القرى العربية في أفغانستان

09:23 صباحًا الجمعة 1 مارس 2013
د.عبد الله خاموش الهروي

د.عبد الله خاموش الهروي

أديب وديبلوماسي وباحث أكاديمي، أفغانستان

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

وجود القري العربية في ولاية بلخ و ولاية جوزجان و قد احتفظوا بلغتهم بعد قرون طويلة‌:

فرحت كثيرا حينما و صلتني رسالة قيمة كتبت باللغة الفارسية قبل ذلک بسبع و أربعين سنة عنوانها: «أول تحقيق حول العربية العامية في حوالي بلخ‌» ألفها سماحة الأستاذ الدكتور عبدالستار سيرت حفظه اللّه العالم و السياسي الكبير و مرشح رئاسة الجمهورية في أفغانستان‌، و کان کجافزلي بأن عزمت أن أقوم ببحث ميداني لهذه الولايات و القري لتحقيق أكثر حول هذه القضية المهمة و التي ستكون أهم بحث في رسالتي هذه‌. فقمت بالسفر إلي أفغانستان و إلي تلك الولايات و زُرت هذه القري و سعدت كثيرا بالتعرف علي كثير من الشخصيات العربية الإسلامية هناك منهم: سماحة الأستاذ مولانا محمدشاه‌، شيخ العلماء في ولاية بلخ و هو من قوم العرب، و كذلك فضيلة الشيخ أبو الأسفار علي محمد البلخي – و الذي ألف أكثر من 60 رسالة حول تاريخ العرب في أفغانستان و القضايا الإسلامية منها: رسالة «تذکرة العرب» المطبوع حول تاريخ ورود و استقرار العرب في أفغانستان‌. و هو عربي متحمس و محقق بارع، و الحاج الحافظ مولوي قاري عبدالمؤمن و هو كذلك من عشيرة العرب في هذه المنطقه و من خريجي مدرسة الأسدية العالي، فأفادوني بمعلومات وافرة حول هجرة القبائل العربية إلي أفغانستان و حفظ اللغة العربية في القري الأربعة الموجودة كما وجدت نسخة قيمة حول هذه القضية و هي كذلك ألفت قبل ذلك بست و أربعين سنة بوسيلة سماحة الأستاذ قاري عبدالرحيم عيني مدير مدرسة الأسدية في ولاية بلخ سابقا و رئيس محكمة الإستيناف في ولاية سربل حاليا و كذلك و ريقات بقلم أستاذ مبعوث عراقي في المدرسة الأسدية و هو الأستاذ كاظم عجيل المكصوصي.

الدكتور الهروي مع مجموعة من أعضاء شوري العلماء في کابل

خلاصة تحقيقي الميداني‌:

قبل أن أبدأ بذكر زيارتي الميداني وصلتي بالجالية العربية هناك و ما استفدت من هذا السفر يجب أن نبحث حول قدوم العرب إلي أفغانستان و هجرة القبائل العربية و سابقة هذه الجالية في أفغانستان بشكل موجز.

قلنا في التمهيد أن العرب المسلمين قاموا بملاحقة يزدجرد آخر ملوك الساساني فدخلوا أفغانستان و فتحوها في تواريخ متفاوتة شمالها و جنوبها و شرقها و غربها و كان ما كان من إرتداد هؤلاء عن الإسلام و قيام الثورات ضد الحكم العربي الإسلامي و إرسال بعثات عسكرية قوية لسد هذه الهجمات و إخضاع شعوب هذه المنطقة مرة بعد أخري‌.

و في عام 671 م بعث زياد بن أبيه و إلي البصرة الربيع بن زياد الحارثي‌[1] إلي خراسان الأفغانية و بعث معه خمسين ألفا من أهل البصرة و الكوفة لإسكانهم في خراسان الأفغانية و معهم أسرهم[2] و استمرت الهجرات إلي أفغانستان الخراسانية بعد ذلك و توالت‌، فكان كل عامل عربي يستقدم معه العرب المسلمين للنجدة العسكرية أو للإقامة‌، و كان خلفاء العراق لايتوانون في توجيه البعوث الضخمة من العرب إلي ولاتهم في أفغانستان الخراسانية لمساعدتهم في شئون البلاد الإدارية و القتالية.

و كانت توزيع القبائل العربية في الأراضي الأفغانية كالآتي‌:

كانت بكر تمثل أكبر نسبة من القبائل العربية في هراة[3] و في الأقاليم الشمالية من أفغانستان‌، و كانت أرض بكر و تميم متجاورتين متداخلتين‌[4] كما كانت بعض الأماكن و الأراضي الأخري شركة بين عدد من القبائل العربية كمدينة خُلْم التي اقتسمها الأزد و تميم و قيس‌.[5]

و كان العرب المسلمون يقيمون في البروقان[6] علي بعد فرسخين من مدينة بلخ التاريخية و كانت قاعدة عسكرية عربية في شمال أفغانستان‌، و في بداية القرن الثاني كان في البروقان عدد من العشائر المختلفة من قبائل الأزد و بكر و تميم‌[7] ثم حول أسد بن عبداللّه القسري المقاتلين العرب من هذه القاعدة إلي مدينة بلخ‌، و قام ببناء البيوت فيها لسكناهم‌، ثم قام بنقل الدواوين الحكومية إليها[8] فأصبحت بعد ذلك مكانها لتجمع العرب المسلمين في شمال أفغانستان‌، فكان بها سنة 118 هـ 736 م 2500 من المقاتلين العرب من أهل الشام بجانب الأزديين و البكريين و اليمينين‌.[9]

و يقول اليعقوبي‌: «في جميع مدن خراسان قوم من العرب من مضر و ربيعة و سائر بطون اليمن‌».[10]

و هناك أخبار من أهل الشام في أفغانستان الخراسانية فيها إشارات صريحة إلي المدن و البلدان التي جأ منها عرب الشام إلي البلاد الأفغانية الخراسانية‌.[11]

و قد بحث حول هذا الموضوع الدكتور عبدالحي حبيبي المورخ الشهير الأفغاني في كتابه القيم‌: «تاريخ أفغانستان بعد از اسلام‌، ج 1 ، ص 167».

و ميرغلام محمد غبار في كتابه‌: «أفغانستان در مسير تاريخ‌، ص 70»، و علي احمد نعيمي في‌: «تاريخ أفغانستان‌، ج 3 ، فصل 2» بالتفصيل‌.

يقول أستاذ عبدالحسين زرين كوب‌، في ج 2 ، ص 30 من كتابه‌: «تاريخ مردم ايران‌».

«إن المورخين يحاسبون عدد هؤلاء الأسر الخمسين الف بمائتي ألف نسمة‌، و إن أكثر هؤلاء توزعوا في مناطق مختلفة من خراسان و استمروا في حياتهم البدوية كما في شبه الجزيرة العربية كما أن هناك انتقال جمعي آخر أيضا إلي خراسان وقع في عام 64 من الهجرة‌». ثم هناك نظرة أخري تقول إن تيمور كذلك نقل مجموعة من القبائل العربية من شبـه الجـزيرة العـربية إلي خراسـان ولكن هذه الرواية لم تثبت تاريخيا و لا نجدها في التواريخ المكتوبة ز من تيمور.

ثم إن عدد المنسوبين إلي الأقوام العربية من السادات الحسني و الحسيني و الخواجه المنسوبون إلي أبي‌بكر الصديق و إلي جرير بن عبداللّه البجلي و الأنصار و الخليفة الثاني مثل حضرات المجددي و غيرهم كثير جدا في أفغانستان، كما يدعي بعض العرب الموجودين في أفغانستان بأن عددهم يقارب بين 20 إلي 25 في المائة من الشعب الأفغاني ولكنا لا نريد البحث عن هذه المجموعات التي نسيت لغتها; بل نهدف البحث عن العرب الموجودين في أفغانستان و قد احتفظوا بلغتهم و بعض تقاليدهم العربية بعد مئات السنين[12] و هم الذين قمت بزيارتهم في أربعة قري في ولايات بلخ و جوزجان و هذه القري عبارة عن‌:

1- قرية خوشحال آباد الواقعة في غرب مديرية دولت‌آباد بولاية بلخ بثماني كيلومتراً.

2- قرية يخدان الواقعة في جنوب الشرق من مديرية دولت‌آباد بخمس كيلومتراً.

3- قرية سلطان‌ أريغ الواقعة في منكه جك غرب مدينة آقجه بولاية جوزجان بأربعة عشر كيلومتراً.

4- قرية حسن‌آباد الواقعة في شمال الشرق من مركز ولاية جوزجان بأربعة عشر كيلومتراً.

فهذه القري متاخمة بعضها مع بعض و لعل هذا يكون من أسباب حفظ اللغة و لهجاتهم في هذه المنطقة‌.

كما أن هناك دلائل أخري تسببت في حفظ لغتهم بعد هذه القرون الطويلة و هي كالآتي‌:

1- قيمة اللغة العربية الدينية و الأدبية و العلمية في نظر الشعب المسلم الأفغاني‌، و شدة التدين‌، و الحب القرآني‌، و نظرة الإحترام البالغ إلي السنة النبوية‌، و إلي من يتحدث بلغة القرآن و السنة النبوية‌، كل ذلك قد ساعد دون شك علي بقاء اللغة العربية حية في أفغانستان حتي الآن … لأن الشعب المسلم الأفغاني ينظر إلي هؤلاء نظرة تقدير و احترام‌.

2- قوة اللغة العربية حية بقوتها الذاتية التي قلما توجد في غيرها من اللغات يساعدها في ذلك القرآن الكريم الذي كان رمزاً لحفظ هذه اللغة المباركة عن الضياع و التشتت رغم مضي قرون عديدة – و السنة النبوية الشريفة‌، كما تساعدها الثقافة الإسلامية‌، و كتب الفقه الحنفي خاصة حيث تدرس في أفغانستان حتي الآن باللغة العربية‌، بالإضافة إلي تدريس اللغة العربية و آدابها في حلقات التدريس في المساجد و في المدارس و المعاهد و الجامعات الأفغانية‌.

3- عروبة عرب أفغانستان و بداوتهم المتأصلة فيهم‌.

فهم جبلوا علي العروبة و البداوة العربية الأصيلة لا يميلون إلي الحياة في المدن‌، و لا يرغبون في الإختلاط أو المزج بمن يعيشون من حولهم من القبائل الأفغانية المختلفة‌. و إذا كان هناك اختلاط أو تمازج فهو محدود جداً لا يتجاوز الضروريات الإجتماعية القصوي‌، و الإحتياجات اليومية‌، و المعاملات التجارية‌، و الأعمال الرسمية في الداوائر الحكومية العامة‌.

فهم يفضلون الحياة في البادية علي الحياة في القرية‌، و يفضلون حياة القرية علي حياة المدينة‌، و يفضلون العرب و العروبة علي أية قومية أخري‌.

4- حب عرب أفغانستان للغتهم و تفانيهم في ذلك‌. إن حب عرب الأفغان للغتهم و حبهم العربية كحبهم و تفانيهم في حب العروبة و العربية أو أشد منه شغفا. فهم في البيوت‌، و الأسواق‌، و الحارات‌، و المساجد لايتحدثون فيما بينهم إلا باللغة العربية‌، و لا يتفاهمون إلا باللغة العربية‌، و من المستحيل أن يتكلموا فيما بينهم بغير اللغة العربية‌، و يعتبر التحدث بغير اللغة العربية فيما بينهم من العيوب الإجتماعية‌.

ولو حدث أن تزوج أحدهم بغير العربية فأول شي‌ء يقوم به الزوج هو تعليمها اللغة العربية‌، و قلما يحدث التزاوج بينهم و بين غيرهم من الجماعات الأفغانية الأخري‌َ. و أطفالهم الصغار قبل سن المدرسة لايعرفون و لا يجيدون غير العربية‌، و عدم إجادتهم أو عدم معرفتهم للغة العربية أو الإعراض عن التكلم بها أمام الناس، يعتبر عيبا كبيرا ينقض من شخصيتهم العربية‌.[13]

إن شعب أفغانستان يسمون هؤلاء العرب‌، بعرب‌: «أ َنْتَل‌ْ، أ َنْتَل‌ْ» أي‌: «أ َنْت‌َ و أ َنْتُم‌ْ».

أو عرب‌: «إِيْش مَقُوْلِي‌ْ» أي‌: «أَي‌ُّ شَيءٍ تَقُوْل‌ُ»، و الظاهر أنهم يستعملون و يكررون ذلك‌[14].

و لغة النساء العربية أفصح و أسلم لقلة إختلاطهن بالقوميات الأخري‌ عكس الرجال، فلغتهم أضعف و مخلوطة أحيانا و ذلك بحكم إمتزاجهم و اختلاطهم‌. و مع تعدد الأقوال في أصل هؤلاء. لكن الأستاذ سيرت و الأستاذ عيني يعتبران هؤلاء من المملكة العربية السعودية‌. لأن تلفظ بعض الحروف مثل (قاف‌) و كلمات و ألفاظ مثل‌: (إِش‌ْ مَحَل‌ْ) بمعني أي‌ُّ وَقْت‌ٍ ، و (مُوْي‌ْ) بمعني ماء، و (حَبْجَب‌ْ) بمعني الْبَطِّيْخ‌، و (غَدَا) بمعني ذَهَبَ ، و (الدِّهْن‌ْ) بمعني الزَّيْت‌، و جِيْنَا بمعني جِئْنَا و … اليوم تستعمل في اللهجات العامية في المملكة‌.

كما أن هناك أصوات و اصطلاحات بينهم تشبه اللهجة المصرية العامية‌، و أخري تشبه اللهجة الشامية و العراقية‌. و كأن هذا المجتمع العربي الصغير يمثل القبائل العربية التي اتخذت من مدينة بلخ التاريخية مقرا و مستقرا لها أيام الفتوح الإسلامية الأولي في أفغانستان‌.

يقول الأستاذ عبدالرحيم عيني: «زرت هذه القري الأربعة بنفسي للفحص عن اللغة العربية الموجودة في هذه القري و کما أن هناک عدد من علماء بلادنا و خبراء جمهورية مصر العربية و سائر بلاد العرب زاروا هذه القري خاصة قري خوشحال آباد و يخدان لقربهما لمدينة دولت­آباد. کذلک للحفص عن لغة هؤلاء ولهجاتهم. أما أنا فلم أجد في لهجاتهم تفاوتا و اختلافا و هم بأنفسهم يعتقدون وحدة لغتهم و أنه لا تفاوت و لااختلاف بينها[15]». و لعل الإ خصائيون في اللغة العربية و لهجاتها يستطيعون إبداء آرائهم في ذلک و هذا کذلک يحتاج إلي تحقيق جذري و عميق و جامع و إلي وقت طويل.

 



1- الطبري: 311:4 و تاريخ خليفه بن خياط: 173:1 .

2- الطبري: 315:4 و تاريخ خليفه بن خياط: 178:1 .

3- الطبري: 5/547 و ابن الأثير: 3/331 .

4- تاريخ الدولة العربية: 395 .

5- ياقوت الحموي: 465:2 .

6- الطبري: 41:7 و ابن الأثير: 193:4 .

1- الطبري: 30:7 و ابن ا لأثير: 193:4 .

2- الطبري: 41:7 و ابن الأثير: 198:4 ، 225 .

3- الطبري: 110:7-111

4- اليعقوبي: 294 .

5- الطبري: 122:7 .

1- الذين کتبوا حول هذا الموضوع بالإضافة إلي من ذکرنا عبارة عن: الأستاذ نصرالدين محمد مدير المرکز الثقافي العربي بکابل و الذي کتب رسالة باسم: «لهجه عربي در افغانستان» و کذلک السيد مولانا محمد صديق گوهري من کبار الشخصيات العلمية و الأدبية و الذي أنشد أکثر من مائة بيت باللغة العربية و کذلک کتب رسالة باسم: «زبدة الإنتخاب في أنساب الأعراب»، و الأستاذ ابو الاسفار باسم: «تذکرة العرب»، و کذلک وجدت رسالة باسم: «مقدمه­اي در شناخت عرب­هاي افغانستان» من مؤلف … و رساله: «عربها در دايرة المعارف افغانستان» من الحاج محمد نادر عرب.

1- نخستين تحقيق عربي عاميانه در حوالي بلخ 8-10 ، و بقاياي آثار عرب در شمال افغانستان، ص: 11 ،‌ و أفغانستان و اللغة العربية عبر العصور، ص‌ 21-22 .

2- بقاياي آثار عرب در شمال افغانستان، ص 6 .

1- بقاياي آثار عرب در شمال افغانستان، ص 6 .

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات