مصطفى عيسى يبحث فتنة المتواري في الفن التشكيلي

07:48 مساءً الأحد 18 يوليو 2021
أشرف أبو اليزيد

أشرف أبو اليزيد

رئيس جمعية الصحفيين الآسيويين

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

اعتمادًا على كون المؤلف فنانا تشكيليا مصريا وباحثا في جماليات الفن المعاصر، وفاعلا في الحركة التشكيلية العربية، يتوقع القاريء لأحدث مؤلفات دكتور مصطفى عيسى (فتنة المتواري – بحث في جذور الفعل الفني) أنه سيقرأ كتابًا في النقد الفني، إلا أن السطور ستقودنا إلى ما هو عمق وأبلغ وأكثر اتساعًا.

فالكتاب قد يكون في الوقت نفسه مبحثا في السياسة والاجتماع، وحتى في الأدب، لأنه يناقش تلك المسافة بين الفنان والمتلقي، بين المرسِل والمرسَل إليه، بين الكاتب والقاريء، بين صاحب السلطة في الإبداع، وبين الممارس لحقه في تفسير تلك السلطة الإبداعية الحاكمة. من هنا تأتي قراءة هذا الكتاب لتتجاوز الفنون التي يتناولها، إلى تلك الأخرى التي نعيشها.

والمدهش أن هذا التفسير الأولي المحفز يجد إشاراته في التقديم الذي مهد به لقراءة الكتاب ناقدٌ له حسه البالغ في قراءة جذور الرفض والاختلاف في المشهد التشكيلي المعاصر؛ حين أشار الدكتور محمد بن حمودة الباحث في جماليات الفن التشكيلي، إلى معرض المرفوضين، الذي أعلن عن منحى سيسلكه التشكيل المعاصر آنذاك (النصف الأخير من القرن التاسع عشر) معطلا به الاعتماد الأكاديمي، والتي حولت المرجعية  للفن إلى مرجعية  اللافن.

من هذه اللحظة سنبدأ في رصد الموقف ونقيضه؛ أو السلطة والمعارضة، إذا شاء لنا أن نستعير القاموس السياسي، وسيتبين لنا أن كل إبداع له جذوره، وأن هذه الجذور هي الفتنة المتوارية وراءه، تستثير الفعل والفاعل والمجال والمتلقي، وكما يقول الفنان والباحث المؤلف د. مصطفى عيسى “علينا أن نعي فيما يخص الفن – وعبر فرضية أولى – أنه لا فرق بين مبدعٍ ومتلقٍ، فالدائرة تحتوي كليهما وتحيط بهما عبر لحظتين متتاليتين. ومع التسليم بوجود فرضية ثانية تصنع المسافة بين الاثنين، أضحى السؤال السابق (ما الفن؟) سؤالا قديمًا قِدم تلك العلاقة بين الفنان ولحظة إبداعه الخاصة، وموغلا بالمثل في التاريخ الذي يشمل الطرف المستقبِل إلا أنه يظل قادرًا على تجديد نفسه، من آن إلى آخر، بل إن قدرته قد تفوق حجم ما يقدمه لنا، لارتباطه بوجود حياة أخرى لا ندركها في كل حين، ولأننا أيضا على يقين بأن شيئا  ما، غامضًا ومجهولا، يأتينا دومًا في غير انتظام ليدع بين أدينا سؤالا عصيا ويرحل.”

كتاب الأسئلة العصية

إذًن نحن أمام كتاب في الأسئلة العصية في حياتنا، هي هنا  تستقي مفرداتها من الفن، لكنها ترمي بظلال أجوبتها على كل مساحات الحياة. أو كما يقول المؤلف في الفصل الأول: الواقع المادي بمحتواه  المتشعب والمتنوع، ليس بكيان منفصل عن الإنسان  بتركيبته النفسية الحساسة، مما يجعل المُرسِل والمُستقبِل سواء بسواء بمثابة كيان مثالي؛ في التعبير عن حقيقة الوجود التي أعطت الإنسان مكانته، وجعلت منه يؤرة الحدث ذاته أيًّا كان حجمه أو نوعيته، ماديا ونفسيا.

لإدراك فحوى الأشياء قد نتساءل عما إذا كان يمكننا الاتفاق على كون البرتقالة – كمثال بسيط وحاضر في حياتنا – ثمرة حمضية المذاق وبرتقالية اللون. ولكن الدهشة تأتي حين نتجاوز السمات المتفق عليها من وجود مادي (اللون، سُمك القشة، الطعم، الفائدة) حين نجد أوصافا تخلط تلك البرتقالة بالليمونة. التشابه بين كيانات مماثلة أمر لا ينفيه الواقع، لكنه يمنح فرص إنكار طرف للآخر، لأننا بصدق الخبرة التي نمتلكها، والمعرفة المؤكدة لا يمكن أن نساوي بين الكيانين. والأمر الواقع أننا بحاجة إلى خبرة جمالية لإدراك الفن وصوره المتعددة، تتجاوز الواقع المادي إلى الخيال والحلم. لإدراك المختبيء والمختفي وراء ما نراه في وقائع الحياة،لنقدمه في قالب مغاير محمل بالشفرات والإيماءات التي لا يطولها  الوضوح والمباشرة : فلا هي صارت واقعا صرفا يقع بين أيدينا، ولا هي ألغاز باتت مستعصية على الأفهام، حتى أن تغدو منطقة الالتباس وسطا ووسيطا بين لغة الحياة ولغة الفن، وربما أضحت حكرًا على فئة النخبة دون غيرهم.

لقد بات الحديث عن الجزء من كلٍّ، هو الوجه الآخر من الحديث عن الكل المكوًّن من أجزاء، ومن ثم سوف تُطال الحقيقة إذ نمسك بهذا المتواري، رغم نقص الخبرة في كيفية تعرفنا على الأشياء في جوهرها، ورغم خبرتنا بأن ما لا نراه بالنسبة إلينا بمثابة لحظة وهم.

المؤلف بين أعمال موديلياني، فرانسيس بيكون، لوسيان فرويد وحسن سليمان

سطوة المتواري

أسأل المؤلف، وهو الفنان، هل تكون رحلة البحث عن المتواري رهنا بالوصول إلى الحقيقة، لتكون رحلة ناجحة، أم أن رحلة البحث هذه أسيرة ذلك القصور في المعرفة والخبرة، والنمطية في تناول الأشياء؟

إن الإجابة تأتي في قدرة وسطوة هذا المتواري في إعادة تشكيل مخيلتنا وواقعنا في الوقت ذاته. فنحن في متاهة تقبل النقيضين، تمتلك تقنيات في اليد، وتحاط بتطبيقات تحضر العالم بين أيدينا، وسينما تستحضر الخوارق، وأدب خيال علمي، لكننا في الآن ذاته أسرى تصورات ماضوية وخرافات تعبر بالفعل عن ضعف الإنسان وهوانه، وتجعله يسقط في هوة نماذجه البدائية والأولية. لذا يكبر المجهول كلما اخترق العلم آفاقا جديدة، وكأن العلم الأكبر يثبت أننا جهلاء أكبر منه. وتبدو الأسئلة بلا إجابات،خاصة الأسئلة عن النهايات والغيبيات والخوارق والمخفيات.

ولا يقتصر الافتتان في مفردة عنوان الكتاب على الفتنة الحسية، كما يفتتن الرجل بجمال امرأة، لأن وصول الإنسان حد الافتتان معناه رؤية ما هو خارج حدود تفكيره وتوقعاته، ومعناه وقوعه في أسر لغة تتحدث تحديدا فيما يخص الجمال الداخلي الكامن في الروح. وكما يضيف المؤلف “غير أن لغة الافتتان قد تطول الجماد والحيوان والطبيعة بشكل عام، ولهذا كان وقوع سيزان في أر جبل سان فيكتوار، ومن بعده بيكاسوه في معالجات الفن الزنجي وحلوله للوجه والجسد الإنساني المنحوت، وشغف حامد ندا بجسد الإنثى كبؤرة مركزية في عمله الفني، ثم تعلق حسن سليمان بكيان المرأة المصرية وتكوينها الجسدي وروحها ودلالها الأنثوي دون غيرها من نساء الأرض، وتعلق دالي بزوجته جالا، وبعصاه التي يتكيء عليها، إنما هي بمثابة نماذج بينة على كيفية تسلل المتواري إلى منطقة الخيال والفن، التي تفيض، فتحفز، وتجعل للمرئي كيانا آخر على عكس المتوقع منه.”

الوجه والقناع

في الباب الثاني (الوجه والقناع – تحرير المشاعر والرؤى)، يقربنا المؤلف من عدة تجارب هامة في رسم الوجوه؛مثل المصور القدير والمحنك لوسيان فرويد، الذي كان في حاجة لأكثر من 70 جلسة تمتد كل منها ساعات طوالا  ليسجل بأدق التفاصيل طبقات مختلفة للمشاعر تنتاب أشخاصه، سواء وهم أيقاظ، مسترخون أم نيام في سبات عميق.

في مقابل وضوح الوجه وسفوره، يأتي قناعه وحجابه، وقد يكون هذا الاحتجاب المحجوب عن البصر تنكرا لصالح غاية ما، “واقعيا، مازالت نساء بعض الشعوب الإسلامية تخفي وجهها خلف وشاح، أو نقاب أسود. يجري هذا نتيجة الخضوع لمرجعية دينية أو أخلاقية، ترى في السفور عورة وخروجًا على قيم وتقاليد، أو كشف يدي اللا محتجب عن عمد، وهو  أمر يختلف عما نراه عند الآخرين الذين يمارسون طقسا احتفاليا أو فنيا، غير أنه في كل الحالات يظل القناع في المعنى المتدارك بمثابة وجه نصنعه بأيدينا ونحجب خلفه عالمنا الداخلي، كما كتب عادل السيوي في (القناع الأفريقي). وكأنما هدف صناعة القناع تحدده الطقوس والفنون والاحتفالات .  ومن ثم يظل وجها ممسكًا بحالته وحدها.

يبدو ثراء هذا الباب جليا في احالاته واقتباساته، من تارا بيرا إلى رمسيس يونان، وميلان كونديرا، وعز الدين شموط، ومحمد عفيفي مطر، وسعيد توفيق، وشربل داغر، وجادامر، وميشيل ديرميه، وسلفرمان، وجوزيف أميل مولر، ومحمود أمهز، وميرلو بونتي، وكأننا أمام جاليري أفكار وتجارب تستبصر رحلة الوجه والقناع … الرسم، العين، يدا الرسام، المرايا، الصور المنعكسة، والجسد الرائي والمرئي، لكنني أقف عن هذا المقطع:

“سيظل فن رسم الصورة الشخصية self portrait   نتاج فاعلية لا بد لها أن تتحدد عبر الفنان نفسه وبواسطته، بصفته الفاعل  والمفعول به. أي إنها تأسيس الذات لصورة تشبه نفسها بوصفها رسمًا، وهذه الصورة الشبيهة هي أثر، وخلاصة، ومخطط، ورسم تخطيطي ومخطط تمهيدي مرئي للذات كما يقول سلفرمان. ويستدعي المؤلف تعليقا على القول المأثور للاعر أرتور رامبو “أنا آخر”: إن الذات تقوم ، في فن رسم الصورة اشخصية، بتشكيل نفسها كآخر، ويذها لاكان – في علم النفس – إلى أن مرحلة المرآة mirror-stage  هي اللحظة لتي يتم فيها تعرف الطفل على نفسه أو صورته بوصفه آخر، وهي مرحلة تلي المرحلة التي ينظر فيها الطفل إلى أمه كآخر.

ذاكرة المكان

يعنون المؤلف بابه الثالث (ذاكرة المكان – حضور الأشياء المهملة)، ويرى أن ذاكرة الشيء / المكان، تظل حالة خاصة تخلو من رد الفعل، حيث يلفها السكون الظاهري، ككيان مقطوع الجذور أو متيبس، إلا إذا ارتبط بكينونة إنسانية في فعل ما، وزمن ما، ومكان ما، وهنا يكمن امحك الأساسي الذي يفرق بين ذاكرتين: الإنسانية والمكانية.

أكتب هذه السطور وأنا أتأمل قطعة من الصخر، بحجم كفين، حملتها معي من زيارة إلى أحد المعابد الراقدة عند قمة جبل كوري، إن نظرة إليها تنقلني إلى هناك، وقد تسري رعدة الخريف الشتوي الذي صادف التقاطي لها، مثلما تستحضر حفل  الشاي الذي سبق لقائي بها، والباجودات التي بنيناها عند تيار المياه التي ذابت من القمة الجليدية في رحلتها الأولى باتجاه نهر الهان، مثلما تذكرني بالراهب الذي عاش هناك ولقاءاتي به، والأشعار لتي ترجمتها له، صخرة واحدة قد تبدو مهملة في جغرافيتها، جاءت إلى رف على مكتبتي لتبني عالمًا ثريا.

يقول مصطفى عيسى: “ليس من قبيل المجاز أن نرى في عوامل النحت تاريخا لاختزال الصخور، يأخذ منها طبقات وحالات، حيث يتعامل مع السطح الهش مثلما هو يتعامل مع الداخل. إذن، فتاريخ الصخرة القابعة على أحد الشواطيء أو المقتطعة من أحد الجبال لغرض توظيفها بشكل ما، هو زمنها المتواتر والمتراكم الذي لا يعرف توقفا، وكأنه يعكس دومًا حركة من نوع خاص، لا بد وأنن نبدو قاصرين عن إدراكها سوى في سطح تلك الصخرة، وربما في جدار بيت يتعرض للتآكل ولعوامل التعرية المتوالية، بينما يحمل داخله المكوَّن من حبيبات مجهرية، عمرا طويلا، تقيسه الأجهزة العلمية الحديثة كنوع من اختبار لصور الحياة، أو كاختبار لتواريخ أسلافنا بالمثل. يتردد في كل هذا أن ثمة معطى وجوديا بات البشر يضعون أيديهم عليه بهدف تحديد ماهياتهم كمخلوقات تجتهد في كتابة تاريخها الإنساني.

يفرد المؤلف هذا الباب لعدد من التجارب، يختتمها بقراءة تجربة الفنان عصمت داوستاشي، وهو الذي يمتلك حالة من الحالات تلك التي تقرُّ بوجوب التعامل مع مخزون تراثي، ويرى في هرمه الخشبي استدعاء رمزيا لمكان الدفن / الأثر، مستلهما معارفنا عن الهرم كبناء أثري يتوسد المكان، إضافة إلى تضمينه مقولات الموروث الشعبي المصري. ولذلك فهو يستلهم رمزية المادة في بناء لغة مؤسسة على تاريخية المكان، رغم المفارقة البينة بين كلا الهرمين، ففي الأثر نلمس صرحية البناء المُعْجِزـ بينما في الرمزي ندرك الخدعة الممثلة في هرم خشبي ملون، إلا أننا نتجاوز المفارقة في لغة المادتين عندما تتجاوز أفكارنا فكرة تمرير الواقعي الملموس إلى خيالي مسكون برؤية فنية، تجد في استلها المكان ملاذها، ومكمن قوتها وسبيلها في الترابط معا في سياق الحياة والفن.

التشكيل والأدب

بحثا في جذور الفعل الفني يأتب الباب الرابع (تأويل اللون / وهج الفعل)، يرى فيه المؤلف أنه على الرغم من الفروقات البينة بين اللغتين: التشكيل والأدب، فإن اللون في التشكيل قد يملك أحيانا قوام الشعر وحالته ، وذلك ببعده عن أية تفسيرات اصطلاحية متفق على قراءتها، ليضحي العمل التشكيلي بمثابة نص يملك لغته وميزاته التي تضعه في مصاف النصوص المكتوبة والمقروءة القابلة للتأويل.

وكما بدأت هذه القراءة بمقاربة المفاهيم المطروحة في الفن بنظيرتها في الحياة، فإن  الطرح عن سبق الصدفة أو التجريب؛ أحدهما للآخر، في اكتشاف الإنسان للنار، يمكن أن ينسحب من العلم للفن، ومن النار إلى الجاذبية، ومن أحادية اللون في استخدامات الإنسان البدائي إلى تجربة استخدام الألوان، بعد اكتشافات مصادر التلوين. بعد أن راودت الإنسان رغبة البحث عن مُلوِّن يترجم ظاهر الأشياء المحيطة به. خاصة بعد ظهور ملونات أخرى، سواء كانت أرضية أونباتية، كان باستطاعة الإنسان أن يوظفها وفقا لرغبته، بعد أن تحرك وعيهوزادت معرفته ونما إدراكه بمضمون الفعل المنجز.

ستمضي رحلة الاكتشاف من الإنسان البدائي إلى المعاصر، ومن الفنان الشرقي والرؤى الغربية، وهذا ما جعل موندريان مختلفا عن الفنان الصيني والياباني، ومختلفا بالمثل عن الفنان العربي المسلم؛ الذي ظل يصيغ هندسياته بحس روحاني ييرى فيه الخالق كامتداد وضياء متسرب إلى الداخل الإنساني، يقول مصطفى عيسى:

” ربما لم ينف هذا (الاختلاف) حدس جوجان وفان جوخ، ومن قبلهما ديلاكروا وبول كلي وماتيس، بقيمة اللون في الشرق، والتبس الفلسفة بالفعل الفني، وبكنه الاختلاف بين الروحي والمادي، أو بين الشرقي والغربي. لذلك كان هذا (الاختلاف) باستطاعة أي منهم التأكيد  على أن ثمة متواريا مختلفا يتأرجح أمام باصرتهم ، حتى أن تحركت الرغبة في ا ، حتى أن تحركت الرغبة في ا ، حتى أن تحركت الرغبة في ا ، حتى أن تحركت الرغبة في الإمساك به أو التعامل معه كقيمة غالية لا تقبل التصالح مع الخارج بسهولة, في رحلات ديلاكروا لشمال أفريقيا ثمة مأزق يتحدد في سياقات اللون، وفي استلهان فان جوخ لفنون شرق آسيا جنوح نحو التغيير، ربما كان مبعثه اللون.

لغة الصمت

عن جمالية المتواري في الجماد يقول مصطفى عيسى في الباب الخامس (لغة الصمت):

“تنتمي إلى الطبيعة أشياء حبلى بما هو فيزيقي مماثل لجبل سيزان، وبما هو مماثل للأشجار التي تملأ غالبية أعمال فناني المنظر الخلوي، أو مماثل لورود مانيه في حديقته المشهورة. حتى إن هذا الحذاء المهمل قد أعطاه فان جوخ معنى لا يرتبط بالفيزيقي قدر ارتباطه بما غير فيزيقي. “

لكننا سنتساءل مع المؤلف: من من الطرفين عبأ الآخر بالمشاعر؟ هل هو سيزان الذي راح يتحرك تجاه الجبل الصامت بوازع داخلي يود الخروج عبر صورة من صور الفن؟  أم أنه صمت الجل وكتلته الآسرة ككائن يعيش حياته في ذاته، وبينما هو كذلك صار يمثل إحدى البؤر المهمة في تشكيل الوازع الخاص بالفنان؟

سنعود إلى الصدفة مجددا، ليس في مقابلتها للتجريب ولكن في لعبة الصدفة وغواية المحظور بالباب السادس الذي جعل مصطفى عيسى عنوانه (إنتاج اللقية)، وسؤال الباب الأساس: هل تأتي الصدفة كحالة معرفية ومُقَنَّنة؟ أم أنها خبرة مضافة تركن إلى الفعل العفوي والمُرْتَجل؟

والإجابة: “إلى حد بعيد يمكن القطع بكونها (الصدفة) ناتج فعل غير مقصود، فهي تلقائية في جوهرها، مثلها مثل الضحك والفكاهة والغضب.”

الباب السابع الذي كان عنوانه الأساس (انكسارات بصرية) والفرعي (فلسفة الزائل أم خيانة الوصايا)، يتابع رحلة سؤال المتواري عند صور الفن المختلفة لدى الفنان المفاهيمي وصانع صورة الفيديو وأشعة الليزر، وفناني الأرض والفنون الأدائية والحد الأدنى والبيئة والتركيب، مثلما أدرك في الماضي سؤال عصر النهضة عن إمكانية محاكاة الطبيعة.، وتحقيق البعد الوهمي على صفحة مسطحة من بعدين. ومثبما بدأ بسؤال، يختتم بآخر: ماذا وراء الرغبة في إنجاز الفعل الفني القابل للزوال؟

الكلمات الأخيرة في فتنة المتواري يضعها المؤلف أمامنا في الباب الثامن، بقوله إن المتواري مثل الطبيعة التي تتفتح ورودها وأزاهيرها في زمن محدد، وهو مثل خضرة الأشججار والنباتات التي تنمو مخلفة وراءها زمنا يتآكل حتى الانتهاء، وفي الفن هو قبس من الإدراك والمعرفة، فلا يتوهج سوى في وجدان  من أعطاه نفسه في لحظة صدق ، ليصنع جسرا بين بصره وبصيرته، بين ذاته  والآخرين، لعله يقول كلمته بقناعة الحكماء، وما يفتأ يبحث من جديد  عن معنى ما زال مجهولا.

وقد ضمن المؤلف ملحقا من الصفحات الملونة، التي تضع نماذج لأعمال تشكيلية مما أتى الكتاب (منشورات بتانة، 2021، 360 صفحة) على سيرة إبداعهم.  

اترك رد

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات