هيمانت ديفاتي … فراشات فوق حديقة اللغة

06:31 صباحًا الإثنين 11 يونيو 2018
  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

صحيفة العربي الجديد | مقال للكاتب محمد الأسعد

 هيمانت ديفاتي

هيمانت ديفاتي

تحت عنوان “فضاء رتيب يبعث على الكآبة”، ترجم الشاعر والروائي والصحافي المصري أشرف أبو اليزيد عن الإنكليزية مجموعة شعرية للشاعر الهندي هيمانت ديفاتي، بعد أن نقلها إلى الإنكليزية من لغتها الأصلية الهندية/الآرية، المسماة لغة موراتي، الشاعر سارابجيت جارتشا.

وقد يتبادر إلى الذهن أن انتقال قصائد هذه المجموعة من لغة أصلية إلى لغة ثانية فثالثة هي العربية، ربما أبعدها عن شعريّتها الأصلية أو أفقدها نكهتها الأولى، إلا أن هذا الظن سيتبدّد حالما يبدأ القارئ بتصفّح القصائد، ولو بمقارنة النص العربي بالنص الإنكليزي على الأقل، وأخذِ شيءٍ من العلم بالعالم الذي يتحرّك فيه صاحبها، لغة وتصوّرات واستعارات وموضوعات.

صحيح أن لغة موراتي الشائعة في ولاية ماهاراشترا الهندية، والأكثر قدماً بين لغات الهند الأخرى البالغة 22 عدداً، هي لغة ثقافة ذات خصوصية، إلا أن هذا الشاعر يعدّ من فريق من شعراء هذه اللغة يعيش في المراكز الحضرية، فتتهجّن لغته، ويتناول موضوعات جديدة بالنسبة إلى ثقافة ولايته الأصلية، أو “يتعولم”، فتصبح لغته معاصرة ومفهومة.

" تكاد تكون القصائد تناولاً ليوميات تحدث في كل مكان"

” تكاد تكون القصائد تناولاً ليوميات تحدث في كل مكان”

عنوان المجموعة خير دليل إلى هذا العالم المألوف في الثقافات المعاصرة، هندية كانت أو عربيّة أو إنكليزية أو غيرها. إنه إشارة إلى مشهد مألوف لإنسان المراكز الحضرية التي أكسبتها العولمة ملامح متشابهة. فنحن نقرأ في هذا المشهد أبرز ما يصادفه كل إنسان حين يخرج من مكان إقامته، ولكن الإضافة الشعرية تبدأ مع هذا السؤال:وهذا هو ما يجعل شعرية قصائد هذه المجموعة المنقولة من لغة إلى أخرى مقبولة إلى حد ما. يضاف إلى ذلك أن طبيعة موضوعات القصائد تكاد تكون تناولاً ليوميات تحدث في كل مكان وتصف تجارب ليست غريبة عن أي مجتمع معاصر. خصوصاً أن هذا الشاعر، شأنه في ذلك شأن شعراء الجيل الشاب هنا وهناك، يستخدم لغة المعلومات التقانية، لغة الحواسيب وشبكة الإنترنت لأغراض شعرية.

كيف لمشهد في عقلي 
أن يتدفق في عقل ابنتي؟

كل شيء متماثل ومكرور، وأينما اتّجه المرءُ سيجد نفسه أمام التمثال نفسه، والطوابير نفسها، ويصل إلى المشاهد ذاتها. ويشدّد على صور ما يشبه كابوساً من كوابيس أحلام اليقظة، قبل أن تفلت ابنته من يده في الزحام. يذكّر هذا بتلك المدينة التي تحدث عنها اليوناني قسطنطين كافافي، المدينة التي يجد الإنسان نفسه فيها ويهرم فيها نفسها أينما ارتحل واستقر.

ولكن ديفاتي  هنا يسير في اتجاه آخر؛ إنه ينتقد النمذجة الشائعة لحياتنا المعاصرة، تلك التي جعلت من إنسان هذا الزمن نسخة مستنسخة، وحوّلت كل شيء إلى شبيه بأي شيء آخر.

ويمتلك في قصائد أخرى إحساساً بالمخاطر التي تهدّد الكائنات الحية، ليس اتباعاً لحساسية إحدى الفلسفات الهندية التي تؤثر حياة أصغر وأدق الأحياء فقط، بل لأن هذه إحدى فلسفات العصر الراهن الداعية للحفاظ على النظم البيئية أيضاً.

إحساس الشاعر هذا هو ما دفع أحد الكتّاب إلى تشبيه قصائد مجموعته بالفراشات المتنقلة في حديقة اللغة، أوّلاً لأن حركاتها ناعمة ورقيقة، وثانياً لأن ألوان أجنحتها تشبه ألون استعاراته الشعرية.

ولكن هذا ليس إلا جانباً واحداً من جوانب هذه الشعرية، فلغة قصائد المجموعة تشير إلى أنّ صاحبها يتقصّد المخاطرة بكتابة قصائد جادة لا تأخذ في حسابها الذائقة العامة.

ونجده في الوقت الذي تسعى فيه حركات شعرية إلى المساومة على القيم الإبداعية والتضحية بها في سبيل الرواج، يرفض رفضاً تاماً المساومة، واعياً تمام الوعي بموقعه في تراث لغة أدب الموراتي. قصائده تتحدى القارئ. إنه يعي مخاطر الكتابة بالطريقة التي يكتب بها، ويعي أنه توصّل مع انتقاله للحياة في بومباي إلى لغة خاصة به.

الشاعر والمترجم وثالثهما الديوان، خلال مهرجان مومباي الدولي للشعر

الشاعر والمترجم وثالثهما الديوان، خلال مهرجان مومباي الدولي للشعر

صحيح أن صبغة الحنين بالغة الوضوح لديه؛ العودة إلى الصور القديمة، إلى قصص الطفولة، ليقارن بين زمن وزمن، كما في قصيدة تحمل عنوان “قصص داخل قصص”، إلا أن الشعور بتأثير العولمة أصبح محدّداً ومعرّفاً لسطوره الشعرية. وقوله في لقاء معه أنها غيرت حياتنا، يضيف إليه “أننا ننمو اقتصادياً، وهذا يجعل الحياة أفضل، وشيئاً لم نحلم به أبداً. لقد منحتنا فهماً لثقافتنا ولغتنا وتراثنا”.

هذه مجموعة شعرية تأتي من الشرق، شرقنا بالطبع، وتقترب منا ليس بسبب أنها تشهد على عالم يكاد يتنمط بتقانات عابرة للغات والعقائد والحدود، بل لأنها تظلّ تذكّر من وراء كل هذا بإشراقات روحية مصدرها الشرق منذ أقدم الأزمنة وحتى وقتنا الراهن.
* يُعرف هيمانت ديفاتي كأحد أبرز وجوه الشعر الماراتي الهندي. خصوصاً مجموعتيه “قصائد حتى أربعة وثلاثين” و”لا يمكنني التوقف وحسب”، وقد وصلت أعماله إلى لغات آسيوية عدة، بالإضافة إلى الإنكليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية والعربية. “فضاء رتيب يبعث على الكآبة” هو ترجمة قصائده المختارة من كتاب Thambtach Yet Nahi، الذي حصل على جائزة أفضل مجموعة شعرية نشرت باللغة الماراتية بين 2006 و2009.

 

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات