المطبخ الكوري: بسيط، شهي وصحي

10:27 مساءً الجمعة 27 يوليو 2018
د. حسن حميدة

د. حسن حميدة

الدكتور حسن حميدة كاتب لأدب الأطفال واستشاري تغذية في المحافل العلمية الألمانية

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

The Korean Kitchen: simple, delicious and healthy

By Dr. Hassan Humeida

 ———————————————————————————————————————

44E03FB5-CE35-43F8-A174-4E300EBE915Fالغذاء هو جزء لا يتجزأ من ثقافات الشعوب والبلدان. فهو الشيء الذي يعلق بذاكرة الإنسان، ويترك بصمة فريدة في خاطر كل مسافر أو مقيم. ومن صفات الزائر المتذوق لثقافات الشعوب للبلدان، الإهتمام بغذاء البلد أو الشعب المستضيف، والبحث فيما يجود به البلد من طعام وشراب. وبهذا لا يعتبر الغذاء فقط كوسيلة للعيش وسبيل لحفظ الحياة، بل يفوق ذلك ويصير جسر العبور الواصل بين البلدان، للتعمق في حضارات وثقافات الشعوب: نوع الغذاء، مصدره و جودته، طرق إعداده وحفظه، أوقات تناوله وفائدته للبدن. بالغذاء وحب الغذاء، يمهد طريق حب أبدي لا ينتهي. وربما كان الأمر غريزي، يبدأ بحب المخلوقات للبن الأم بعد الولادة ورؤية نور الحياة خارج بطن الأم. ويتدرج الأمر ويتطور مع سنوات العمر، وربما ارتبط بحب الإنسان لقريب أو حبيب أو محسن يجود عليه بالغذاء. وربما كان الحب عفوي للأم أو للأخت أو الجدة أو غيره من الناس بسبب الجود بغذاء شهي. بل ربما كان حب غرامي يربط صديقين أو زوجين بسبب اجادة احدهم لإعداد الغذاء. ومن أمثال الشعوب الأوروبية، أن الحب غالبا ما يأخذ طريقه عبر المعدة.

 كذلك هو حال الغذاء في كوريا الجنوبية كغيرها من البلدان. فيها تتوفر ضروب شتى من أنواع الغذاء من طعام وشراب. ولللغذاء الكوري مزايا كثيرة طيبة، يصعب حصرها في هذا المقال القصير. ولكن بإختصار يتميز المطبخ الكوري بأنه ذو غذاء بسيط وشهي وصحي، غذاء يعود بعضه للحضارت الكورية القديمة. ويعتمد الكوريون في أساسيات غذاءهم اليومي على إعداد وتناول الأرز الكوري الأصلي في كل يوم. ويمثل الأرز الكوري بأنواعه المتعددة، مقوم الغذاء الأساسي لأول و آخر وجبات اليوم الكورية. بل يفتخر الكوريون بتناولهم للأرز في كل يوم، وإذا لم يفلح أحدهم في ذلك، فيكون يومه ناقص من شيء. وبجانب الأرز الذي يكون مصاحب للوجبات الأساسية، يتناول الكوريون، الخضروات والحوم والأسماك وثمار البحر. ومن الأغذية التي يتم إعدادها من الأرز على سبيل المثال: الأرز كشوربة، أو عصيدة أو كيك أو عصير أو مشروب كحولي أو روحي أوغيره. ونادرا ما يحل القمح محل الأرز، حيث يصنع من دقيق القمح عندها، أطعمة كالشعيرية أو الرقائق أو المعجنات التي يتم حشوها بالخضروات أو اللحوم.

 ويعتمد الكوريون بجانب الأرز والأسماك وثمار البحر في غذاءهم اليومي على تناول اللحوم بمختلف أنواعها، ويحبذون اللحوم البيضاء ولحوم الأبقارعن غيرها وبكميات معقولة. ويفوق حبهم للأغذية النباتية التصور، خصوصا السباخخ والملفوف والطحالب الخضراء. ويعلو كل من الملفوف المخلل والطحالب الخضراء المائدة الكورية بجانب الأرز الكوري الأصلي. وبما تتميز به كوريا من تقدم تكنولوجي حديث، لا يزال الشعب الكوري يحافظ على تقافة المطبخ الكوري التقليدي القديم في إعداد الغذاء. على سبيل المثال لا للحصر، إستخدام الأواني الفخارية القديمة في تخليل الملفوف، خصوصا الكيمشي، الذي لا تخلو منه مائدة عشاء كورية، وإعداد الطعام والشراب في أواني صنعت خصيصا على الطريقة البدائية القديمة من الفخار، فهي تضهي للطعام والشراب طعم جودة آخر. مثلا تخمير المشروبات الكحولية كالبيرة  أو العرق المستخلص من ماء الأرز بعد تخميره، أو تقديم الغذاء في هذه الأواني الفخارية.

عموما المطبخ الكوري بجانب غناه بطحالب البحر الخضراء، غني أيضا بالأسماك وثمار البحر. وهذا نسبة لموقع كوريا الجغرافي كشبه جزيرة يحفها البحر من ثلاثة جوانب. ولهذا تتوفر في كل أسواق كوريا، سوى كانت في المدن الكبيرة أو القرى الصغيرة المجاورة لها، كثير من أنواع الأسماك وثمار البحر. ويمكن شراءها طازجة أو معلبة أو مجففة. كما يمكن للزائر للمطاعم الكورية، سوى كانت صغيرة أو كبيرة، الذهاب مباشرة للأحواض المائية التي تحفظ فيها الأسماك وثمار البحرحية، وإختيار النوع المرغوب فيه، وشراءه، وإعداده في الحال لوجبة طازجة وشهية. الشيء الذي يجذب السياح من شتى أجزاء كوريا ودول آسيا المجاورة وبقاع العالم المتفرقة، لتذوق أطباق المائدة الكورية الأصيلة. ومن أشهر هذه الأسواق، سوق أسماك الميناء الكوري الأول بمدينة بوسان، الذي يرتاده أيضا نجوم السينماء العالميين، لتذوق أنواع الغذاء الكوري البحري فيه.00D57E7A-7A27-415D-824D-FC4A3304F3A9

وبجانب كل هذا لا تخلو المائدة الكورية من الشاي. فاللشاي الكوري بمختلف أنواعه، سوى كان شاى أخضر أو أسود طقوس في طريقة إعداده وتناوله. بحضور الشاي تكتمل المائدة، وتحلو الجلسة الكورية. في حضرة الشاي يطيب الجلوس، ويبدأ الحوار، ويفتح باب النقاش. فاللشاي مكان خاص في نفوس الكوريين، مثله في كوريا، مثل كثير الدول التي هي رائدة في زراعته وإعداده وتناوله. فهو جالب للبهجة، ومقوي للتركيز، ومخصب للخيال، ومريح للخاضر. بحضور طبق الشاي وحوله أكوابه الصغار على المنضدة الكورية المنخفضة الإرتفاع، يسترخي الرواد، وينصاعون لأمره، ويجلسون على مساند ارضية. وبسكب وتذوق أول رشفات من الشاي، تنفتح البصائر، وتتفجر الخواطر، وتتدفق العواطف. بوجود الشاي تحل مشاكل إجتماعية وسياسية وغيرها من هموم الشعب الكوري. زيادة على ذلك يحرص الكوريون أيضا على تناولأنواع أخرى من الشاي، كشاي القرفة وشاي الزنجبيل وشاي الجينسن ذو الفوائد الصحية الجمة.

ويمكن القول أن الغذاء الكوري غذاء بسيط وشهي، ولا يفوت ذكر أن الغذاء الكوري أيضا غذاء صحي في المقام الأول. والدليل على ذلك هو استعانة الكوريون في إعداد الطعام على إستعمال أغذية تنتج محليا، وتعد طازجة لكل يوم. كما يتميز المطبخ الكوري بتخليل أو تخمير الغذاء أو إستعمال الليمون عوضا عن الملح. الشيءالذي يوفر على المستهلك تناول كمية كبيرة من الملح، وبه يكاد الغذاء الكوري فقير بالملح. كما يكاد أن يكون المطبخ الكوري فقير بالخبز والسكريات والدهون المشبعة. الشيء الذي يعكس صورته في قلة حالات الإصابة بأمراض عصرية، ذات نمط غذائي خاطيء،كارتفاع ضغط الدم، وداء السكري، وأمراض القلب وتصلب الأوردة والشرايين. ويراعي الكوريون في غذاءهم اليومي، السبل الصحيحة في سلامة الغذاء، جودته وتنوعه، إعداده وحفظه. زيادة على ذلك يبحث الكوريون في غذاءهم وسبل تغذيتهم علميا لتطوير ذلك. ويوثقون للغذاء الكوري عبر متاحف تهتم بأنواع الأطباق الكورية، والمكونات الأساسية لها، ويتم الإهتمام في هذا المجال حتى بأنواع التوابل المستخدمة لكل طبق. وبهذا تكون كوريا أيضا دولة رائدة بين دول العالم، وفي كثير من المجالات، بما فيها جانب الغذاء التقليدي، وطريقة المحافظة عليه أو تطويره ليوافي المتطلبات العصرية.

وأذا ركزنا على أنواع الأطباق الكورية التقليدية في كوريا، فنجد أن هناك أطباق قديمة ترجع لحضارات كوريا القديمة، والتي لا يمكن حصرها في صفحات قليلة. ولكن يمكن القول بأن الأطباق الآتية، من الأطباق التي تقع في أول القائمة الكورية، وذات مكان خاص في قلوب الشعب الكوري:

الكيمتشي: طبق حار ومر المذاق، مليء بالتوابل، ومصنوع من الخضروات المخللة كالملفوف. ويعتبر الكيمشي من أساسيات العشاء الكوري.

البولجوجي: طبق يتكون من لحم البقر المشوي والمتبل بالفلفل الأحمر، ويوضع اللحم في أوراق الخس مع الثوم والبصل، ويحسب من أشهى الأطباق الكورية.

البيبيمباب: طبق يتكون من الأرز والخضروات المتبلة، كالمشروم، ولحم البقر، وصلصة الصويا، والفلفل الحار، والبيض المقلي بالزيت

الجابتشي: طبق ذو مذاق حلو، وقوام ناعم، يتكون من لحوم الأبقار والشعيرية والخضروات، والمشروم والبامبي، بإضافة قليل من صلصة الصويا والسكر.

الهودويك: طبق حلو المذاق، يتكون من فطائر مشوية، دائرية ومسطحة الشكل، يضاف إليها شيء من زبدة الفول السوداني والقرفة والعسل أو السكر البني.

تيكوبوكي: طبق كوري حار، يتكون من الأرز والسمك بأشكال مختلفة، والخضروات والصلصة والفلفل الحلو، ويتميز بطعمه المميز “الحلو الحار”.

السيولونجتان: طبق يتمثل في حساء ساخن ذو لون أبيض، ويعد من عظام ولحم الثور، ويختار له الحم من منطقة الصدر. ويتبل بشيء من الملح و الفلفل الأسود والبصل الأخضر والثوم، ويتناول مع الأرز. ويحمل إسم العاصمة “طبق سيول”.

السوندوبو جيجاج: طبق يتمثل في حساء من عجينة الصويا “التوفو”، والخضروات، والمشروم، والبيض، وثمار البحر، ولحوم الأبقار. ويتم تقديم هذا الحساء في إناء من الفخار.

البان كيك بالخضروات وثمار البحر: طبق ذو قوام ناعم، يتكون غالبا من البيض، ودقيق الأرز، ودقيق القمح، والبصل الأخضر، وثمار البحر، كالجمبري والمحار والحبار.

وأخيرا يمكن القول، أن للغذاء الكوري فوائد صحية جمة، وينعكس بصورة من الصور على جسم الإنسان صحتة. وبرهان على فائدة الغذاء في كوريا الجنوبية للجسم والصحة، هو متوسط الأعمار للجنسين في كوريا. وبما أن للعامل الجيني من دور هام، إلا أن للغذاء الصحي في حياة الإنسان دور أهم.

 كل حقوق الطبع والنشر محفوظة للكاتب. يمنع النقل  من دون اذن – 2018

All rights reserved to the author. No reproduction without permission – 2018

E-Mail: hassan_humeida@yahoo.de

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات