أديب الأطفال اللُّبناني (إلياس زغيب) يدعو النّاشئة إلى البقاء في الوطن (الظَّريف ملكو)

12:44 مساءً الأربعاء 12 يناير 2022
د. إيمان بقاعي

د. إيمان بقاعي

روائية لبنانية، أستاذة جامعية متخصصة في الأدب العربي وأدب الأطفال والناشئة، وعضو اتحاد الكتاب اللبنانيين

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

إذا أردنا تصنيف رواية (الظَّريف ملكو) للقاص اللّبناني (إلياس زغيب)، أمكننا تصنيفها ضمن الرّوايات الموجهة إلى الشّباب أو النّاشئة؛ أي التي تتوجه إلى قراء: [(أ) (المُراهَقَة المبكرة): [Early Adolescnce :  12-14سنة]؛ و(تربويًّا): المرحلة الإِعْدادِيَّة، (ب) (المُراهَقَة الوُسْطَى): [Middle Adolescnce:  15-17سنة]، و(تربويًّا): المرحلة الثَّانويَّة (ت) (المُراهَقَة المُتَأَخِّرَة): [Late Adolescnce:  12-18سنة]، و(تربويًّا): التَّعليم العالي].

والرِّواية طبعَتْ في بيروت، مكتب الخدمات الجامعية، ط1: 1991، في 120 صفحة من القطع الوسط. وهي  غير مزينة بلوحات. وتدعو- تربويًّا- إلى البقاء في الوطن وعدم مغادرته مع أفكار تخص الأولاد وتطالب بحقوقهم. وهي، فنيًّا: روايةُ حوادث اعتمدت على الحبكة[1] العضوية[2] عبر السَّرْد المباشر.

ورغمَ أن الرِّواية اجتماعيةٌ إذ تركز على الحياة اليَوْمِيّة والأمور الدّنيَويّة العادية  وتركز على الهاجس الاجتماعي والأسري؛ إلا أنها- في هدفها العامّ- رواية وطنيَّةٌ؛ إذ تتجاوز التَّفاصيل اليَوْمِيّة لتهتم بالتَّفاصيل المصيرية.

والقِصَّة الوَطَنِيّة هي القِصَّة الَّتي تصف أحوال الوطن والمواطن في حالات السّلم والحَرْب، وتعتمد على الوَطَنِيّة Patriotism أي: “الشُّعُور بحب الوطن الّذي يعبر عنه في الأَدَب أحْيانًا نثرًا أو نظمًا، ويتضمن ما تحويه نفس الشَّاعِر أو الكاتب من مقدار إخلاصه لوطنه، كما ينطوي على حث القارئ للمشاركة في هذا الشُّعُور[3]“. وتحمل هذه القصص أهدافًا نبيلة تظهرها شخصياتها الإيجابية الَّتي تتمتع بصفات خيِّرة كالنَّزعة النضالية، ونشدان الحرية، ونبذ الظّلْم والعدوان، ورفض الباطل والاضطهاد[4]. هذه الأسباب جعلت القِصَّة والرِّواية (الوَطَنِيّة) من أشهر أَنْوَاع الأَدَب العَرَبِيّ المُعَاصِر وأكثره انتشارًا سواء ذلك المقدم إلى الكبار أو الصِّغَار.

وتستمد قِصَّة الأَطْفَال والنَّاشِئة الوَطَنِيّة أهميتها من كونها:

(أ) تقوِّي انتماء قرائها.

(ب) تعرِّف القراء إلى قضايا أمتهم كي يتعاطفوا معها فينمو شعورهم بالمسؤولية تجاه المكان الّذي نشأوا فيه والنَّاس الّذين يشتركون معهم في وحدة ثقافية وإنسانية.

(ج) تساهم في بناء شخصيتهم من خلل تفاعلهم مع الشَّخْصِيَّات والأحداث الَّتي يقرؤون عنها.

وتكمن أهمية رواية (الظَّرِيف ملكو)  من كون  (إلياس زغيب) يؤكد على التَّشبث بفكرة البقاء في الوطنِ، ولا يتنازل عنها، رغم كل العوائق التي وقفت حجر عثرة. وتحمل الرِّواية رسالة مهمة يمثلها بطلاها: الظَّرِيف ملكو صديق الأَطْفَال الّذي “يحيي اللّقاءات والحفلات” [ص37]، والّذي عرَّف نفسه بقوله: “أنا ملكو صديق الصِّغَار، أمرُّ في الطّرقات والساحات، وأعرِّج على البيوت. ألتقي الأولاد، أقدِّم إليهم كتبًا وأغاني وأخبارًا وألعابًا. أُفرحهم وأُثقفهم، وأسليهم بكلفة بسيطة” [ص 21].

أما الصَّغيرة ندى (نوسا)، فهي فتاة في الحادية عشرة من عمرها تهرب من بيت جدَّيها عندما تعلم بقدوم عمِّها لبيب الّذي يريد أخذها إلى كندا بينما هي لا تريد أن تترك لبنان الّذي تحب. وتتعرف ندى إلى الظَّرِيف ملكو، فيعلِّمها الغناء والرَّقْص ورواية الحكايات فتبدع فيما تُقدمه إلى الأَطْفَال إلى أن يُقبض عليها بعد مُغَامَرَات لطيفة وطلبات تُقدَّم باسم الصِّغَار للكبار، وتنتهي الرِّواية باقتناع العم لبيب بالعودة إلى لبنان – الوطن.

وتقدم الرِّواية نظرتين إلى الهجرة:

(أ) الأولى: هي النّظرة المشجِّعة على الهجرة ويمثلها العم لبيب القادم من كندا إلى لبنان لاصطحاب ابنة أخيه. وهو لا يرى في مغادرة لبنان أية معاناة، بل يرى في التمسك بالبقاء فيه “كلامًا باطلاً وعاطفة سخيفة” [ص15]  يجب التَّخلص منها من خلل النّظر إلى الحياة “بعين العقل” لتأمين المستقبل [ص 8]. ويرى في كندا هذا المستقبل حيث سيؤمن لابنة أخيه حياة كريمة تتعرف من خللها  إلى أرضٍ جديدة وثقافة جديدة [ص9].

(ب) الثَّانية: هي النّظرة الرافضة للهجرة والَّتي تمثلها ندى (نوسا) ومن قبلِها والداها، ويشجعها الظَّرِيف ملكو- كما يشجع كل الأَطْفَال اللُّبْنانيّين- على البقاء في لبنان وذلك بتقديمه كل التسهيلات لنيل الثَّقَافَة الَّتي تبقيهم في ربوعه سعداء فرحين.

وإذ تغني نوسا بصوتها الشجي أغنيةً عن “الفراغ والقهر في الغربة، وعن الحنين إلى الوطن والأهل، كانت توجِّه أغنيتها إلى كل مغترب طالبة منه العودة إلى ذاته وجذوره، ولكلِّ من تسوِّله نفسه الهجران محذرة إياه من “وَهدةِ النكران ومن ضياع الذّات”. وكان لصدى أغنيتها وقع عميق في وجدان عمها لبيب الّذي تأثَّر تأثرًا شديدًا فاغرورقت عيناه مرارًا وهو يستمع إليها بكل جوارحه ويردد معها الغناء” [ص 114]:

مهاجر وبتدورْ

بتدورْ وبتسألْ

عن حالك بتسألْ

وهوْن

شو بعد باقي من الدّني عنّا

غيوم سوْدا؟ وشوك؟ ومساميرْ؟

لا، لا

بيضلّ عنا بالدني أحلى

هون بعد قلوبنا بتحنْ

بعد عيوننا بتشتاقْ

وأصواتنا بتنده لبعضا

هوْن في حب وحلا وإيمانْ

رِفقا وحنين وأهلْ

شبابيك مفتوحا

وشفافْ عم بتطلّ

تِحمرّ بالإلفِه

وتوزّع البَسْمِه

وتحسّ عم بتقولْ

أهلا

إنتْ إنسانْ

إنسان يا لبنانْ

وجّك حلو

قلبك حلو

يا جنة الأوطانْ

[ص16]

وتنتهي الرِّواية بتقديم العم لبيب مبلغًا من المال إلى ملكو تقديرًا لأعماله وموهبته ومساهمته الكبيرة في مساعدة الأجيال النَّاشِئة على إغناء قدراتها لبناء مجتمع خلاق عظيم وذلك كي يبني أوَّل مكتبة ودار لِلأَطْفَالِ. ولم يكتف العم لبيب بهذا، بل كتب رسالة إلى زوجته يخبرها فيها أنه يريد أن يجمع مقتنياته وأمواله في المهجر ويعود بها إلى لبنان “حيث نور التجدد والعطاء بدأ يتألق وحيث بدأت تترسخ دعائم مجتمع عظيم عادل حر” [ص 117- 118].

واعتمادًا على حلم العم لبيب المشرق، يمكن القول إن عصورًا من الظّلْم أرخها كتاب قصة الأَطْفَال والنَّاشِئة بدءًا من ظلم العُثْمَانيين الّذي عانى فيه لبنان وأهله الجوع والفقر والموت، مرورًا بالظّلْم الإسرائيلي الّذي استعمل وما زال أشد أَنْوَاع الأسلحة فتكًا، وصولًا إلى حُروب أهلية أحيلت أسبابها على الخارج وقد حصدت ما حصدت من دمار البشر والحجر. إلا أن الدعوات إلى البقاء في أرض الوطن لإعادة إعماره كانت اللُّغَة المشتركة بين الكتاب الّذين قدموا حلولًا تربوية وطنية قد تبني الأوطان لو التفت إليها أهل السّياسة.

وبالإضافة إلى كل ما مرّ من مشاكل يتعرّض لها الأَطْفَال وتجد حلولًا أو شبه حلول عند الكتاب والمربين، فإن خير ما تُلخص به حقوق الطِّفْل موجود في رواية (الظَّرِيف ملكو) لإلياس زغيب الَّتي طالبت بـ: (أ) تحرك الكبار بشكل فاعل من أجل الصِّغَار (ب) إدراك الأَطْفَال أن لهم حقوقًا لهم تنتزع منهم (ت) اندفاع الأَطْفَال ثائرين لاسترداد حقوقهم فلا يبقون منصاعين يتقبلون الأشياء بنفور وسلبية (ث) حق الأَطْفَال في التثقيف (ج) حق الأَطْفَال بالكتاب واللّعبة والشوكولا واللّهو والطُّفُولَة (ح) ارتفاع صوت الأَطْفَال ليعم الدنيا فتصبح بهية بهيجة[5] (خ) حق الأَطْفَال في كل بلدة بمكتبة ودار للمعرفة، بكتاب ومدرسة راقية، بملعب وحديقة للطفولة اللاهية، بتخطيط للمستقبل كي تتوسع أمامهم آفاق الحياةِ وميادينها[6].


[1]هي، في الأَدَب القصصي والمَسْرَحي: ربط الأحداث والحالات ربطًا متسلسلًا مُحكمًا، يَجْذِب القارئ والمشاهِد بعوامل التَّشويق والإثارة، وصولًا بالتّدرج إلى خاتمة تكون نتيجة “لاحقة” لأسباب سابقة.

[2]الصُّوُرَة العضوية: وتتألف من: (مقدمة+ عقدة + حل). ويجب أن تكون الحَبْكَة العضوية متقنة: (متوازنة + منطقية + متسلسلة سببيًا وزمنيًا). وتكون في رواية الشّباب هي الحَبْكَة الَّتي تقدم للكبار، وقد تكون على الصُّوُرَة العضوية ويكون فيها عدة عقد وحلول.

[3]  – مجدي وهبة: مُعْجَم مُصْطَلَحات الأدب، ص 392. 

[4] – عبد الملك مرتاض: في نظرية الرِّواية، ص 48-49.

[5] – إلياس زغيب: الظَّرِيف ملكو، ص91.

[6] – إلياس زغيب: الظَّرِيف ملكو، ص96.

One Response to أديب الأطفال اللُّبناني (إلياس زغيب) يدعو النّاشئة إلى البقاء في الوطن (الظَّريف ملكو)

  1. الياس زغيب رد

    14 يناير, 2022 at 8:48 م

    أشكرك على مقاربتك النيرة للقصة وعلى اضاءتك المحيطة بشموليتها مع كل التقدير لفكرك النقدي الثاقب

اترك رد

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات