الهوية المصرية التائهة في أروقة الجامعات المصرية : جامعة السويس نموذجا

09:45 مساءً الجمعة 8 يونيو 2018
  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

شهادة تكتبها الأديبة والمترجمة د. منى برنس

 

د. منى برنس

د. منى برنس

في زيارتي الأخيرة لكلية الأداب و العلوم الانسانية بجامعة السويس لتسلم قرار عزلي من وظيفتي كمدرس للأدب الانجليزي، لفت انتباهي وجود مكثف للملصق السلفي، “ هل صليت علي النبي اليوم” على الجدران و أبواب المكاتب و القاعات. لا يوجد اي ملصقات لمعرفة أو اقتباسات علمية أو أدبية او فنية في كلية اسمها الأداب و العلوم الانسانية. استرجع ذهني سريعا ملصقات سلفية أخرى كانت تحض على كراهية المسلمين الذين يتبعون المذهب الشيعي. كان ذلك في عام ٢٠١٣، قبل مقتل أربع مصريين ينتمون للمذهب الشيعي في محافظة الجيزة. كان بعض الطلبة السلفيين يحملون جهاز تسجيل و سماعات و يذيعون تلك الفتاوي التي تحض علي القتل. ذهبت إلي عميد الكلية وقتها، و سألته كيف يسمح بذلك في الكلية، قال أنه لم ير شيئا. قلت له الملصق على باب مكتبك الخارجي، و الطلبة اسفل المبنى. خشي العميد على نفسه و لم يفعل شيئا. قتل المصريون الأربعة المسلمين، و من قبلها أحرقت كنيسة للمصريين المسيحيين. تناولت الموضوع مع طلابي في محاضرة الحوار و المناقشة، فانتهى الأمر إلي وقفي عن العمل و تحويلي إلى مجلس تأديب بتهمة ازدراء الأديان.

رواية للكاتبة مرآة للسفر والحياة الأكاديمية وخبرات الترجمة والحياة

رواية للكاتبة مرآة للسفر والحياة الأكاديمية وخبرات الترجمة والحياة

ترأّس مجلس التأديب حينها، السيد الاستاذ الدكتور سيد الشرقاوي، و كان نائب رئيس الجامعة، بحثت عن معلومات عنه على موقع جوجل فلم أجد عنه أي معلومات، أو مؤلفات علمية أو اكاديمة أو مشاركات في مؤتمرات خارج مصر، استغربت، فأنا لي مؤلفات و ترجمات و مثّلت مصر في العديد من المؤتمرات الأدبية في عدد كبير من دول العالم و هناك دراسات أكاديمية عن أعمالي، و كل ذلك مذكور على مواقع الانترنت. ذهبت إلي مجلس التأديب، فتوجه إلى السيد نائب رئيس الجامعة بسؤال باغتني في الحقيقة، “ لماذا تتحدثين عن الشيخ محمد حسان؟” فكانت إجابتي، “ من محمد حسان هذا؟ ما هي مؤهلاته الأكاديمية؟” و عند سؤال اذا كنت أشرت إلي الأدب العربي في محاضراتي، أجبت بنعم، لأن الآداب متداخلة، ففاجأني السيد نائب رئيس الجامعة بقوله، “ كيف أكون استاذ فيزياء و أتحدث عن الكيمياء؟” هنا سكتُ في الحقيقة، إذ لم أعرف كيف أرد و كيف أشرح مسألة تداخل العلوم و تأثيراتها علي بعض، و أنا في مجلس تأديب لا محفل علمي.
تم ابرائي من تهمة ازدراء الأديان، سافرت للخارج سنتين، استاذة زائرة في الولايات المتحدة و استاذة شرفية في اسبانيا، ثم عدت إلي عملي في ٢٠١٦. و كنت في قمة الحماس ان أوظف كل ما تعلمته من خلال خبرتي في التدريس بالخارج. في الفصل الدراسي الأول سبتمبر ٢٠١٦، كنت أدرّس مادة تاريخ الأدب الانجليزي، دراسة تتبعية للعصور الأدبية في انجلترا بالأساس. و عندما تسنح الفرصة لعقد مقارنات بين الادب الانجليزي و الادب العربي أفعل ذلك لتقريب الادب الانجليزي إلى الطلبة. بعض الطلبة، عن سوء فهم، اشتكوا لرئيس القسم، الذي سبق و أن وافقت أنا على سفره للعمل بالسعودية و عاد بعد سنوات يحمل فكرهم الوهابي. اشتكى الطلبة انني أتكلم في الدين، فما كان من رئيس القسم الا انه دخل قاعة المحاضرات و قام بتصرف غير محترم بالمرة، و حّرض الطلبة ضدي في وجودي، قائلا، “ اذا شعرتم ان الدكتورة مني تهز معتقداتكم اكتبوا شكوي ضدها و انا سأرفعها لرئيس الجامعة و تتحول للتحقيق، و تبقي تروح بقي تسافر اي حتة بعيد عن هنا.” الموضوع وصل لنائب رئيس الجامعة، الدكتور سيد الشرقاوي، الذي سبق و أن سألني لماذا أتحدث عن الشيخ محمد حسان قبل ٣ سنوات. طلب مقابلتي، و قال لي، “الادب الانجليزي فيه ٤٠٠ قرن اشمعني القرن دة يعني اللي مركزة فيه.” وجدت انه لن يجدي أن اشرح له ان القرن يحمل اسم اكبر شاعر في القرن ال ١٧ و في تاريخ الادب الانجليزي و انه لا يصح تجاهله. لكن كي أنهي النقاش و “ألم “ الموضوع ، ضحكت، و قلت له “عندك حق، هو قرن مالوش لازمة و هلغيه من المنهج.”
بعد تلك الواقعة باسبوع، طلبة سنة اولي في كلية الأداب كانوا قد أعدوا عرضا عن القرن ال ١٩. و نظرا لان القاعات غير مهيأة و غير مجهزة باي ادوات او اجهزة تعليمية، فالطلبة أحضروا الكمبيوتر الخاص بهم و سماعات من بيوتهم. فوجئت بطالب جاءني جريا و هو يلهث في الساعة السابعة و نصف صباحا، و كنت قد وصلت مكتبي للتو، قال لي بسرعة، “يا دكتورة الأمن رفض دخول السماعات و صادرها، الحقينا.”ذهبت مع الطالب عند الامن، فالامن قال لي يجب موافقة نائب رئيس الجامعة. اتصلت بالدكتور سيد و قلت له الموضوع، فكان الحوار كالتالي، “ السماعات حجمها ايه؟” قلت له، “حجمها عادي،” قال لي لحسن الطلبة يشغلوا موسيقي و يقلبوها صالة افراح،” قلت له، “ لأ طبعا،” قال لي، “ و عايزاها ليه،” قلت له، “ الطلبة هتعمل بريزينتيشن و القاعة كبيرة و الصوت مش هيوصل الا بسماعات. دة مجهودهم.” قال لي، “ و هتتكلموا عن انهي قرن، القرن ال ١٧ برضه؟” قلت له، “ لأ خالص، دة القرن ال ١٩، قرن حلو كدة و ابن حلال و مافيهوش مشاكل.” قال لي، “ طيب تتأكدي ان الطلبة ترجع السماعات عند الامن مباشرة بعد المحاضرة و يبقوا ياخدوها و هما مروحين.” قلت له، “ حاضر.“
تلك هي العقلية التي تدير جامعة السويس. ترّقي الاستاذ الدكتور سيد الشرقاوي إلي منصب رئيس الجامعة، و عزلني من وظيفتي.

من مؤلفات د. منى برنس

من مؤلفات د. منى برنس

كيف يمكن بناء الشخصية المصرية من جديد كما قال السيد الرئيس و هذه هي حال الجامعة؟ الدين الذي هو مكون من مكونات الثقافة لأي مجتمع، و ليس كل الثقافة، أصبح محور الحياة الأكاديمية، فلا بحث حر و لا نقاش أكاديمي في أي موضوع أدبي يكون عنصر الدين أحد عناصره. و تهمة الالحاد و ازدراء الأديان تلحق بأي شحص يقوم بتحليل الأعمال الأدبية في سياقاتها الثقافية، بما في ذلك الدينية، و تصورات الأدباء عن مجمل ما يخص حياتهم في هذا أو ذاك القرن، هذا أو ذاك البلد. و النتيجة قد تكون عزل من الوظيفة كما في حالتي، و هي حالة غير مسبوقة في الحقيقة.
لن أتحدث عن موضوع الرقص\ الفن، فقد سبق أن ذكرت أنه مكون من المكونات الثقافية لكل شعوب العالم، مثله في ذلك مثل الدين، و لا نختلف كشعب مصري عن باقي العالم في ذلك، سوي أن بعضنا، أو الكثير مننا، فقد بوصلته المصرية و اتجه شرقا نحو الوهابية و السلفية و أصبح يحتقر و يحط من شأن الرقص و يصبح من يرقص مخلا بوقار و هيبة مهنة مقدسة مثل التعليم و بالتالي يستحق العزل من الوظيفة. و لأننا شعب تخلى عن جوهر الأشياء، و جوهر الحياة، و تحولت حياته و ممارساته إلي شكليات يحاول أن يثبت من خلالها تمسكه بالدين، الذي اصبح المكون الوحيد لثقافته، أو هكذا يراد له أن يكون، أو بتعبير أدق، أن يبدو. و بدلا من أن يتحول مكون الدين إلي حافز للبحث العلمي، كما في حالة المصريين القدماء، الذين اعتقدوا في البعث و الخلود، فاخترعوا علم التحنيط كي تبعث أجساد الموتي في حالة جيدة. بدلا من ذلك، اقتصر الدين على جلباب، و حجاب و نقاب و زبيبة، و هل صليت على النبي اليوم.
سلام على الهوية المصرية و لا سلام على الجامعة التي تهين تلك الهوية.
(من صفحة الكاتبة على فيسبوك)

One Response to الهوية المصرية التائهة في أروقة الجامعات المصرية : جامعة السويس نموذجا

  1. Lamis hamdi رد

    9 يونيو, 2018 at 7:22 ص

    اعتبري الي حصل ده مكافأة ليكي ودعوة من الحياة للتحرر من المستنقع ده يادكتورة

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات