محمد جاد هزاع .. المنتمي

05:10 صباحًا السبت 8 سبتمبر 2018
عزة أبو العز

عزة أبو العز

كاتبة وناقدة من مصر

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

الكاتبة عزة أبو العز تكتب عن المؤلف محمد جاد هزاع

الكاتبة عزة أبو العز تكتب عن المؤلف محمد جاد هزاع

محمدجاد هزاع ، بإختصار ، هو هذا ( المنتمى ) دائماً للعقل والروح معاً ، هذا المنتمى الذى ليس له من ذنب سوى وجوده فى عالم يعج بالتعريفات والتصنيفات والأصوات الصاخبة حد الغوغائية ، هذا المنتمى لذاته، على المستوى الشخصي ، المنتمي للوطن بمفهومه العام ،  المنتمى للإنسانية ، بمفهومها الشامل ، المنتمي، فوق ذلك ، وقبل ذلك ، وبعد ذلك ،  لكل مايدخل تحت مقولة  ( تجليات الحق على الخلق ) ، بل المنتمي للحق ذاته .

يظل التعامل مع أدب هزاع ، عندي، حالة شديدة الخصوصية ، حالة يتوجب علىَّفيها أن يكون حضوري بالعقل لا يقل عن حضوري بالقلب والروح معاً .. نعم فهذا المنتمى ( للذات وللوطن وللإنسانية وما فوقها ) يستحق ممن يطالع أدبه الثرى أن يكون مستعداً للولوج إلى حضراته الفكرية والروحية الخاصة ، ولا سيما حضرة العقل والروح معاً ..فى ( وجودك ذنب..  قصة عقل ) وفي (وجودك حب ..قصة روح ) .

لماذا أطلقت على الرجل مسمى المنتمى ؟

هذا المؤمن دائماً بالوصل لا الفصل .. فهو المنتمى .

هذا الذى يكتب دائماً عن { الحب ،الحق ، الخير، الجمال ، النور } .. فهو المنتمى .

هذا الذى يرى فى القيم سر استمرار الوجود .. فهو المنتمى .

هذا الذى يؤمن بأنه لن تقوم  الساعة وعلى الأرض من يقول (الله) .. فهو المنتمى .

هذا الذى يؤمن بثبات الواثق أن الكل فى واحد كتجلٍ لله الواحد .. فهو المنتمى .

لقد رأيت فى الرجل ، وما يكتب ، فكرة الانتماء الخالصة ، دون شوائب ، ببساطة العارفين لا العالمين ، ولهذا يظل محمد جاد هزاع ، عندي ، فيكل ما قدمه على المستوى الفكري والأدبي والإنسانى ، حالة إبداعية منتمية بإمتياز للعقل والروح معاً ، ولذلك أصفه بـ  ( المنتمى ) .

1- المضمون الفكري :

تطرح أعمال الكاتب محمد جاد هزاع بصفة عامة ، على نفسه وعلينا ، سؤال أساسي هو : إلى أى مدى يستطيع محمد جاد هزاع (الشخص ) ، ومحمد جاد هزاع ( الإنسان ) ، ومحمد جاد هزاع ( المبدع ) تجسيد معنى الإنتماء ( للذات ، للوطن ، للإنسانية  ، للخلق ، وللحق ) ، وتمثيل هذا المعنى والتعبير عنه ؟

ولأن هذه هى الدراسة الثالثة التى أتناول فيها أعمال الكاتب التى تتميز بالجرأة فى التناول والطرح  وربما بعض الغموض، حين التعرض لعوالم الروح ، كما جاء من قبل فى كتابيه السابقين ، سالت نفسي :

هل لى الحق أن أصنف كتابات الرجل وهو نفسه لم يشأ أن يضعها فى إطارالتصنيف ؟
كيف لى أن أتناول أعمال الرجل ، الذى جعل من نفسه مرآة عاكسة لمجموعة من القضايا الجدلية والفلسفية وتدور معظمها حول مفاهيم { الذات والوجود ، الموت والحياة ، الحضور والغياب ، } ؟

الحقيقة أننى فى كل مرة أتناولشيئًا من أعماله، أجدني مشدودة حد الدهشة ولاسيما فى لحظات التعرض لكتاباته عن عالم الروح والحضرات الخمسة .

أقرأ فادخل إلى عوالمه الروحية بقلبى ، ولكن عقلى لا يهدأ بحثًا عن شواطئالاطمئنان ، وذلك لأن أدب هزاع كالبحر الثائر ، ومن ثم قد يصعب على أى ناقد أنيستسلم لنصوصه النثرية أوالشعرية وان يتعامل معها بالرومانسية المعتادة ( نظرة فابتسامة فموعد فغرام وهيام ) ، وإن كنت وجدت فيها مالا يقل عن كل ما وصفت ، ولكن بطريقة العشق على طريقته ، وعلى طريقة كل من يسلكون الدرب ذاته .

فالنصوص تأخذنا للعمق مرة واحدة وبدون مقدمات وعلى الناقد أن يثبت أنه فى بحر العشق عوَّام ، وإلا فعليه ، وعلى دراسته ، وعلى النص الأصلي السلام .

سألت نفسي: إذا كان الكاتب قد أطلق على كتابه عنوان ( وجودك ذنب .. قصة عقل ) وهو عنوان جاذب ويدعو للتفكر والتدبر والبحث ، وقد خبرت الرجل شديد الذكاء وصاحب حال ومقال ، وإن كان يرفض التصنيف لأعماله وله ما أراد ، أليس لى ، كقارئة أولًا ، وناقدة ثانيًا ، حرية البحث ، للكشف عن ماهية هذا الإبداع المتميز حد الانفراد ؟ وكانت الإجابة بالطبع هي : لك كل الحرية في ذلك ، فالكلمة مسؤلية ، كلمة المبدع ، والناقد ، على السواء .

فى إطار البحث الحر عن مدخل أمين للتعامل مع إبداعات محمد جاد هزاع ، رجعت إلى كتب ومراجع ودراسات كثيرة ، منها كتاب ( العبقرية والذكاء والإبداع ) للدكتور عبد الهادي مصباح  وفي ص83 وجدتهيتحدث عن( الذكاء الوجوديExistence intelligence ) ،  فيقول : يعتقد جاردنر ( أن هذا النوع من الذكاء مرتبط بالتفكير فى الوجود الإنسانى ، وفى معنى الحياة والموت ، والبعث) ، ويهتم أصحاب هذا النوع من الذكاء بالتركيز على الجوانب الآتية :

الدين والعقيدة وأهميتهما بالنسبة للإنسان
الاسترخاء والتأمل
التصوف والدراسات التاريخية والدينية والتراث
التفكير فى الكون والخلق

وأضاف أن من  أشهر المفكرين الذين يتميزون بالذكاء الوجودي ( سقراط ، اينشتاين ، كونفوشيوس ) ، وهنا وجدت مدخلي ، الذي أظنه آمينا ، للتعامل مع أعمال محمد جاد هزاع  ،  فأنا، كما أدرك الآن  ، أعتقد أن كاتبنا من هذا الصنف من الكتَّاب ، الذين يتمتعون بهذا الذكاء الوجودي، ذلك الذكاء الذى يعترف به العلم من ناحية ، ومن الناحية الأخرى ، أراه يستند إلى تلك القوة الروحية الخاصة جداً ، وهى بالقطع لا تتوفر عند عامة الكتَّاب ، وأزعم أن تلك القوة الروحية هى التى تكسب بعض نصوصه سمة الغموض لطلاقتها ، وإن كنت أراه غموضاً يعتري فقط أولئك الذين يتعاملون مع النص الإبداعي ظاهراً ، ولا يكلفون أنفسهم عناء الغوص للتعرف على الأعماق .

محمد جاد هزاع

محمد جاد هزاع

الموت .. وجدلية الحضور والغياب :

_________________________________________________________

من الأفكار التى طرحت نفسها بقوة في الكتاب فكرة الموت وجدلية التفكير فى معنى الحضور والغياب ، فالكاتب يضع نفسه ويضعنا معه امام تساؤل كبير ، هل يغيب الموت البعض ؟ أم أن بعض الغياب حضور ؟ وهى جدلية فلسفية دخل فيها الكاتب بعد أن غيب الموت نصفه الأخر ( شيخ العرب) ، وهذا الطرح بالطريقة التى سردها الكاتب ، وأوردها فى نص ( الغياب حضور )  ص15 ، تؤكد أننا أمام كاتب صاحب حال ، ولديه نظرته الخاصة فى التعامل مع مصيبة الموت ، وهو أن الموت مجرد عبور من بوابة عالم تفضي إلى الدخول في عالم آخر ،  فالموت عنده وعند أمثاله ( إنتباهة )  لحقائق مغايرة ، قد يكون عليها مئات ، بل آلاف الأدلة هنا ، ولكن لانلاحظها إلا إذا عبرنا إلى هناك ، قليلون ممن هنا ينتبهون لهذه الأدلة المنصوبة ليل نهار للتدليل على ما هنالك .

كما يحمل الكتاب مضمون فكرى مهم للغاية ، وهو ضرورة بناء الإنسان ، قبل أى شيء أخر ، فهو يقرر أن ( المصلحون والثوار والمثقفون الحقيقيون يعلمون أن بناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان لا طلاء وجه الوطن ووشوش البشر بألوان باهتة فاسدة ، كما يظن ويفعل البعض ، من المغيبين ، والواهمين ، والمتخلفين عقلياً ، والمرضى نفسياً .. حسب ما جاء على لسانه ص 27 ، ويمثل هذا المضمون موضوع( خطة بشرية كونية ) لعلنا في أمس الحاجة لها الآن .

كما يحمل الكتاب رأى الكاتب فى الحال التى وصل إليها العرب دون مواربة بقوله  {أنهم باتوا أعراباً ، باتوا أشد كفراً ونفاقاً ، للأسف الشديد ، إلا من رحم ربى .} ص 28

ومن المضامين الفكرية القوية ، التى يطرحها الكتاب  هى قوله فى ص 28  {  يؤكد الخالق فى كل تجل له سبحانه وتعالى أن الحب والتعاون والتكامل والتراحم ، هو السبيل الوحيد المضمون لبلوغ مرتبة ( الكل فى واحد ) ، وفوقها مرتبة  ( لا كل بل واحد ) ، وأن التنافس يجب أن يقتصر على مضمار الخير والجمال والحق والنور والحب ، الذى ينضوي فيه كل ما ينفع الناس ، فذلك هو الأبقى هنا وهناك ، على السواء ).

هنا تظهر لى فكرة المنتمى لإنسانيته بجلاء ، وتظهر فكرة الانتماء للكل بوضوح ، تلك الفكرة التى تؤدى لنتيجتها الحتمية ، عند أبناء النور تحديداً ، وهي صيرورة ( الكل في واحد ) ، ثم إنصهارهم في (لا كل بل واحد ) ، وهى قمة الانتماء للواحد وفى الواحد .

ولعل من أهم ماجاء في الكتاب فكرة مراجعة الذات ، فتحت عنوان المراجعات ص 32 ، يقدم الكاتب رسالة من أهم الرسائل ، يؤكد فيها على ضرورة مراجعة المرء لذاته من فترة لأخرى ، وتقييم تجربته على المستوى الخاص والعام ، لا بوصفها مسالة شخصية ، ولكن بوصفها قصة إنسانية  ، تعكس جانباً من جوانب العلاقة الأبدية الأزلية ، بين ( تجلى الحق ) و (استجابة الخلق ) ، لهذا التجلي بوعي ،  أو بغير وعى

المنتمى .. ابن التجربة الناصرية :

من يقرأ (وجودك ذنب .. قصة عقل  ) ويطلِّع على مافيه من أفكار يدرك أن الكاتب هو ابن منتمٍ للتجربة الناصرية حتى النخاع ،  وأن هذه التجربة شكلته فكرياً ، بل ووجدانياً ، فالطفل محمد الصغير نشأ وارتبط تكوينه بهذه التجربة سواء على مستوى الدراسة صغيراً أو على مستوى الفكر كبيراً ، ففى ص 38 ،وتحت عنوان ( ما ينفع الناس ) ، يصف الطفل محمد الذى كان فى زيارة لخالته فى بشتيل البلد التابعة لإمبابة وقت حدوث هزيمة 67 ، حالة الناس وما أصابهم من فزع بعد خطاب التنحى الشهير ، ويقر بأن الناس خرجوا تلقائياً لمطالبة عبد الناصر بان يظل فى منصبه ، ويشهد أن هذا الخروج كان خروجاً طبيعياً وتلقائياً وعفوياً وعشوائياً ، وأن شعارى لا ( تتنحى ) و ( حنحارب ) ولدا بالحارات والأزقة والشوارع ، وليس فى أروقة الاتحاد الإشتراكى ومنظمة الشباب والتنظيم الطليعى ، كما أذاع أعداء عبد الناصر .

هنا نرى الراوى المنتمى ، المدافع عن قضيته السياسية ، المنحاز للتجربة الناصرية ، يدلل على عدالة قضيته وصحة إنحيازه ، بالحجة والبرهان ، فقد كان خروج الناس في 9 و 10 يونيو 1967، كما يقول ، كخروج الناس بعد وفاة عبد الناصر فى سبتمبر عام 1970 ،  طبيعياً وتلقائياً وعفويا وعشوائيا ،  بينما كان عبد الناصر قد عبر البوابة بين عالمنا والعالم الآخر إلى غير رجعة ، وهو مايعني أنه لم تكن هناك فرصة للنفاق ، وهو مايعد دليلا وجوديا على أن الناس تعرف بالعقل الجمعي الباطني ، مَن معها وإن أخطأ ومَن ضدها وإن أصاب ، الناس بوعيها الجمعي الباطنى تعرف ماينفع الناس وما يضرهم .

هنا نجد فكرة الانتماء متجسدة فى كامل صورتها لدى ( الوعى الجمعى ) للشعب المصرى بكل طوائفه وبمختلف أعماره وثقافاته، فكرة الانتماء لما ينفع الناس، تلك الفكرة التي مثلها عبد الناصر ، وليس لشخص عبد الناصر فقد كانو يعلمون علم اليقين أنه قد فارق الحياة ، فقد خرج الجميع ،باستثناء أعداء عبد الناصر التقليدين ، بل خرج بعضهم تحت ضغط حالة إستنفار الوعي الجمعي للشعب كإبن عمه الإخوانى ( ص 39  ).

1132FE25-1082-43FD-860D-E247319A8894مرة أخرى ينقلنا من الخاص للعام ، والخاص هنا هو اختيار أستاذه ( مصطفى ..) مدرس النشاط الفني فى مدرسته الإعدادية له ليشارك مع أخربن من أقرانه فى  معسكر ( إعداد القادة ) بكلية زراعة شبرا ، ضمن فعاليات منظمة الشباب المؤسسة التربوية المنبثقة من تنظيم الاتحاد الاشتراكي العربى ، وقد وصفه فى ص 40 ، (  بأنه تم تشويه  تاريخه عمداً  فى إطار محاولات محو  أو تشويه كل أثر لتجربة عبد الناصر والقيم التى تحملها هذه التجربة بما لها وما عليها  ) ، مؤكداً على أن منظمة الشباب قد أخرجت للوطن عناصر فاعلة ومؤثرة فى الحياة العامة للآن ، كما يرى أن الاتحاد الاشتراكي كما وصفه عبد الناصر  ، تجمعاً لقوى الشعب العامل وهذا هو العام .

كما يسجل رأيه فى التجربة واصفاً إياها بأنها بلغة الأرقام والحقائق وبمنجزاتها  فى المجالين ( الاقتصادي ، الاجتماعي ) لاتزال تمثل الأسس والأعمدة والأسقف  والحيطان التى يعيش الشعب المصرى فى كنفها حتى الآن   (ص41) ، وكان منصفاً حينما أقر أن الأحداث التي تلت عهد التجربة الناصرية ،  تؤكد صحة منطلقاتها السياسية ، الداخلية والخارجية ، على الأقل من الناحية النظرية ، وإن كانت من الناحية العملية قد اخفقت ، بفعل فاعل ، إخفاقات بعضها كارثية (ص41) .

الطريق العكسي :

___________

بشكل أو بأخر تجسدت أمامي مقولة (وجودك ذنب) وكأنها مرادفة لغوية لعنوانه الطريق العكسي ص 45 ، من ناحية ، ومن ناحية أخرى قفز إلى ذهنى مجموعة مقالات محمود أمين العالم فى كتابه المهم ( الإنسان موقف )  ، الذى قرأته  منذ عدة سنوات ، وكنت معجبة بمقولة الكاتب فى مقدمة الطبعة   الأولى وهى أن   ( الإنسان هو أروع ثمار الحياة ،    عقلها الواعي ، قلبها المشتاق ، وحسها الفنان ، وإرادتها الفاعلة ، وأن الإنسان فى جوهره موقف ) .

لذلك يبدو لى أن كتاب ( وجودك ذنب .. قصة عقل ) بكل ما ورد فيه من مضامين فكرية موزعة على صفحات الكتاب ال 214 ، سواء فى سرد أصداء السيرة الذاتية ، بإعتبارها استجابة خَلقية، لتجليلت حقية ، أو فى مجموعة النصوص الإبداعية الشعرية ال 14 ، أو النصوص الإبداعية النثرية ال60 ، عبارة عن مواقف معلنة لكيان إنساني متميز ، منذ أن كان  طفلا صغيرَا ، وحتى بات رجلا كبيرًا ، مرورا بالشاب المثير للجدل والمتسبب فى إثارة الجدال مع من حوله سواء على المستوى الخاص أو العام ، مواقف واضحة وجلية، إزاء ظروف مفصلية  مر بها الوطن ، بداية من أواخرالستينيات وحتى الآن .

كل ما ورد فى (وجودك ذنب .. قصة عقل ) يقول أن الإنسان موقف ، والمواقف لا تقتصر على الأشخاص فى صورتها الفردية بل المواقف تنطبق على الجماعات والأحزاب والمؤسسات والدول ، ليؤكد نظرتي له فى صورة ( المنتمى ) ، فهذا المنتمى ظل مؤمناً بالمشروع الناصري ورافضاً لسياسات الرئيس السادات مقدماً للقارىء مبررات رفضه لمعاهدة السلام التى رأى فيها زلزالاً على المستويات ( المحلية،  والإقليمية ، والدولية )   ويرى أن أثارها باقية عاملة سلباً حتى الآن (ص45) .

معاهدة السلام المزعوم التي هي أحد ثلاثة قرارات دفعت مصر و ستدفعثمنها لمدة عقود وهى { الانفتاح ، الجماعات المتأسلمة  ، معاهدة السلام مع الكيان الصهيونى } .

الموقف يعني الأنتماء والإنتماء يعني الموقف ، بغض النظر عن الإتفاق أو الإختلاف معه .

نقطة تحول … عام  1979:

 7B433B9C-7424-4B39-8AAE-4938E1576704

تكمن أهمية كتاب ( وجودك ذنب .. قصة عقل ) ليس فقط في أنه يمثل شهادة مهمة على العصر من خلال أصداء سيرة ذاتية تنطلق من الخاص إلى العام ، بل لأنه راصد لأهم التغيرات السياسية وما يترتب عليها على المستوى المحلي والإقليمي والدولي ، وخير دليل على ذلك ، الرصد الواعي لما حدث عام 1979م الذي يعتبر نقطة تحول فاصلة على هذه المستويات الثلاثة ،وماترتب على ذلك فيما بعد هذا التاريخ ، فقد ذكر الراوى أن العالم شهد خلال هذا العام أربعة أحداث فارقة ، كان لها تأثيرها على المستوى الإقليمي والدولي ساعتها وإلى الآن وهى :

1- استدعاء حكومة ( نجيب الله ) فى  كابول الاتحاد السوفيتي للتدخل عسكرياً فى أفغانستان لمساعدتها على مواجهة عملاء أمريكا ، وهو ماجر إلى حرب أفغانستان التي أسفرت عن تحول التظرف الفكري لدي المتأسلمين إلى ارهاب مسلح يكتوي بناره العالم حتى الآن .
2- قامت الثورة الإيرانية ضد الشاه الموالى للولايات المتحدة الأمريكية ، مما ادي إلى الحرب الإيرانية العراقية ، ثم إلى حصار العراق وإحتلالها وتدمير مقوماتها كدولة عروبية تلتها سوريا وليبيا واليمن وغير ذلك ولا يزال الحبل على الجرار، والأخطر أنها قد تفضي إلى حرب سنية شيعية ، أو استنزاف للطرفين  .
3- واقعة احتلال الحرم المكي الشريف على يد تنظيم ديني متطرف ، يقوده شاب يدعى جهيمان العتيبى يزعم أنه المهدي المنتظر ، وهو مايعد نتيجة طبيعية لتزاوج المتأسلمين بصيغتيهم الإخوانية والوهابية ، ذلك التزاوج الذي أسفر عن إنتشار ( دين مبدل ) في مواجهة ( دين منزل ) لم تأذن الحرب بينهما بإنتهاء حتى الآن ..
4- عقد معاهدة السلام بين مصر والكيان الصهيونى .وهي المعاهدة التي عصفت بإحدى دوائر الأنتماء الأساسية لمصر وهي الدائرة العربية ، والشواهد على ذلك مسجلة بالصوت والصورة ، ولازالت تترى حتى الأن

أربعة أحداث كانت تنبئ عن بداية عهد جديد  على المستوى الوطني والإقليمي والدولي كما ذكر فى صفحات الكتاب ( 57، 58، 59 ) .

هزاع .. الحريف المخضرم :

________________

كنت ولازلت ممن يؤمنون أن أدب السير الذاتية يحمل فى طياته كثير من السمات التى تجعل القارىء يخرج بعد القراءة إما محباً أو كارهاً لصاحب السيرة الذاتية ، وذلك لأن معظم كتب السير الذاتية عادة تأتى كاشفة أو صادمة أو ناقلة لواقعالراوى بما حوله من قبح وجمال ، وقلما تخرج عن هذا الإطار ، ولكنني مع ( وجودك ذنب ) وجدت نفسي أمام كتاب نسيت فيه شخص الراوى ، حيث إنشغلت يما طرحه من أفكار ، نسيت فيه معاناة الراوى ، وإنشغلت بمعاناة الوطن ، نسيت أن قاعدة وجودك ذنب هي موضوع كتاب أدرسه ، ووجدتها قاعدة قابلة للتطبيق على كل منتمٍ ( للفكرة وللذات وللوطن وللإنسانية وما بعدها ) بصدق ، فى زمن اللامنتمين .

نقلنا هذا الحريف المخضرم بقلمه القوى، الصريح ،المباشر من مجرد كتابة عن الذات ، لمعاناة جيل كامل ، ووطن كامل ، وعالم كامل ، ففى فصليه ( نفس الخطأ) و ( الحريف) نرى تصاعد فكرى ملحوظ للخط الفكري فى الكتاب ، فنجد فى ص 65 تسجيل لشهادته على عصر مبارك وتشريح وتقييم لمواقف سياسية وإقتصادية وإجتماعية ، ومن أهم ما جاء في هذه الشهادة أن نظام مبارك لم يتعلم من خطأ السادات الذى دفع حياته ثمناً لهذا الخطأ ، فيقول إن السادات ظن أن بوسعه استخدام الدين ، أو على أدق التعبيرين التدين ، لتحقيق أغراض سياسية وإقتصادية وإجتماعية ، وإن مبارك تصور أنه بإمكانه فصل التدين الذى تدين به الجماعات المتأسلمة  عن أوجه الحياة بصورها المختلفة وأهمها السياسة ، ولو كانت تعني دائرة الحكم المباشر الضيقة ، حيث ثبت للمرة الألف أن من يؤمنون بأن ( التدين ) يبدأ بتصور ما عن إله ما، وينتهي بغرف النوم والحمامات ، لايمكن أن يتوقفوا طائعين عند مجال أو مجالات ما ، إذا أن طبيعة هذا التدين الشمولي السلطوي العنيف لاتسمح له إلا بحكم العالم وتوظيفه كلية ، إن وسعهم إلى ذلك سبيلا .

الحال .. ومرآة الذات العاكسة :

إذا قلنا إن كتاب ( إحياء علوم الدين ) للغزالي يعد واحداً من أبرز الكتب فى مجال الفلسفة الخُلقية ومجال الإلهيات ، وحسب ما ورد فى كتاب ( الفلسفة العربية والطريق إلى المستقبل للدكتور عاطف العراقي ) على لسان الكاتب إن الغزالي اختار طريق الصوفية وكان هذا الطريق عنده يقوم على النظر والعمل معاً ، وكان يمزج بمهارة بين مجال الفلسفة الخلقية ومجال الإلهيات ص 92 .، فإنني أرى فى كتاب( وجودك ذنب .. قصة عقل )خط شبيه مع خصوصية التجربة الذاتية للكاتب محمد جاد هزاع ، صاحب الإبداع التكاملي فى علاقة الإنسان مع نفسه ومع الكون ومع الله ، وفى باب ( الحال ) فى كتاب وجودك ذنب ص 90 يطرح هزاع مراجعاته مع نفسه مجدداً ، ويصف لنا مفهوم الحال الذى استغرقه تماماً بالمعنى العام والروحي للكلمة أى ظاهراً وباطناً   ، ( الحال ) تلك الكلمة أو الحالة التى منحته أشياء وسلبته أشياء ، وما أصعب اللحظات التى يقف فيها الإنسان أمام مرآة ذاته ، مرآة قادرة على عكس الذات بوجهيها الظاهر والباطن ، وقد وضع الراوى محمد ، صاحب الحال ، أمامنا وأمام مرآة ذاته العاكسة ، نفسه ووطنه وعالمه ، فبعد تجربة طويلة وثرية ومعارك فكرية وسياسية ومجاهدات روحية .. لازال يسأل نفسه نفس الأسئلة ( ماذا عن ؟) .

ماذا عن العدل والظلم ؟ عن الحق والباطل ؟ عن الحرية والاستبداد ؟ عن العام والخاص ؟عن الحب والكراهية ؟عن المعرفة والجهل ؟ عن الباطن والظاهر ؟ عن الإنسانية والمسخ ؟عن الشرف والفساد ؟ عن استقلالية  الإنسان والإرهاب ؟عن الاتفاق والاختلاف ؟عن الواقع والمفروض ؟ عن الواقعية والخيال ؟

تأتى خلاصة إجاباته وقناعاته لنا وله على حد سواء بأن ( الحب هو سبب وجود هذا العالم ، الظاهر وليد شرعي للباطن ، والإنسانية هى درة تاج الخلق ، وبأنه مستقل لم يسمح لأحد بانتهاك استقلاليته ، وأنه انتصر فى معارك تخص صناعة نفسه كما يحب ويريد ، وهزم فى معارك تتعلق بالآخرين .}
ويؤكد كل ذلك أنه قد راوده ذات معنى مفردتي ( الإفلاس ) و( اللانتماء) ولكنه على الفور حسم أمره بأنه ليس مفلساً وانه المنتمى ( لكل الناس ولكل الأرض ولرب الكون فى الأساس ) ص 92.
2- شخصيات هزاع الثرية المفعمة بالإنسانية :

تظل براعة القاص أو الروائى أو الكاتب صاحب السيرة الذاتية رهينة قدرته على منح القارىء صورة واضحة المعالم عن شخصيات عمله الإبداعي من عدة جوانب ، على رسم ملامحها ( الفيزيائية ، الاجتماعية ، النفسية ، الثقافية ، الوجودية ….. الخ ) ، وفى هذا العمل تحديداً أستطيع أن أقرر أن الملمح الفكري للشخصية كان ابرز هذه الملامح دون تغوُّل على الملامح الأخرى ، ولاسيما عند الطفل الصغير الذى هو محور العمل الإبداعي هنا مع تطور مراحله العمرية .

فنجاح الكاتب فى أن يجعلنا أكثر قرباً من شخصياته فذلك بلاريب عامل من عوامل الجذب ، أما لو جعلنا أكثر بعداً فذلك دون شك عامل من عوامل النفور ، والكاتب الراوى هنا كان واعياً لهذه الخاصية ، وظهرت شخصياته على طبيعتها وفطرتها الإنسانية دون تكلف ولا ادعاء ، ربما ساعده فى ذلك انه يكتب عن أشخاص من الواقع خبرهم جيداً ، وتعامل معهم ، وتعاملوا معه ، أثروا فيه وأثر فيهم ، جادلهم وجادلوه ، وصنع من حياته وحياواتهم علامة استفهام كبرى ، كان دائم البحث عن إجابات لها طيلة فصول الكتاب وبين نصوصه ، منذ سنوات طفولته للآن .

شخصية الطفل محمد الصغير :

طفل ذكى ، لديه وعى مبكر جعله يبدو اكبر سنا من أقرانه  ، طفل رفض الذهاب للكتاب لأنه لا يريد أن يحفظ دون فهم ، مما اضطر الأم إلى أن تقترح تولي شقيقته الكبرى مهمة تحفيظه القرآن وتعليمه غيره فى البيت ، بشروطه هو لا تحت وطأة عصا شيخ الكتاب الغليظة وكذلك كان الامربالنسبة لدراسة مواد المرحلة الابتدائية حتى لا يتعرض للضرب أو يكون عرضة لحفظ مالا يفهم وكأن طبيعته المختلفة هيأته لأن يتفوق على معظمأقرانه .

شخصية محمد الشاب :

نجح الراوى فى رسم شخصية محمد الشاب بكل سماتها النفسية والعقلية ، كما نجح إلى حد كبير فى أن يجعل من سيرة محمد الشاب ( قصة جيل ) وأن يجعل من محمد الشاب ، الطموح ،   المثقف ، السياسي ، المتمرد ، ابن الطبقة الوسطى ، المنتمى للتجربة الناصرية خصوصا واليسار عموما ، نموذجاً حياً لأحلام وآمال وطموحات كثير من الشباب المصرى، الذى يحلم بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية ، العدالة بمفهومها الشامل فى ( السياسة ، والاقتصاد ، والاجتماع ) وليس على مستوى واحد فقط وهو الشكل الإجتماعى للعدالة ، استطاع الراوى أن يقدم لنا من خلال مسيرة فرد واحد ، وهو محمد الشاب صورة الوطن كما رصدها وخبرها فى فترة أواخر الستينيات والسبعينيات والثمانينات والتسعينيات ولاسيما داخل جدران الجامعة وأروقة وطرق  العمل داخل الاتحادات الطلابية وينقل لنا مدى قوة هذه الاتحادات فى ذاك الوقت جنباً إلى جنب مع الاتحادات والنقابات العمالية ، استطاع أن ينقل لنا أجواء انتفاضة 18، ،19يناير عام 1977 م مؤكداً على أن انتفاضة يناير قادها الطلاب والعمال واستجاب لها الشعب المطحون ص 51 .

** نحن هنا امام شاب واعي فاعل فى مجتمعه ، ملم بآليات العمل السياسي ، ليس هذا وفقط بل نحن امام شخصية شاب لديه تصاعد فكرى بناءً على ما تفرضه الأحداث السياسية داخل الوطن ففشل انتفاضة يناير 1977جعلته يطرح على نفسه السؤال المهم    .. ما الثورة ؟ وجعلته يدرس ما يسمى بتاريخ وفلسفة الثورات الشعبية ..وعكف على بحث .. لماذا لم تنجح الانتفاضة التى شارك فيها ملايين من الشعب المصرى ؟ ( حسب توصيفه )

وانتهى من دراسته إلى مجموعة من القناعات وهى أن الثورات لايمكن أن تنجح إلا بالإجابة على عدة أسئلة أساسية مثل : ما الذى يراد تغييره ؟ وإلى ماذا؟ ومتى ؟ وبمن ؟ فإن لم يكن هناك إجابات على مثل هذه الأسئلة فهي انتفاضة بائسة أو ثورة فاشلة ، ما بعدها أسوأ وأخطر مما قبلها .

موضحاً أن هذه الإجابات الواضحة المحددة لدى القائمين بالثورة ، إن لم تتحول لقناعة شعبية ، تصل إلى حد الضرورة ، بحيث يكون مقبولاً  تبعاتها مهما كانت ، فهي أيضًا انتفاضة بائسة أو ثورة فاشلة ، مابعدها أسوأ وأخطر مما قبلها ، لأن الثورات يلزمها ثقافة ثورية يقتنع بها الشعب .

هكذا جاءت صورة محمد الشاب الفاعل والمتفاعل مع قضايا وطنه ، والمنتمى إيجاباً لا سلباً مع قضايا وهموم المواطن ، والمشغول بمفهوم العدالة منذ سنوات شبابه  الأولى .

شخصية الأب :

رسم لنا الكاتب صورة للأب عكست الوسط الإجتماعى للأسرة المصرية البسيطة ولرب الأسرة المعتد بذاته ، الذي يمتلك قطعة صغيرة من الأرض ،يمارس فيها هوايته فى الفلاحة التى يعشقها بعد أن ألجأته الظروف لبيع معظم أرضه وتأجير المتبقي منها لتوفير دخل إضافى ، وهنا إشارة إلىأنهذه أسرة بسيطة ، حالها مثل حال معظم الأسر المصرية التى تنتمي للطبقة الوسطى فى ذلك الوقت المستورة بالكاد (ص 18)

ويؤكد لنا الكاتب صورة هذه الأسرة البسيطة فى (ص32) بقوله :

كانت رحمها الله تقول : نحتاج .. وأكثر!

وكان رحمه الله يقول : عندي .. فقط!

تقول : لا يكفى ، فكيف ؟

ويقول : من أين .. وماذا أفعل ؟

تقول : أضف إلى ما تحتاجه الأسرة ، مؤنة الأهل والضيوف وعابري السبيل .

ويقول : ليس بوسعي أن أغلق بابي دونهم ساعة ، ولا أن اخذلهم أبداً ، فأنا الكبير !!!

تقول : ما الحل ؟

يقول : عند الله  !!!

فهذا نص كاشف للمستوى الإجتماعى وكاشف ايضاً لشخصية الأب المعطاء الذى يعرف دوره تجاه الجميع بالرغم ضيق اليد ، بل وكاشف لقناعة الأب بان تدابير الله هى التى تصرف الأمور وليس البشر .

شخصية شيخ العرب :

شيخ العرب .. الشخصية الرئيسية التى دار حولها كثير من السرد وعنها ولها باح الراوى بالكثير من المشاعر والأفكار الفلسفية حول فكرة الحضور والغياب والرحيل والبقاء فى مجموعة النصوص فى الكتاب الأول ( وجودك ذنب .. قصة عقل ) ، شيخ العرب الذى وصفه الراوى بكثير من الصفات التى تجعلك لا تملك إلا التعاطف والحب بل الرثاء لهذا النموذج الشفاف طبيعةً ولكنه يخفى شفافيته بطبقة وقار تجعل غيره يهابه ويخشاه ، فقد وصفه الراوى بقوله :{ كان إنساناً رهيف الحس ، متقد العقل ، اسيف القلب ، تجرحه النسمة ، حتى أنه كان يضطر فى أغلب الأحيان ، أن يصطنع حول نفسه ( صدفة ) ظنها ، بحسن نيته ، كفيلة بأن تقيه ( ألم ) التعامل مع البشر ، و(وجع ) التصرف فى الحادثات ، فكان يبدو فى نظر من لا يعرفه جيداً  ، جباراً عتياً عنيفاً ، بينما كان فى الحقيقة ( فناناً ) تدمع عيناه النغمة الحلوة ، والكلمة الصادقة ، يختبئ وراء جسد ( مصارع) يهابه الناس ويخشونه .بين الفنان والمصارع أو بهما معاً عاش شيخ العرب ، ومات شيخ العرب .} ص 28

ويؤكد الراوى هذه الصورة الشكلية والنفسية لنصفه الأخر الذى رحل فى نص ( الطبع والتطبع ) الذى جاء بمثابة قصيدة رثاء يذكر فيها طباع شيخ العرب   وصفاته . (ص 29، 30 ، 31)

شخصية المجتمع :

رسم هزاع فى كتابه  صورة ملامح المجتمع المصرى بكل تفاصيله ، وكان من الذكاء أنه انتقل من الخاص للعام بسلاسة ملحوظة ، فهو يتحدث عن محمد الطفل الصغير ، التلميذ بأحد المدارس الابتدائية الحكومية ، ابن الأسرة البسيطة التي تعيش وسط أهالي قرية بسيطة ليصف لنا فى صفحات الكتاب (ص 35،36،37 ) ملامح هذا المجتمع،  وقد رأيت فى هذه الصفحات ملامح تَشَكُل الشخص المنتمى ، فالراوي سجل بقلمه كيف كنا ؟ وكيف أصبحنا ؟

فهو يتحدث عن شكل المدارس الحكومية وما كانت تقدمه من أنشطة متنوعة ، وكيف أنها كانت بمثابة بيئة حاضنة لمواهب النشء والشباب ؟، كما يتحدث عن علاقات الاحترام المتبادلة بين التلميذ والأستاذ وبين الصغير والكبير ، يتحدث عن التعليم الخاص ونظرة المجتمع له فى الماضي ، وكيف انه لم يكن مدعاة للتفاخر والتمايز الإجتماعى من أى نوع بل كان على العكس من ذلك تماماً، بعكس الوضع الآن فالتعليم الخاص متلون  بألوان دول آخرى حسب تعبيره ( أمريكي ، فرنساوي ، ياباني ، المانى ) ، يتحدث عن الدور الإيجابى للزائرة الصحية والمشرفة الاجتماعية ومدرس الرياضة والخط والرسم والأنشطة المختلفة داخل المدرسة ، يتحدث عن تبجيل رموز الوطن وكيف كانت المدارس تربى أبناءها على حب الوطن  ورموزه ، يتحدث عن الدور الاجتماعي والخدمي لأهالي قريته ، يتحدث عن احترام المجتمع لرأى الناس .

هكذا أخرجنا الراوى من الحديث عن الذاتي إلى التوصيف العام وكأنه يقول لنا هذه هى صورة المجتمع الذى نشأ فيه محمد الصغير وبفضل هذا المجتمع نشأ بداخله المنتمى الكبير

3- ثنائية ( الوصل والفصل)  فى نصوص هزاع الشعرية  :

يشكل النص عند محمد هزاع حالة فريدة من البوح لما يتميز به من سمات ، فالنص عنده انعكاس روح ، وخلاصة تجربة ، وتسجيل حال ومناجاة ثلاثية المستويات :

مناجاة مع النفس .. لحظة دخول الحال (وجودك حب .. قصة روح ).
مناجاة مع الأخر .. لحظة حضور العقل ( وجودك ذنب .. قصة عقل ) .
مناجاة وتوسل لرب العقل والقلب .

وتمثل النصوص فى ذاتها ركناً رئيساً ومفصلياً فى متن الكتاب الأول وعماد وأساس مادة الكتاب الثاني .، والنصوص فى الكتاب الأول ( وجودك ذنب .. قصة عقل ) ليست مكملة للسردية الذاتية بل هى فى ذاتها لوحة شديدة الخصوصية ، قد تستعصى على البعض عند القراءة الأولى لما يوجد بها من ثنائية الوصل والفصل معاً فى المعنى الروحي واللغوي ، لذلك فهي تحتاج لمتلقٍ فاردٍ جناحي العقل والقلب معاً لفهم وإدراك مضمون النصوص ظاهراً وباطناً .

مجموعة النصوص الأولى :

نص ( الغياب حضور ) ص 15

بذكاء يبدأ هزاع  (وجودك ذنب .. قصة عقل ) بنص ( الغياب حضور) وكأنه يقول لك هذا ملخص لما سوف أقصه عليك فى سرديتي التالية ، هذا نصي الذى لا يختلف كثيراً عن سيرتي وسرديتي ، فالنص عندي يسبق السرد لا لشيء إلا لكونه يشبه حضرة الروح عندي التى قد تسبق حضرة العقل ، أو على أقل تقدير فهما متلازمان عندي .

يقول :

قدر أن تولد أو تموت ،

أما الحضور والغياب

فذاك هو القرار ،

فغب باختيارك بعض الوقت

فلربما كان حضورك فى الغياب ،

أو ارحل دفقة واحدة ولاتعد أبداً ،

فلربما يكون الغياب حضور !!

هنا اجدنى أمام جدلية ( الجبر والاختيار فى الحضور والغياب ) وهل الإنسان مسير أم مخير ؟

فالكاتب نفسه لا يستطيع الجزم فى المقطع النصى فهو يقول : { فلربما يكون الغياب حضور } فهو لا يمنحنا الإجابة الكاملة ، بل يتركنا بين إختمالات ( ربما..) .

وفى المقطع الثاني من النص ذاته يلقى بسؤال واضح لا لبث فيه وهو :

لماذا عليك أن تكون حاضراً أصلاً ؟

ماذا يضيف حضورك ،

ما دمت وحيداً ،

وكل الحاضرين وحدهم ،

ما عدنا يا صديقي مساحة ،

بل نقاط كسيحة ،

لا تقوى على العبور .

وكأنه يدخلنا فى دائرة من العصف الذهني ، ويقر طالما أننا فرادى فلا أمل فينا فى الحضور ، وكأن الحضور لا يتحقق إلا بالجماعة تحقيقاً لعقيدته الراسخة التى أعلنها فى إهداء الكتاب { ضرورة وجود الكل فى واحد كتجلٍ صريح لوجود الواحد ) .

فهو لا يؤمن بالنقاط المغلقة على نفسها ويرى أن شانها الغياب وكأنه يقول { ما دمت مقيداً ومكبلاً سواء من نفسي أو بفعل من حولي فانا غائب .. ووجودي ذنب ) .، أما الصوت المقابل .. فهو الأنا الحرة أو نصفه الأخر .. الذى يتوق لهناك حيث الحضور الدائم والانعتاق من الوجود الوهمي .

** والسؤال هل الكاتب يحيا بين عالمين (عالم هنا وهناك ) وبين شخصين محمد المنفرد بذاته فى دائرته  الخاصة ، وبين نصفه الأخر الراحل إلى هناك حيث البراح الدائم والخلاص ؟

وفى المقطع رقم 4 من النص الأول ص16 يهدم فكرة الغياب والحضور ليرتقى بنا بفكرة أعلى واعم وهى ( فكرة وجود ) فيقول :

لا غياب ولا حضور ،

وإنما وجود ،

(هناك)  .

لذلك أرى أن هذا نص رثائي له طبيعته الخاصة لما ورد على لسان هزاع الشقيق المحب لنصفه الثاني شيخ العرب الشقيق الراحل والأحب .

منولوج الذات فى نص ( إليه .. إلى ) ص25

نجد فى النص الثاني منولوج ذاتي بالغ القسوة والشفافية ، فهو يكلم الأخر ( إليه) وكأنه يكلم ( الأنا) إلى .. ليؤكد على حقيقة واضحة لكليهما ، أن الفراق صعب ، وفى حين يرى الناس أن الأخر   فاقداً للوعي ينتظر قدره المحتوم بالرحيل ، يراه هو ممعناً النظر فيما هو مقبل عليه ، ويستمر الراوى ( الأستاذ ) فى منولوجه الداخلي القاسي على كل منهما معاً ، ويطلب من الأخر الذى هو بمثابة الأنا  أن يأخذ القرار مؤكداً له أن الكل معلق على صليب الاختيار ، فليس هذا المنتظر لقدره فقط هو  الذى على حافة المنحدر بل الكل معه فى نفس دائرة الاختيار الصعب وفى القلب من هؤلاء هذا الأنا ( الأستاذ) ، وفى ختام النص نجد لحظة من الفصل يوجه فيها خطابه الداخلي للأخر بشكل صريح  ذاكراًمكارمه وصفاته ، متسائلاً كيف لا يكرم من كان لله صابراً ذاكراً ناطقاً بالحق وواصلا رحمه ، ويذكر نفسه والأخر أن جزاء الصابر الذاكر الواصل هو التكريم عند الكريم الرحيم فلا خوف ولا فزع

حيث قال :

فلكم صبرت ،

وذكرت ربك ،

ونطقت حقاً ،

ودفعت ظلماً ،

ووصلت أرحاماً تقطع .

والصابرون الذاكرون   الواصلون ،

مكرمون ،

عند الكريم الرحيم ،

فلا خوف ولا فزع .

يختتم الراوى نصه ويقر بحقيقة الرحيل ، وأن هذا الراحل لا خوف عليه ولا فزع لما قدمه فى الحياة الدنيا ، وهذا النص بدأ بالوصل وانتهى بالفصل ، الوصل يتمثل فى المنولوج الداخلى لتلك الروح الواحدة التى تسكن جسد كل من الشقيقين ، والفصل لحظة الإقرار من الجسد الأول أن الجسد الثاني راحل ولا راد لقضاء الله .، ورغم هذا الفصل الحواري فى نهاية النص فإن المنولوج الداخلى يترك دائماً أثراً نفسياً عن المتلقي فحواه أن الروح لازالت واحدة سواء بقيت هنا مع الجسد الأول أو رحلت مع الجسد الثاني ، و كأنه فى عقيدة الجسد الأول أن الروح مع الثاني ذاهبة إلى البراح والمستقر ( وربما هنا فهمت معنى الاختيار فى اتخاذ القرار ، فكأن الجسد الأول يقول للجسد الثاني أرحل وخذ نصف روحي معك وأنا سابقي لتظل نصف روحك معي . ، لذلك ظل المنولوج ( إليه .. وإلى ) فى الوقت ذاته .

نص الطبع والتطبع ص 29:

ولأنه يعول كثيراً على النص الذى يسبق السرد لديه ويحمله الكثير مما يريد البوح به على طريقة ( وجودك حب .. قصة روح ) يأتى نص الطبع والتطبع ليؤكد على صفات النصف الراحل ومزاياه الشخصية وصفاته ، كما يؤكد على أنها طبيعة أصيلة لا تطبع وتتجلى الدينية فى النص بقوله { وبالأخ ، فى التنزيل ، يُشدَدُ العَضد ، } ويختم نصه بفخره بالسيد الذى رحل وبقيت صفاته التى هى طبع أصيل باقية .

نص ( ما ينفع الناس يبقى ) ص 43

لايزال هزاع يرتكز فى نصوصه على توصيل رسائله ببراعة وسلاسة وتكثيف شديد ، كما انه لايزال يلعب معنا لعبة الوصل والفصل ما بين السرد والنص ، وهذا النص تحديداً سبقه فصل أو باب يحمل عنوان ( ما ينفع الناس ) ص 38 ، تحدث فيه عن التجربة الناصرية وما دار حولها من كذب وافتراءات وتم شرحي لها فى محور المضمون الفكري ولكن الملفت انه هنا فى نص ( وما ينفع الناس يبقى ) ص 43 ، هو هنا يواجه بنصه شديد التركيز والتكثيف والقوة مضموناً ولغة وصور بلاغية ، من يزورون وعى الأمة الآن ، ويرى أنهم لا يتورعون عن تزوير التاريخ  ، ولكن يبقى لديه دائماً ذلك اليقين الجميل بأن لهذا الكون رب يدبر ويخلق رغماً عن هؤلاء  ممن لديهم تلك القدرة الغريبة على قلب الحقائق لأقصى درجة .

يقول :

بوسعكم ادعاء أنكم خلقتم السماء،

والأرض ،

والموت ،

والحياة ،

وما من إله

استعمال الكاتب لهذه الصيغة وهذه المبالغة لهو دلالة كبيرة على ( فجر الادعاء ) وبلوغه لدى أصحابه مداه ، لذلك يختم نصه فى  ص 43 بقوله :

بوسعكم ،

ووسعكم ،

وهنا استعمال وتوظيف للغة بشكل جيد من تكثيف  ومبالغة حتى حرف الواو أتى به للدلالة على كثرة الادعاءات وتنوعها ، وبطريقته فى استخدام التضاد فى الكلمات الذى أتى فى صالح النصوص لإيضاح المعاني وإبرازها بأقصر الكلمات وأقواها ( مثال)

الحق حق

مبتداه ومنتهاه

فهو دائماً يرجع أى مشكلة مهما بلغ حجمها إلى الله الحق  وبما أن الحق سبحانه وتعالى لا يحكم إلا بميزان العدل الإلهي فلا رفعة لظالم ولا كاذب ولا مزور ، فهم كزبد ذاهب .

الملاحظ لدىَّ فى مجموعة النصوص بشكل عام إما أنها مؤكدة لما ورد فى أفكار السردية من أفكار أو شاهدة على العصر إجمالاً ونص ( ما ينفع الناس يبقى ) نموذجاً ، فالسردية السابقة عليه باسم ما ينفع الناس شهادة كاملة على فترة أواخر الستينيات والسبعينيات والثمانينيات بكل ما لها وما عليها ، والنص شهادة على الواقع المعاصر بكل ما فيه وعلى من فيه .

نص ( التمثال الطيني )

للزمن عند محمد هزاع خاصية متفردة وهى ( دائرية الزمن ) سوف أتعرض لها لاحقاً إن شاء الله تعالى ، ولكن هذا النص ( التمثال الطيني ) يضعني أمام هذه الدائرية الزمانية والمكانية معاً، وفى هذا النص الخاص على مستوى البوح والمضمون الفكري ، أجدنى امام   دائرية فعلية ومجازية ، فالتمثال الطيني الذى هو رمزية للجسد الإنسانى ، وهو الدائرة الأصغر تتسع دائرة تلو الأخرى وتسلم كل منهما للأخرى بداية من ( التمثال الطيني إلى الأرض إلى الشمس إلى القطب المجهول ) الكل فى سجن يدعى الكون .

يا الله حتى الكون عند أصحاب الوصل والارتقاء ما هو إلا سجن برغم كبره واتساعه ، فهذا التعبير يدلنا على أن هناك من هو أكبر وأشمل وأعم ، هناك القطب المجهول ، هناك الحق صاحب التجلي على الخلق والكون وما فيه ومن فيه ،  لذلك أكد ماجاء على لسان الشيخ ( حب الله )  فى  نص التمثال الطيني أن وعى الإنسان المؤمن حق الإيمان دليله وبصلته على أن كل هذه الدوائر اللامتناهية لابد لها من مركز، وكل هذه الجدران اللامحدودة لابد لها من سجان  وهو لم ينس المركز ولا السجان ، فهو يهفو إليه ، ولن يمنعه الطين ولا الكون من أن يبقى وثيق الصلة بهذا السجان  مبدع الكون وخالق الإنسان ، كما يؤكد على انتمائه لرب الكون بفناء ياء المتكلم فى حاء الحب كما جاء فى ص 50 .

وفى المقطع الأول من النص يقول :

منفى فى تمثال طيني ،

والتمثال الطيني المتحرك ،

منفى فى الأرض ،

والأرض الدوارة ،

حول الشمس ،

والشمس ،

ومجموعتها حول مجرتها ،

ومجرتها ،

ومجرات     أخرى ،

نعرفها ،

أولا نعرفها ،  

حول القطب المجهول ،

فى سجن يدعى الكون .

نص ( أقتل ثم توضأ بالدم )  ص 60

نص بعشرات الكتب وآلاف الكلمات ، يمثل حكمة بالغة وصرخة حق فى زمن الأباطيل الكاذبة ، نص يحتوى على كثير من الرسائل الصادرة عن روح مليئة  بصدق اليقين فى دين الحق المنزل وليس المبدل ، كما أسماه الكاتب من قبل وأطلقه على احد كتبه السابقة ، اعتمد النص على ( استخدام الصور البليغة ، التكثيف اللغوي ، المجاز ) كما اعتمد على استخدام فعل الأمر فى حين أن الرسالة الموجهة بالسلب وتحمل فى مضمونها النهى عن كثير من التصرفات ، عندما يقول الراوى على لسان شيخه ( حب الله ) :

أقتل  ،

ثم توضأ بالدم ،

وصل ،

فالكل سواك غنم ،

——————–

لحم الأغنام حلال لك ،

فالرزق ،

وسيلته السيف .

( أقتل ثم توضأ بالدم ، وصل ، )صورة بشعة ربما لو صورها شاعر ما فى الماضي لقلنا عليها كناية عن بشاعة تصور المنظر ، ولكن من المبكيات أن الصورة الآن أصبحت أقرب إلى الحقيقة منها إلى الكناية ، فالعالم العربى والإسلامي أصبح غارقاً فى بحور من الدم ، وجماعات الفرقة وسفك الدماء أصبحوا يقتلون   ويصلون وكأنهم فعلاً يتوضأون بالدم الحرام .

فكل شيء لديهم مباح ، السرقة ، النهب ، بلاحد أوسقف ، معبراً عن ذلك بقوله :

طأ ما لذ وطاب ،

من العنزات ،

واطفىء نار جهنم ،

وانكح ما شئت ،

من الجديان ،

بلا وجل ،

أو خوف .

—————

فلا شيء عليك،

ما دمت تجاهد ،

من أجل الحكم .

ويستمر الشيخ فى سخريته من هذا الباغى المتعطش للدماء ، الباحث عن السلطة ومن أجلها يفعل كل الموبقات ، ليوضح لنا النص فى ص 62 مدى غيهم بذكر ما أراد الله وذكر ما أرادته هذه الجماعات الباغية ، متمثلاً فى قوله :

الله يحرم قتل النفس ،

إلا بالنفس ،

وأنت تبيح .

————————

الله يحرم هتك العرض ،

والسرقة

والنهب ،

—————–

ولديك ،

الفاحشة جهاد ،

والعدوان ،

لديك ،

فتوح .

——————–

دينك،

سجن جبري ،

ودين الله ،

باب مفتوح .

—————

هكذا يستمر النص فى تقديم ملامح الدين المنزل ، الدين الحق ، ويعرض ملامح الدين المبدل ، الدين المشوه ، ليثبت ويقر بحقيقة دامغة أن الدين المبدل ما هو إلا سجن جبري فى حين أن دين الحق هو باب مفتوح .

نص كل حجاب باب ص 77 ) الكشف الجديد القديم )

نص دال على قدرة الوصل والاتصال فى عوالم الروح ، ولكنها تحتاج لقلوب نقية وأرواح متعلقة بالله وحده ، مؤمنة أنها حتى فى حال اقترافها ذنب ما فإن رحمته أوسع من كل شيء ، وذكر أن فى حال ( المتناقضات ، والمختلفات أو حتى المتشابهات من الأحوال ) يعرب عن الفرق كما جاء فى { علائق ، عوائق ، نواقص ، نواقض، منها بها ، نعرف الفرق ، بين المراتب المطلسمة ) .

وهذا هو حال أصحاب الحال فالكل فى هذا الكون جمعاً وتفصيلاً يفضى إلى نتيجة واحدة وهى بالكل وفى الكل طريق المعرفة إلى الله ، ولولا هذه النواقص ما عرف الجليل غفاراً ولا تواباً ، ولا عفواً .

يختتم   النص بأمنية هى منتهى التمنى لدى أصحاب الحال وهى تجليات رب العالمين ورؤية وجه الحبيب المصطفى عليه صلوات الله .وقد فسر محمد صاحب الحال أن هذا النص كشف جديد قديم جاء على لسان (حِب الله ).

نص : العالم ظل ص 87:

هذا العالم   ، كلُ العالم ،

ليس سوى ظل ،

أفقر من أن يعطيني شيئاً ،

فليرحل من يرحل ،

يكفينيأنى موصول ،

بالأصل .

من أجمل مجموعة النصوص فى الكتاب لما ورد فيه من مضامين إنسانية راقية ، ولغة رمزية بالغة التميز فالعالم عند ( حب الله ) وبالتالي عند أبناء النور ما هو إلا ظل ، وما يعنى المحب هو فقط علاقة الوصل بالمحبوب فلاشيء سوى الحب .

أيضاً فى هذا النص تأثر كبير بالنص القرآني : كما ورد فى  

فإن غم علىَّ ،

فعندي مشكاةُ ،

فيها مصباح ُ،

فى زجاجة ،

كأنها كوكب درى ُ،

يوقد من شجرة ٍ،

زيتونة، هو الدليل إليه .

————————

كما يؤكد هذا النص على منزلة المصطفى عليه صلوات الله إلى يوم يبعثون فهو ( قبلة العاشقين ، والوسيلة إلى النور ولا صلة بالحق إلا به ) .

وهكذا تتوالى وتتجلى قدرة الكاتب فى طرح تلك الثنائية ، ثنائية الوصل والفصل فى نصوص {فصل التوأم ،الثورة المؤامرة ، لا حجة لكم ، المبدع نار تلظى ، الألف أولاً وختماً ، على بوابة الموت }.

4دائرية الزمن فى النص السردي :

يتميز الزمن عند الكاتب دائماً بتلك المسافة التى تتسم بالفصل والوصل معاً فى الحوار السردي ، فهو عادة يحكى لنا مشهداً ما له بداية ومستويات تصاعد وعندما يبلغ قمة الحبكة الدرامية كما يقولون فى لغة الدراما  يتوقف ليعود بنا إلى الوراء عشرات السنوات ليدخلنا فى حكاية آخرى جديدة ذات ارتباط وثيق بما يتحدث عنه  ، لذلك تبدو لى حكايات هزاع  السردية التى هى فى الأساس أصداء لسيرته الذاتية بعنصرها الأهم وهو عنصر الزمن تبدو لى دوائر عميقة ومتداخلة  بين الحاضر والماضي من ناحية ، وبين الحال والمقال من ناحية أخرى وتتميز بمسافات الفصل والوصل التى تمنحنا الإحساس بدائرية الزمن .  

ويتضح ذلك من حكايته مع البدين الذى جلس بجواره فى المواصلات ذاهباً إلى مستشفى الحسين الجامعي وظل الرجل البدين متاففاً منه طوال الطريق دونما سبب  فعله الأستاذ له ص 18

فيعود بنا الراوى إلى سنوات طفولته الأولى متذكراً اعتداء احد أقرانه عليه بالسب والضرب دونما سبب يذكر أيضاً ، ويتذكر قول الشيخ معوض صديق والده { تعال يا أستاذ .. أجلس معنا ، دعك من الصغار ، فقد كبرت بما فيه الكفاية والمفروض أن تجلس مع الكبار ، لتستفيد منهم ما ينفعك   } عجبته هذه العبارة فى حين لم تعجبه مقولة سنشكوه لوالده ليؤدبه إن شاء الله }

فعلق : ولماذا لا يؤدبه واحد من الكبار أمثالكم ؟لن اترك حقي

وأطلق الشيخ مقولته الأولى { ربما كان .. ممن وجودهم ذنب !!!

تتضح له مقولة وجودك ذنب بعد مقولتها  بخمسه وعشرين عاماً (زمن ص 19)
وبعد أن يتفكر ويتدبر فى معاني مفهوم الميزان الكوني ومستويات السنن ، وكأنه يدخل بنا فى زمن آخر من داخل الزمن الفعلي ، وهو الزمن الكوني ليفيق على مقولة احدهم .. كفى قم شوف حالك يا أستاذ .
ورد فى ص 35 قوله : كل يوم .. بما يحمله من ( تجارب  جديدة ، علاقات جديدة  ، مشكلات جديدة  ، معرفة جديدة ،   خبرة جديدة ، تساؤلات جديدة ، إجابات جديدة ، مواقف جديدة } هكذا يدور الزمن معه أو يدور هو مع الزمن فى دائرة لا تنتهي من البحث عن إجابات لكل ما يدور حوله على مدى الأيام .
فى نموذج أخر لمفهوم دائرية الزمن فى وجودك ذنب ماجاء على لسان الشيخ أيوب المصرى ص 142 أن ( القاعدة الحاكمة فى عالمنا هى : أن كل الاحتمالات واردة ، فالتغيير هو سنة الحياة حيث لا ثابت  إلا الله ، وبالتالى فدائرة التوقعات شاسعة ويجب أن تظل مفتوحة إلى مالانهاية ، الكارثة أن تحاول إغلاق  مالا يغلق أصلاً )..إذاً دائرية الزمن  منهج وأسلوب فى كتاب وجودك ذنب ( قصة عقل ) .

 إبداع هزاع .. ما بين الرمزية والنظرة الفلسفية

لم تخلو كتب هزاع السابقة ( العشق على طريقتي ، دين الحب فى زمن الحرب ، ودولة الدراويش ) من الرمزية والنظرة الفلسفية العميقة ولاسيما فى مجموعة النصوص .

ولكن هنا فى كتاب( وجودك ذنب .. قصة عقل ) تعلو تلك الرمزية ومع ذلك أجدها رمزية كاشفة وليست غامضة ، كما كثرت  النظرة الفلسفية فى التعامل مع كثير من القضايا المطروحة ، فالكاتب فى وجودك ذنب كأنه يقول لنا :

(( هذا أنا ، وهذا وطني ، وهذه أمتي ، وهذه إنسانيتي ))

وأنا المنتمى للكل ، بحثت فى كلٍ على حده طمعاً فى الوصول إلى الكل الجمعى ، والقناعة الكاملة ، والحقيقة الكاملة ، خبرت الحياة ، نالت منى ونلت منها ، كى أكتب عنى وعنها وعن ما فيها ومن فيها  ، ولكنها لازالت تؤكد لى ولمن هم مثلى بأن ( وجودنا ذنب ) .

ولكن المفارقة التى يكشفها الكاتب نفسه فى ص81 أن قاعدة وجودك ذنب على المستوى الظاهر سبب شقائه ، هى هى على المستوى الباطن سبب سعادته ، وهنا موضع الرمزية وسر طرحه لكثير من الأسئلة الفلسفية داخل العمل الإبداعي .

5رمزية اللغة .. والإيضاح بالأضداد :

تبدأ الرمزية الأولى فى قول الشيخ لأم صابر فى ص19  ( كلامنا صعب مستصعب لا يفهمه إلا أهله )
ويضيف مفسراً بقول الإمام على ( لم يترك الحق لنا   صديقاً .. كأن وجودنا ذنب )
هذه العبارة يا ولدى تحوى كل السر ( سر الولاية والنبوة والرسالة )
المتجلي عليه بالنسبة الأكبر .. يظل مصدر تهديد للمتجلي عليه بالنسبة الأصغر لأن مجرد وجود  الكبير يظهر حقيقة الصغير .( فالنوع الأول يوقرون الكبير ، ويبذلون وسعهم للاستفادة به ومنه .. فيكبرون ) و( والنوع الثاني .. يتكبرون فيصغرون )
يوضح فكرة النسب فى ص 20 مؤكداً على أن  الأشد بلاءً هم الأنبياء ثم الأصلح فالأصلح ، كما يشرح مفهوم الميزان الكوني الذى يشمل ( السنن ، القوانين ، القواعد )  وأن لهذه السنن ثلاث مستويات هى ( الإنسان ، الكون ، الله ) مما لاشك فيه أنها رمزيات وجدليات فكرية ووجودية استغرقت منه كثير من الوقت وهى بالتالى تحتاج من القارىء كثير من التدبر والفهم . فهو يقدم فكره بلغة بدت لى كالمعادلات الرياضية لها مقدمات منطقية وهى (طبيعة العقل صاحب الحال والمقال ) ولها وسط تفاعلى أو (أجواء خاصة وعامة ) على المستوى العقلي والروحي معاً لتظهر لنا النتائج أو خلاصة التجربة الإنسانية والروحية شديدة الثراء .
فخلق  الإنسان يؤثر على خُلقه( فمن الكون ما ينفعل بك ، ومنه ما ينفعل لك ، ومنه ما ينفعل عليك ) فالله من حيث (هو) لا يفعل إلا الحق والخير والجمال ومن حيث ( هم )ترجمة لما فى أنفسهم ص 21 .
نجد رمزية اللغة مرة أخرى فى قوله { فى المساء سجل على يومياته ، رسالة له من خلال الواسطة بينهما وبين كل بني آدم عليه السلام ( الروح الكلى ) ص 24 .

نفهم من هذه العبارة أن كل منهما ( الأستاذ وشقيقه ) صاحب حال وكل منهما له اتصال بالروح الكلى ، وكل منهما يعترف بصحة مقولة   بل نقول قاعدة ( وجودك ذنب ) .

** ولكن السؤال الذي يفرض نفسه لدى .. كيف يكون عبور المسافة بين العمر والأجل بقرار؟!!

فى نص ( إليه .. إلى ) ص 25 جاء { خذ القرار ، فأنت يا أنا ، سيد القرار } رمزية  أن البقاء أو الذهاب قرار .. تحتاج لإيضاح .. فهل الموت قرار ؟ !

أتفهم معنى أن يذهب الإنسان من هذا العالم الضيق إلى عالم البراح اللا محدود ولكن كيف نتقبل كقراء فكرة اخذ القرار فى أمر كهذا ؟!

وقفت كثيراً أمام صفحات (80،81،82) لكوني أرى فيها متن الحوار الروحي فى الكتاب ، فالحوار بين حِب الله والأستاذ لم يأت بشكل عشوائي ولا مجرد حوار متخيل ، فهو يرسم ويجيب لنا على كثير من الأسئلة فيما يخص عالم الروح ، وقانون الكون الكلى ، وها هو هزاع صاحب الحال يؤكد مجدداً كما تابعته سابقاً فى كتبه السابقة على أن { للإنسان خمسة مكونات ( حضرات ) لحضوره فيها بلا اتحاد ولا حلول ولا تشبيه ولا تجسيد } وهيالروح ، العقل ، القلب ، النفس ، الجسد ، وأن الإنسان أصله الروح ، كان موجوداً قبل أن يتنزل هذا الجسد  ، وسوف يستمر موجوداً بعد فناء هذا الجسد ، وينسون ويُنسون الروح ، الذى هو تجل للروح الأعظم .
فى رمزية أخرى يكشف الحوار أن وصول الكاتب إلى أن قاعدة وجودك ذنب .. ظاهراً كانت سبب  شقائه وباطناً كانت سبب سعادته (ص81) لأنها هى من أعدت محمد صاحب الحال للقاء الشيخ حِب الله كى يعلمه  الجديد عن بعض { علوم ، معارف ، إمكانيات ، قدرات } يتيحها الانفتاح الواعي على ( الروح الكوني ) .

وأن إدراك  حقيقة ( أنه لا وجود بحق إلا لله ) فى كل هذه المستويات ما هو إلا إذن بالتواصل المدرك مع الروح الكوني أو الكلى ،الذى هو التجلي المقدس الذى لا يعلوه إلا (التجلي الأقدس )لله سبحانه وتعالى .

رمزية المكان :

كان ضريح سيدنا الحسين رضي الله عنه فى كتاب العشق على طريقتي بداية للسرد القصصي ، وهنا فى وجودك ذنب الذهاب لمستشفى الحسين الجامعي بداية للسرد القصصي وكأن خصوصية المكان لها علاقة وثيقة بحالات الحال التى يدخل فيها الكاتب مع شيوخه وتؤثر بشكل أو بآخر على سير الأحداث.

ونجد خصوصية  آخرى للمكان فى مدينة الإسكندرية فى الذهاب إلى مسجد( المرسى أبو العباس )وزيارة مشاهد الشهداء ال 14 حول المقام ، وقد لاحظت أن عدد النصوص الواردة فى وجودك ذنب   هى الأخرى 14 نصاً .

فالملاحظ عندي وجود صلة وثيقة بين ( المكان ، صاحب الحال ، والنصوص الإبداعية ).

فى ص 84 يقر أن { عالم الروح لا يعرف الاتجاهات ولا المسافات ولا الحواجز ولا أى شيء من المجسدات }
ولكن من الرمزيات المثيرة للدهشة وللتفكير لدى وأعتقد لدى من سيطلع على وجودك ذنب هو رؤيته الكرة الأرضية وقد  ارتسمت بالأبيض والأسودوالرمادي .. شارحاً ذلك بمدى سيطرة الروح أو الجسد على أهلهذه المنطقة ( فالأبيض ) يعنى تسيد الروح والعقل (الأسود ) يعنى تسيد النفس والجسد ، و (الرمادي) يعنى التقلب بين الحالتين ،ومعرفته أين وكم وكيف هم أبناء النور وأبناء الظلام ، وأين وكم وكيف  يحتفظ الناس بإنسانيتهم وعلى رأسهم الخليفة ، أو ببشريتهم بدرجاتها المختلفة ، وأين وكم وكيف مُسخ بعضهم إلى ما هو أدنى من ذلك .

اعتقد أن هذه الخريطة المتصورة عن الكرة الأرضية وما ورد على لسان الراوى فى ص84 جمل تحتاج للكثير من التفسير ومناقشة الكاتب حولها .. فهذا ينقلنا  معه من قمة التفكير العقلاني إلى دهشة التفكير الروحانيالذى لا نعلم عنه الكثير وأراها جرأة شديدة من الراوى أن يطرح حالات الحال فى أعلى درجاتها لقارىء ربما لا يعلم جيداً الترتيب الصحيح للحضرات الروحية .

** وسؤالى للكاتب من هو القطب الذى سيدشن دولة الحراس ؟

خاصة انه ذكر انه من أبناء مصر لا من غيرها ؟ ص 85 .

ازدواجية الرمز :

اعتاد القارىء أن يكون الرمز دالاً على مرموز إليه مخفي ولكن المدهش فى نصوص هزاع الإبداعية هو حمل الرمز ذاته لأكثر من مدلول ، فهو يرمز لبعض الأشخاص والأماكن ويستنطقها لتبوح ويصبح قولها رمزاً مردوداً علينا كقراء لنقع فى تلك الدائرة المحيرة ونسأل .. هل شيوخ هزاع صاحب الحال رمزاً كبيراً لعالم الروح أم أنهم واقعاً فعلياً وما نحن إلا أشباه ظلال فى عالم الأرض لهذا الواقع  الفعلي فى عالم الروح ؟

توقفت كثيرا أمام نصوصه مع صاحب موسى فى صفحات ( 152، 153 ، 154 ) الذى بدأها الكاتب بقوله : سمعت صاحب موسى عليهما الصلاة والسلام كأنه يقول ، بغير قول ، فالإشارة لصاحب موسى عليهما السلام لابد وأن تحمل  أقواله رسالة رمزية ما ولكن عندما نتمعن فى القول نكتشف أن الرسائل الرمزية ماهى إلا رسائل واقعية إنسانية لدرجة كبيرة ، وشملت الرسائل مضامين :
1- العالم يطلب بالحال لا بالمقال ، طلب ضرورة وجودية ، قبل طلب الصيرورة التكليفية .
2- الحديث عن القيمة الكبرى للحب .
3- المتوحدون الذين يسعون للاكتمال هم من يحملون سر الإنسانية فى نسختها الأصلية ( مثال المسبحة )

وسؤالى هنا لماذا اللجوء لهذا الرمز بالذات وهو صاحب   موسى عليهما السلام .. فهل تعدد الشيوخ وتنوعهم والإتيان بهم كرموز يحمل ازدواجية ما للرمز ؟

** رمزية آخرى وقفت أمامها فى ص 156 وهى تعريف شيخه حِب الله له على الحكيم الفيلسوف ( بتاح حتب ) الذى سأله عن مصر المحروسة وأحوالها فرد عليه ، الأمر   كما صاغه لك حِب الله ( مصر فى الأمم ، كالقطب فى الأفراد تدور حوله الدوائر ) حتى لو لم تجد ما تقتات به !!!

ويستمر الحوار المتخيل أو الحادث بفعل الحال لا المقال بين الراوى وبتاح  حتب حول .. لماذا العداء لمصر على مر العصور ، يا مولانا ؟

فى صيغة السؤال السابقة   ألاحظ أنه ينادى بتاح حتب بمولانا .. فهل بتاح حتب الرمز أصبح صورة  لرمز آخر وهو حِب الله أم حِب الله هو الرمز لبتاح حتب ؟!! .. وهكذا لو تصفحنا النصوص   جيداً سنجد أنها تحمل خصوصية الرمز المزدوج   الذى يتميز بالغموض ووسيلة كشفه الوحيدة لدى المبدع نفسه ومن يجيد نظرية  التفكيك والتجميع فى قراءة النص الإبداعي .  

6العنوان الدال :

من يطلع على عناوين وجودك ذنب يعي جيداً أن العنوان دال ،مختصر ،مكثف ومع ذلك يحمل فى مضمونه كثير من المعاني رغم قصره .

الغياب حضور .. عنوان قصير يعتمد على التضاد الموضح للمعنى والحامل لأكثر من معنى لدى أصحاب الحال (ص15) .
الميزان .. فى (ص20) وما تلي هذا العنوان من شرح يوضح مدى الذكاء فى استخدام العنوان وجاء كلمة واحدة مفردة وكأنه يقول لمن يطالع الشرح  – ما نقوله الآن هو مصدر الثبات الكوني من سنن وقوانين وقواعد ، وسيظل تجلى الحق على الخلق فى صورة بشر وإنسان وخليفة مصدر اتزان .
رحيل نصف .. كلمة نصف جاءت غير معرفة بالألف واللام   ربما لتحمل دلالة ما لدى أصحاب الحال ، فنحن لا نعرف أى من النصفين هو الذى رحل ، هل نصفه هو أم نصفه الآخر الذى هو الشقيق ؟( ص 24 ) .
ويأتي نص ..( إليه .. إلى ) ص 25 ليؤكد هذه المنطقية فيما طرحت من طرح العنوان السابق عليه رحيل نصف ، وبمنطق الحال كأن الروح الكلى هى التى تودعهما معاً وتعدد مزايا الراحل مؤكداً فى نصه على أن هناك هو المستقر الدائم لتلك الأرواح .
الطبع والتطبع .. (ص 29)

وصف الكاتب شقيقه بعدد من الميزات والفضائل وأكد على كونها طبع أصيل فى تكوين شقيقه الذى رحل مثل صفات ( الحب ،الحق ، العدل ، الإنصاف ، الذكر الدائم لرب العالمين ورسوله الكريم ) مفاخراً بما اتسمت به شخصية شقيقه الراحل من صفات أصيلة طبعاً وليست تطبعاً .

مراجعات .. (32)

عنوان دال ومرشد فما أن تلتقي أعيننا بكلمة مراجعات إلا وتثير فينا حالة من اليقظة والانتباه .. تُرى أى القضايا والأفكار ستراجع من قبل هذا المنتمى ، وهل المراجعات ستمثل أفكاره حال المقال أم بعض مشاعره فى وضع الحال ؟

ولكم سألت نفسي مراراً هل هذا المنتمى لكل ما يعتقد ويشعر ويكتب قادراً على أن يتراجع عن بعض ما فكر وشعر وهو الغارق دائماً فى بحار انتماءاته اللامحدودة .

وجدت فى الفقرة الأولى من فصل ( مراجعات ) ما يؤكد صدق توصيفي لكتاب ( وجودك ذنب ) بأنه شهادة من رجل خبر الحياة وخاض غمارمعاركها على أكثر من مستوى سياسي وأدبي ومهني بأنه عازم على تسجيل شهادته على جيل كامل أو لجيل ووطن وعالم كما ذكر .

ما ينفع الناس

تحت عنوان ما ينفع الناس ..(  ص 38) يسرد ذكرياته عن مسألة التنحى بعد نكسة 67 وكيف خرجت الجماهير الغفيرة من قلب الأزقة والحارات متمسكة بعبد الناصر كى يكمل المسيرة مرددة شعار حنحارب مطالبة ناصر بترتيب البيت والسير نحو النصر ، ويحمل هذا العنوان تلميحاً وتصريحاً سواء من خلال النص السردي أو النص الشعري أن ما ينفع الناس يبقى مهما بلغت  قدرة الأدعياء على تزوير وتغيير أحداث التاريخ والنيل من رموزه  .

الطريق العكسي (ص 45)

عنوان آخر كاشف لشخصية الشاب الذى آثر أن يلجأ للتعلم الذاتي من خلال القراءة المكثفة والتعايش والحوار والجدال فهو عنوان دال على أن شخصية  (الكاتب المنتمى ) لابد وأن تسلك طريقاً مغايراً لما يسلكه بقية أقرانه .

** بصفة عامة تحمل باقى عناوين الكتاب المدلول الفكري لما يطرحه الكاتب من موضوعات وقضايا ، منطلقاً من الحديث عن الذات للحديث عن المجتمع والمحلى والإقليمي والدولي ، كما يرصد أهم أحداث الوطن   يحلوها ومرها على حد سواء كما جاء فى عناوين { ماالثورة ، نفس الخطأ ، الحريف ، لكل حجاب باب ، العالم ظل ، مسئولية الكلمة ، غيبوبة .. الخ }

7-اللغة المكثفة:

تظل اللغة واحدة من أهم المفردات التى تمنح النص الأدبي شعراً ونثراً قوة وتميزاً ، ويعد الكاتب المالك لجماليات اللغة من بلاغة المعاني وحسن النظم كاتب قادر على التأثير فى ذاكرة قرائه بحسن توظيفه للغة .

واللغة التى صاغ بها  الكاتب كتابه ولاسيما مجموعة النصوص لغة دالة مكثفة جمعت بين سحر البيان والمعاني لما ورد فيها من علوم البيان من ( تشبيه ،استعارة، كناية، مجاز) منتشرة داخل فصول الكتاب ونصوصه ، ولكن الشيء اللافت للنظر هو استعمال الكاتب للغة التكثيف بمعنى انه استطاع أن يعبر عن أعقد القضايا ( الفلسفية والوجودية والإنسانية ) بلغة شديدة التكثيف .

فنجده استعمل مفردات مثل : مسخ وهو النزول من مرتبة الإنسانية إلى مرتبة الحيوانية .، رسخوهو النزول من مرتبة الحيوانية إلى مرتبة الجمادية ،فسخ وهو التحول إلى خامات أولية بدائية لا روابط فيها من أى نوع وكأنهم يعيشون فى عصر ما قبل التكوين حسب شرحه وهنا نجده استعمل كلمات بسيطة فى تركيبها اللغوي عميقة فى معناها الدلالي .

كما نجد التكثيف فى قوله :  

وجودك ذنب  .. إشارة إلى تحول كل السر ( سر الولاية والنبوة والرسالة ) ص 20
ليثبت للمرة الألف بعد الألف أن  ألسنة الخلق ، فى حالات الصدق أقلام حق ص 28
كذلك اللغة المكثفة فى   نص المراجعات ص 32 وحوار الزوج والزوجة
والتكثيف اللغوي فى المقطع الأخير من ص 33 (  وكان قراره العدل مقابل الظلم ، والثورة فى مقابل الاستبداد ، كل ظلم وكل استبداد ، حتى ظلم واستبداد الطبيعة ذاتها ، وما وراء الطبيعة إن كان هناك من هو ظالم أو مستبد وراءها ولكن كيف ومتى ؟! … الخ

وهكذا تتوزع اللغة المكثفة بل هى اللغة السائدة فى مجموعة النصوص .

أبجديات اللغة الكونية : يدهشنا الكاتب بنوع آخر من اللغة أطلق عليهاأبجديات اللغة الكونية ص 164قد علمها إياه شيخه حِب الله .مثال :

خاطبت المصباح الباهت فى أخر الشارع .. كم انت بعيد على متعب مثلى يا صديقي .

قال :   قاوم الإرهاق واستمر ، جائزتك عندي .

قلت للأرض : ما عاد لدى طاقة لبذل مزيد من الجهد .

قالت : لم تكمل مهمتك بعد ، أدها ، ثم أهلاً بك فى باطني .

8- الثقافة الدينية ..والنظرة الفلسفية :

النظرة الفلسفية

منذ البدايات الأولى والطفل محمد الصغير طفل دائم التفكير فى كل ما حوله من أشياء وأفكار ومعتقدات حتى يتحول بفعل الزمن والخبرات المتراكمة  إلى شخص صاحب نظرة فلسفية إذا جاز لى هذا التعبير نظراً  لما طرحه على نفسه أولاً وعبر كتابه ثانياً   من جدليات ومعتقدات .

تتبدى لنا هذه النظرة المتعمقة للأمور منذ البدايات فى قوله :

كان بينه وبين نفسه، يتساءل دائماً:

من الظالم ومن المظلوم ؟

هل هى مسرفة ؟

هل ما تطلبه ضرورة ؟

هل هو مقصر؟

هل لا يعمل كما ينبغي ؟

فإذا كان الحق معها بالتأكيد ، والحق معه يقيناً

فأين الباطل فى المسألة ؟

ويضيف الراوى ، يفكر ويفكر ويفكر .. ربما طوال اليوم وطوال الليل ، وهو يأكل وهو يشرب ، وهو يلعب بل لعله كان يفكر وهو نائم حتى ظن بعض الكبار ( أنه محض سؤال كبير ) لا يعلمه إلا الله ص 33

ويتساءل الفتى .. كيف يسمح الله الذى خلق المجتمع والحكومة والكون كله بهذا الباطل !!!

كما يقر بأنه عرف وجودياً جدلية ( الخاص) و( العام ) بل عرف وجودياً جدلية ( الظاهر ) و( الباطن ) ففى ص 33 يتبدى لنا مشروع محمد هزاع الفكري ، وصعود مستويات التجربة ، فنظرته للكون وفرضياته وجدلياته   والمقارنة بين الأشياء ، ولكن الجدلية التى لم تكتمل لديه هى جدلية (الكره مقابل الحب ) وكان يتعجب ، فإما عدم كرهه هذا يرفعه إلى أعلى عليين أو ينزل به إلى أسفل سافلين ، كما أن إدراكه أنه كأحد أبطال التراجيديات الصغيرة والكبيرة واعترافه بأنه كان ينتظر فى كل لحظة  مصيره بمنتهى المسؤولية عن ذلك لدليل على عمق النظرة لديه .

فهذا العقل المفكر الذى يسأل نفسه وبالتالي يصدر سؤاله لقارئه عن أين الخطأ عند أبناء النور؟ .. ويجيب ربما اهتمام الإنسان شمولياً ..ربما كان يجب الاهتمام بشيء بعينه ، فالاهتمام بشكل  شمولي قد يدخل المرء إلى مجالات منافسة للغير فيعتبرون وجوده إلى جوارهم ذنب .

أراه تطوراً طبيعياً لعقل الطفل الصغير الذى يرفض حفظ القرآن الكريم دون فهم معانيه ويرفض استذكار دروسه المدرسية فى المرحلة الابتدائية دون فهم محتواها ، يمر الزمن والخبرات ليصل بنا الراوى إلى ذروة تطور الفكرة الفلسفية والنظرة العميقة إلى الأمور والجدليات والفرضيات ولا سيما فى باب المراجعات ، فهو يرى أن الثبات فى عالم متغير يقربك من القاع (ص74)   ، بينما التطور بالحجم والكيف المناسب لهذا التغيير يقربك من القمة ، ويضيف أن (حد الاستقامة أن للعلم وقتاً وللعمل وقتاً )

** يكبر الطفل محمد وتكبر معه نظرته الفلسفية للحياة ، بالقطع هو لم يدرك ماهية تلك النظرة بداخله فى سنوات الصبا والشباب ولكنه دائماً ما عبر عنها داخل كتابه بأنه كان يفكر ويفكر ويفكر .. كما كان يلتهم الكتب قراءة ، وبمنظور الحكم على الشخص صاحب النظرة الفلسفية بأنه هو ذاك الشخص الذى يربى عقله تربية خاصة تجعله يتأمل الكون من حوله ، وفى حال  كاتبنا أضاف القدر إليه أن يكون رجلاً صاحب حال مما جعله مجبراً بحكم تكوين أبناء النور أن يفكر طويلاً وان تتحول النظرة العميقة إلى نظرة متسعة ، تبدأ من النظر إلى باطنه الذاتي بعمق لتتحول إلى ظاهر الكون الفسيح بالإضافة لما منحته دراسته  فى كلية اللغات والترجمة فى جامعة الأزهر من إجادته للغات الأجنبية وقدرته على مطالعة جديد  الأدب الغربي ، فزادت دائرة إطلاعه وتفكيره .

فمحمد ابن الطبقة الوسطى  صاحب الذكاء الوجودى المنتمى لتيار اليسار السياسى فى بواكير شبابه والذي عاش بكله مؤمناً بمبادء وتوجهات التجربة الناصرية حتى اللحظة ، أدرك انه لابد من التعليم الذاتي أولاً قبل التعليم الإلزامي الحكومي فاستطاع أن يكون هذا النوع من التعلم ( سواء أكان مدركاً أو غير مدرك) لبنة النظرة الفلسفية بداخله .

وسوف أعرض لنموذج واحد من بين عشرات النماذج داخل  كتاب وجودك ذنب وهو نظرة الكاتب للحب فى نص اعتبره من أبدع وأرقى ما قرأت عن الحب بمفهومه الشامل والعميق وهو النص رقم 26 فى ص 160 ، لما بها من سجال بالغ الدهشة والتميز بينه وبينها   وإقرار بالحقيقة لاستخدام الكاتب صيغة القول فى  قالت وقلت .

مثال :  قالت : تتوهني ،وتدوخني، وتأسرني ، وتسبيني  .

قلت : بل أفنيك ، وافني معك ، ويفنى معنا العالم ، فيه .

هنا نجد نظرة عاشق متأمل ، محب يفنى مع المحبوب بل ويفنى العالم معهما فى حبهما اللامحدود .

الثقافة الدينية :

تثبت المجموعة التكاملية الإبداعية لمحمد هزاع بداية من كتب { العشق على طريقتي ، ودين الحب فى زمن الحرب ، ودولة الدراويش حراس الوطن والدين ، ووجود ذنب قصة عقل ، ووجودك حب قصة روح } بأننا امام كاتب متشبع حتى النخاع بثقافة دينية متميزة ومتنوعة  وعميقة وليست ثقافة القشور ، فهو يملك ثقافة من غاص فى قراءة كتاب الله الكريم بعمق وتمهل مما جعله قادراً بدرجة كبيرة على الاستشهاد بسوره وآياته الكريمة  فيما يخط من إبداع وهذه قدرة تحسب له .

وأرى فى استشهاد الكاتب بالنص القرآني فى إبداعه التكاملي أن هذا الاستشهاد اكبر دليل على أن كتاب الله العظيم هو بحق دستور العشق الإلهي ، كما أن كثرة استخدام  الكاتب لآيات الذكر الحكيم تعد وسيلة تأكيد قوية لما يطرح من بعض القضايا أو على الأقل وسيلة الاطمئنان عند البعض ووسيلة  عصف ذهنى عند البعض الآخر ، فهو يربط بين بعض أفكاره ويطرح طرحه الفكري ثم يأتى بالبرهان بان يقول  أليس الله سبحانه وتعالى هو القائل كذا .

قوة وشجاعة فى الطرح والتناول لا يجرؤ عليها سوى كاتب خبر التمعن  فى قراءة كتاب الله الكريم  قراءة تدبر لا قراءة حفظ ، كذلك تبدو ثقافته الدينية والقراءة عن الرسالات السماوية والأديان والملل ، بل وعن من لا يؤمنون ولا يدينون بدين  ، كل ذلك منح مجموعته الإبداعية كتابة بنكهة التعدد والتنوع والاختلاف ، لن استشهد فى هذا المقام بأمثله لأن المجموعة الإبداعية  كلها زاخرة بعشرات الأمثلة .

حقاً وصدقاً الكتاب مرآة ثقافة كاتبه .

9وسائط كثيرة .. ورسالة واحدة :

لفت نظري تلك النقلة النوعية التى عرضها الكاتب للقارىء بدرجة كبيرة من الشفافية والبوح الصريح بداية من ( ص 127 إلى ص 214 ) وتحديداُ  بداية من نص احتفاء بالستين وكأنه يقول للقارىء ها أنا ذا وصلت للسن التى يعتبرها البعض نهاية حياة ويعتبرها البعض الآخر من البشر بداية حياة ، حيث ترتفع لغة السرد والحوار لدرجة عالية من الشفافية والكشف بينه وبين شيوخه فى البعض منها ، كما يكتنفها بعض الغموض فى عدة تصريحات ، كنت أقرأ وأنا على درجة تكاد تقترب من اليقين بأن هزاع صاحب الحال يقدم نفسه بقوة وبلا تريث فى الكشف عن شخصيات شيوخه فى الطريق .

فالشيخ معوض هو أول من سك له عبارة ( وجودك ذنب ) .
والشيخ عبد الحق الأسيوطي هو من فسر له تلك العبارة بعد ربع قرن فى قطار القاهرة أسوان .
أما مع الشيخ حب الله فقد عرف نفسه كما لم يعرفها من قبل ( ص 84)
والشيخ بقية الخير هو من أذن له بكتابة بعض النصوص وترك البعض الآخر .
كل هؤلاء الشيوخ ماهم إلا وسائط متعددة لرسالة واحدة ، وقد سبقهم لذلك الأب ، أول الوسائط

يفصح الكاتب عن دور الأب فى حياته وقد بدى لى الأب صاحب أول الوسائط للكشف له عن الفرق بين عمى البصر وسطوع البصيرة وبيان معنى الغربة ووحشتها وما تفعله بالمرء ، وأنه لا أنس إلا بالله ، كما يعلمه بعض الأدعية وكأنه يعده للمحافظة على ورد الدعاء الذى لا يخيب معه رجاء ( ص 131 ) ويذكر فى استفاضة دعاء الشيخ الإسنادى الذى يعلى ويؤكد على قيمة ماردده الأب من دعوات صادقات (ص 132) .

البحيرى .. ومفترق الطرق :

فى (ص133) يؤكد هزاع على أن السير فى الطريق ليس بالأمر الهين ولا اليسير بل يحتاج دائماً للشيخ  المذكر الذى يكون بالنسبة لتلميذه كالمرشد الأمين ، لذلك ظل محمد الشاب محافظاً على نصيحة شيخه البحيرى الذى نصحه بالبدء من جديد إذا غُم عليه الأمر فإن لقي حتفه فيما يعرف ومن أجل ما يستحق خير من أن يلقاه فيما لا يعرف وما لا يستحق .

وفى حال أخرى للشيخ الجيزاوي بعد مناجاة طويلة مع رب العباد يوضح فيها أنه لا حاجة له بالعباد ، ويفسر لمحمد صاحب الحال أن الطالبون قد يجمع لهم بعض خلقه إيناسا لهم بهم ولكن المطلوبون  قد يجمع عليهم كل خلقه ليفروا منه إليه وحده (ص 135)
وفى حالة من الكشف والوضوح مع النفس والمجتمع يعترف الكاتب أنه أصبح كبذرة مخبأة إلا قليلاً للقيم المغدورة  بفعل التغيرات التى طرأت على المجتمع مقراً ومعترفاً بأن الحفاظ على بذور النور وسط كل هذا الكم من الظلام أمر فى غاية الصعوبة .
لاحظت أن  الكاتب خصص مساحة كبيرة لأقوال الشيخ عبد الحفيظ الملقب بأيوب المصرىبدأت من ( ص 138 حتى 150 ) وشملت كلاماً كثيراً حول دور حراس الوطن وكان من أقوى الرسائل تصريحه بأن مصر التى لم يتجل الحق إلا على بقعة من أرضها فى الوادى المقدس طوى محروسة بحراس إلى يوم أن تقوم الساعة ، كما أكد له أن الحضرات الخمس لا تجتمع على ضلالة ، ولا تجتمع إلا فى نبى او ولى أو ما دونهما من المتوحدين ولو للحظة حتى لو كان من العامة .

** وهنا لى وقفة مع محمد هزاع صاحب الحال والمقال معاً ، فمن يطلع على كتاباته وتحليلاته السياسية يدرك أن الرجل متسق مع ذاته فهو مؤمن ومنتمى لما يعتقد فى أن مصر المحروسة محفوظة بحراس من نوع خاص ، وقد شرفها الله سبحانه وتعالى فى كتابه الكريم بذكرها فى أكثر من موضع ، كما شرفت بوجود عدد كبير من أولياء الله الصالحين الذين يعتبرهم أهم حراس الوطن والدين ، لذلك كان كتابه السابق عن ( دولة الدراويش حراس الوطن والدين ) نموذجاً شارحاً لتلك الفكرة الرئيسة فى عقيدة وفكر وفهم ووعى وإدراك كاتب مبدع ومثير للجدل بشكل كبير .

** أسرار الطريق :

كنت ولازلت ممن يؤمنون أن لكل علم سر وأن كل درب لابد له من دليل ، فجاءت علاقة هزاع بشيخه أيوب المصرى لتدلل لى على تلك القناعة ، وأدهشني تلك الجدارية الحوارية الإنسانية بالغة التميز بينهما ، فهزاع الكاتب الصحفى الكبير يتحول لتلميذ لشيخ فى الطريق لا نعرف عنه سوى الاسم ( الشيخ عبد الحفيظ عبد الحفيظ الملقب بأيوب المصرى ) يتبعه ويستمع إليه ويسترشد بأرائه ويقتنع بقناعاته ، والأروع و الأجرأ  هو عرض هذه الأراء على القراء من العامة وهو يعلم جيداً أن مثل هذه العلوم الروحية تحتاج لعقول وقلوب أبناء النور .

لا أنكر أننى توقفت كثيراً وأعدت القراءة المرة تلو الأخرى لحوارات الشيخ وتلميذه فوجدت فيها كشف لأسرار وعرض لعلاقة الإنسان بكل ما فى الكون من مخلوقات التى هى تجليات الحق على الخلق كما ذكر وكرر الكاتب فى مواضع كثيرة من الكتاب والهدف الرئيس أن يصل هذا الإنسان لفهم وإدراك ووعى كامل لحقيقة الأشياء وأن يحب كل المخلوقات ليصل إلى حب خالق المخلوقات .

من الأسرار التى ذكرت وفهمت بعضها وغُم علي فى بعض منها قول أيوب المصرى  :
( البعض كالشمس موضحاً مدى أهميتها وجلال حضورها الذى يعجز عن تحمله البعض ، ووصفه ذلك باحتمال درجات الحضور وسمى ذلك بقاعدة الفيافي الصفراء وذكره أن ذلك هو سر سيدنا محمد ، وهنا تعجبت وربما يتعجب القارىء معي عن ماهية ذلك السر  ).
كذلك وصفه لطبيعة علاقة البشر بالقمر موضحاً  مدى شاعريته وجمال حضوره وذكر أن ذلك هو قاعدة الأخضر واليابس وذكر أن ذلك هو سر المسيح عليه السلام .. وهنا كنت أتمنى أن يمنحنا الكاتب تفسيراً لمعنى السر ، فيما عدا ذلك ذكر الشيخ أيوب المصرى مجموعة من الأقوال بدت لى شروح فلسفية وجودية بل ومنطقية الحدوث والتسلسل فى مجملها مما جعلنى انحاز أنا الأخرى لأقوال هذا الشيخ الذى بهرني بمنطق ما عرض فى طرح بعض الأفكار  ومنها :
ما قاله  الشيخ أيوب المصرى بأن  الوطن قد يكون لمسة يد حانية أو كلمة صادقة أو ابتسامة صافية او دمعة حارة أو إشارة لا يفهمها إلا قلب سليم !!
يصف له حال الرواد واالأدلاء  وهم الباحثون عن حقيقة الحقائق ( ص 148 ) .
يذكر له أن أشد الناس بلاء هم من يعرفون الحقيقة حتى لو كانت نسبية بحكم طبيعتها ذاكراً أن أرباب الحق قد لا يسندهم احد ، ولكنهم يسندون العالم كله دون أن يدرى ، وهم وحدهم يدرون ، يعرفون دورهم ويقلبونه حتى لو وقف العالم كله ضدهم .( ص 149 ) .
كما قال : لله من خلقه خلفاء على سبيل العموم منهم بنو أدم وله خلفاء على سبيل الخصوص منهم بعض بني أدم ، وسر خصوصية هذا البعض أنهم يحبون كل خلق الله لحبهم لخالق كل شيء ، والقاعدة عندهم أن من أحب أحدا أو شيئاً أحب كل ما يتعلق به ، وكل ما ينسب إليه .( 150).

** هزاع .. ومسارات الحب المتشعبة :

تعجبت كثيراً من هذا الكاتب صاحب الحال ، فحاله فى الحب لا يقل دهشة وروعة وغرابة ، فالحب لديه أصبح كالمسارات المتشعبة تتنوع وتتعدد ولكنها تصب فى سويداء القلب الذى اتسع وكأنه مركزاً للكون ، فالكاتب صاحب الحال أحب كل من شيوخه بنسب بدت لى متفاوتة ، وهنا سأركز على ثلاثة من الأشخاص مثلوا لى حالات مختلفة ومتميزة من الحب ، وقد تجلت علاقته بالشيخ حِب الله الذى بدى لى دليله للتعرف على محمد الإنسان فهو من قال له أن الله سبحانه وتعالى يختص كل مخلوق بميزة هى وسيلة فتحه ، إن عرفها وحققها فى نفسه سواء بالنسبة للدنيا أو الآخرة ( ص 151) وهو من يعلمه أدب الدعاء والسؤال من الله سبحانه وتعالى،  وتتعدد  وتتوزع حوارات حِب الله فى مجموعة النصوص ، كما يظهر حبه الشديد      للشيخ أيوب المصرى الذى خصص له مساحات واسعة من النصوص ولكن الحب هنا كان كمن يحب بالعقل فأيوب المصرى يعلمه الكثير من الوجود والحقائق الكونية كما رأيت فى حبه لكل منهما ( حِب الله وأيوب المصرى ) كمن يحب بالقلب والعقل معاً .

وتكتمل دائرة الحب بكل حضراته مع وصلته للسماء ( إيزيس الزهراء ) وهى التى خصها بالنص رقم 26وهو النص الأقوى تعبيراً عن الحب فى صورته التكاملية ، ففيه يظهر للقارىء بجلاء تام صورة المحب العاشق ، وبصفة عامة تميزت كل نصوص كتاب وجودك ذنب بحمل صفة الحب فى صور شتى بدت لى كنقاط من الماء الصافي سقطت فى بحر الحياة العميق واختلط بعضها ببعض ثم لا تمايز حتى وصل الكل لمقام الفناء فى الجمع .

رؤيتى

قد يتساءل القارىء الكريم .. هل يجوز أن يقع الناقد فى حب النص الإبداعي للدرجة التى ينظر فيها بعين الود والإعجاب لا عين النقد المتربصة أحياناً ؟

أقول بعد تجربتي وقراءاتي لكل ما كتبه محمد جاد هزاع  من نصوص إبداعية ، أننى على يقين تام بأن الكاتب جاء بإبداع شديد الخصوصية ناتج عن تجربة ذاتية هى أيضاً شديدة الخصوصية فكان علىّ التعامل مع نصوصه بروح النقد الصادق وأدواته لا بنمطية القوالب النقدية ، لإيماني العميق أن كل تجربة إبداعية صادقة ( مميزة ومتفردة ) لابد وأن يصاحبها رؤية نقدية تتسم بما يتواءم مع تلك التجربة كى تأخذ منها وتضيف إليها .

نعم أعترف أن تعاملي ودراساتي ورؤيتي لأدب محمد جاد هزاع تعامل نقدي مختلف بل وإنسانى حاولت من خلاله الدخول إلى عوالم صاحب الحال ، وكنت مدركة منذ الدراسة النقدية الأولى أنه قد يؤخذ علىّ انحيازي لتجربة كاتب صاحب حال لا يقل روعة ودهشة عنه ككاتب صاحب مقال ،فقناعاتي الإنسانية والنقدية تقول أن هزاع صاحب تجربة  إنسانية وإبداعية كبيرة بالإضافة لتجربة روحية خاصة منحت إبداعه نكهة إنسانية خالصة لا يشم رائحتها ولا يتذوق حلاوتها سوى هؤلاء المدركون دائماً وأبدأ أن الإبداع الصادق هو العاكس لى وله ولهم على الدوام .

رغم انحيازي المعلن للكاتب وتجربته الإبداعية ولكنى أتحفظ على بعض  الأمور الواردة فى كتاب وجودك ذنب قصة عقل ، أولها حجم المثالية المطلقة التى رسمها الراوى لشخصية البطل محمد منذ الصغر حتى صار رجلاً ، فوجدتني واقعة فى حيرة وأسأل نفسي وربما يتساءل القارىء معي .. هل صدق التجربة هى ما منحت الراوى كل هذه البراعة فى رسم  صورة البطل فى كل مواقفه العائلية والمدرسية والمهنية والفكرية ؟!
أم أن حرفية الراوى ( الكاتب ) هى من جعلته مسيطراً معظم الوقت على تسلسل الأحداث وصعودها الدرامي لكى يخبرنا أن مفتاح كل عقدة هى محمد البطل ؟!
الصورة المثالية التى رسمها الراوى للحقبة الناصرية على المستوى السياسى و الإجتماعى .. هل أقبلها كاملة أنا وغيري كما سردها على  أنها شهادة صادقة من كاتب  صاحب كلمة ورأى وتجربة سياسية لايستهان بها ومسؤول مسئولية كاملة عنها أم أتحفظ  (ولو قليلاً على هذه الصورة الوردية التى بلغت حد المثالية ) باعتبار  الكاتب الابن المنتمى لهذه التجربة الناصرية ؟!
أتسائل إلى أى مدى سيقبل الوسط الثقافي والفكري  إبداع الرجل ولاسيما فى الجانب الروحى من تجربته بكل ما ذكره فى النصوص بينه وبين مشايخه ؟

فى نهاية هذه الدراسة  لا يسعني إلا أن أقول سيظل هزاع وأدبه مثيراً للجدل ، ولكن قناعتي أن صدق التجربة وثرائها ستجعلني وغيري( نفكر ونفتش وندقق ونتفق ونختلف ) حول   ما جاء فيها ، وسيبقى لهذا المنتمى المخلص لكل ما يعتقد  فى عالم الفكر والأدب أنه واحد من أجرأ من كتب عن نفسه وتجربته ووطنه والإنسانية .

عزة أبو العز

القاهرة : 5 سبتمبر 2018

11 Responses to محمد جاد هزاع .. المنتمي

  1. عزة أبو العز رد

    9 سبتمبر, 2018 at 5:49 ص

    شكرى وتقديرى للشاعر يوسف أبو شادى لرأيه الذى نشره عن الدراسة على الفيسبوك

    سعيد يوسف أبو شادى دائما أرى فى كتاباتك النقدية إبداعات فى قراءتك للعمل ربما لا يكون القارئ قادرا على استباطها وإدراكها بسهولة, بل وأظن أن انها أكثر مما يتوقع الكاتب اكتشافه فيما كتب عنه, أيضا أراك تضعين أمام القارئ سهولة مضامين العمل الظاهرة والباطنة, كما أن رشاقة أسلوبك يضيف بعدا أخر من أبعاد الإبداع النقدى, أهنئك على رؤيتك وأتمنى للكاتب المتميز دوام التوفيق والنجاح, تحياتى

  2. عزة أبو العز رد

    9 سبتمبر, 2018 at 5:52 ص

    شكراً للكاتبة الشابة الواعدة نضال هزاع على رايك فى الدراسة على صفحتى على الفيس

    رؤية غير تقليدية ابدا في النقد الأدبي .. لكتاب وكاتب أيضا غير تقليدين .. أشكر حضرتك جدا .. علي مجهودك .. زادك الله علما ورزقا ومودة في قلوب الخلق

  3. عزة أبو العز رد

    9 سبتمبر, 2018 at 6:00 ص

    شكراً للاستاذ أحمد اسماعيل كرمانى على رأيه على الدراسة والذى نشره على الفيس

    تدقيق وتفنيدوتوضيح وتشريح لجسد العمل الأدبي بطريقه تضفى عليه رونقا وجمالا اضافة الى رونقه وجماله الاصلى بيد الكاتب المبدع محمدهزاع …دائما ماتبهرونا كتابة ونقدا دمتما ودامت لنا روائعكما

  4. عزة أبو العز رد

    9 سبتمبر, 2018 at 6:19 ص

    شكرى وتقديرى للاستاذ احمد ابو باشا على رأيه المنشور على الفيس

    لقد قرأت النص وفهمت كثيرا من معانيه،واستطعت التعبير عن هذا الوعى بطريقة سهلة وعميقه فى نفس الوقت،النصوص التى يظهرها لنا ا.محمد هزاع لا يمكن تفسيرها من وجه واحد،لان للنصوص أوجه كثيره على حسب قدرة وعى المتلقى على استيعابها،واخيرا،الشكر موصول لك ا.عزه على المجهود الرائع فى نقد ادب وكتابات ا.محمد هزاع،مع خالص تحياتي

  5. عزة أبو العز رد

    9 سبتمبر, 2018 at 6:22 ص

    شكرى وتقديرى للكاتب والناقد الكبير السيد إبراهيم على رأيه الذى نشره عن الدراسة على الفيسبوك

    لن أجيب عن سؤالك ناقدتنا الكبيرة، ولكنني أعلم الجهد الذي تبذلين في احتواء ما كتبه كاتبنا الكبير الأستاذ محمد هزاع، وأرجو أن تجمعي ما كتبته في نقد أعماله في كتيب لكونه يشكل مسيرة هامة في حياته الأدبية.. أو يقوم سيادته بجمع الدراسات النقدية التي كتبت فيه بما فيها دراساتك ويصدرها في كتاب.. دراسة رائعة ماتعة صادقة لا تصدر إلا من ناقدة خبيرة.. تحياتي عزة هانم..

  6. عزة أبو العز رد

    9 سبتمبر, 2018 at 6:33 ص

    شكراً للأستاذ تيسير أبو غزاله على رأيه على الفيس

    ذا لم تكوني عاشقة للكلمه فلن تكوني ناقدة للحرف

  7. عزة أبو العز رد

    9 سبتمبر, 2018 at 6:36 ص

    شكراً للرائعة الودودة نور الله يوسف على رايها على الفيسبوك حول الدراسة

    الكلمة بحر عشق يجذبنا إليه ويغرقنا فيه الغرق الذي لا نرجو معه شاطئ نجاة. .. والنقد مرحلة سامية جدا من العشق إن لم تعشق لن تكتب لن تعزف بالقلم علي أوتار الكلمة لتخرج لنا تنويعات رائعة علي لحن المؤلف الأدبي …القلم بحجم هرم ..حين أسعد بالإبحار عبر دراسات حضرتك النقدية لأنبل الأقلام الأدبية الرائعة في مصر أشعر بهذا العشق يسري في دمي وعروقي ويغمرني بأريج السعادة وافتخر أني من عشاق قلمك النبيل…أجمل بوح للروح… لك من القلب كل الحب والإمتنان والتقدير

  8. عزة أبو العز رد

    9 سبتمبر, 2018 at 6:48 ص

    شكرى وتقديرى للكاتب الصحفى الكبير محمود الشربينى على رأيه

    الحقيقة الاستاذه عزه وضعت دراسة قيمة جدا ، منذ الصباح وانا استقطع الاوقات لمتابعتها .جهد خارق يضعها في مصاف النقاد البارزين في الحقيقة .وساكمل رأيي بعد ان انتهي من دراستها الشائقه الشاهقه فعلا والتي تستحقها ياصديقي هزاع

  9. عزة أبو العز رد

    9 سبتمبر, 2018 at 8:34 ص

    شكراً جزيلاً للروائى والشاعر ا/ عصام قابيل على رأيه الذى كتبه على صفحة الفيسبوك

    ماشاء الله ا/ عزة ابو العز لاحرمنا نبض قلمك الراقي ونقدك البناء الزاكي
    ١

  10. عزة أبو العز رد

    9 سبتمبر, 2018 at 9:17 ص

    شكراً الكاتب الصحفى الكبير محمد هزاع على رأيك على صفحة الفيسبوك

    أنت ناقدة من طراز فريد جدا ، نقد اسميته سابقا بالنقد الإنساني وليس النقد بالمازورة سابق التجهيز ولذلك تبدعين فيما تكتبين ، يدوم الإبداع صديقتي النبيلة

  11. عزة أبو العز رد

    10 سبتمبر, 2018 at 2:30 م

    شكرى وتقديرى للإعلامى الراقى الأستاذ محمد اسماعيل لرأيه الذى نشره على صفحتى على الفيسبوك

    احتفالية ثقافيه اعلن فيها النقاد انهم أيضاً اصحاب شعبيه وجماهيريه بتقديمهم وجبه نقدية محترمة
    وكنت راقية الاسلوب مدعمة رؤيتك بما يؤيدها واستطيع ان اقول انك اسست لمدرسة نقديه جديده. ..لذوبان الناقد فى سطور وكلمات الكاتب وبما يستحق. …

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات