الروائية الأردنية دلندا الحسن تتجول في أعماق الحياة والإنسان.. و”أحلام الأوركيدا”

10:22 صباحًا الإثنين 5 أبريل 2021
اسماعيل فقيه

اسماعيل فقيه

شاعر وكاتب وصحافي من لبنان

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print
رسالة بيروت – إسماعيل فقيه

الكاتبة الشابة الأردنية دلندا الحسن تقتحم عالم الكتابة برواية واقعية،ممزوجة بالتأمل والتخيّل،أطلقت عليها أسم “أحلام الأوركيدا”. وفي “أحلام” دلندا الكثير من الأمل والبحث المضني عن السعادة. فقد حاولت في فصول روايتها مقاربة الواقع بكل شجونه، محاولة الإستخراج من عمقه بعض الخيال ،القادر،ربما،على اجتراح الأمل بما يضمن سلامة الوعي الذي تحياه ، وتسعى الى ضخّه بالصور والألوان الصافية. فماذا تقول الكاتبة عن تجربتها ؟

ــــ لنتعرف عليك، من هي دلندا الحسن، كيف تعرف القارئ على نفسها ككاتبة وانسانة؟
ــــــ ولدت من رحم شجرة الحياة الأولى، من خشبها أقلامي التي اكتب فيها على أوراق الأزمنة لأُخلد حيوات عديدة. ومن صدى كلماتي أهز جذع الإنسانية. فأنا استظل بالشجرة التي جلس تحتها آدم وحواء، لأتذوق من الخطيئة الأولى واكتشف معنى المغامرة وسر الوجود، وابحث عن الجمال والخير والحب في الكون.
ككاتبة أنا مغامرة بأفكاري أعشق التحدي والغوص في المجهول واختراع الأشياء، والكتابة جزء من توازني وجاذبيتي نحو الاستمرار في الحياة. لم أكن أدري وأنا في عمر العشر سنوات، عندما كتبت بأصابع طفلة رواية صغيرة أن قدري هو الكتابة، لكني أدركت وتيقنت أن ابتعادي عن الكتابة لظرف ما، كان الطريق للإنتحار.
دلندا الإنسانة فيها من التناقضات ما يجعلها أقرب لقلب طفل. احافط على فطرتي لتبقى سليمة وتستمر الروح في حالة الإندهاش المستمر. دمعتي قريبة وساخنة لأن عاطفتي سريعة الإشتعال. افتقد لشعور الأمومة، واطمح للعيش بتوازن مع تقلبات الظروف.
ـــــ لماذا اختيارك لكتابة الرواية؟


ــــــــ لأن في داخلي أنثى حكاءة تسرد الحكايا فوجدت في الرواية الملاذ الممتع لصوتها للبوح. للرواية فضاء واسع ولا متناهي للسفر مع الكلمات والحروف، للتعبير عن الأفكار والمشاعر والسرد بحرية لحبك الأحداث وبلورة الموضوع، بطريقة أكون فيها راضية عن المنجز الإبداعي.
كانت بداياتي بكتابة النصوص النثرية والقصة القصيرة، حيث صدرت لي مجموعتين قصصيتين مشتركة مع مجموعة قصاصين من نتاج ورش الكتابة الإبداعية: الأولى تباشير 2014 والثانية تقاسيم 2017 وفازت قصتي المدينة الحجرية في مسابقة سواليف للقصة القصيرة عام 2013.
تتنوع الأجناس الأدبية وتتباين لكن الأمر المهم هو أن يركز الكاتب اهتمامه في النوع الأدبي الذي يتقنه حتى يبدع بالكتابة فيه ويتميز.
ــــــ ماذا في جعبتك من كتابة، ما هو جديدك في الكتابة الروائية؟
ـــــــ في جعبتي الكثير والكثير من المواضيع الجديدة التي سوف اتناولها ان شاء الله في رواياتي القادمة. فجعبتي تشبه قبعة الساحر التي تخرج منها الأشياء المدهشة والجميلة. فأنا اطمح لوضع بصمتي الجديدة والخاصة بين الروائيين الشباب. كل يوم أجد فكرة ما تحفزني نحو الكتابة، ادونها في كشكولي بإستمرار حتى أبقى متوهجة دائماً للحظة الكتابة عندما تحين ساعة البوح على الورق.
حالياً اعكف بجد على كتابة مخطوط لرواية مميزة تدور أحداثها بين دولة الإمارات (مسقط رأسي) والكويت وأمريكا، اتناول فيها موضوع الغربة عن الوطن وتضحيات المحبين وآلامهم. أحب عندما اكتب في موضوع ما أن ابحث واقرأ كثيراً في المراجع حتى أُبلور أفكاري واصهرها في قوالبي الخاصة. جاءت فكرة روايتي القادمة عندما سافرت إلى مدينة أبوظبي في شهر إبريل الماضي للمشاركة في معرض أبوظبي الدولي للكتاب 2017 حيث وقعت روايتي أحلام الأوركيدا ضمن فعاليات المعرض وزرت المنطقة السكنية التي عشت فيها فترة زمنية طويلة فكان الحنين بوابتي لكتابة العمل الثاني، ففي الكتابة شفاء من الماضي.
ـــــ هل تكتبين واقعك او هي اسقاطات من الخيال؟
ــــــــ الإثنين معاً، اسقاطات الخيال أعمق وأجمل عندما يتم ربطها بالواقع بطريقة الواقعية السحرية وهذا يضفي الجمال والرونق في المادة المكتوبة. ويعطي مساحة للقارئ للعيش داخل النص وصناعة خيالاته الخاصة به من وحي الكتابة مما يعطي للنص الأبدية المتجددة على الدوام.
وعلى الكاتب أن يجمح بخياله ولا يهاب، لأن الخيال مادة الكتابة الخصبة التي لا تنضب. وأن يسعى إلى تنميته وصقله باستمرار بالتأمل والبحث.
ـــــــ هل يحضر الحب في نصك الروائي؟

ـــــــــ في روايتي أحلام الأوركيدا تحدثت عن فلسفة الحب وتتبعت معالمه في الكون، لكن أبطالي كانوا خجولين إلى حد ما في التعبيرعن مكنونات قلوبهم. فقد كانوا يستترون خلف رموز وإشارات إيحائية لعدم نضوج الحب لديهم. فالبطلة شيرين تحلم بزهرة الأوركيدا (زهرة عطر الملوك) التي يفسر الفيلسوف الصيني كونفوشيوس الحلم بها أنها رسالة للحفاظ على الحب. فالبطل تميم لم يستطيع الإفصاح عن حبه وكان كثير الغيرة على شيرين من البطل الثاني راشد. يحاول تميم التقرب منها لكنها مازالت تتشافى من جروح الماضي لذلك لم تشعر بحبه لها.
أما في مخطوطي الروائي الجديد تناولت أكثر من قصة حب تتشابك وتتقاطع بطريقة درامية مشوقة، فقلوب تنجح في قصة حبها وبعضها يخفق والآخر يتأرجح وضائع.
قد لا يتطرق بعض الكتاب إلى الحب ولكن أجد أن قصة الحب بداخل النص تعطيه جاذبية وتحرك من إيقاع النص.
ـــــــ كيف بدأت علاقتك بالكتابة الروائية، هل للواقع أو الكتابات الأخرى تأثير في هذا؟
ــــــــ بدأت الكتابة بشكل عام من لحظة وعيي بالقلم و الورقة، الكثير من الشخوص التي كنت اتخيلها أخبرتني بالقصص والحكايا. الكتابة قدري لكن كنت انتظر لحظة البوح ونضوج الفكرة وهذا ما حصل معي عندما كتبت روايتي أحلام الأوركيدا بعد عودتي من الصين بعد رحلة امتدت لشهر تقريباً عام 2012. الرحلة كانت المكان الذي استطعت أن اصهر أفكاري وخيالاتي التي سكنت داخلي قرابة السبع سنوات وامزجها بروح الصين فبدأت الكتابة فوراً. كتابة الرواية من أجمل الأشياء على الاطلاق لأنك تحلق معها في علاقة أزلية طاهرة. ففي رواية أحلام الأوركيدا كان الواقع والخيال حاضران بقوة في النص فالبطلة شيرين تتعرض لحادث تفجيرات فندق في عمان عام 2005 وهو حدث حقيقي ارهابي تعرضت له مدينة عمان. مسرح الأحداث بين مدينتي عمان في الأردن وبكين في الصين لكن طريقة المعالجة الفنية الدرامية في سرد الرواية كانت بمزيج خيالي عن زهرة الأوركيدا التي تحلم بها البطلة شيرين وعاشقة الجبل التي يسكن طيفها جبل اللويبدة وتشعر بها البطلة.
وفي مخطوط روايتي القادمة قيد الكتابة أيضاً مزجت الواقع مع الخيال فالأحداث تدور ما بين حرب الخليج الثانية وتنتهي بتفجيرات برجي التجارة في نيويورك. ومزجت الفكرة بخيال الواقعية السحرية.
الكاتب يتأثر بواقعه ولا يستطيع الانفصال عنه ولكن نحن ننتظر كي ينضج هذا المزيج من الواقع والخيال والقراءة والخبرات الحياتية التي تصقل الفكرة وتأتي لحظة توهج القلم.

ــــــ الرجل في نصك هل هو البطل او الضحية أو …؟
ـــــــ عندما اكتب لا أكون مخططة لحالة معينة اغتال فيها شخص البطل أو كي أمجد انتصارته وأفعاله. فالنص هو الذي يفرض علي نوعيه الرجل. ففي روايي أحلام الأوركيدا التي صدرت حديثاً عن دار الآن ناشرون ومورزعون- الأردن، كان هناك رجلين لعبا دور البطولة في مساعدة البطلة شيرين للخروج من محنتها بعد تعرضها لحادث تفجيرات فنادق عمان وكان البطل تميم اليد المساعدة التي ارجعتها للحياة مرة أخرى، ودفعها للمضي رغم معارضته لسفرها إلى الصين لخوفه عليها لأنها تحتاج لعناية خاصة. أما في مخطوط روايتي القادمة ان شاء الله ، البطل الرئيسي ربيع سيكون الضحية لظروف حياته في الغربة التي ترميه من مكان إلى آخر بحثاً عن رقم وطني أو جنسية أخرى تنقذه من الجهول.
فلا توجد نزعة جندرية مع سبق الإصرار لتناول وضع الرجل في النص الابداعي، إنما يأتي منسجماً مع الفكرة بطريقة يتفاعل معها القارئ وتكون شخصية حقيقية منطقية في الطرح.
ـــــ متى تكتبين؟
ـــــــ اكتب عندما أشعر بالإمتلاء الروحي والفكري بالنص الذي اريد تفريغه على الورق. اكتب عندما تنضج المشاهد الدرامية في خيالي وأشعر بحيوات الشخوص تدفعني لكتابتها. اكتب عندما اريد أن اشفى من خلجلات صدري حول موضوع ما. اكتب لأن الكتابة حياة.
للكتابة عندي طقوس خاصة وفيها مزاجية إلى حد ما. في الغالب أحب الكتابة في أول ساعات الصباح. حيث الهدوء والنسمات الرقيقة المحلقة مع الفجر بجانب أوركيداتي التي احضرتها من ماليزيا في غرفة مكتب مصممة داخل حديقة منزلية فيها أيضاً عصافير الحب وأسماك الزينة الرشيقة التي تتلوى أمامي وتطفو معها أفكاري على الورق الأبيض. مع ألحان موسيقى الجاز التي تحفزني للكتابة. مع أخذ كامل زينتي وبهجتي الأنثوية. وأحب قبل الكتابة أن اقرأ الشعر.
لكن أحياناً استيقظ من النوم ليلاً إذا راودتني فكرة وألحت علي لكي ادونها قبل أن تذهب مني وأحياناً خلال إعداد الوجبات أو الأعمال المنزلية. ابقي كشكولي بجانبي فالأفكار لا ندري متى تهجم علينا فأكون مستعدة لاستقبالها بسعادة وفرح.
ــــــ هل تعتبرين نصك الروائي متأثر أو شبيه بأحد من الكتاب الكبار؟
ـــــــ نصي الروائي يشبهني كثيراً وهو قطعة من روحي وأفكاري وانطباعاتي الحياتية. تأثرت بالعديد من الكتاب الكبار من الوطن العربي والأدباء الأجانب وقرأت الكثير في أمهات الكتب. وكنت مغرمة بأدب أمريكا اللاتينية ومزجهم للواقعية السحرية بطريقة تميزهم. لكن مهما تأثرت بما قرأت لن اشبه أي كاتب فما اكتب هو أفضل نسخة حقيقة فيه لمستي وأفكاري والتي ستصبح فيما بعد بصمة خاصة لي على مدى إنتاجي الإبداعي. أنا ضد أن يكون الكاتب نسخة من أي كاتب مهما كانت قيمة منتجه الأدبي، وأن يسعى الكاتب للخروج من جلباب أي مدرسة بل أن يتجاوز الحدود ويتفوق على نفسه.
ــــــــ كيف ترين نص المرأة العربية، هل هي مبدعة وتفوقت على الرجل؟
ــــــــ المرأة العربية عندما تكتب تبدع لأنها تتعامل مع أفكار النص كجنين تعتني به وتخاف عليه حتى يكتمل وينضج وخلال رحلة المخاض لإخراج النص يتوهج ما تكتبه. فالمرأة بفطرتها تتعامل مع الكتابة بروح الأمومة والخوف والحرص الشديد. حتى المواضيع التي تطرق لها بالكتابة تكون ملتصقة بهمومها، آمالها، طموحها ومستقبلها، ثم تعالجها بشفافية وعمق ومعرفة. ففي كتاب حليب أسود للكاتبة التركية إليف شافاق تجد فيه معاناة المرأة في تحدي واجباتها اتجاه أمومتها وشغفها للكتابة. وهذه المسؤولية تجعلها تغمس الكلمة بآهات حقيقية تصل للقارئ بصدق.
بالنسبة لي تفتني كتابات الكاتبة المصرية رضوى عاشور، زرعت لدي روح وفكر عميقين. وفي المقابل مؤلفات الكاتب المصري عبد الحليم عبدالله من أروع من كتب في الوصف والإحساس. لكن أنا عندما اقرأ لا اتحيز للجندر بقدر تحيزي للنص الجميل الذي يبهرني ويزرع الدهشة لدي.
بالتأكيد أبدعت المرأة سواء العربية أو الأجنبية، بالطبع هنالك تجارب أدبية تفوقت فيها المرأة على الرجل أو تفوق الرجل على المرأة، سواء في اللغة أو المواضيع وطريقة التعبيرعنها.
وكما سبق وذكرت في بداية الحوارعندما سألتني عن تعريفي لنفسي ككاتبة وأنسانة أقول أن المرأة بفطرتها السليمة وبغريزة الأمومة تبحث باستمرار وبشغف عن الجوانب الإنسانية لتضع أصبع التفكير على تساؤلاتها، لتفتح أبواب موصدة لمن يأتي بعدها.

One Response to الروائية الأردنية دلندا الحسن تتجول في أعماق الحياة والإنسان.. و”أحلام الأوركيدا”

  1. محمد درويش الاعلامي الشاعر رد

    5 أبريل, 2021 at 12:03 م

    ان الحوار الذي اداره بجمالية فائقة الشاعر المبدع اسماعيل فقيه مع الروائية الأردنية دلندا الحسن انما ينم عن قدرة فائقة على الامساك بمفاتيح الرواية الحديثة كما ان اجابات الروائية الروائية دلندا الحسن على الاسئلة تدل دلالة واضحة على عمق تجربتها رغم حداثتها الا انها تصف وتميز وتتميز بما هو بين الرواية القديمة والحديثة وتقفز خطوات كبيرة وواسعة وعريضة بابعاد محتلفة منوعة ..ان مساحة ابداعها بحجم وطن وانسان وحياة .
    ..لقداستفادت من تجارب روائية كثيرة وبدت مثقفة رفيعة المستوى تملك من الاحاسيس مايكفي لروايات اخرى ، ولا شك انها ستغني مكتبة الرواية العربية التي تفتقر الى الانثى الجميلة التي تختصر المراة والحب والتطورات ولا تنفصل عن الواقع ان ما تكتبه بلغة جديدة واحاسيس جديدة وخارطة طريق لعمل روائي قادم هو اوسع واشمل واكثر جوهرية من روايات كثيرة ،انها تعد بالكثير من القيم والافكار والموضوعات الفكرية والانسانية فلننتظر نتاجها الروائي الجديد لعله يحمل المزيد من الدهشة الفلسفية …

اترك رد

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات