهذا التفكير الأصولى فى الإبداع يرى الحل لإشكالياته فى اتباع أصل ما أو نموذج معرفى يهتدى إليه.. فالأصولية عادة ما تقدم نفسها بوصفها نموذج وحيد للتقدم.
وفى إطار عملية بناء الوعى بين الماضى والحاضر التى تبثها رسالة نعمت هانم إلى سعد الخادم ,علينا ان ندقق كثيراً حين نحاول أن نحدد قضية الصراع بين الشرق والغرب وخصوصية الثقافة الشرقية التى تركز فيها على جملة من المعطيات تجعل التراث فى وعينا يمكنه أن يتقبل متغيرات العصر ومن ثم فهى لا ترفض كل المظاهر الحداثية .
وبعد فهذه رسالة من ثمانين سنة .. مترجمة عن الفرنسية .. كتبت من تركيا فى 4 يونيو 1938 ومن المفيد عند قراءتها , بل ربما من الضرورى التعامل معها بأعتبارها مجموعة من المقدمات أو المؤشرات , تحدد صورة التفكير العربى فى تلك المرحلة الزمانيه فهيا بنا نقرأ :

عزيزى .. سعدى.
” … أرسل لك طيه قصاصة من جريدة … شخص يكرر كلمة بكلمة كل ما قلته فى إسطنبول مع هؤلاء الأغبياء الذين يريدون أن يحولوا كل شيء إلى أوربى ” أوربة ” لماذا لا نطور عاداتنا الجميلة ,لكن مع الاحتفاظ بها وبهويتها ؟ لماذا نقلد تقليداً أعمى مثل القرود الأوربيين فى عادتهم السيئة , ولا نختار العادات السليمة ؟
بتقليدهم نشعرهم أنهم أفضل منا وأعلى منا هذا حقاً مهين … فلا عجب بعد ذلك أن يحتقروا الشرقيين وخاصة إذا كنا أنفسنا كشرقيين نرى أن الأفضل دائماً هو ” الفرنجة ” وأن أي شئ شرقي سيئى. وهنا أنا انفعلت بشدة ضد المصريين وكذلك الأتراك الذين لهم أفق ضيق بلا أى ابتكار سوى التقليد مثل القرود ..
لا تتخيل كم كنت سعيدة بانى وجدت شخص يشاركنى نفس الأفكار ولو وجدت فرصة سانحة لأردت أن أحييه وأشكره. نحن نفقد فننا وهويتنا بتقليد الفن الأوربى ، أنا لا أقول أنه سئ أو رديئ , لكننا نريد أن نحافظ على نقائنا… لدينا أيضا خصال سيئة لماذا لا نحسن السئ ؟ ونحافظ ونصون عاداتنا الجيدة . أنا أرى أن ما يحدث شئ أحمق لأننا يجب أن نتمشى مع التطور والحداثة ونسعى للتعلم والتحضر بدون فقد الهوية الشرقية الأصيلة . فكل شخص له شخصيته المستقلة … ما الفائدة التى تعود على الإنسان من التقليد المتقن ؟ فالقرد يجيد التقليد أيضاً , بل ربما أفضل كذلك .
ما الفائدة إذا كان العالم كله نسخة واحدة كالمطبوعة آلياً تطبع ملايين النسخ المتطابقة ؟ نفس العادات نفس التقاليد نفس الفن نفس الأفكار , نفس الموسيقى …الخ.
أنا أرى أنها مهزلة … لم أجد سوى هذا الرجل المحترم والذى لا أعرفه هو الذى استطاع أن يفهم ويعى أفكارى وتوصل إلى نفس الحكم .
وأنا سائرة فى الشارع أرى كل السيدات متشابهات .. . وكذلك التسريحة كلها متشابهة سواء تلائمهن أم لا … الكل يعملها وهى الموضة الأوربية فيجب علينا أن نعملها نحن. من رأيى ليس تحضراً بل هو تخدير للعقل الذى بدوره سيتوقف عن أى إبتكار فيما بعد. لقد فاض الكيل, عندما يقرر الأوربى محدود الفكر أن الشرقى بلغ قمة التحضر عندما يقلد كل ما هو أوربى. أما أنا فأرى العكس تماماً ولا يسعنى سوى احتقار هذه الأفكار المتخلفة … اقتباس عادة جيدة من جارى لا يعنى ضياع عاداتى الخاصة بى , يبدو أنها صعبة الفهم على الكثيرين من محدودى الفكر والأفق , الذين ليس لديهم أى ملكة سوى التقليد كالقرود , والقليل جداً منهم فقط يتعامل مع الأمور بعقلانية. عندنا فى مصر الآن يعتقدون أنه للتمسك بالشرقية وبالديانة الإسلامية عليهم أن يتزوجوا أربعة سيدات ويلبسوهن الطرح ويجب أن يأكلوا بأيديهم … وهنا تكمن المشكلة .. عدم الفهم والجهل … ! يجب أن يتواجد شخص مستنير يقودهم ويفهمهم التعاليم الصحيحة للإسلام .
أتمنى من كل قلبى أن تصبحوا رجالاً مثقفين ومستنيرين قادرين على إرشاد محدودى الأفق والجهلة , فتكونوا بذلك نافعين لبلدكم وترفعوها لأعلى المراتب , وإعادة المجد الشرقى , وإجبار الغربيين على احترام حضارتنا كى لا تنسوا أننا نحن الأفضل , والأعلى وعليهم تقليدنا. أقبلك بحنان , طلبت منك أكثر من مرة أن تحكى لى عن حياتك ولم أتلق رد . أريد صورتك وأرى وزنك , وأبلغنى إذا احتجت للمال.” والدتك

ظلال الأصولية فى خطاب نعمت هانم.

وبعيداً عن الفكر الإنتقائى والتوفيقى ترصد هذه السيدة فكرة العقل الأصولى الذى يكرس مبدأ النقل لا الإبداع أو تقليد الأشكال والتجارب المستنسخة ويمكن أن نتجاوز خطاب نعمت هانم هنا ونقوم بتصنيف الفكر الأصولى من واقع الحقل المعرفى للحركة التشكيلية العربية وذلك على النحو التالى :

(1) : فكرأصولي راديكالى تراثى يتهم بالجمود والرجعية يتبنى خطاب تقليدى يسقط الزمن وحركة التاريخ لصالح نماذج إنتقائية من الماضى يجب أن نخلص لها, وهو لا يؤمن بالنمو للأفكار والأشكال أو التأويل او التعديل لها . نحن إذاً أمام قراءة بصرية قائمة على الحفظ والتضمين والتقليد للمعارف الجاهزة , وهذه القراءة تؤمن فقط بمفهوم الثبات لإرث الأجداد , ولا تتردد فى الدفاع عنه لدرجة المصادمة والعنف مع الآخر.

(2) : فكرأصولي ليبرالى حداثى يتهم بالتغريب والتنكر للقيم والهوية الوطنية.
ويتبنى خطاب أصولي متعصب للحداثة الغربية فى الفنون , ولا أقول حداثة معاصرة لأنها تاتى ألينا بعد أن تكون قد دخلت إصطلاحات القواميس التاريخية , وأصبحت جزء من تراث الماضى. الغربى تفرض نفسها كالمنقذ والمخلص من التخلف والضلال المعرفى . وانتهى هذه الخطاب البصرى إلى قهرنا وإخضاعنا معرفياً وجمالياً إلى ثقافة الآخر تحت غطاء العولمة والكونية ونهاية التاريخ لحساب المركزية الغربية الأمريكية وهذه القراءة الأصولية ما من شك هى إجابات مرعبة على فكرة التحديث فهى قراءة نرجسية مريضة بالنسيان للماضى وتريد رؤية ملامحها فى تجربة الآخر الغربى. ومن ثم فهذه القراءة المتعصبة تنادى بالقطيعة مع التراث الفنى والتعامل معه كشكل من الرواسب التاريخية المتكلسة , وعليه يجب إزاحة هذا الموروث لصالح المعرفة الغربية الجديدة.

قضية الهروب الكبير من الواقع فى التيار الأصولى

وبعيداً عن خطاب نعمت هانم الذى لايمكنه أن يتحمل هذه الرؤية أيضاً سنتوقف عند أهم أخطار التيار الأصولى فى حركة التشكيل العربية والتى يمكن أن نجملها وذلك على النحو التالى :

(1) : لقد تحولت الأصولية إلى منهج للهروب من مواجهة الحياة الحقيقية. وخطورة هذه الذهنيات الأصولية أنها تهدر ظروف الواقع وتراه دائماً فى مكاناً آخر من الزمن , وعليه تتجاهل الحاضر الحى. أما بالاتجاه إلى الماضى أو بالاتجاه نحو المستقبل الغربى الموهوم.

(2) : مما لا شك فيه أنه فى مكاناً ما من هذا المفهوم الأصولي تكمن بذور العنف الرمزى فى العقل بين الطرفين فالتيارين الأصوليين السابقين كلاهما يتصف بالجمود والتطرف ,ولا يمكن أن يتعايشا بدون عنف. فهما لا يمتزجان ولا يمكن أن يحدث بينهما هجنة. وإذا امتزجا لا ينجم من الخلط بينهما إلا فكر يهدد هوية الشخص وثقافتة وقيم الحضارة التقليدية.

(3) : المشكلة التى تواجهنا مع الفكر الأصولى ليس مشكل أن نختار بين أحد النموذجين , ولا مشكل أن نوفق بينهما المشكلة التى نعانى منها الآن هى مشكلة الازدواجية فى المفاهيم وحالة الأضطراب التى تضرب حقل الفنون التشكيلية العربى. وهكذا نجد أنفسنا أمام كتلة كبيرة من المجتمع غير مندمجة معنا وغير مدجنة , هى خارج هذا الصراع الفكرى , تعيش فى الواقع وهى خارج التاريخ لحركة التشكيل فى مصر بعيداً عن هيمنة سلطة الخطاب الأصولى.

(4) : الأصولية هى ظاهرة غربية فى المقام الأول ومن المسلم به أن الأصوليات فى الشرق هى ردة فعل مقاومة أو مستسلمة للأصوليات الغربية. ونحن هنا أمام تيارين من الأصولية كل منهما يعيش داخل تراثه الخاص بحيث يعيش تجربة الحياة بدون أن يسمح بقيام أية مسافة أو تراجع ضرورى لتمثيل الذات المبدعة.أو إتاحة الفرصة للنمو أمام القوى الحية التى تدفعنا باتجاه المستقيل.

وفى نهاية الأمر:
نحن متخلفون أصوليون عكس ما نعتقد بالرغم من وجود عقول راجحة من الكبار والشباب , لأننا حفظة لكل ما يأتينا نبحث لكل شئ عن أصل فى المعارف الحديثة أو القديمة . نحن ندخل المعارض الفنية باحثين عن التشابهات والتأثيرات , ونتيجة لإساءة الفهم للواقع .. فإن حركة التشكيل فى هذا القرن تكتب , وليس لنا إسهام معرفى واحد إلى الآن فيها.

وبعد هذا الكلام الذى يدعو للحزن والغضب.

اسمحوا لي أن أتحايل علي فرصة الكتابة عن سعد الخادم وأقوم بالإنصات معكم إلي مقتطفات من كتابات هذه الأم التى تفرض بها وصايتها عليه ، تنشر فيها العطر والمعرفة بفن الحياة. وها أنا أقتبس مجموعة من الفقرات كانت تضمنها عفت هانم في ثنايا رسائلها إلي سعد الخادم علي هيئة وصايا إنسانية مشوبة بالعاطفة. والعجيب في الأمر أنه بالرغم من مرور ثمانون عاماً علي هذه الوصايا، أيضاً ما زالت نابضة بالمعني وما تزال إشكالياتها حية ومفتوحة علي الحياة الآن.
والآن أسوق لكم مجموعة من الوصايا لنعمت هانم، التى تصنع شبكة من الهيمنة علي شخصية سعد الخادم ووجدانه.

الوصايا العشره لنعمت هانم ذو الفقار إلى سعد الخادم.

وصية (1) : عزيزي سعدي … فكر جيداً واطلب المشورة من أناس يتمتعون بالخبرة والحكمة أكثر منك، واحرص علي كتابة خطابات مطولة، وابعد عن الجمل المختصرة المبتورة. أقبلك بحنان علي خديك.. إحتفظ بالجريدة ولا ترميها.. والدتك ” 23 أكتوبر 1937

وصية (2) : عزيزي سعدي … لقد أحزنني كثيراً أن تتبسط وتخاطب خالك بالقول خالي العزيز .. لا يعجبني إطلاقاً ما تفعله يا سعدي، أنت تعرف جيداً أني لا أتحمل شيئاً يمسه، وإخلاصي له لا حدود له. إخوتك يقبلونك، وأنا أقبلك بحرارة وحنان.. والدتك ” 5 أغسطس 1938

وصية (3) : عزيزى سعدى … كيف حال رفيقك، لا تهجره إذا كان معذوراً، حاول أن تساعده ولو كان مريضاً كذلك، وحاول أن تندمج في الحياة هناك… والدتك” 7 مايو 1936.م

وصية (4) : عزيزى ســـعدى … إذا كنت تريد أن تسعدني فعليك بشرب “Emulation” باستمرار أثناء فصل الشتاء، وهناك أيضاً كبسولات “”Davis, Haliveral,parke لكني أفضل “Emution” فهو أحسنهم .. والدتك ” 22 نوفمبر 1936م

وصية (5) : عزيزي سعدي … أنا خائفة جداً يا سعدي من أن تتعود علي التدخين لأني رأيت مجموعة الصور التي أرسلتها لحسن، وهذا أحزنني كثيراً، فبدلاً من أن توظف أموالك في أشياء نافعة وتفكر فى والدتك، تستخدمها في حرق شوية ورق، هذا سيكون كارثة إذا كان ظني حقيقي… والدتك ” 29 مارس 1937م

وصية (6) : عزيزي سعدي …إحرص علي شراء شرابات من الصوف، أنت لم تقل لي أبداً كيف تتحمل البرودة؟ وما أخبار الإلفلونزا عندك؟ أرجو أن تداويها جيداً حتي تقضي عليها، ولا تتركها تتمكن منك… ولدتك ” 29نوفمبر 1936 م الجيزة.

وصية (7) : عزيزي سعدي “… أتركك الآن عزيزي سعدي.. راعي ضميرك دائماً قبل أي تحرك، وإذا وجدت أي مشاكل عليك بالابتعاد، وتعامل دائماً بوضوح وصراحة، أقبلك بحنان.. والدتك.” 12مارس 1939م

وصية (8) : عزيزي سعدي … أنا أنتقدك لأنك إبني وأريدك أن تكون أفضل من الجميع، لذلك أكرر عليك. أخرج كثيراً، شاهد كثيراً، جرب مرة أن تخرج في الهواء الطلق للرسم، وستجد أن إنتاجك سيكون مائة مرة أفضل، وسيتطور عملك إلي الأفضل، فعندما تجد نفسك في حضن الطبيعة تتنسم الهواء النقي، هذا بدوره سيوسع إدراكك وخيالك بسبب ما تراه وتسمعه.حاول إذاً في الأعوام المتبقية أن تستفيد بقدر ما تستطيع ، وأن تغير النمط التقليدي الذي لن يمنحك أي فرصة للتطور والترقي .. والدتك ” 21 أغسطس 1938م

وصية (9) : عزيزي سعدى … لم تصلني أي أخبار عن مصر منذ قدومي إلي هنا، لا أعلم ما الذي يجري من أحداث هناك، يجب أن تقرأ الصحف العربية حتي لا تنسي ممارسة القراءة بصفة عامة، ولتعرف أخبار بلدك بصفة خاصة. أقبلك وأتمني أن تتصرف بعقلانية، وتفهم الحياة بطريقة حكيمة، واعلم أنك كلما تكبر ستري العالم بطريقة مختلفة … والدتك “19 سبتمبر 1937 م أسطنبول.

وصية (10) : عزيزي سعدي … بالتأكيد عرفت من الصحف وفاة جدك، لا داعي لأصف لك مدي الألم الذي أشعر به، وكم أشعر بوحدة وغربة في هذه الدنيا بدون هذين الشخصين المقدسين الأب والأم…أرجوك صلي وادعو له، لقد كان يحبك جداً، وكان يكرر لي دائماً أنك الوحيد الذي يحبه، وكم كان سعيداً بخطاباتك التي ترسلها له في الأعياد. يجب أن ترتدي كرافات سوداء. لا أستطيع أن أكتب أكثر من ذلك، أشعر بفراغ داخل رأسي. . والدتك ” 20 يناير 1939 م

خلاصة الأمر ..
كان حضور نعمت هانم الأم في حياة سعد الخادم مركزي الأهمية وطاغ. فهي تتمتع بشخصية ذكية قوية قيادية وذهنية مثقفة , لعبت دور ولى الأمر بإخلاص, بالرغم من ترملها وهي في سن صغيرة ، لها اهتمامات بالجماليات والقضايا الفكرية. وفي اعتقادي أنها هي التي اخترعت سعد الخادم الإنسا.. وهى المعلم الأول له وهي التي منحته قصته وملامح شخصيته , ودعماً نفسياً لا حدود له .. ولغته الخاصة في الرؤية والحياة والعلم . إستمع معى إلى هذا الجزء من الرسالة التالية :

عزيزى سعدى ..
“… لقد أوحشتني جداً يا صغيري سعدي .. تري عندما أراك كيف سيكون شكلك؟ وكيف ستكون حالتك؟ وطباعك، أرجو أن تظل كما أنت طيب وبسيط، ولن تتركني فريسة للإحباط! .. أتركك الآن يا عزيزي سعدي، وأقبلك بحرارة، وأحتضنك بين ذراعي. والدتك.” 15أغسطس1937

وفي النهاية .. تلتقي كلّ المصائر في سكون ونودعكم مع هذه الأغنية .. مع كلمات الرائع الشاعر حسين السيد والحان محمد عبد الوهاب على مقام البياتى والتى ما إن نسمعها إلا وتجرى الدموع فى العيون ..
ست الحبايب يا حبيبة يا أغلى من روحي ودمي .. يا حنينة وكلك طيبة .. يارب يخليكي يا أمي .. يا ست الحبايب يا حبيبه .. زمان سهرتي وتعبتي وشلتي من عمري ليالي .. ولسه برضو دلوقتي بتحملي الهم بدالي ..أنام وتسهري وتباتي تفكري .. وتصحي من الآدان وتيجي تشقري .. يا رب يخليكي يا أمي .. يا ست الحبايب يا حبيبة ………………….
دكتور: رضـا شــحاته أبــو المجد .. “كاتب وباحث أكاديمى من مصر.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملحوظة (1) : الصورة الأخيرة المرفقة بالنص للفنان سعد الخادم .. العمل فى السد العالى .. طباعة مونوتيب .. منتصف الستينيات .
ملحوظة (2) : نثمن الجهد الذي بذلته الأستاذة نسمة رأفت التي قامت بترجمة دقيقة عبر الفرنسية للرسائل المقتبسة والتي تم الاستعانة بها ووردت فى النص .
‏‏ملحوظة (3) : أن النصوص الواردة للسيدة نعمت هانم ذو الفقار والمتبادلة مع أبنها سعد الخادم فى الفترة من 1936 إلى 1939 ، كان مصدرها الكتاب الوثائقي والمعنون باسم “الفنان سعد الخادم أرستقراطي شعبي الهوى” والصادر عن دار نشر الثقافة ، محرم بك، الإسكندرية ، 2015م. للكاتب يسرى القويضى له جزيل الشكر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات