إنارة المصباح: استلهام طاغور وهان يونغ أون

08:30 مساءً الخميس 21 فبراير 2013
برامود ماتور

برامود ماتور

كاتب ومخرج سينما وثائقية، الهند

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

 مشروع بحثي مشترك بين آسيا إن (The AsiaN) ومؤسسة تاريخ شمال شرق آسيا (Northeast Asian History Foundation )

المحرر: يتعرض الأمن في شرق آسيا لبحر هائج أججته الأزمة النووية لكوريا الشمالية  التي تبرز وسط النزاعات الإقليمية القائمة والصراعات عميقة الجذور بين الدول في المنطقة. تبحث كل من كوريا الجنوبية والصين واليابان والبلدان المعنية بشكل مباشر عن نظام جديد وسط عملية انتقال السلطة. وبحثا عن حلول عقلانية للصراعات التاريخية في شرق آسيا، فإن آسيا (The AsiaN) ومؤسسة تاريخ شمال شرق آسيا (Northeast Asian History Foundation ) تقدما بشكل مشترك سلسلة من الأعمدة التحليلية لخبراء حول القضايا الراهنة في شرق آسيا. وسيقدم المساهمون رؤاهم المتعمقة وحلولا استراتيجية بأربع لغات هي الانكليزية والكورية والصينية والعربية

يضج تاريخ الجنس البشري بالحروب الدامية، والقهر، والوحشية. وقد شهدت معظم المجتمعات الآسيوية القديمة غزوات الثقافات الغريبة بحثا عن مكاسب إقليمية والمادية.

ولكن كما قال بوذا: “كل شيء يتبدَّل، لا شيء يبقى على حاله “. ونحن، في الهند، نعرف جيدا أن الحضارات تتطور مع مرور الزمن. وقد اختبرت شبه القارة الهندية الغزوات الإسلامية الأكثر دموية لأكثر من 1300 سنة، أولا من قبل العرب وثم المغول. ثم جاء الاستعمار البريطاني حتى قبيل انهيار الإمبراطورية المغولية في خاتمة المطاف، في القرن السابع عشر،  ومن ثم حكم الهند باعتبارها مستعمرة تسعين عاما.

ويعد الفتح الإسلامي للهند ـ على الارجح ـ الأكثر دموية قصة في التاريخ البشري. فالمذابح التي تعرض لها الهندوس لا مثيل له، بل وأكبر من المحرقة اليهودية، والطغيان السوفييتي، والمجازر اليابانية للصينيين أضخم من المذبحة التي تعرض لها الأرمن من قبل تركيا.

وفقا لعدة مؤرخين عدة، ففي خلال الفترة من العام 1000 ميلادية حتى 1500 ميلادية، أبيد ما يقرب من 80 مليون هندوسي. لقد كان حقا “إبادة جماعية” متعمدة لتدمير مجتمع عرقي تجمع بين أطرافه من أواصر القربى والاشتراك بالدين والوضعين الاجتماعي والاقتصادي. محاولة لإبادة الهندوسية المحلية تماما.

أعيد بناء الهند واستوعب جوهر الهندوسية الثقافات الغريبة … وتحولت الأمة مرة أخرى إلى مكانة قوية كما كانت في أي وقت مضى.

 لم تكن الهند ليست وحدها التي شهدت وحشية الغزاة والفاتحين. ففي شرق آسيا، شهدت الثقافة القديمة لكوريا على نحو متفاوت المصير نفسه لأكثر من قرن. ويمتليء التاريخ الكوري بحكايات الغزو الياباني العدواني، والاغتيالات السياسية، وتدنيس الثقافة، والعنف، والاستعباد، وجميع الانتهاكات التي تأتي جنبا إلى جنب مع إخضاع عرق لآخر.

مثل الهند، كواحدة من أقدم الحضارات في العالم، سنجد لدى كوريا، أيضا، تاريخا مدونا يعود إلى 2333 سنة قبل الميلاد. تمتعت كوريا بفترات طويلة من السلام عبر تاريخها. ولكن في عام 1910، تم ضم كوريا لليابان، لتصبح مستعمرة، مثل الهند وحتى عام 1945. وخلال الحرب العالمية الثانية،تم تدمير كوريا وتقسيمها إلى دولتين، تمامًا كما فعل البريطانيون بتقسيمهم للهند قبل مغادر القارة.

 كان السند الحامي لكلا الثقافتين هم الفلاسفة والمفكرون والكتاب. فهم الذين حملوا على عاتقهم تلك الرغبات عميقة الجذور من أجل البقاء والتطور، من أجل أعراق أكثر تقدمية وإنسانية ورحمة.

ونظرا لصعود النزعة القومية والنضال من أجل الهوية الوطنية، كان عام 1929 تاريخا مهما لكلا البلدين. ففي كوريا، تواصلت المظاهرات المناهضة لليابان. وأصبحت حركة طلاب جوانج جو المناهضة لليابان تسعى لاستقلال كوريا محطة تاريخية جعلت الحكام العسكريين اليابانيين أكثر قسوة.

وكانت حركة الاستقلال في الهند في ذروتها في ديسمبر/ كانون الاول عام 1929. عندما اعتمد المؤتمر الوطني الهندي قرارا يدعو للاستقلال التام عن بريطانيا. وبدأت شرارة حركة العصيان المدني في جميع أنحاء البلاد.

ونزل الطلاب الكوريون، الذين رفضوا وحشية الشرطة، إلى الشوارع. وفي الهند، ألقى الشاب بهجت سينغ قنبلة في دار البرلمان، مع منشورات تقدم فلسفتهم الثورية – “لجعل الصم يسمعون “.

في خلفية أحداث هذه الانتفاضة والاضطراب، قام الكاتب الهندي الكبير الحائز على جائزة نوبل في الآداب رابندرانات طاغور بزيارته الثالثة الى اليابان في عام 1929. والتقى بعض الشباب القوميين والوطنيين الكوريين في طوكيو … الذين جاءوا معه لزيارة كوريا.

على طريقته الخاصة، انتقد طاغور صعود النزعة القومية القوية داخل اليابان وبروزها كدولة إمبريالية. ولم يستقبل انتقاد طاغور على نحو طيب، سواء من قبل الجماهير اليابانية أو المؤسسة السياسية.

ولأنه لم يزر كوريا بعد ولا مرة، ولوعيه بإمبريالية اليابانية وماذا كانت تعني لدى الكوريين، ربما بوعي العاطفة، لكاتب مبدع، ومفكر  يحرك كان ينظر لما هو أبعد. وكتب أربعة أسطر بعنوان “في العصر الذهبي في آسيا”.

“في العصر الذهبي لآسيا،

كانت كوريا واحدة من حاملي المصابيح المضاءة

وينتظر ذلك المصباح أن يضاء مرة أخرى

لكي يشع نوره في الشرق”.

بعد مرور الوقت، يمكن للمرء أن يشعر بالأمل والطموح الذي يمكن أن يبزغ من الثقافة الكورية العريقة. وعلى أية حال، كان من الممكن أن تكون سعادته أكثر مع تحول ما بعد الحرب وتحول اليابان إلى كقوة سلمية.

جاء طاغور من بلد عانت بالفعل من الغزوات الإسلامية، وكانت آنذاك تحت نير سياسات الاستعمار البريطاني وعلى الرغم من إعجابه بالمهاتما غاندي، فلم يكن على يقين من الإطار الذي وضعه غاندي للقومية.

غاندي المناضل، وطاغور الفيلسوف

تمرّد طاغور بشدة ضد الشكل القومي الذي سلكته حركة الاستقلال استغرق، وجعله هذا التمرد يبتعد عن اتخاذ دور فعال في السياسة المعاصرة … فهو نفسه لم يحارب أبدا من أجل الحكم الذاتي كفكرة طرحها غاندي.

وللأسف، فقد توفي طاغور قبل أن يتمكن من رؤية نهاية كل من الحكم الاستعماري البريطاني في الهند والقهر الياباني لكوريا.

ولكنه، حين كان يكتب ويسافر في جميع أنحاء العالم، لم يكن وحده. كان هناك شاعر كوري كبير معاصر لطاغور، هو الشاعر الراهب، هان يونغ أون، يعمل بلا توقف، يترجم ويعرض وينشر أعمال طاغور. تأثرت كتاباته الخاصة أيضا بالعمق الإنساني لإبداع طاغور.

ومنذ التحرر من الماضي الاستعماري، تحملت كل من الهند وكوريا عبء تركة التقسيم، الذي تم على أساس الفكر السياسي أو الأصولية الدينية.

لقد تم تمزيق الثقافتين بسبب تعصب ما بعد الحرب السياسية والدينية. وظلت كلتاهما تعيشان على أمل وجود بيئة أكثر تسامحا تلعمل على حل الجذور العميقة للتحيز والتعصب داخلهما.

في العقود الستة الماضية، تغير العالم، وتبدلت موازين القوة العالمية. ومع ذلك تواصلت الغزوات  العالمية الإرهابية لتدنيس ثقافات أكثر. وقد اتخذت الثقافات الأقل قوة والأضعف مسار اللجوء إلى التكنولوجيات النووية لتهديد ودرء الأغنياء والأقوياء.

في هذا العصر الجديد، حيث تكون كلمتا حقوق الإنسان اللتين تترددان في وسائل الإعلام توجهان الرأي العام، فإنه من الصعب على نحو متزايد تبرير الغزاة لتصرفاتهم، ومن هنا يأتي الاستعمار الاقتصادي للبلدان كطريقة جديدة للقهر.

تواصل الهند النضال من أجل الحفاظ على قدسية خط السيطرة مع الباكستان. وتواصل نيودلهي مراشدة ومداهنة باكستان من أجل حوار هادف وتسهل على العائلات المقسمة تبادل الزيارات على جانبي الحدود، وإحياء روابط السكك الحديدية والطرق، بينما يواصل دبلوماسيو الهند وباكستان الحديث عن التجارة والتبادل التجاري.

ومع ذلك، تقف الهند مقسمة، رغم أن شعبي البلدين يتقاسمان التاريخ نفسه، والثقافة ذاتها، والأدب عينه، وكذلك الغذاء والدماء. فقد اتخذت القومية المتطرفة، التي صب عليها طاغور مقته وغضبه، مركز الصدارة.

لقد خلف عصر ما بعد الحرب الباردة سلالة جديدة ومعقدة من العلاقات بين الدول، خالية تماما من الاعتبارات الاجتماعية والثقافية والإنسانية. لا تزال الباكستان تتلقى كميات ضخمة من المعونة الأمريكية في مقابل كونها نقطة انطلاق أميركية في جنوب آسيا. والهند، ذات سوق الطبقة المتوسطة الشاسعة، لا تزال تمثل نقطة جذب لكل من الروس والأمريكيين. وعلى حد سواء، فإن كلا من الهند والباكستان، تعتقدان بقوة في سياسة الردع النووي.

ومع ذلك، لم تستطع الكوريتان الجنوبية والشمالية حل الخلافات بينهما. في مقال بتاريخ أكتوبر 2011، للرئيسة المنتخب السيدة بارك جيون هاي ابنة الرئيس الكوري الراحل بارك تشونغ هي، تقول بتفاؤل “، وحتى بينما تعزز سيول وحلفاؤها موقفهم ضد النزعة العسكرية لكوريا الشمالية وسياسة حافة الهاوية النووية، يتعين عليهم أيضا أن يكونوا مستعدين لتقديم بداية جديدة لبيونغ يانغ. يمكن بناء الثقة من المكاسب الإضافية، مثل المشاريع المشتركة لتعزيز التعاون الاقتصادي والمساعدة الإنسانية المقدمة من الجنوب إلى الشمال، وإيجاد فرص جديدة للتجارة والاستثمار …. “

 تفكير إيجابي للغاية سيكون عليه أن يتحول إلى واقع ملموس، مثلما يجب على كوريا الشمالية أن تأخذ خطوتين إلى الأمام.

ونظرا لانهيار التوجه السياسي لليسار مع تمكن قوى السوق من الاستيلاء على السياسة العالمية من جهة، ورفض الأنظمة الدكتاتورية لها في جميع أنحاء العالم، سوف يكون على بيونغ يانغ إعادة النظر من جديد لتمضي مع اتجاه الريح.

من المؤسف أن الجغرافيا السياسية المعاصرة والتجارة دفعتا الحماسة الفكرية للمفكرين والكتاب والفنانين ـ أمثال طاغور وهان يونغ أون ـ إلى مزبلة التاريخ. وتتحمل كل من سيول وبيونغ يانغ المسؤولية لمحو الكابوس الاستعماري الياباني من العقلية الفكرية الكورية الشباب والسماح بإعادة إحياء حلم طاغور مجددا… ” وينتظر ذلك المصباح أن يضاء مرة أخرى، لكي يشع نوره في الشرق”.

بالنسبة للشباب في الهند وباكستان وكوريا الجنوبية وكوريا الشمالية واليابان ما يهم هو اليوم وليس أمس … انهم يبحثون عن الغد. سوف يضطر الساسة إلى إتخاذ خطوة إضافية نحو آمال وتطلعات الشباب … لقد تم طمس الحدود الإقليمية من قبل وسائل الإعلام الجديدة والعقول الشابة التي تجتمع معا بدون حساسيات.

 الشريط المصور الذي يقدمه كويتشي كوابارا، نرى فيه صبيا يابانيا صغيرًا يحمل لافتة تقول، “عناق حر من أجل السلام”، ويذهب إلى عناق مئات من الكوريين الشباب في شوارع سيول، هو الرمز الذي لا يمكن لأي بلد تجاهله. هذه هي الطريقة التي يفكر بها الشباب اليوم، ونحن بحاجة لتكريم تلك المشاعر. لا تهمهم لمن تعود ملكية جزر تاكيشيما.

هؤلاء الشباب هم طاغور وهان أون العصر الجديد.

http://globalvoicesonline.org/2012/09/15/japan-imagining-future-japanese-korean-relations-with-free-hugs/

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات