هواتف كوريا الشمالية … من الدردشة إلى الثورة

12:56 مساءً الثلاثاء 20 ديسمبر 2016
آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

telفي شوارع بيونغ يانغ يحب الصحفيون الأجانب التقاط صور الناس (تُفضل صور لحسناوات المنظر ممن يرتدين ملابس أنيقة، بطبيعة الحال) وهم منكبون على الدردشة عبر هواتفهم النقالة. والواقع أن انتشار تكنولوجيا الهاتف النقال في كوريا الشمالية جذب الكثير من الاهتمام في جميع أنحاء العالم (لأسباب ليس أقلها أن الهواتف المحمولة تجسد التكنولوجيا الحديثة، واستطرادا، تمثل الرأسمالية).

كان ولا يزال وصول تكنولوجيا الهاتف النقال إلى  كوريا الشمالية، يعد تغييرا هاما، ومن المرجح أن ينتج ذلك عواقب ثقافية واجتماعية سلبية عديدة، غالبا ما يتم تجاهلها، ومع ذلك، فقد بدأت شبكات المحمول في كوريا الشمالية (هناك اثنتان، كما سنرى لاحقا) لتكون جزءا من ثورة الاتصالات التي بدأت، دون أن يلاحظها أحد عموما، بابتلاع كوريا الشمالية في وقت مبكر من الألفية الثالثة.

وبصفة عامة، فإن جميع الدول الشيوعية في الحقبة السوفيتية لم تبال ظاهرا بالاتصالات غير العسكرية، وخصوصا عندما يخدم نظام الاتصالات مصلحة عامة الناس. وكانت قوائم الانتظار الطويلة للهواتف المنزلية هي القاعدة في الكتلة الشيوعية. ومع ذلك، وعكس هذه الخلفية التاريخية، كانت كوريا الشمالية، كما عهدناها غالبا، استثناء حين رفضت الحكومة الكورية الشمالية نشر أي احصاءات اقتصادية ذات معنى منذ ستينيات القرن الماضي.

ومنذ وقت مبكر، بات من الصعب معرفة عدد الهواتف الخاصة في الدولة في الثمانينيات، والتسعينيات، ومع ذلك، فمن الواضح أنه لعقود طويلة ظل امتلاك هاتف المنزل امتيازا نادرا جدا، لدى قلة مختارة فقط تتمتع بالرفاهية في المدن الكبرى. وكقاعدة عامة، وحتى أواخر التسعينيات، كان لا بد من أن تكون بيروقراطيا رفيع المستوى لتكون مؤهلا للحصول على هاتف في المنزل. وإلى حد يثير الدهشة، ففي العديد من المدن الكورية الشمالية لم يكن لدى سكانها خاصية اتصال مباشر حتى نهايات ذلك العقد، وكان على المشتركين التحدث إلى مشغلي البدالات لطلب الاتصالات يدويا.

ما زلت أتذكر الآونة الأخيرة عندما كان سؤال عن الهواتف المنزلية من شأنه دائما أن يثير ابتسامة كبيرة على وجه الكوري الشمالي: الجميع يعرف أنه كان ترفا يتمتع به فقط الأعلى مرتبة من القشرة العليا في المجتمع.

وبعد ذلك، تغيرت الأمور فجأة. ولا تزال التفاصيل الدقيقة لهذا التحول غير معروفة، ومن المرجح أن تظل على هذا النحو في المستقبل المنظور. ومع ذلك، تؤكد مصادر لا حصر لها في وقت مبكر من هذا القرن أن كوريا الشمالية بدأت على نحو هائل تطبيق إنشاء شبكة بطول البلاد وعرضها للهواتف.

في غضون خمس أو 10 سنوات، لم يعد الهاتف في المنزل ترفا (ونحن نتحدث هنا عن الهواتف الأرضية، وليس الهواتف النقالة). معظم من هم في دائرتي بكوريا الشمالية، إذا سئلوا في الوقت الحاضر عما إذا كان لديهم هاتف في المنزل، يجيبون كأمر واقعي بأنه لديهم هاتفا. “إذا لم يكن لدينا هاتف، فإن الحياة المهنية والاجتماعية تكون شبه مستحيلة”.

مرة أخرى، لا تتوافر إحصاءات رسمية، ولكن يبدو أنه في بيونغ يانغ توجد نسبة بين 50 و70 في المئة من الأسر لديها خط هاتف أرضي بالمنزل (لا يشمل ذلك الهاتف المحمول). في الريف، يبدو أن هذا الرقم أقل من ذلك بكثير، ولكن لا يزال أعلى بكثير مما كان عليه الأمر قبل 20 عاما. يمكن للمرء أن يقدر وجود نسبة من 20 إلى 30 في المائة من الأسر في المدن النائية لديها الآن هواتف كذلك.

لقد ولت أيام مشغلي الهاتف. ويشمل الاتصال التلقائي الآن على حد سواء المكالمات الهاتفية المحلية والمكالمات الدولية.

وبطبيعة الحال، لا تزال كوريا الشمالية دولة فقيرة جدا ولديها أساليب ملتوية. على سبيل المثال، فإن عددا كبيرا من الهواتف المنزلية وما يسمى بالهواتف المزدوجة  يتقاسم خط وارد واحد من قبل هاتفين مختلفين مثبتين في شقتين أو منزلين مختلفين. في الممارسة العملية، هذا يعني أن العديد من الأسر الكورية الشمالية لا يمكنها استخدام هواتفها حين يستخدمها الجيران. هذا هو الاختصار الذي يسمح لمخططي المدن بمضاعفة عدد الهواتف التي يتم تشغيلها. ومن المثير للاهتمام، أنني استخدمت نفس النهج أيضا في طفولتي حين نشأت في الاتحاد السوفياتي.

أدى النمو الهائل في عدد الهواتف المتاحة إلى زيادة الهواتف العمومية. وكانت هذه الهواتف العامة نادرة حتى التسعينيات، كما هو الحال في الهواتف العمومية في الشوارع الكورية الشمالية يمكن استخدامها فقط للمكالمات المدفوعة الأجر. الآن، ومع انتشار خطوط الهاتف المنزلي، زاد استخدام الهواتف ذات الأجر إلى حد كبير.

كان التاجر والوسطاء من مختلف الأنماط هم أول المتوقع حصولهم على خدمة الهواتف المنزلية، لأن التواصل دائما يمثل عنصرا حيويا لنجاح أي عمل. فهم على استعداد لدفع الرشاوى للقفز بعيدا عن قائمة الانتظار. ومع ذلك، وفي معظم الحالات، لم يكن ذلك ضروريا، حيث يتم تخصيص أرقام الهاتف رسميا على أساس تجاري: فمن على استعداد لدفع رسوم التأسيس (ما يعادل 100-200 دولار أمريكي) سيكون هاتفه الأرضي مركبا بمنزله على الفور.

وبطبيعة الحال، فإن وصول تكنولوجيا الهاتف النقال كاملة أحدث ثورة بالاتصالات – على الرغم من ذلك، كما قلت من قبل، كان هذا فقط جزءا من ثورة الاتصالات في أوائل الألفية الثالثة.

الصفحة الأولى للمقال في ماجازين إن | ديسمبر 2016

الصفحة الأولى للمقال في ماجازين إن | ديسمبر 2016

جرت أول محاولة كورية شمالية لبناء شبكة للهاتف المحمول المحلية في عام 2002 عندما بدأ مشروع مشترك مع شركة مقرها تايلاند لبناء ما يلزم من معدات ومقرات بيع الخدمات. في البداية، كانت التجربة ناجحة جدا، ولكن انتهت هذه التجربة فجأة في شهر مايو 2004 عندما سحبت جميع الهواتف النقالة فجأة من الخدمة.

ويعتقد على نطاق واسع أن هذا المنعطف المفاجئ جاء نتيجة الاستفزاز الذي عززه انفجار هائل في محطة ريونغتشون قبل شهر من ذلك التاريخ. ويعتقد أن هذا الانفجار كان محاولة اغتيال لأنه تم بعد مرور القطار المدرع الذي يستقله الرئيس كيم جونغ ايل (على الأقل نعلم أن كيم نفسه، كما ذكرت وثائق ويكيليكس، كان هدف انفجار قوي في محاولة اغتيال فاشلة). وفقا للشائعات، كان الانفجار بواسطة جهاز هاتف محمول، مما أدى إلى فرض حظر على الفور. وقد تكررت هذه القصة في كثير من الأحيان ولكن من المنطقي أن نتذكر بأن الأمر لا يزال شائعة. الدوافع الحقيقية لوقف عام 2004 خدمة الهاتف المحمول لا تزال غير معروفة على وجه اليقين.

وباعتراف الجميع، لم توقف خدمة الهاتف المحمول تماما. كما اكتشفت في عام 2007، من خلال مصدر مطلع في تايلاند، في وقت كان هناك حوالي 400-450 الأجهزة النقالة تزال نشطة على الشبكة الكورية الشمالية، ومن الواضح أنها كانت بأيدي كبار المسؤولين.

في عام 2009 تم إحياء شبكة الهاتف النقال الوطنية من قبل الشركة المصرية أوراسكوم، التي أنشأت مشروعا مشتركا معروفا باسم (كوريولينك) مع حكومة كوريا الشمالية وباستثمارات ضخمة في شبكة الهاتف النقال الشمالية. في الوقت الحاضر، هناك أكثر من 3 ملايين اتفاق موقع (كما سنرى قريبا، العدد الحقيقي للمشتركين هو أقل بكثير من عدد من الاتفاقات الموقعة).

عانت أوراسكوم مما يبدو بأنه مصير لا مفر منه تقريبا لكل مستثمر أجنبي ناجح حقا في كوريا الشمالية: لقد استبعدت من قبل الشركاء في كوريا الشمالية وبدعم كامل من بيونغ يانغ. وقد نوقشت قضية أوراسكوم على نطاق واسع وبالتالي ليس هناك من سبب لمواصلة الخوض في ذلك، ولكن يكفي أن نقول أن حكومة كوريا الشمالية منعت الشركة من استعادة سنت واحد جنته في كوريا الشمالية، وركلتها خارج البلاد.

وكجزء من الجهود للضغط على شركة أوراسكوم، أنشأ الكوريون الشماليون شبكة إضافية هي كانج سونج. ولا تعرف الخلفية الحقيقية لهذه الشبكة، ولكنها دخلت على الإنترنت في عام 2013. أرقام هواتفها تبدأ مع الأرقام 195، وبالتالي تتميز بسهولة من أرقام كوريولينك التي تبدأ بأرقام 191.

نظام الدفع كوريو لينك لافت للنظر جدا. سعر الاشتراك الأساسي هو ما يقرب من 1000 وون كوري شمالي (أقل من 15 سنتا وفقا لسعر السوق). هذا المبلغ يشتري 200 دقيقة من المحادثة. ومع ذلك، فإن كل دقيقة إضافية أكثر تكلفة بكثير: إذ يجب على المرء أن يدفع ما يعادل 10 دولارات لكل 100 دقيقة إضافية.

يمكن للمرء أن يخلص إلى أنه تم إنشاء هذا النظام لجعل الهواتف متاحة لأكبر عدد من العملاء. ومع ذلك، ومثل العديد من الخطط الاقتصادية بدافع النوايا الطيبة للحكومة، تأتي بنتائج عكسية. فمن المنطقي والمثالي أن يمتلك المرء خطين هاتفيين اثنين أو ثلاثة أو حتى أربعة، ليتخلص منها مرة واحدة عند الوصول إلى الحد الأقصى للمكالمات بقيمة 200 دقيقة. حينها يمكن للمشترك ببساطة التبديل إلى هاتف آخر بدلا من شراء المزيد من الدقائق. من الناحية الفنية يسمح بهاتف واحد فقط لكل مواطن في كوريا الشمالية، ولكن في الممارسة العملية، من السهل تجاوز هذا الحظر. يستخدم الناس أسماء أخرى في العائلة أو بين الأصدقاء، أو يتم دفع مبلغ صغير من المال إلى الفقراء الكوريين الشماليين الذين لا يهتمون بالهواتف النقالة على أي حال، وبالتالي فهي على استعداد تام للسماح لأحد الجيران الأغنياء باستخدام اسمه في مقابل مبلغ ضخم من العملة الصعبة.

نظام الرسوم التي تستخدمها شركات الهاتف يعني أن العدد الفعلي للمشتركين هو أصغر بكثير من عدد من الاتفاقات القائمة.

ولكن هناك شيئا واحدا مؤكدا: بدأ الكوريون الشماليون باجراء محادثات مع بعضهم البعض على نطاق لا يمكن تصوره حتى الآن. معظم الأشياء التي تناقش، سواء على الهواتف المنزلية أو المحمول، هي محض محادثات حميدة إلى حد كبير عن العمل أو الحياة الشخصية. ومع ذلك، فإن القدرة على التواصل على هذا النطاق الواسع يعني أن العلاقات الأفقية بين كوريا الشمالية تنمو بسرعة.

هذه الثورة الهاتفية بشرت بوضع جديد قد يخلف عواقب لها أهميتها، سواء في المستقبل القريب أو على المدى الطويل.

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات