أفكار جلال نصّار [26] الجبهة الداخلية… جردة حساب وسط وبعد الأزمة…

08:31 مساءً الخميس 25 يونيو 2020
جلال نصار

جلال نصار

رئيس تحرير جريدة الأهرام ويكلي (سابقا)، مصر

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

تحدثنا فى المقالتين السابقتين عن التحديات والتهديدات والمخاطر التى تواجه مصر إقليميا وعلى حدودها وحول منابع مواردها المائية والبترولية لكن ظل السؤال الذى ظن البعض أننى تهربت من تناوله عندما تحدثت عن جبهات المواجهة خارج الحدود ولم أشر أو أستفيض فى شرح التحديات على الجبهة الداخلية باستثناء الإشارة إلى دور الإعلام الدولى المصرى فى تسويق المواقف والسياسات والقرارات المصرية…
galal

إن التحدى الأكبر الذى يواجه الجبهة الداخلية مدخله الإجابة التى تطارد جيلا كاملا يعيش مرحلة إنتقالية ممتدة من 25 يناير 2011م حتى الآن، وينتظره مستقبل لا يدرى عنه شيئا وغاب عنه اليقين؛ والسؤال الذى يشغل من يفكر فيهم هو: “ماذا بعد أن تنتهى الأزمة أو بمعنى أدق بعد تنتهى المراحل الإنتقالية التى نحتشد فيها ونصطف فيها جميعا خلف مصر وجيشها ومؤسساتها أمام كل التحديات؟ ماذا بعد أن نجتاز تلك المراحل ونعود لنرى ماذا خلفنا وراءنا أو سقط منا؟

ويتبعه سؤال ملح: “كيف نحافظ على ما تم من إنجازات ومشروعات كبرى ونصونها؟”.
أسئلة هامة تحدد ملامح التحديات وجوانبها لان الإجابة عليها لمن يدرك حقيقة الأمور تبدو مخيفة ومقبضة؛ لأننا سنعود بعد أن نفرغ من المواجهات والأزمات وربما الحروب لنجد أننا أغفلنا الحياة السياسية الحقيقة التى تساعد على وحدة الجبهة الداخلية وتقوى منها وتكسبها المناعة ضد الإختراق والتشرذم وغياب الغاية والهدف والبرامج والنهج؛ وأننا أغفلنا وجود كوادر سياسية تربت داخل جدران أحزاب حقيقية وفى الشارع السياسى قادرة على طرح البدائل والحلول وتنافس من أجل رؤى تقود انتقال هذا البلد للأمام؛ وأننا أغفلنا وجود إعلام وصحافة حقيقية ذات مصداقية وتأثير وإنتشار ومدارس مهنية يتخرج فيها كوادر محترفة تقود الوعى والإدراك للشعب؛ وأننا أغفلنا بنية أساسية كاملة لمنظومة إعلام دولى مؤثر وهدمنا مؤسسات كاملة لصالح الإبقاء على إختيارات خاطئة وعناد وفهم خاطىء لدور تلك المؤسسات فكانت الإرادة التى جففت منابع تمويلها وحاصرتها وعايرتها بالديون والخسائر حتى سقطت إلى حيث قاع الهاوية واصبحت جزء من تاريخ الوطن وليس لها تأثير فى حاضره أو مستقبله بل أوجدنا بدائل برعاية شركات “وطنية” تدمر كل القيم والتقاليد والأعراف وترعى كل وصلات الردح والبذاءة اليومية وتروج لنماذج هى الأسوأ فى تاريخنا المعاصر وسيظهر تأثيرها جيدا على الأجيال الحالية والقادمة خلال سنوات قليلة دون أن يعاقب أو يحاسب من تسبب فى هذا عن قصد أو دون قصد..
سنعود لنجد أن الطبقة الوسطى المصرية قد أنزوت وقد أوشكت على الإنقراض وهى الطبقة المنوط بها قيادة الحراك الإجتماعى والتغيير والتطوير وضمان تدفق الدماء فى أوردة الإدارة والإقتصاد والسياسة والثقافة والفن وكل مناحى الحياة على أرض المحروسة بعد أن مرت تلك الطبقة بعملية “إفقار” غير مسبوقة كنتيجة مباشرة لقرارات إصلاح إقتصادى كانت ضرورية ولكنها كانت قاسية وحادة وموجعة وإنتقلت بالتداعى إلى الطبقات الدنيا تصارع لتبقى على قيد الحياة وتنظر أمامها هذا الطريق الطويل من التضحيات من أجل الوطن والتحديات الإقليمية المفروضة إلى أن ينتهى ما تبقى من مسيرتهم على حافة الأمل والنجاة إلى مصير محتوم فى القاع.
إذا أننا أمام تحديات جمة لن أستفيض فيها أكثر من ذلك كى لا تتحول السطور إلى صورة سوداوية قاتمة وسأكتفى بما اشرت إليه من مسيرات العودة بعد أن تنتهى تلك المراحل الإنتقالية والتحديات الإقليمية التى كان الهدف من الإشارة لها هو أن الجبهة الداخلية هى الجبهة الأكبر والتحدى الأخطر وهى التى تتطلب أن نفكر فى يوم العودة بعد كل مراحل التأجيل والمبررات؛ وأن ندرك جميعا أنه لا يوجد تحدى إقليمى أو دولى أو بيئى أو صحى يعوق مسيرة الإصلاح الفورى أو يبرر إختيارات وقرارات خاطئة وأن كل ما تحقق من إنجازات ومشروعات غير مسبوقة لا ينكرها أى شخص موضوعى يجب أن تدعونا إلى التفكير فى كيفية أن نحافظ عليها؛ وأن ندرك الآن قبل الغد أن من سيحافظ على كل تلك الإنجازات ويكون ضمانة للمستقبل هى دولة مدنية حديثة متطورة عادلة لديها حياة سياسية حقيقية وأحزاب قوية وكوادر وبرامج وتأثير؛ منظومة رعاية وتعليم وصحة تحافظ على من نحارب من أجله ونتسلح من أجله ونضحى من أجله وهو الإنسان المصرى؛ منظومة وعى وإعلام وصحافة وثقافة وتنوير تحمى هذا الإنسان من السقوط فى فخ الظلام والجهل والدعاية المسمومة والأحزاب والحركات والجماعات الفاشية؛ أن نرحم هذا الجيل من الشعب والطبقة الوسطى تحديدا ونمهله يلتقط أنفاسه قبل أن تنقطع تماما فيسقط منا صريعا ولا نستطيع أن نكمل ما بدأناه من مشروعات تنموية وأن لا نفقد دعمه وصبره وقوة الدفع التى يمنحها للدولة ومؤسساتها.
أتفهم قبل غيرى طبيعة التحديات وأن شئت قل المؤامرات التى تحاك بمصر ومفروضة عليها؛ البعض منها تاريخى تراكم بسبب تراجع الدور والإنسحابات والإنكفاء على الداخل والبعض الأخر والأكبر بسبب أطماع على النفوذ والثروة والدور الإقليمى والتحالفات والمحاور فى المنطقة؛ ولكن النجاح والإستمرار فى تحقيق النجاحات على كل الجبهات الخارجية مرهون بقوة وصلابة الجبهة الداخلية وهو أمر لا يرتبط فقط بالشعارات وفكرة الحشد المؤقت ولكن يرتبط بجهد حقيقى لتقوية تلك الجبهة وإكسابها المناعة المطلوبة وأن نكف عن كل “العك الزائد” فى كل المجالات؛ فهل نستطيع وسط الأزمة وليس بعدها كى لا نعود بعد الرحلة إلى واقع السطور السوداء فى بداية المقال؟
جــلال نصــار
25 يونيو 2020م

 

اترك رد

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات