رواية الترجمان لأشرف أبو اليزيد…’ 28 راوياً، 28 رواية’!

05:24 مساءً الجمعة 25 مايو 2018
  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

الوسط اليوم | مقال نقدي للشاعر هاني نديم

في تكنيكٍ كتابي مدهش، يسجل الروائي المصري أشرف أبواليزيدحكايا ثمانٍ وعشرين شخصيةً مختلفةً تلتقي جميعها لتقول في آخر الأمر حكاية واحدة لا تكتمل إلا بجمع ما قالوه جميعهم، رغم اختلاف روايتهم التي تكاد لا تتقاطع ورغم الفروق الهائلة المتعمدة بين مستويات اللغة وطريقة طرحها وتعدد مرجعيتها وتنوع معاجمها.

799C78A8-76C5-4781-9B60-6F7FA6B17B7Aالترجمان إذن، هو هنا رجلٌ بثمان وعشرين أذناً وثمانية وعشرين لساناً مختلفاً كلها فصيح وبيّن، صادم ومثير للجدل!

إنها رواية البؤر أو الكرات الزجاجية، التي أشبهها دوماً بدفع الكثير من الخبز إلى الفرن دفعة واحدة، وإخراجه دفعة واحدة أيضاً قبل أن تأكل النار أطرافه. وهذا ما فعله الترجمان دون أي ضجيج أو صخب كما يتراءى من خلال تلك المقدمة.

أشرف أبو اليزيد، الروائي والشاعر والرسام والمترجم والرحالة والمغترب والصحافي وخط الإنتاج الأدبي الذي لم يتوقف منذ ظهوره عن الإبداع وكأنه خزان حكايا سحري ونبع لغة لا ينضب. لا يمكن لي بحال من الأحوال فصله عن تلك الرواية، خاصة مع تعدد أصواتها واختلاف مراجعها، وكأنني أراه هو الترجمان “محسن” بتلك التركيبة المحورية والموشورية التي بإمكانها أن تعيد ذات القصة بعدة روايات. يتحدث عنه الجميع ولا يتحدث عنهم ولا يدون قصته، وهذا أخطر ما بالأمر!

هل كان الرقم 28 اعتباطياً؟ لا أظنه كذلك، إنه عدد الأحرف العربية وكأن الترجمان أراد إن ينهي كل الأحرف من خلال تلك الرواية التي تدور أحداثها في الكويت أكثر ما تدور، وهو المكان الذي عاش فيه أشرف فترة طويلة من حياته.

كل شخصية في الترجمان تحكي شهادتها وكأنها في محضر تحقيق تارة أو على خشبة مسرحية مونودرامية تارة أخرى، انطباعات صارمة وقصص فيها الكثير من الجمل النهائية رغم القلق والغموض، وفيها ما هو أبعد من الجرأة والمكاشفة وتسمية الأسماء بمسمياتها. يقول مثلاً على لسان فوز العبدالله: “الأمور هناك متشابكة، بل معقدة. عندنا المرأة لا تتحرك وفق ما تشعر، ولا تأخذ قرارها بفضل ما تفكر فيه، وإنما يفكر المجتمع بدلا منها، ويأخذ القرار عنها، وكل ما عليها هو أن تنفذ، الخروج عن ذلك المسار يعني الخروج على شعائر القبيلة وتقاليدها وطقوسها. لا يغرنك أننا نظام سياسي موزع، بين أمير وحكومة ومجلس أمة، كل هذا شكلي، مجرد زخرفة سياسية، نحن لا نزال نتحدث بلغة القبائل، ونفرّق بين البدوي والحضري، وننحاز للمواطن ضد الوافد، بل إننا لا نطيق فئة البدون، هؤلاء الذين ولدوا فلم تكن لهم سماء غير سماء الكويت، بل يقترح بعضنا عليهم أن يأخذوا جنسية جزر القُمُر، ويرحلوا”.

هاني نديم مع الترجمان

هاني نديم مع الترجمان

جنسيات عدة: مغربية، سورية، سويسري، هنديان، فلبينية، مصريون، كويتيون، “بدون”.. جميعهم اتفقوا على المواجهة وعدم المواربة وقول ما يجب قوله من المكتوم دون تدوير الأحرف والتفكير بشظايا الطرح، لقد قالت أبطال تلك الرواية الكثير من المسكوت عنه، يقول ابن اخت بواب العمارة: حين جئت، فجعتني الصدمة! خالي يعمل حارسًا للبناية، وأنا سأكون مساعده. خالي الذي يحسبون له ألف حساب في بلدنا، والكل يردد بفخر، “أبو مينا” في الكويت، “أبو مينا” سافر الكويت، “أبو مينا” راجع من الكويت. ها هو “أبو مينا” لا يساوي شيئا في الكويت، مجرد بواب“.

محاور شتى: القهر، الغربة، الوصوليون، الأخلاق. خلاصات السفر المنهكة ونتائجها الثقيلة يلخصها محيي صابر المصري: لقد خضت فى الرمال المتحركة حتي وصلت إلى منتصف المسافة بين بري الأمان، ليس فىالعمر ما يكفى لأكمل حتي النهاية، وليست لدي الشجاعة الكافية حتي أسبح عائدًا إلى البداية، هذه الرمال ستبتلعني، كما ابتلعت الذين سبقوني. سنغرق رافعين أيادينا بحفنة من الدنانير.. لكنها لن تصبح طوق نجاة أبداً”.

في حقيقة الأمر، لقد ترك أشرف أبو اليزيد في هذه الرواية من الرسائل ما هو أكثر من السرد وأكثف من الكلام. إنها رواية غارقة في الفلسفة والشعر والمواجهة الصادمة التي كلفت صاحبها الكثير من العداوات والأبواب الموصدة منذ الإعلان عن الرواية وفكرتها فهي تجربة عمر بالنسبة لأشرف، سيرة ذاتية إن جاز التعبير كتبها من خلال شخصيات ساحرة. دون أن يفوت فرصة تدوين خلاصة ما رأى بكل قوة، يقول الترجمان محسن: هنا كثرت الصحف وتناسلت، وأصبحت مثل الجراد، الذي أكل الصحافة الجيدة التي عُرفت بها البلاد منذ عقود، ولو تأملت صحفها اليوم لوجدتها جميعا متشابهة. الآن يملكها التجار، والسياسيون، والمتصلون برجال الدين، كل صاحب جريدة يأتي بشخص له خبرة ما، ويشترك في وكالتين للأنباء، ثم يملأ الصفحات بأعمدة الرأي، والإعلانات، وصور الاجتماعيات، والفضائح. خلطة سرية، يقوم عليها حفنة من الجهلاء الذين اشتغلوا بالصحافة لأنها أصبحت هنا ـ بالفعل ـ مهنة من لا مهنة له”.

“الإنسان في مقام السفر ليس هو نفسه في محل الإقامة“. لعل هذه الجملة عمود خيمة “الترجمان” ولعلها تفسر الولع المستمر بتعريف الغربة من خلال عدة شخصيات وبأكثر من طريقة وترجمة وشرح، فنجد مثلا محسن يقول: السفر بحيرة رمال متحركة، كلما أوغلت فيها عزّ عليك الخروج منها، وتمنعت طرق النجاة عليك. فكن دائما عند الشاطيء، ومثلما يحرص سائقو السيارات على ترك مسافة بينهم وبين من أمامهم، على المرء أن يحتفظ بمسافة مماثلة، حتى لا يصطدم بالمجهول”.

أشرف أبو اليزيد، رئيس جميعة الصحافيين الآسيويين AJA، والذي كتب ما يزيد عن ثلاثين مؤلفاً بين أدب الرحلات والشعر والرواية وأدب الأطفال والدراسات والتشكيل، يفقأ عين المواربة في هذه الرواية مخلصاً لمشاعره وأفكاره رغم أنه يعلم تماماً ثمن تلك المكاشفة، ورغم أنه قال على لسان أحد أبطاله بكل ثقة وخبرة وتجريب: نحن أسرى زلات اللسان“.

مقال نقدي نشر في الوسط اليوم

http://www.alwasattoday.com/site-sections/61149.html

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات