العصفور الأحدب وملاح الرواية

02:28 مساءً الأربعاء 22 أغسطس 2018
أشرف أبو اليزيد

أشرف أبو اليزيد

رئيس جمعية الصحفيين الآسيويين

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

كلما طال بك الوقت في دمشق لا تبتعد كثيرًا عن الفن، بل تكاد تقترب منه أكثر. إلى موعد مع الروائي الكبير حنا مينه تصحبني الكاتبة سعاد جروس، تحدثني عن دمشق، التي لم تتبدل، حتى لو تبخرت أنهارها السبعة، وتلاشت غالبية جنائنها وزحف الصفيح على بساتينها، هي الشام، الشامة المتخفية في صدور أبنائها.. المسرح الواسع الذي يؤمه الممثلون والجمهور من كل صوب.

المدينة تصنع الأحداث وتسمي الممثلين، تتواطأ معهم، يمنحونها أنفسهم، فتمتعهم بروحها، وكأنهم امتلكوها، وعداهم، كلهم عابرون، لا يظفرون منها بقلامة ظفر.. مدينة لا تجيد التجمل، لم تتقن البرتوكول الغربي، ولا استقر على قسماتها مكياج التحرر الثوري، وغير مرتاحة للموضة الأمريكية ولا الأكل السريع، إنها لا تعتز إلا بذاتها ولا زالت حلات الفول النابت والذرة المسلوقة والصبارة تتوازع شوارعها مزهوة، ترنو إلى قاسيون الشامخ، وتخشع في الجامع الأموي، وتتبع في السوق الطويل خطى بولس.

يوقف الحديث وصولنا إلى ميناء حنا مينه، إلى شقته الدمشقية، المستقرة في حي هادئ بعد تعب كأنها جزيرة فوق اليابسة، بعيدًا عن البحر الذي ألفه صاحبها.

كان الطريق إليه لا يشبه رواياته السلسة، ربما أراد الاحتماء بهذه الصومعة العالية ليتفرغ للكتابة، والقراءة، وهو من أكثر الكتاب المعاصرين تدوينا ومطالعة. كنا نشعر قبل أن نصل إليه بأن وقتنا معه لن يطول، الساعة تقترب من الواحدة، واليوم منتصف الأسبوع، وهو في العادة لا يستقبل ضيوفه ببيته، (كل نهار خميس، في الحادية عشرة أو بعدها بنصف الساعة، وحتى الساعة الثالثة، آخذ مكاني بمقهى الروضة، هناك استقبل أصدقاء وقراء كثيرين) لكن الحديث استغرقنا وحين طالعنا الساعة لدى خروجنا من عنده كانت تشير إلى الرابعة!

طال الحديث، مرة يتحدث عن الفقر الأسود في الشباب الذي أصبح من المعتاد أن يتذكره عارفوه ومحبوه دليلا على الصلابة التي واجه بها حنا مينه الحياة، وأخرى عن الفقر الأبيض الذي يتندر به اليوم وهو يقول لقد اكتفيت، وإذا رأيتم ملاك الموت فأرسلوه إلي!لكن حياة المبدع الكبير بين هاتين التعاستين خلقت عالما من السعادة الروائية، حتى لو بكينا مع أبطال بحار الرواية العربية، الذي بلل البحر أعماله بملح التجارب القاسية: “لحمي سمك البحر، دمي ماؤه المالح، صراعي مع القروش كان صراع حياة، أما العواصف فقد نقشت وشما على جلدي إذا نادوا: يا بحر!”

يشيخ حنا مينه إذا شاخ البحر، لكن البحر لايشيخ حتى لو تهرب الموانئ، وتهجر السفن، وتهرم عرائس البحر، يبقى الملاح يلقن النوارس دروس البهجة والحلم. طاب له أن تذكره سعاد، بمشاجرته التليفزيونية، فأعاد ما جرى بملتقى الرواية في دبي، ثم ذكرها ببيت الشعر الذي استعان به ليرد على ذلك الناقد الجاهل حينها، وهو مقتطفٌ للمتنبي الذي كان رابعنا في لقائنا بالروائي الكبير:

أتى الزمانَ بنوهُ في شبيبتِه فسَرَّهم،  وأتيناه على الهرم
تقلدتني الليالي، وهي مدبرةٌ، كأنني صارم في كفِّ منهزمِ

دروس حنا مينه في ذلك اللقاء تعددت، لكن التاريخ كان أولها، والحزم كان أهمها، قال: “في رسائل بولس الرسول هذه المقولة (كن باردًا أو حارًا، ولا تكن فاترًا فتتقيؤك نفسي)، ولم أكن فاترًا، حتى قبل أن أقرأ هذا الكلام المأثور”.

حدثنا بمحبة عن بيته الكبير متعدد الطوابق في اللاذقية، وكأنه يضعه ـ البيت ـ مثل التحف واللوحات التي ضاقت بها غرفته: صورة للمبدعين الروس، لوحات بأسماء رواياته رسمها له جورج البهجوري، تماثيل رومانية، تذكارات، وروايات مترجمة كان أحدثها إلى الأرمنية، صور وتفاصيل وفنجان قهوة عزيز عليه: “هذا فنجان أمي أشرب به القهوة منذ 40 عامًا.”

يسترسل حنا مينه كما لو أن مفتتحًا في رواية جديدة قد بدأ، ولا يريد له أن ينتهي: لكي أمتلك معلمية الكتابة كان علي أن أقرأ التوراة، وأحفظ بعضا من إصحاحه، وأن أقرأ القرآن الكريم وأن أحفظ الكثير من سوره، وأن أقرأ (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني وتاريخ العرب في الجاهلية والإسلام، وأن أخالف طه حسين في أن الشعر الجاهلي منحول كله، ففي الجاهلية كان شعرٌ، وكانت ثقافة وحضارة، وأن أسبق ـ بشهادة الناقد محمد دكروب اللبناني المجتهد ـ ما يقال اليوم من أن الرواية هي ديوان العرب، وقد سبقت إلى قولها عام 1982م.

وحين تبدأ مطارحات الروائي الكبير عن أدبه يطيب له أن يذكر الفضل المتبادل بينه وبين دار الآداب التي تعيد طبعات رواياته سنويا، وهو حسب الدار يجاري في الرواية، ما فعله نزار قباني في الشعر. (نزار قباني دخل تسعين بالمائة من البيوت بقصائده، ودخلت ثمانين بالمائة من بيوت القراء برواياتي).

كان يمتحنني بين الحين والآخر في رواياته وأحداثها، ولا تنجدني فيما أنساه سوى ذاكرة الكاتبة التي تربت مثل مبدعات كثيرات على رواياته، لكنها تخلص اليوم لقضايا الواقع، والسياسة، والإعلام.

يمضي الحديث فأسأله عن جديد الرواية السورية الجيد الذي يتابع قراءته، فيحضره اسم فواز حداد، ويدهشه أنني قرأت له، (أو أنني أذكر أعماله).

والواقع أن لقاء مماثلا بالروائي حداد كان تمثال صلاح الدين شاهدًا عليه، في مقهى القلعة العلوي المواجه للتمثال، لا يزال حيا في ذاكرتي مع هذا الأديب الصموت صاحب (تياترو 1949) و(الولد الجاهل) التي صدرت في عام 2000.

في (الولد الجاهل) يختار فواز حداد لبطله (الكاتب) أن ينقل بقرار سلطوي للعمل من وزارة التربية إلى وزارة الداخلية، لتكون مهمته تلفيق القصص للمتهمين، وبالاستعانة بأرشيف ضخم من الوثائق، الموجودة في قبو، ومهارة يمتلكها لأن لديه أكثر من لغة. أتذكر هذه الرواية اليوم بعد سنوات من نشرها، لأن رواية جديدة هي (عالم صدام حسين) تستعير ـ في رواية حقيقية مماثلة ـ شخصية بطل فواز حداد، ولكن النبوءة الفوازية تؤكد إنسانية روايته وصدقها.

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات