حين بدأ الكابوس الأكبر لديبلوماسية كوريا الشمالية

09:56 صباحًا السبت 17 أغسطس 2013
آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

مجندات كوريات شماليات أثناء استعراض ميدان :يم إيل سونج، بيونغ يانغ، خلال الذكرى الستين للحرب الكورية، 27 يوليو 2013 (الصورة من ديفيد جوتنفيلدر، أ.ب)

حين بدأ كابوس ديبلوماسية كوريا الشمالية  

يدرك الجميع أن كوريا الشمالية هي بلد من الصعب التعامل معه. يصعب  الأمر على الأعداء، ولكنه قد يكون أكثر صعوبة على الحلفاء. وربما، لا أحد يعرف ذلك أفضل من السوفييت الذين كان نصيبهم العادل من المشاكل مع بيونغ يانغ في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي خصوصا مع محاولات الكوريين الشماليين للتأثير على التواصل الرياضي من الاتحاد السوفياتي السابق. ونعرف ذلك بالتفصيل بفضل أرشيف المحفوظات السوفياتية. 

في عام 1967 طلبت حكومة كوريا الشمالية من موسكو، وبالتالي كان الطلب موجها لجميع حلفاء الشيوعية لمقاطعة بطولة العالم لكرة السلة التي كان من المقرر عقدها في تشيكوسلوفاكيا، التي يفترض أنها عضو آخر من أعضاء “الإخوان الشيوعيين”.

في أواخر الستينيات كان المعسكر الشيوعي في حالة فوضى كبيرة، في محاولة للتجاوب مع شروط الانقسام بين الصين والاتحاد السوفيتي ويزداد الوضع الداخلي توترا في بلدان أوروبا الشرقية، ولكن هذه المطالب لا تزال غير عادية. بل ورفضت بطبيعة الحال. ولكن لماذا جعل الكوريون الشماليون هذه المطالب في المقام الأول؟ السبب بسيط: كان من المتوقع أن يشارك المنتخب الكوري الجنوبي في البطولة.

كانت تلك حلقة صغيرة نموذجية جدا للدبلوماسية الرياضة في كوريا الشمالية وتعاملها مع الاتحاد السوفييتي. في الواقع، من عام 1948 وحتى انهيار الكتلة الشيوعية كان هناك إصرار قوي من الكوريين الشماليين على أن لا يكون حلفاؤهم الشيوعيون على أي اتصالات مع حكومة سيول على الإطلاق. لم يحرز أي استثناء للحقول غير سياسية يفترض، بما في ذلك الرياضة. أعلن الكوريون الشماليون بوضوح أن أية اتصالات مع “دمية زمرة الرجعية” إذا قام به حلفاء بيونغ يانغ، ستعتبر “أعمالا عدائية”. لم يكن الدبلوماسيون السوفييتيون من مشجعي كيم ايل سونغ، لكنهم يعتقدون أن مظاهر الكتلة المتضامنة ينبغي الحفاظ عليها.

كان هناك تناقض، ولكن. من منتصف خمسينيات القرن الماضي، بدأت موسكو باتخاذ المحافل الرياضية الدولية على محمل الجد، لإدراكها بأن “الساحات الرياضية أبواقا للدعاية السياسية بواسطة وسائل أخرى”. واستخدمت النجاحات الدولية من الرياضيين السوفياتي لإثبات زعم “تفوق النظام الاجتماعي السوفياتي”. ومع ذلك، ومن أجل المشاركة في الحركة الرياضية الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي كان هناك اتباع للقواعد المقبولة عموما وكان على الرياضيين السوفياتيين أن يكونوا جاهزين للمنافسة مع رياضيين من أي بلد من البلدان المشاركة الأخرى. ربما يمكن أن يكون هناك استثناء بالنسبة للولايات المتحدة التي كانت مكروهة على نحو خاص من قبل الكرملين.

ومع ذلك، فإن مصالح السياسة العالمية غالبا ما تتطلب من الرياضيين السوفياتيين ينبغي تجنب التنافس مع الرياضيين الذين جاءوا من “الأنظمة الرجعية.” قائمة المنبوذين ظلت تتغير مع مرور الوقت. شملت في الستينيات والسبعينيات كوريا الجنوبية وجنوب أفريقيا، وإسرائيل، وإسبانيا (تحت دكتاتورية فرانكو)، وكذلك اليونان (فترة وجيزة) وتشيلي (منذ عام 1973، بعد بينوشيه). ولاحظ ميخائيل بروزومنشيكوف Prozumenshchikov الذي نشر مؤخرا كتابا عن أبعاد الدبلوماسية للرياضات الدولية في الحقبة السوفياتية، أن مشاركة جميع هذه الدول لم يكن مزعجا، باستثناء كوريا الجنوبية، وكانت كل محاولة لإشراك الرياضيين سيول من شأنها أن تنتج نوبات من الهستيريا في بيونغ يانغ.

 أحيانا بدا الوضع كوميديا جدا. في عام 1971، جاء فريق كرة القدم الايراني الى سيول. وبطبيعة الحال تماما، رافق ذلك الفريق مدربه والذين صادف أنه كان مواطنا سوفياتيا. علمت موسكو بأمر هذه الرحلة متأخرا فقط، وعهدت إلى محاولات محمومة لاعتراض المدرب في طريقه إلى سيول، ولكن بعد فوات الأوان. وقدمت بيونغ يانغ احتجاجا دبلوماسيا مناسبا.

 أصبحت هذه المسائل أكثر وضوحا في السبعينيات عندما بدأت تطور الجنوب الكوري الرياضي يتسارع. وكان رفض لقاء كوريا الجنوبية أو عدم السماح لفرقها التنافس على التربة السوفياتية يؤدي إلى العديد من الفضائح وعلى نحو متزايد، و في كثير من الأحيان يمنع موسكو من استضافة الأحداث الرياضية الدولية – وهو أمر لم يكن السوفييت سعداء به. ومن هنا، بدأت سياسة المقاطعة غير المشروط تتغير تدريجيا.

 في عام 1973، شارك الكوريين الجزء الجنوبي في دورة الالعاب Universiad في موسكو. لأكثر من سنة حاول دبلوماسيو السوفيات تلقي موافقة بيونغ يانغ. حتى كما لو كان هذا ملمحا للمصالحة بين الشمال والجنوب. ظلت بيونغ يانغ على عنادها، ولكن دعت موسكو فريق سيول على أي حال، لأسباب ليس أقلها أن صناع القرار السوفيتي لم يكونوا على ثقة بأنه أمر طبيعي التصرف كما لو لم يكن هناك وجود لكوريا الجنوبية التي تعيش بدايات انطلاقتها الاقتصادية.

 في عام 1975، وللمرة الأولى كان على الاتحاد السوفياتي استضافة اثنين من بطولات العالم بمشاركة رياضيين من كوريا الجنوبية، بما في ذلك بطولة رفع الأثقال العالمية، التي كانت حدثا رفيعة المستوى نسبيا. هذا يعني أن الفرق الكورية الجنوبية ينبغي أن تدعى من قبل اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية. لفترة من الوقت، لم تصدر السلطات السوفييتية للاعبين تأشيرات،  ولكن سيول اشتكت إلى الاتحادات الدولية. وأخيرا، تم إصدار التأشيرات. لتقليل الضرر، قررت القيادة السوفيتية “أنه لا يجب أن تكون هناك عجلة في التشاور مع الكوريين الشماليين بشأن هذه المسألة.”

 بالنسبة لأولئك الذين لا يتقنون اللغة الديبلوماسية، كان هذا هو الطريق المرشد للدبلوماسيين الروس بأن على الكوريين الشماليين مواجهة الواقع. والمؤكد، أن التأخير بإصدار التأشيرات قد يكون جزءا من هذه الخطة، التي تهدف إلى وضع بيونغ يانغ في بعيدة عن ضوء الوقائع، طالما كان ذلك ضروريا. في الواقع، كانت الفضيحة التي تلت معتدلة نسبيا ويمكن التحكم فيها.

 في عام 1978، استضاف اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية بطولة العالم في الكرة الطائرة نساء، وحضرها أيضا الفريق الكوري الجنوبي. هذه المرة، تمكن السوفييت في الحصول على موافقة مترددة  من بيونج يانج. ومع ذلك، وفي آخر لحظة اكتشف المسؤولون السوفييت أمرا غير سار. فقد تبين أنه وفقا للوائح الدولية، وفي وثائق فريق كوريا الجنوبية، ذكر أنه ينبغي أن يشار إليها باسم “فريق كوريا”. وكانت هذه أخبارا سيئة، حيث بدا أن بيونغ يانغ ستفسر بالتأكيد مثل هذه الخطوة بمثابة دعم ضمني لمطالبة سيول بأنها الحكومة الشرعية الوحيدة لكوريا بأكملها.

 لتجنب فضيحة دبلوماسية، وضعت البيروقراطيين السوفيتي مجموعة من القواعد للتعامل مع المشكلة. أولا، تقرر أنه، خلافا للتقاليد المعمول بها، خلال حفل الافتتاح لن تحمل الفرق اللوحات المعتادة مع أسماء بلدانهم، ولكن ستكون ممثلة من قبل الأعلام الوطنية بدلا من ذلك. ثم، تقرر أن يذكر الاسم على اللوحات الالكترونية سوف يتم الإشارة إليها باسم “كوريا (الجنوبية)”. أخيرا، قررت موسكو أن كوريا الجنوبية سيطلق عليها “كوريا” فقط في النشرات باللغة الفرنسية أثناء وجودها في جميع الحالات الأخرى، كما يجب على المترجمين السوفيتيين الفوريين الالتزام بوصفها الصحيح من الناحية السياسية بأنها “كوريا الجنوبية”.

 بينما كان يمكن للكوريين الجنوبيين أن يأتوا أحيانا إلى الاتحاد السوفياتي، لم يكن ممكنا للرياضيين السوفيات زيارة سيول تحت أي ظرف من الظروف. في نوفمبر عام 1968 ، استطاع المكتب السياسي السوفياتي، وهو أعلى هيئة تنفيذية للدولة ، وبعد بعض المداولات أصدر مرسوما يقضي بأن على الجانب السوفيتي مقاطعة كل المناسبات الدولية المقامة في كوريا الجنوبية.

على سبيل المثال، رفض الوفد السوفياتي في عام 1979 حضور اجتماع الاتحاد الدولي للرماية لأنه أقيم في سيول. ونتيجة لذلك، تم طرد ممثلي الدول الشيوعية السوفياتية وغيرها ‘من قيادة الاتحاد. عام 1981 فقط، صدر قرار جديد من المكتب السياسي يراجع قراره ال سابق ويسمح للرياضيين السوفيات لزيارة سيول طالما كان من الضروري المشاركة في المسابقات الدولية العادية.

 ربما، كان لدى الكوريبن الشماليين أسباب للقلق: فتحسين العلاقات بين الاتحاد السوفياتي وكوريا الجنوبية، يعد قمة كوابيس الدبلوماسيين الكوريين الشماليين، وهو في الواقع ما بدأ عندما حضر فريق السوفياتي دورة الالعاب الاولمبية عام 1988 في سيول.

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات