المقابر .. ظلال الزمن الراحل

08:59 صباحًا الإثنين 8 نوفمبر 2021
أسامة كمال

أسامة كمال

كاتب وشاعر ومحرر ثقافي حر

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print
أسامة كمال

مع ضرب أول معول في حفر قناة السويس عام ١٨٥٩ بدأت قصة مدينة بورسعيد، وعرف المصريون المجلوبون من الدلتا وجنوب الوادى، والاوربيون المهاجرون من شواطىء البحر الأبيض طريقهم إلى المدينة الجديدة، كما عرفوا طريقهم إلى الحياة فيها والموت على أرضها والغياب فى زمنها الراحل ..

في أقصى نقطة غرب بورسعيد، وعند مدخل شاطئ الجميل تُقابلك بوابات مقابر المدينة القديمة وهى على الترتيب : الكومنولث، الكاثوليك، الأرثوذكس، يليهم خمس بوابات لمقابر المسلمين بخلاف خمس بوابات أخرى أُنشئت حديثاً بالقرب من عزبة أبو عوف على أطراف المدينة .. في خطوتى الأولى داخل مقبرة  الكُومنولث، وعلى أول ضريح فيها التقيت بسطور شعرية رهيفة مجللة بالحزن: ابني الحبيب / أرقد بسلام / تحت هذه الأرض الغريبة / بعيداً جداً / عن أحبائك / الذين يبكون من أجلك .. وهى سطور مرسلة إلى  الرقيب )  J . R marchello  (   من والده بعد أن ودع حياته أثناء الحرب العالمية الثانية .. في خطوتي الثانية زالت عنى رهبة الموت ووحشته وشعرت بجلال لحظة غروب حياة الإنسان الأسين، فالمقابر أقرب إلى واحة هادئة وسط ضجيج الحياة حولها ومغطاة عن آخرها بالأعشاب الخضراء المهذبة والمنسقة تنسيقاً بديعاً حيث تتوزع الورود بين الأضرحة كرسائل حب معطرة إلى المحاربين القدامى الذين لقوا حتفهم في الحربين العالميتين: الأولى ( 1914 – 1918 )  والثانية ( 1939 – 1945 ).. المقبرة تضم ( 1094 ) ضريحاً للعسكريين إلى جانب مئتى مقبرة أخرى تخص المدنيين الانجليز الذين عاشوا في المدينة القديمة.

وهناك فارق واضح بين أضرحة العسكريين ومقابر المدينين، فالأولى تبدو كقباب منتصبة ومزهوة بذاتها، والثانية مجرد ظل باهت لشمس متوهجة بجوارها .. كل ضريح من أضرحة العسكريين تجد على شاهده: اسم المتوفى ووحدته العسكرية وتاريخ وفاته، وبعض الأضرحة تحوى تفاصيل مختصرة عن حادثة الموت وطريقتها .. تعلو الأضرحة رموز دينية مختلفة: مسيحية ويهودية وإسلامية وهندوكية، وكان مدهشاً أن أرى بين الأضرحة وبالخط العربى الثلث البديع عبارة: هو الغفور، تتصدر واجهة أحد أضرحة الجنود المسلمين .. وتضم مقابر الكومنولث رفات جنود قوات الحلفاء الذين ودعوا حياتهم في الحربين العالميتين بواقع ( 983 )  في الحرب الأولى و ( 111 )  في الحرب الثانية، معظم الموتى من الجنود الانجليز ( 457 ) في الحرب الأولى و ( 101 ) في الحرب الثانية، يليهم الفرنسيون ( 437 ) في الحرب الأولى فقط  ثم تأتى بعض الجنسيات الأخرى: أستراليا ( 67 ) ، نيوزلندة ( 11 ) وبعدد أقل : جنوب أفريقيا ، الهند ، الهند الغربية ، شرق أفريقيا ، غرب أفريقيا ، صربيا ، أمريكا .. ومقابر الكومنولث واحدة من أربعين ألف تنتشر في كل بقاع العالم، وتتبع هيئة الكومنولث الدولية، وهي منظمة دولية لا تهدف إلى الربح، تأسست بموجب الميثاق الملكي الصادر عام 1917 لتخليد ذكرى ضحايا الحروب، والذى يصل عددهم الى مليون وسبعمائة ألف قتيل، أما عن علاقة مصر بالحربين العالميتين فكانت كالتالي: في الحرب الأولى حاولت القوات التركية الهجوم على مصر من جهة الشرق  وفشلت في هجومها، فقررت القوات البريطانية تحويل مصر إلى قاعدة حربية للانطلاق منها إلى سيناء وفلسطين ولبنان و سوريا.

وفى الحرب العالمية الثانية تعرضت مصر للهجوم من جهة الغرب من قبل القوات الألمانية بقيادة القائد الألماني الشهير رومل ثعلب الصحراء وتم القضاء على الهجوم في  أكتوبر عام 1942 بعد معركة العلمين، وبجانب هاتين الحملتين الكبيرتين كانت مصر نقطة انطلاق قوات الكُومنولث في حملتها إلى جاليبولى أثناء الحرب العالمية الأولى والى أثيوبيا وشمال اليونان والمشرق في الحرب العالمية الثانية .. ورابطة دول الكومنولث عبارة عن اتحاد طوعي مُكون من ثلاثة وخمسين دولة جميعها من ولايات الإمبراطورية البريطانية القديمة باستثناء موزمبيق ورواندا، ويُرمز للرابطة بحرفي (CN) ..

شهداء56

ويقوم على حراسة المقبرة ورعايتها شقيقان، الأول منهما: محمد محسن ، تخرج من المعهد العالي الصناعي عام 1985 والتحق بالمقبرة عام 1994 خلفاً لوالده الذي التحق بذات المقبرة عام 1973 .. وعن عمله بالمقبرة يقول: تقدمت للعمل بالمقبرة واجتزت الامتحان المقرر وتم تعييني، ويقتصر عملي على تهذيب الأعشاب وتسويتها يومياً، كذلك رعاية الزهور والنباتات المنتشرة في أرجاء المقبرة ومنذ عام 1945 أي بنهاية الحرب العالمية الثانية والمقبرة كما هي لم يتغير فيها أي شيء سواء من حيث عدد الأضرحة أو عدد الموتى ، أما الشقيق الثاني : إبراهيم محسن، فتخرج في كلية العلوم عام 1992 والتحق بالمقبرة عام   2000  بعد فترة قضاها مُدرسا بوزارة التربية والتعليم .. ويقول ابراهيم : يوجد في مصر ستة عشرة مقبرة للكُومنولث تتوزع بين القاهرة والإسكندرية والإسماعيلية والسويس ومرسى مطروح وأسوان وجميعها على نفس الشكل باستثناء مقبرتي السلوم والعلمين المكسوتين بالنباتات الصحراوية .. ومن باب حديدي صغير دلفت إلى مقبرة الكاثوليك، ووجدت نفسي في منتصف المقبرة تقريباً وخلال اتجاهي للقاء حارس المقبرة صادفت عيني أطلال مقابر تنم عن مجد غابر، وتشي بزمن بعيد لم يعد أي من أبنائه يحيّا بيننا، فالطائفة الكاثوليكية انتهت تقريباً في المدينة، ومعظم أبنائها غابوا تحت التراب أو غادروا  المدينة دون رجعة .. حارس المقبرة مسلم  وملامحه تتشابه مع  ملامح الأوربيين في بياض البشرة ولون العينين، ويجلس وحيداً مع كلبه الذي لم يكف عن الصخب حولنا .. عند الحديث معه طلب بإصرار وإلحاح أن نغفل ذكر اسمه لأسباب عائلية برغم أنه يمثل الجيل الرابع لأسرته في حراسة المقبرة  وتقيم عائلته بشكل دائم في المقبرة منذ عام 1943 .. وعن بداية علاقته بمهنته قال: بدأت حراستي للمقبرة عام 1984 بعد وفاة والدي مباشرة ، ومن حينها والكاثوليك يقل عددهم في المدينة عام بعد عام  وآخر من دفنته منهم مسيو فرانسوا الذي توفى منذ عشر سنين وهو آخر المالطيين الذين ارتبطوا بالمدينة ورفضوا مغادرتها .. لسنوات طويلة أجلس وحيداً، فلم يعد أحد يزور المقابر، ولم يعد أحد يتذكر أن بداخلها شخصيات كان لها تأثير غير عادى في تاريخ المدينة مثل: مسيو( سيمونينى) رائد السياحة والفندقة في بورسعيد وكازينو دى بالس ، ومسيو دى كاسترو ، ومدام جران، أثرى أثرياء المدينة في النصف الأول من القرن العشرين وصاحبا الشركات الملاحية العملاقة وقتها ..

 وغادرت المقبرة دون أن تغادرني مقبرة مسيو ( سيمونينى ) بمهابتها وجلالها وبياضها الحاني الذي تتصدره تمثال لعذراء حزينة على رحيل( سيمونينى )الموجع ، كذلك التماثيل البديعة للملائكة والقديسين المسيحيين التي تحاصر عينيك في كل شق بالمقبرة والصور الفوتوغرافية المُغبشة برائحة السنين خاصة صورة الطفلة المبتسمة التي رحلت منذ ما يقرب من مئة عام وما زالت ابتسامتها قادرة على عبور الزمن إلينا بنفس بهائها الأول .. ولم تكن مقابر الأرثوذكس إلا امتداداً طبيعياً لمقابر الكاثوليك سواء من حيث شكل المقابر وتصميمها أوالتماثيل الرخامية التي تتصدر بعض واجهات المقابر أو الصور الفوتوغرافية التي تعلن عن أصحابها الراحلين ، والتي بدا منها تواريخ الوفاة الحديثة لكثير من المتوفين ، وذلك لأن المقبرة تخص المسيحيين المصريين وآخر ما تبقى من اليونانيين في المدينة، والذين صاوار جميعا تحت التراب وتحت طبقات المدينة القديمة التي شهدت حضورهم إليها منذ أعلن الخديو اسماعيل ( ١٨٦٣ – ١٨٧٩ ) ميلادها عام ١٨٦٩ وحتى رحيلهم المتتابع عنها منذ حرب 1956 واختفائهم شبه النهائي عن المدينة في لحظتنا الحالية .. وأنهيت جولتي بزيارة مقابر المسلمين بصحبة الحاج : إبراهيم وهبة ، كبير ملاحظي المقابر ، وبدأت بزيارة أضرحة أولياء الله الصالحين ، وعددهم ثلاثة داخل المقابر: الشيخ محمد سالم الشهير بالشيخ سند ، والشيخ أبو العلا، والشيخ أبو الحسن، وثلاثتهم على الطريقة الشاذلية، وأشهرهم في المدينة الشيخ أبو الحسن، فضريحه أكبر الأضرحة الثلاثة، ومريدوه وزواره يتوافدون إلى مقامه يومي الخميس والجمعة من كل أسبوع ، وبحسب الحاج إبراهيم وهبة : لم يتعرض أى من الأضرحة الثلاث لمضايقات المتزمتين إلا في محاولة واحدة جرت تفاصيلها في منتصف التسعينات حينما حاول أحد المتشددين حرق مقام أبو الحسن وفشل في محاولته، وتتشارك الأضرحة الثلاثة في اللون الأخضر العابق بالإيمان ، كذلك في الهدوء المنساب حولها وكأننا في خلوة ذكر دائمة لله.. وتقدمني الحاج وهبة إلى بئر العظام ، الذي يضم رفات من ماتوا في الفترة من 1859 : 1892 ولم يُستدل على أسمائهم حينما انتقلت المقابر من مكانها الأول وسط  المدينة إلى مكانها الحالي عام 1932 ، كذلك دلني على مقابر الشهداء الجزائريين والهنود ، والتي شيدت  لهم الحكومة الفرنسية نُصباً تذكارياً بسيطاً وفقيراً داخل مقابر المسلمين ، وهو النُصب المعروف لدى العامة من أبناء المدينة بشهداء ( الزلط ) لأن ( الزلط  ) يغطى جزءًا كبيرا فيه .. ووقفت خلف ( وهبة ) في جلال ورهبة عند زيارتنا لشهداء حرب العدوان الثلاثى عام  1956  وقرأنا الفاتحة أمام النُصب التذكاري الذي يحمل أسمائهم  والذي تكفل بتشييده كاملا صاحب شركات الملاحة البورسعيدي الراحل : عبده صديق اللمعى .. وتجولت معه في مقابر أثرياء المدينة ( الذوات ) والتي ضمت مدافن بديعة لكبرى عائلات المدينة قديماً :عبد الرحمن باشا لطفي، حرّك، الصحفي، لهيطة، طيرة، أبو النجا، فقوسة، الطحان .. وفى المقابر الجديدة صادفتنا أسماء: صالح باشا سليم، عبد الرحمن بيك الجمل،  مصطفى شردي رئيس تحرير جريدة الوفد الراحل، السيد سرحان محافظ بورسعيد السابق .. ولم تكن المقابر سوى أسماء نتجول بينها، وتاريخ قابع تحت الأرض بكل ما فيه من أحداث وتفاصيل وحياة

اترك رد

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات