غريد الشيخ تهدي المكتبة العربية أول معجم إلكتروني حديث

09:26 صباحًا الخميس 28 فبراير 2013
  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

أصدرت الناشرة والكاتبة  اللبنانية غريد الشيخ محمد أول معجم إلكتروني عربي عربي حديث. المعجم الذي صدر في بيروت عنوانه “المعجم في اللغة والنحو والصّرف والمصطلحات العلمية والفلسفية والقانونية والحديثة” وتنشره عن دار النخبة للتأليف والترجمة والنشر.

ويحتوي المعجم على مَتن اللغة العربية ، وقد تم الاستناد إلى لسان العرب وتاج العروس والقاموس المحيط ، وغيرها من المعاجم القديمة والحديثة ، وتمّ ذكْر جذر الكلمة ، والفعل المضارع للفعل الثُّلاثي ، ومصدر الفعل ، وجمع التّكسير ، وإعراب كلمات ، و قواعد اللغة العربية , ومُصطلحات علميّة وفلسفية وفقهيّة وقانونيّة وأدبيّة ، ومعلومات علمية حيث سيتمّ كل ثلاثة أشهر إضافة مصطلحات جديدة إلى المعجم.

كما أصدرت الكاتبة غريد الشيخ معجمًا ورقيًا للصغار باللُّغاتِ الثَّلاث : العربيّة والإنجليزيّة والفرنسيّة،يَتضمّن محاورَ كثيرة تُفيدُ الطّالبَ في دراسته وفي حياته اليوميّة تبلغ عدد كلماته 1100 كلمة تقريبًا وعدد صوره كذلك 1100 تقريبًا فيما تبلغ عدد صفحاته 168 صفحة.

يعد الإصدار أَوّل مُعجَم إلكتروني عربي، حديث ومُرتَّب حسب نُطقِ الكلمة وإملائها وسهل الاستخدام بعيد عن الاستطرادات ويدخل مباشرة إلى معنى الكلمة بأسلوب واضح وبسيط يتناسب مع العصر الحديث.

يذكر أن المعجم الورقي صدر عام 2010م في ستة أجزاء تضم معظم ألفاظ اللغة العربية مع المعاني المختلفة للكلمة من حيث السياق، كما تضم خمس مواد هي: مادة لغوية، ونحوية وصرفية، وعلمية، وفلسفية، ومادة متخصصة بالمصطلحات الحديثة أي الاجتماعية والفكرية والأدبية. وهذا “المعجم” الذي استغرق العمل فيه عشر سنوات ونيف، يحافظ على سلامة اللغة ويجعلها مواكبة لتقدم العلوم والفنون وملائمة لحاجات الحياة المعاصرة.

نقيب الصحافة محمد البعلبكي

وقد أهدت الباحثة غريد الشيخ محمد نسخة من المعجمين الإلكترونية والورقية إلى نقيب الصحافة اللبنانية محمد بعلبكي الذي اعتبر المعجم الالكتروني “حدثا موسوعيا يمكن الجيل الصاعد من الوقوف سريعا على ما تضمنه “المعجم” في أجزائه الستة”.

 ويأتي المعجم ضمن سلسلة من الإصصدارات المتخصصة للكاتبة غريد الشيخ ومنها (معجم أشعار العشق في كتب التراث العربي) في 852 صفحة، الذي يعد الأول من نوعه في هذا الموضوع لأنه يتضمن جميع الأشعار الواردة في أربعة عشر كتاباً من كتب العشق في التراث العربيّ؛ وهذه الكتب هي: الزهرة: لأبي بكر محمد بن داوود الأصبهاني(ت 296هـ)، الظرف والظرفاء(الموشَّى): للوشّاء( ت 325هـ)، اعتلال القلوب في أخبار العشاق والمحبين: للخرائطي(ت 327هـ)، طوق الحمامة: لابن حزم الأندلسي(ت 456هـ)، المَصون في سرّ الهوى المكنون: للحصري القيرواني (ت 413هـ)، مصارع العشّاق: لجعفر بن أحمد السرّاج( ت500هـ)، ذَمّ الهوى: لابن الجوزي( ت 597هـ)، مشارق أنوار القلوب ومفاتيح أسرار الغيوب: لابن الدباغ( ت 696هـ)، ( ت 696هـ)، روضة المحبين ونزهة المشتاقين: لابن قيّم الجوزية(ت 751هـ)، أخبار النساء: لابن قيم الجوزية، وينسب لابن الجوزي، الواضح المبين في أخبار من استُشهد من المحبين: لابن مغلطاي ( 762هـ)، ديوان الصبابة: لابن أبي حجلة الحنبلي( ت 776هـ)، أسواق الأشواق من مصارع العشاق: لابراهيم بن عمر البقاعي(ت 885هـ)، تزيين الأسواق في أخبار العشاق: لداوود الأنطاكي(ت 1008هـ).والمعجم مرتَّب أبجدياً حسب البيت الأول لكلّ مجموعة شعرٍ، ومُرفَقٌ بفهارس لقوافي كلّ بيت من أبيات المعجم حسب الرويّ.

كما قدمت للمكتبة المعجمية معجم (الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب) الذي تعده صِلةُ وصلٍ بين القارئ العربيّ واللّغة العربية الجميلة، وهو يتوجَّه إلى: الإعلاميين، الكتَّاب، المُؤلِّفين، طلاّب كلّيات الإعلام، طلاّب المدارس الثّانوية، المهتمّين بالثقافة العامة.
يحتوي المعجم على مفردات اللّغة العربية، مع جذر الكلمة وعين الفعل المضارع الثلاثي، والمعاني المختلفة للكلمة ومعلومات عامّة وتعريفات لأهمّ الموضوعات التي تتعلّق بالإعلام.
* معلومات علميّة، ثقافيّة، ونحويّة، مع شرح لتقنيّات الكتابة الصّحيحة والكتابة، والقواعد الإملائية.
وتعد غريد الشيخ صاحبة مؤسّسة النُّخبة للتّأليف والتّرجمة والنَّشر في بيروت أول امرأة تؤلف معجمًا لغويًّا، كما حققت مخطوط اعتلال القلوب للخرائطي ( ت 327)، ومن معاجمها الأخرى  معجم المترادفات، و معجم الإعراب للطلاب، ومعجم الحروف والظّروف، دار الراتب الجامعية، و معجم الأسماء والضّمائر، ومعجم الأفعال وتصريف الأفعال، ومعجم الجموع والمُثَنَّى. كما أن من مؤلفاتها الأدبية واللغوية:  علم البيان، و المعاني والبديع، دار الراتب الجامعية، والمتقن: جامع لدروس اللغة العربية، نحوها وصرفها، والمتقن في البلاغة والعروض، وفي تبسيط اللغة العربية لطلاّب المرحلة الابتدائية، وفي تبسيط الإملاء العربي لطلاّب المرحلة الابتدائية.

وقدمت للشعراء والأدباء جرير، ونزار قباني، و محمد الفيتوري، وهدى ميقاتي، وفدوى طوقان، ومي زيادة، أديبة الشَّوق والحنين، وقاسم أمين، و عبد الله باشراحيل، فضلا عن شروح لدواوين جرير، وأبي القاسم الشّابي، وحافظ ابراهيم، وامرئ القيس.

وقد كَرّمت دار نعمان للثقافة في مركزها في جونية الكاتبة غريد الشيخ محمد، وقدّم الحفل الأديب الدكتور ناجي نعمان صاحب المؤسسة الثقافية، وذلك بحضور وجوه ثقافية مميزة في لبنان.

و ألقى الشاعر طارق ناصر الدين كلمة جاء فيها:

يُكَرّم النّهرُ الينابيع بضمّها إليه، ويُكرّم البحر أمواجَه باحتضانها.. فبماذا تكرّم اللغة العربية حبيبتها غريد الشيخ! ويردُّ معجمها بالفصحى لا بالعُجمى.. الكاتبة التي يكرّمها كتابها يصل بها عادة إلى قمّة التكريم ويصبح الخارجيّ منه مجرّد تحية وفاء وتقدير وتحفيز إلى مزيد ومزيد.

في وضعها يجوز القول: متّسعةٌ كقاموس، ودقيقة كعالم ذَرّة، وحسّاسة كرعشة قلم، ومتنوّعة كأزهار الجبال المهجورة. ما مرّة رأيتُ غريد الشيخ إلا وفي ذهنها مشروع مؤلَّف جديد، فهي تحمل حلمًا ثقافيًّا بحجم أُمّة، وكان حلمها بَثَّاثًا ولم يكن أضغاثًا، وكأنها لم تزل في البداية، والنتيجة أكثر من أربعين مؤَلَّفًا في اللغة والنّقد والتحقيق وأدب الأطفال.
وَلاّدة تكفي ولا تستكفي، ناذرة ومنذورة في آن، نذرت نفسها لقلم عربيّ لن يصمت أبدًا فنذرها قلمها لكلّ كلام جميل. معجم غريد بجمال تبويبه ودق منهجه وشمول كلماته جعلني أعتقد أن المؤلِّفة سابقت الكومبيوتر فسبقته.. وقم بهذه التجربة البسيطة: المعجم على يمينك والحاسوب على يسارك، وأنت تريد البحث عن معنى كلمة معيّنة ستنتصر يمناك على يُسراك فالعقلُ خلق وليده الكتاب وحفيده الكومبيوتر، ولن يتجرّأ الحفيدُ المهذّب على عصيان سلطان أبيه!!

وأما عن “أيام معهم” فهي سلسلة أدب ونقد وعرض وتقديم تزهو على مثيلاتها بكمية من المحبة والإلفة تجعلُ الشاعر مطمئنًا إلى شريكه الناقد، فـ(رَغَد) غريد عشقت جريرًا ورقَّت معه وله، وتولّهت بنزار قباني فبادلها، وآنست محمد الفيتوري، حتى باح لها بما لا يُباح.. وجرّت عبد العزيز خوجة إلى مضارب بني عُذرة، وتبادلت مع هدى ميقاتي نخب أُخوّة تجاوزت واقعها إلى المثال. أقف مع هذه العناوين وأنا أعرف أن كتبًا كثيرة من إنتاج غريد الشيخ ستعتب عليّ لعدم ذِكرها، وما كان ذلك نسيانًا ولكن طبيعة الكنوز أن يبقى بعضها مستترًا بانتظار زمن أفضل. من بوّابة هدى ميقاتي دخلت إلى حديقة غريد، وهناك نشأت صداقة طيّبة مع أسرة تكاد تكتمل لولا استحالة الكمال لمخلوق.. شقيقتها إيمان بقاعي الروائية البحّاثة وبنات إيمان وأبناؤها ورثوا الإبداع وزادوا..  فطوبى لأمٍّ تلدُ مُبدعتينِ، وطوبى لأبٍ تكوّنت أسرتُه من قلمٍ وأدب قبل أن تتكوّن من صُلْبٍ ونسب..

وقدّمت الشاعرة هدى ميقاتي كلمةً ختمتها بأبيات شعرية:

غريد الشيخ: عربيَّةٌ تَعَشَّقَتِ الأَدَبَ والشِّعرَ حتى مُنتهى العِشْق.. وتَوغَّلَتْ في اللُّغَةِ حتى لامَسَت الأَعماق.. وتَوسَّدَتْ أُمَّهاتِ الكتُب فكانتْ لها الوِسادَ والكِساءَ والغِذاءْ..

لها حنجرة عصفورٍ وقلبُ يمامةٍ وإرادةُ نسْر… كانتْ مَكسُوَّةً بعدُ بالزَّغَبِ اللطيفِ حين تَعلَّمَتْ التَّحليقَ بين مُنحَنَياتِ اللغةِ وفوقَ روابيها وقِمَمها حتى لامستْ قوادمُها الذُّرى… مِن طبعها اللهفةُ تَبْذُلُها باعتزازْ.. ومن سَجاياها الحنانُ تُخَبِّئُه بفيضٍ من الحيويَّةِ والبشاشة.. وهي بين رقَّةٍ ولُطفٍ وصلابة موقِفٍ وطلاقة لِسانٍ تَدَعُكَ تطَّلِعُ على رَحبٍ مِن ثَقافتِها بلا ادِّعاءٍ ولا فَذْلكةٍ مُضْجِرة…في عينيها يتَوَهَّجُ حَجَرُ ذَكاءٍ كريم.. شُعْلَةٌ أُلْقِيَتْ في مياهِ نَظْرَتِها التي تومِضُ وتَتَرَقْرَقُ فتَعجَبُ كيف يجتَمِعُ النَّقيضانُ بكلِّ هذا الانسجامِ اللطيفْ الجميل..
عربيَّةٌ تَعَشَّقَتِ الأَدَبَ والشِّعرَ حتى مُنتهى العِشْق.. وتَوغَّلَتْ في اللُّغَةِ حتى لامَسَت الأَعماق.. وتَوسَّدَتْ أُمَّهاتِ الكتُب فكانتْ لها الوِسادَ والكِساءَ والغِذاءْ..
أديبة جعلت من لغة الضاد تاجًا لأحلامها الذّهبية ورصّعته بسبع وثلاثين جوهَرة مِن الكُتُبِ نَقَشَتْها عليهِ بمَحبةٍ وإِجلالٍ ثم زَيَّنَتْهُ بماسَةٍ فريدةٍ ثمينةٍ هي الأَثيرةُ فيه ولَن تكون الأَخيرة…
مَن يَطّلِع على حياة الأَديبة غريد الشيخ ويتابِعُ عملَها يعرِفُ كم تَنسجُ بحُبٍ واهتمام عباءاتِ كتُبِِها العربيةِ المُطَرَّزةِ بالأَصالة.. وكم تَتولاّها النشوةُ والزَّهو حين تنتهي من عملِها وتحمِلُهُ بين يديها خارِجاً مِن المطبعة بكل أَناقَتِهِ وجمالِ فَحواه.. ولا عجبَ فالكِتابةُ لمْ تَكُنْ في هوامشِ حياتِها بل في صُلبِ اهتِماماتِها.. ولمْ تَكتُبْ مرةً لِمُراءاةٍ أَو لِكَلَفٍ بالظُّهورِ بل  تنصَهِر في عمَلها   حتى التفاني  والاضمِحلال.. وحين تَنْهضُ به بَعد إِنجازِهِ تجعَلُهُ أَمامَها لِتَقِفَ في ظِلِّهِ وتَراها تَمشي به ويَتَقَدَّمُها جَذْلانةً مَزْهُوَّةً بما تَحمِلُ.. بينما تَزْهو الأُخرَياتُ بِعِقْدٍ على الجيدِ أَو بفستانٍ جديد..  وها هي تأْتي حامِلةً معها مُعْجَمَها لنَقرأَ فيه هُوِيَّتَها الحقيقية: أُمُّها الضّادُ وأَبوها الجِهادُ وأَخَواتُها المُفردات، ولَو قالت بعد ذلك إِنها سوريّةٌ لبنانيّة شركسيّة..
لقد خرج اليوم معجَمها “المعجم” الجديد من رَحِمِ التّعَب والجُهدِ والدهشة.. فكم هو حريٌّ بنا أَنْ نتلَقَّف هذا المولودَ العِملاقَ ووالِدتَهُ بالتِّرحاب والأَهازيج، وهي أَوَّلُ سيِّدةٍ عربيَّةٍ تضَعُ مُعجَماً بهذا الإِتقانِ وهذه المهارةِ والدِّقَّة..
كان مِن جميل الصُّدفِ أَن أَكون صديقَتَها وأَن أَطَّلِعَ على مَسيرَتِها وأَقِفَ على مُعاناتِها وهي تُنْجِزُ عَملاً لا أَقولُ تعجَزُ عنهُ الرِّجالُ فقد أَلْغَتْ غَريدُ نِهائيّاً هذه المَقولَةُ التي تَفتَرضُ الفوارقَ بل أَقولُ عملاً تَعجَزُ عنهُ مؤَسسةٌٌ لا بالمُطْلَقِ بلْ بالتَّحديد…
عشْرُ سنواتٍ مِن الكَدِّ والجُهدِ والصَّبر وغَريدُ تبحثُ في مناجِم اللغةِ ودهاليزها وتَذْرَعُ شاطئِها الرَّحيبِِ.. تُلَمْلِمُ المُفرداتِ.. تَلتَقِطُ الأَصيلَ وتَرمي الدَّخيل.. تَجمَعُ وتُرَتِّبُ وتُصَنِّفُ وتَشرَح.. تَستَبقي القَديمَ المُهمَلَ.. تُلَمِّعُهُ وتَصْقُلُه.. وتُضيفُ الجديدَ المستَخْدَمَ تُفَنِّدُهُ وتُعَرِّفُه.. حتى إذا اكْتَمَلَتْ لديْها المُفرَداتُ والتَّراكيبُ بمَعانيها ومَدلولاتِها وشُروحاتِها وشواهِدِها خَرَجتْ إِلينا بِكنزٍ ثمينٍ أَقلَّ ما يُقالُ فيه إِنه تُحفَةٌ فنِّيَّةٌ لُغويَّةٌ في الشكل والمَضمون…
حين نَنْظُرُ إِلى المُعجَمِ نظرةَ المُتأَمِّلِ تتراءى لنا اللغةُ أُمَّةً احتشدتْ بين طيَّاته بكل تاريخها العظيم.. وتجسَّدتْ فيه بآلاف المفرداتِ وملايينِ المُشْتقَّاتِ والتراكيبِ والجُمَلِ والمعاني التي جرتْ عبرَ التاريخِ على أَلسِنةِِ أَبنائِها واستنبطتها عقولهم ومستلزمات حياتهم على مدى العصور…
وحين ننظر إليه نظرة المتفحّص نجد بين دفّتيه عملاًً شاملاً متكاملاً مبسَّطًا مرصوفًا بعناية فائقة في جمال طباعةٍ ونقاوة حرف.. مُرتّبًا ترتيبًا هجائيًّا على طريقة علي بن الحسن الهنائي التي اعتمدتها غريد في منهجها، مؤثرة إيّاها كونها تسهّل على مستخدم المعجم الوصول إلى كلمته المرادة فلا يتطلب منه بحثه عن الكلمة سوى صحة نطقها وكتابتها.
لم تستبعد غريد الشيخ الكلمات والألفاظ التي طوتها العصور ولم تعتبرها كلمات بائدة  سقطت من خزائن اللغة فأُهملت ثمّ صدئت، بل أصرّت على إدراجها في سياق أخواتها حفاظًا منها وحرصًا على تراث لغويّ وشعريّ قديم يصعب على مَن يتناوله أن يفهم معانيه دون الرجوع إلى المعاجم القديمة، أو إلى معجمها على وجه الخصوص.
أليس في ذلك إحياءٌ لتراثنا اللغوي العظيم من أن يُحَنَّطَ أو يُباد، أو يُلقى في سلّة المُهمَلات.
مُتعة هو الغوص في هذا المعجم والبحث فيه، متعة تبعثُها سهولة قراءته ووضوح حرفه ونقاوة طباعته، وتلك الشواهد التوضيحية الغنيّة التي زَيّنت بها المؤلِّفةُ شروحاتها من آيات القرآن الكريم، إلى الشعر، إلى الأمثال، وغيرها من الشواهد اللغوية العربيّة التي تنضح بالفصاحة وسلامة المعنى لتُشكّلَ إلى جانب الفائدة اللغوية زوّادةً ثقافية وحضاريّة.
ونمعن في الغوص في تفاصيل المعجم فتراها قد رفدته بمفردات لغوية عصريّة جمعت فيها الكثير من مجالات المعرفة من فنون وآداب وعلوم مُعرّجة على قواعد اللغة التي لم تغفلها المؤلّفة في المعجم، فإذا هو مرجع للسائلين عن علوم النحو والصرف والقواعد بما يشمل الطلاّب منهم والمتخصصين.
كم أسعدني صدور هذا المعجم، وكم أشعرني بالفخر والاعتزاز ببنات جنسي من الأديبات والكاتبات اللاتي يتميّزن بموهبة أصيلة تعزّزها براعة لغوية وسداد فكرٍ وإرادة وصبرٌ لا يتحققان إلا لدى أنثى عاشقة متيّمة باللغة كغريد الشيخ.
وإني إذ أبارك للصديقة غريد الشيخ وللأمة العربية هذا النتاج الضخم القيّم والفريد الذي شكّل حدثًا لغويًّا وحدثًا أُنثوياً بارزًا كانت فيه، غريد الشيخ، رائدة في هذا المجال، أتمنّى أن يشكّل عملها هذا في المستقبل حالة تعبويةً أدبية للنساء المفتتنات بلغتهن العربية الجميلة.

وأخيرًا أقدّمُ هذه الباقة إلى الصديقة العزيزة غريد الشيخ:

تُغَرِّدُ في مَعاجِمِها غَريـدُ                      ورَجْعُ غِنائِها النَّغَمُ الفَريدُ
تَقاسيمٌ على الأَوراقِ تَغْفو                     فَتوقِظُها، ويَعْزِفُها النَّشـيدُ
لِسـانٌ يَعْرُبِيُّ الوَقْعِ يَعْلو                      ولا يَهْتَزُّ مَبْنـاهُ الوطـيدُ
وتَنْهَمِرُ المَعاني، كُلُّ لَفْظٍ                       لهُ التِّبْيانُ والمعْنـى الأَكيدُ
…………….
ليالي الصَّبرِ مَرَّتْ ما اسْتَكانَتْ                  ولَمْ يَرْفِقْ بها الجُهْدُ الجَهـيدُ
فقد عَشِقَتْ، و”سَحبانٌ” هواها                وفارِسُ حُلْمِها “العَقْدُ الفريدُ”
تَغَذَّتْ مِنْ يَنابيـعِ البـوادي                  وقِطْعانُ الكلامِ بِها حُشـودُ
رَعَـتْها كالرَّؤومِ وما ثَنـاها                  على ضـيقٍ فَطـيمٌ أَو وليدُ
وتُطْعِمُها الحروفَ وكُلُّ حَرْفٍ                 تُضَمِّـنُهُ لِـمُفْرَدَةٍ يَجـودُ
إِذا مَسَحَتْ صِحافاً تَجْتَليـها:                هنا حَجَرٌ، هُنا ذَهَبٌ نَضـيدُ
وإِنْ بَحَثَتْ يُسـاقُ لـها بَيانٌ                كما يأْتـي الـمُرادَ لَهُ مُريدُ
غريدُ تُغَرْبِـلُ الأَلفاظَ تِبْـراً                   ويبْـقى من سلالتِهِ التَّليـدُ
لها النُّعْمى، جِهادٌ ليسَ يَفْـنى                  لها القَلَمُ الـمُظَفَّرُ والسّـعيدُ

أما الدكتور ميشال كعدي فقال:

ملأت غرّارتها من عصارة الفكر، ثمّ ذكّتها بالخُلُقِ ومُعصِراتِ اللُّغة والأدب، لذلك فالذي يعيش بجيرتها لا يتظمّأ.هذه الأديبة الكبيرة، قلائدُها تُعجَنُ بفَتِّ المِسكِ والأفاويهِ، وماء الزَّهرِ والنَّقاءِ والرُّواء.ما بَعُدَتْ يومًا، أو حالت عن الكتابة، فهي مع الكلمة في تواصُلٍ دائم. وإذا على سبيل المثال كَسِلَ القلمُ الغَنوجُ بين الأناملِ اللّدنِ، عتبَ عليها شوقُ الرّيشةِ والتّرفِ والأناقةِ، فالعتب والمَوجدةُ والأزاميلُ مِن عُدّة محتَرَفها، وادواتِ فنّها. غريد الشيخ محمد أناقتُها في الكتابة، على مَدِّ أعمالِها، وعَشراتِ كُتُبِها، ومُعجمِها الفريدِ في العالم العربيّ، جعلني أقول إنها تريدُنا دائمي الشّوقِ والتّطَلُّعِ إلى رمية وحَطّاتِ أصابعها على  الصّفحات البيض والورقِ.
هذه الأديبة الكبيرة توافرت لها وضائعُ البيانِ، والنّقلةُ التي مَهَرت في اختيارِ الكلام والأُشغولاتُ، وكشفُ غوامضها، وكلُّ ذلك في عُمقِ منبسطاتِ لُغةِ الضّادِ والأبجديّة، تلك هي حقيقة الكَنَّازِ المُدَّخِرِ الذي يعيشُ العمرَ لشأنٍ. ولعلَّ صديقتنا غريد الشيخ في أدبها، وبخاصّةٍ في مُعجمِها اللُّغويّ والنّحويّ والصّرفيّ، مُضافًا إلى ذلك الإعراب والمصطلحات وما يهمُّ القارئ العربيّ، كانت رائدةً حين جمعت الثّبيتَ وفرادةَ الكلمة، ثم كشفت عن المعاني كافّةً، وعن جَذر الكلمة وصَرفِها ونَحوِها بطرائقَ ممتعةٍ، من دون أن تُهملَ المُصطلحات العلميّة والفلسفية وتفسيرَ ما استعصى على مؤلّفي المعاجم القديمة والحديثة. وفي هذا السياق أُسرعُ لأقولَ، إنّ غريد الشيخ محمد هي المرأةُ الوحيدة في الشّرقِ العربيّ التي أنجزت مُعجمًا من هذا المُستوى. هذه المُدمنة على اصطكاكِ الحروفِ، أُخِذنا بها أديبةً، واليومَ أُعجِبنا بها مُعجميّةً، وحالُها معنا اليومَ كحالِ ابن منظور والفُقهاء والمعجميين الكبار، فهؤلاء وحدَهم يدركون، كيف يُلتَهمُ الجَيّدُ، وكيف يُزدَرى الرّخيصُ، ويعرفونَ ما يحملُ العقلُ وما يقضي الصّوابُ في مسالكِ اللغة وعَصَبِها.

ولا عَجَبَ أن تكثرَ تجاربُها في التّأليفِ، وهي التي اختارت الأدبَ وعلمَ اللغةِ العربيةِ طريقًا لدُنياها. وإزاءَ مَحبّتها المِلحاح للُغتنا، وقفنا معًا لإحياءِ اللغة العربية ومُحاربة القصور اللّغويّ، وما أغنى المختبرات.ثمّ وَسّعتِ الأرجاءَ والعلائقَ، جاعلةً كنوزَ الضّادِ في أقمطةِ وأرديةِ الوقايةِ والصّيانةِ حتى لا تُصابَ من أهلِها، وفي هذا الإطارِ بالتّحديد، نتذكّرُ ما جاء في كتابِ (أنقذوني من أهلي) لرجلِ المواقفِ والمآثرِ الأديب الموسوعيّ متري نعمان. ومن قناعاتها، أن العربية من الثقافات الأولى للإنسان
ومن الطبيعيّ بمكانٍ أيضًا، أن تخرجَ من معترَكِها اليوميّ منتصرةً بخلاصاتٍ من شأنها رفعُ أهميّة لغة الضّادِ، وإن كان الأمرُ على حسابِ أعصابِها ومراعفِ أقلامِها، لتؤَمّنَ شَدَّ سُبَحِ القلائدِ بطرائقَ مدروسةٍ، وكلُّ ذلك بالتركيزِ المتناهي والانضباطِ والدّقّة، ونَفاذِ العينِ ومجلوب الذَّوقِ وحُسنِ الرَّصْفِ والإخراجِ.
غريد.. أعطت مُعجَمَها في أجزائِه السِّتّةِ مَجدًا لُغويًّا للعربِ كلِّ العرَبِ بعد عشرة أعوامٍ وبضعةِ أشهُرٍ من التعبِ.
أعطت بكَرَمٍ من ضِياءِ العينِ في غياهبِ الكلامِ. أعطت من ذوبِ الرّوحِ، والنّياطِ، وخبيءِ العروقِ على تعاريجِ الحروفِ، أمّا الغلالُ فمعجزةٌ، وطَفحُ المِكيالِ مُلفِتٌ، مع العلمِ أنّ العملَ وراءَه فَردٌ لا جماعةٌ. غريد.. أديبةٌ بمقدار ما هي لغويّةٌ، وهي قادرة على جَمعِ البلاغةِ، وتَعكيفِ الحلى بأناملَ مهيلة، حتى باتت غريدًا مشفوعًا بموسيقا قِيثارةٍ لُغويّةٍ، وأطيابًا من بني عبدِ مَناف والبلسمِ المكّيّ. وقد أراني مرتاحًا على التّعبيرِ بعدَ أعمالِها، أنّها تَلِيَّةُ الأعلامِ العِظامِ، فنزعت في مُهِمّتِها إلى تنسيقٍ رائعٍ وشمولٍ في المعاني، وقف دونَه الكثيرونَ.
في أيّ حالٍ.. التّحيّةُ لهذه المُبدعةِ، التي أضافت إلى تُراثنا، مداميكَ تَجلّتْ ببطائنِ المجدِ، وإذا النّتاجُ من أسانيدِ العقلِ.غريد، إذا الدّولةُ لم تمنحْكِ وسامًا، فدارُ نعمان للثّقافة، منحكِ المحبّةَ مرسومةً على وجه الناسِ والمثقّفينَ في لبنانَ، وشهادةَ تقديرٍ أَوفى من كلّ الأوسمةِ المَنسيّةِ.
غريد سلمتْ يداكِ.

وتحدثت غريد الشيخ عن تجربتها:

سأتكلم عن أبنائي الذين يقاربون الأربعين في العدد.. إنها كتبي التي أعطيتها أجمل أيامي ولحظات عمري ، ولست نادمة فهي أغلى ما أملك في دنياي. تمرُّ ذكريات طفولتي كشريط مسجّل أمامي، بيت جدرانه مؤلّفة من الكتب لا من الإسمنت، وكنت دائمًا أحلم أن يصبح اسمي على أحد هذه الكتب، ووالد مُكبٌّ على الكتب يتنقل من من واحد إلى آخر، وينادينا أنا وأختي من حين لآخر، رغم صغر سننا، لنساعده في استخراج معلومة ما، أو كتابة نص.. وكثيرًا ما كانت أمي تعترض وتقول له إننا مازلنا صغارًا ولكنه يجيب: سيحبون الكتب ويعتبرونها جزءًا من حياتهم.
وهكذا كان، أصبح الكتاب بالنسبة إلينا الجزء الأهمّ والأجمل في الحياة، التهمنا كتب مكتبتنا الكبيرة، وانتقلنا حسب العمر من القصص إلى الكتب التاريخية ثمّ الدراسات.. وهكذا مرّت الحياة سهلة ونحن نتمثل التجارب التي نقرؤها وتساعدنا في أيامنا، وتزيد خبرتنا الحياتية.
بعد تخرّجي من الجامعة وحصولي على الماجستير في تحقيق المخطوطات أدركت أن العمل الذي أرغب في القيام به حقيقة هو الكتابة والتحقيق، وذلك لما وجدته من أخطاء في الكتب المطبوعة، وأيضًا لأنني أحسست أن هناك مسؤولية تربوية وتعليمية يمكنني القيام بها من خلال الكتابة. أصدرت كتبي الأولى عن الأدباء: قاسم أمين ومي زيادة وفدوى طوقان وهي دراسات موجَّهة إلى غير المختصين.
وقمت بطباعة رسالة الماجستير(اعتلال القلوب في أخبار العشاق والمحبين) والتي استمر عملي في تحقيق المخطوط أكثر من أربع سنوات، وأثناء العمل ولأنني أحضرت كل الكتب المشابهة في المكتبة العربية وجدت أن أكثر هذه الكتب قد طُبعت دون تحقيق أو اهتمام، وهذا بسبب أن أكثر دور النشر تجارية فلا تهتم إلا بإصدار الكتب، فقمت بتصنيف الأشعار الواردة في أربعة عشر كتابًا من كتب العشق، وقمت بتحقيقها وضبطها وأصدرتها في معجم أسميته: معجم أشعار العشق في كتب التراث العربي، مؤلّف من 840 صفحة من القطع الكبير.
بعد ذلك ألَّفت مجموعة من الكتب في تبسيط اللغة العربية مع استخدام الأمثلة المناسبة لكل الأعمار.
أما بالنسبة إلى الشعر الذي أحببته دائمًا فقد كان لي في دراسته طرقًا عدّة، فقد شرحت عددًا من دواوين الشعر العربي القديم، وأثناء دراستي أحببت تقديم الشعراء لغير المتخصصين بطريقة سهلة محبّبة فكانت (سلسلة أيام معهم) التي كتبت فيها عن خمسة من الشعراء من مختلف العصور (جرير، نزار قباني، محمد الفيتوري، عبد العزيز خوجة، هدى ميقاتي). أما العمل الأهم والذي أخذ الكثير من الوقت لإنجازه فهو (المعجم في اللغة والنحو والصرف والمصطلحات 1|6) فقد عملت فيه لأكثر من عشر سنوات مع فريق عمل يتجاوز عدده الثلاثين، والسبب في تصميمي على هذا العمل هو ما وجدته من فجوة كبيرة بين المعاجم القديمة التي كان لأصحابها الفضل في الحفاظ على هذه اللغة العظيمة، وبين المعاجم الحديثة. أمّا المعاجم القديمة فقد صارت بعيدة عن روح العصر الذي يتميز بالسرعة والمباشرة، فإذا أراد قارئ ما أو باحث أن يجد كلمة في أحد تلك المعاجم فهو يضيع بين الصفحات ويدخل في متاهات جذر الكلمة وأسرته حتى يصل إلى مبتغاه، وهذا ما يبعد الإنسان المعاصر عن هذه المعاجم، ناهيك عن العدد الكبير لمجلدات كل معجم.

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات