مُلْكُ َليسَ يَفنَى القصيدة القيمة ، والقصيدة الحال .. فى الديوان

04:23 مساءً الإثنين 19 أغسطس 2019
عزة أبو العز

عزة أبو العز

كاتبة وناقدة من مصر

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

السيد حسن .. شاعر ومثقف مصرى يعمل بدأب الواثق من وقع خطواته الإبداعية المؤثرة على الساحة الثقافية ، سواء على مستوى العطاء الشعري ، أو من خلال برامجه الثقافية الهادفة التى تبثُ عبر أثير إذاعة البرنامج العام ، بالإضافة  لنافذته الثقافية الأهم التى تفتح أبواب الأمل أمام كثير من المبدعين والمواهب الواعدة بشكل أسبوعي فى دار الأدباء وسط عاصمة الإبداع ” القاهرة”، هذا الفلاح المنتمى دائماً للذات وللوطن معاً ، صدر لهحديثاً  ديوان “مُلك ليس  يفنى” عن سلسلة طيوف من إصدارات يسطرون 2019م، وفيه سوف نتعرف على ملامح جديدة من مُلك يشيده( السيد حسن ) بثبات وقوة ، ملك يغذيه من مداد روح شاعرة  ملتهبة لا تفتر ولا تتوانى في البحث فى ثنايا النفس البشرية، ومن وعي نبيل لا يغفل عن قضايا الأوطان .

دراسة نقدية بقَلَم عَزَّة أَبُو الْعِزّ

دراسة نقدية بقَلَم عَزَّة أَبُو الْعِزّ

** القصيدة القيمة ، والقصيدة الحال .. فى الديوان .

إن المتصفح لديوان “ملك ليس يفنى”  سيجد أن الشاعر قد أجاد فى تقديم ” القصيدة القيمة ” فى مجموعة كبيرة من القصائد ومنها قصائد : (هُويَةُ ،  شُموخُ ، الفُصْحَى تَتَنَفسُ شِعرا ، هُنَا القاهرة)، وهو يؤصل وينتصر لمبدأ الفن للحياة ، فهو مهموم بأن تحمل قصيدته الشعرية قيمة إنسانية ما، فمن المؤكد أن لكل شاعر عالمه الشعري المتفرد،وهنا يقدم لنا الشاعر من خلال قصيده مفهومه عن (الجمال، الذات الإنسانية، المجتمع الذى يحيا فيه ، وتجاربه فى الحب التى تأتى إنعكاساً لحالات الذات الشاعرة بما تحمله من مشاعر، وما تعتقده من أفكار.

وقصائد السيد حسن على كثرة تنوع مضامينها (الإنسانية والعاطفية والوطنية) لا تخلو من القيمة، فهو فى كل قصيدة يرسخ قيمة ما، وغالباً ما يعلن معتقده وانتصاره لهذه القيمة من خلال عناوين قصائده .

الشاعر

الشاعر السيد حسن

ففى قصيدة هُويَةُ يقدم لنا قيمة الانتماء فى أبهى صوره ، الانتماء الذىنلمسه فى نداء الشاعر إلى من تنتمي، ويعدد مواصفاته (الجسدية والنفسية والروحية)، ثم ينتقل لمواصفات الوطن القابع تحت جلده، والمنقوش فوق جدار ذاته، واصلاً بنا فى رحلة الانتماء البديعة هذه إلى البدوي الذى يلبي هتفة نداء من قلب النيل (حابى) إذا ما أطلق الشاعر فى الدنيا ندائه، وفى تلك القصيدة البديعة أعلنها الشاعر منذ بداية عنوانه الدال والمرسخ لقيمة الانتماء وهو عنوان “هُويَةُوما أجملها من قيمة تحملها كل مدلولات الكلمات فى الأبيات من ( ص 6- 10) .

إلى من تنتمي  ناري ومائي

وفلاح ُتَخَفي فِي ردائي

ورنةُ ضِحكَتِي،

وَحَنينُ رُوحِي

وَفِنجَانَانِ من بُن بِعَينِي

وَسُمرةُ بَشْرَتِي ، وَهَواءُ صَوتِي

وَخَيمَةُ وَحْدَتِي، وَسُيُوفُ وَقتِي

وَأَفْرَاسٌ تُهْروِلُ فِي دِمَائِي

وَهَذِي الفَأسُ فِي كَفي،

وَصَبرِي،

وَتَارِيخٌ تَراكَمَ َتحَتَ ِجلِدي

وَصمتِي حِنَ يَرسُمُ كِبريَائِي

** وفى قصيدة شُموخُ نجد توظيف الشاعر لأكثر من قيمة لتكون كحائط صد له أمام ( هوج الرياح ، وتنجيه من عصف الحناجر والخناجر و المشاعر والرماح،وتقيه إعصار الأباطيل والخيانات الصديقة … إلخ (ص 12) .

لكَ فِي شُمُوخِكَ مُسْتَرَاحْ

يُؤويكَ مِنْ هُوجِ الريَاحْ

يُنجِيكَ مِنْ عَصفِ الحَنَاجِرِ

والخَنَاجِرِ وَالمشَاعِرِ

وَالرمَاحْ

كما ينجيه ثبات القلب حين تجيئه الفتن المريبة عند باب الروح خانقة ، وفي اعتصامه بالحقيقة  فى ظلام الليل مستطار للصباح.

لكَ فِي ثَبَاتِ القَلبِ  

حِينَ تَجِيئُكَ الفِتَنُ المرِيبَةُ

عِندَ بَابِ الروحِ خَانِقَةً

بَراحْ

لكَ فِي اعْتِصَامِكَ بِالحَقِيقَةِ

إنْ طَغَتْ ظُلُماتُ لَيلِكَ

واسْتَبَدّ دُجَى زَمَانِكَ

مُسْتَطَار للِصّبَاحْ

أما فى قصيدة ، الفُصْحَى تَتَنَفسُ شِعر ، (ص85) نجد دعوة جميلة بضرورة الفصحى وقيمتها فى نظم القصيد، بل فى حياتنا فهى هُوية المرء وهُوية أمته، وهى عنده   ليست هواءً فى الهواء يبثه، وليست حديثاً صيغ فِي الكلمات، ويؤكد أنها ذوب روح وائتلاق هُوية، ويرى فيها الحصن  المكين راسخ الجنبات، وفى تصوير ولا أروع يصف لنا إقبال الشعر عليها فى عِزةٍ، يٌقبل عتباتها ، ويقر بأن نصف الفتى لغته ونصف قلبه .

نِصفُ الفَتَى لُغَةُ ، وَنِصفُ قَلبُهُ ، أَنصِتْ إلى الأَلفَاظِ والخَفَقَاتِ.

كما يعلن عن عشقه للفصحى فى  ( ص90) قائلاً:

يَا أُم حَرفِ الضادِ

أِني  عَاشِقُ

إِني المٌرِيدُ

وَأنتِ قٌطبُ حَيَاتي .

الغلاف

الغلاف

فى قصيدة هنا القاهرة  (ص93) نجد إعلاء الشاعر لقيمة المهنة التى يمتهن ، وفخره بالدور الذى يبثه صوت مصر (البرنامج العام)، ويرسم صورة بالغة الإشراق لدور البرنامج العام التثقيفي والتنويري والوطني حال الأزمات والحروب، ليس هذا فقط بل هو الصوت الذى يدق أبواب العصور ليوقظ التاريخ من غفواته ، ويفض أسرار الدهور مصوراً لنا الدور المهم الذى يلعبه البرنامج العام فى هذه القصيدة النوعية، كأنه شهرزاد زماننا ، ويطالبه فى ختام القصيدة ص 98 بكل ما يبثه من قيم “الحق والخير والجمال” بأن يكتب هو قصيدته المتفردة على وجه الزمان .  

مَجْدِي هُنَا ..

وَهُنَا نِدَاءُ القَاهِرَةْ

صَوتُ يَرِقُ

فَإِنْ دَعَا دَاعِي الفِدَاءِ

سَمِعْتَهُ صَوتَاً يَثُورْ

صَوتُ يَهِيمُ مُسِافِرا

وَيَدقُ أَبْوابَ العُصُورْ

كَي يُوقِظَ التارِيخَ مِنْ غَفَوَاتِهِ

وَيفُض أَسرَارَ الدهُورْ

فَكَأَنمَا هُوَ شَهْزَادُ زَمَانِنَا .

** من العرض السابق نجد تعدد مضامين القيمة داخل قصيدة السيد حسن، فهو ينتصر لقيم الانتماء بكل أشكالها، الانتماء (للذات، للوطن، للتاريخ، للموروث، للعقيدة، ولأمكنة وأزمنة تخص الذات الشاعرة لا سواها) كل ذلك فى قصيدة واحدة وهى قصيدة هُويَةُ ، التى أعتبرها درة ديوان ملك ليس يفنى لما بها من قوة المضمون وتنوع الصور الشعرية.

** القصيدة الحال..

المطلع على ديوان “ملْكُ  ليسَ يفنَىسيجد نفساً صوفياً واضحاً فى عدد كبير من قصائده ، وهذا النفس الصوفي جاء على عدة صور، إِما واضحاً من خلال العنوان الصريح فى قصائد (حال للبحر ، حال  من الوجد ، صوفية ، نيلية أخرى) أو جاء داخل متن القصيدة نفسها، سواء بشكل واضح أو بشكل ضمني كما فى قصائد “الألم المجيد“، و”الظلال، ففى قصيد الألم المجيد ص 22 نجد بعض الكلمات والمصطلحات الصوفية مثل :  

// فِي حُلْمٍ  صُوفِي جَهِيدْ // ، // تَشْرَبُ كَأسَهَا حَتى الثُمَالَةَ // ، // زِيدِي كُؤُوسَ اللومِ// ، // بَارِكِي الأَلمَ النبِيلَ// ، // تَبَارَكَ الألمُ المَجِدْ // .

وفى قصيدة الظلال ص 37 نجد مصطلحات مثل :

يا ِظل َصوتِ المُنِشدِينَ ..إِذَا شَدَوا ..فَتحُوا َمغَاليِقَ القُلُوبِ  

كما نجد كلمات // ذاقوا ،  التبتل ،  الروح طير ، القلب ينتظر الجلال ، مطر سماوي الجلال .//

وإن كان قد استخدم حال للبحر ص 45 للتعبير عن وصف حالات متنوعة للبحر

حين يوشوش موجه رمل الشواطئ .
وحين يحدق فى سماء الله يحسب  أنها مرآة  ذات .
وحال حنينه لضجيج العاشقين بصيفه .
وحال  تذكره لكثير من الذكريات .
وفى قصيدة حال من الوجد ص 62 :

كثر استعمال لفظ الحال في، َحالُ مِن الوَجْدِ، فِي حالٍ من الأملِ، أَورَادِي سَتُلهبُهَا،وَأَحرُف الشعرِ مِعرَاجِي إلى أُفُقي، عَلَى بُراقِ الرضَا، إِن الفُؤادَ وَلِي ،  مَا بَين سِترِ الدُجَى وَالكَشْفِ.

كلها مصطلحات ومعان يكثر استخدامها عند المتصوفة، وعند من كتبوا عن الحال سواء من الكتاب  أو الشعراء لثراء هذه المصطلحات اللغوي ودلالاتها التأويلية  المتنوعة .  

وفى قصيدة صوفية ص 102 :

رسم لنا الشاعر لوحة صوفية بديعة التصوير والمعاني، ضفر فيها أحاسيسه بمجموعة من الصور الشعرية البديعة تنم عن حس صوفي عال، صور فيها رغبته فى الوحدة المطلوبة،ليحقق لذاته حالة من التهيؤ لاستقبال تلك الومضات الصوفية التى تشرق  على الروح، وتمس الوجدان فيستضيء، وفى مزاوجة جميلة يؤاخي بين أحاسيسه والليالي، ويمزج أشواقه بالضياء  ، وفى قوله فى ص 103 :

هُوَ الآنَ يَحيَا وَحِيداً ولَكِنْ

رَأَتْ رُوحُه مَوكِبَ الأُنسِ جَاءْ

بِوُد سيَذكُرُ مَنْ كَانَ قبلاً وَيعفُو

وَيَعفُو وَيَعفُو كَما الأنْبِياءْ

خاتمة صوفية بامتياز .

فى قصيدة نيلية آخرى فى ص 115 صور الشاعر النيل حينما ينصت إليه  كقطب صوفي عظيم المهابة له من العشاق والمريدين، السهل والبطحاء والجبل ،يسبح فى الفجر، فترتجف روح الشاعر  لتسبيحه، هى قصيدة حال فى أروع معانيها حينما أسبغ الشاعر على هذا النهر العظيم الذى يحمل سر الحضارة على جنباته هالة من التقديس وروحانية العشاق المحبين .

**  أنسنة الأشياء والمعاني  والموجودات  :

تظل القصيدة الإنسانية عندي هى القصيدة المثلى ، والقصيدة الإنسانية ليست هى قصيدة البوح الذاتي الإنساني وفقط، بل هى القصيدة التى يحول فيها الشاعر كل ما حوله من أشياء ومعان وموجودات إلى حالة مدهشة من الأنسنة الكونية.

وفى ديوان ” ملك ليس يفنى ” استطاعالسيد حسن أن يقدم لنا هذه الصور المدهشة من القصائد التى يحاور فيها الكون بكل ما فيه .

ويتوج هذه النوعية من القصائد فى الديوان قصيدة حَالُ لِلبَحر حين قال :

ماذا يقول البحر فى أذن السكينة فى الشتاء ؟!

هنا أنسن البحر بالقول وهو من موجودات خلق الله سبحانه وتعالى، كما أنسن معنى السكينة حينما نسب لها لفظ الأذن، كما نسب فعل الوشوشة من موج البحر لرمل الشواطئ، أيضاً نسب العدو واللهو الذى هو من فعل البشر لأمواجه الهادرة، كما ينسب للبحر أفعال (يحدق يبصر يرمق يرى يحن يستعيد الذكريات يتذكر الضحكات والصرخات يفكر يسأل) كلها مجموعة من الأفعال المضارعة، الدالة على الحركة والاستمرارية والحياة، والدالة أيضاً على تحويل البحر، هذا الموجود الكونى العظيم، لكائن إنساني لا يقل فى حركاته وسكناته عن إنسان نبيل .

** وفي قصيدة مؤامرة نوع آخر من أنسنة حال الصمت ومعناه، ليس هذا فقط بل تحويل الصمت لخصم وعدو يحوك نوعاً من المؤامرة على الذات الشاعرة  ويخلع الشاعر على الصمت كل صفات الشخص  الهادئ المستكين، ولكن ما إن وطئت قدمه فخ الصمت حتى استحال المشهد المأمون مرمى للسهام.

** وفى قصيدة حال من الوجد ص 63 تم أنسنة الطير حال رده على الذات الشاعرة بقوله : فقال لى، مرة أخرى يتم   أنسنة معنى الطيف فى قوله : وقال لي الطيف : لا تخبر ولا تسل ص( 64 ) .

** وفى قصيدة الحميمية فى ص 100 ..

أجاد الشاعر أيما إجادة فى رسم لوحة رمزية إنسانية دالة  على أنسنة الأشياء بصورة بالغة الدهشة والرقى فى تلك العلاقة الحميمية بين الورقة والقلم، وكأنه يتحدث عن علاقة عاطفية وجسدية بين  محبوبين، فقد نزع صفة الجمادية او الشيئية عن كليهما، وأسبغعليهما من صفات المحبين العاشقين الكثير ، فلنا  أن  نتخيل قوله :

يَحكِي القَلَمُ لَهَا سِيرَتَهُ

تُنْصِتُ فِي شَغَفٍ وَهُيَامْ

فيقَبلُ صَفْحَةَ جَبهَتِهَا

وَيُرِيقُ عُطوُرَ الإلهَامْ

وَيُوَقعُ فِي الصدر حُرُوفاً

تَصْحَبُ أَحْرُفَهُ الأنغَامْ

ويظل النيل بالنسبة للشاعر هو الموجود الإنسانى الأعظم ، فمعه وبه يمارس قيمة الصداقة الحقة، فهو يعرف النيل والنيل يعرفه،  يتحاوران، ويصغى كل منهما للآخر، بل يتفوق النيل فى معرفة سر الشاعر كما جاء فى نيلية أولى ص 113

وَحِينَ أظُنُننِي سِرّاً//  يَجِيُ النيلُ يَكِشفُنِي //

وفى النيلية الآخرى ص 115 يؤكد علاقة الأنسنة بينه وبين النيل بقوله : قد قال النيل لى .

** رومانسية الإباء **

المتابع لمسيرة السيد حسن الشعرية،  فيما قدمه من دواوين سابقة والديوان محل الدراسة،سيجد أن القصيدة الرومانسية لديه ذات خصوصية متفردة،ٍ فهى لا تحمل ملامح فنية متنوعة وفقط مثل (العاطفة الجياشة، الخيال الخصب، الصورة التشكيلية البديعة، الرمزية المتنوعة، الدلالات التأويلية  الكثيرة) بل ما لفت نظرى فى القصائد الرومانسية داخل الديوان هو هذا الحضور الذكوري الواثق، والاعتداد بالذات الشاعرة بدرجة كبيرة، فهو يعلم قواعد لعبة العشق جيداً، يتغزل ويهوى ويذوب عشقاً، ولكنه ليس صيداً سهلاً للنساء ، فهو الشاعر الذى يحب ويمنح فيوضات من دقات القلب لآبيات القصيد، ولكن حذاري أن تتوهم تلك المحبوبة أنها أحكمت قبضتها عليه هنا تثور بداخله رومانسية الإباء ، فهو القائل فى قصيدة

الألم المجيد ص23 .

عُمرُ الفَتى حَرمُ  سَمَاوِىُ السيَاجِ ٍ

وَقَلبهُ ظَبي طَلِيقٌ

لا يُصَادُ وَلايَصيدْ

وفى قصيدة الريح والروح يقول فى ص 29

سَأٌلقي عُطُورَ النسَاءِ اللوَاتِي // نَصَبنَ الأحَابِيلَ فِي كُل دَربِ // تَصيدنَ قَلبِي

وَلَكِنهُ مِثلَ ظَبي طَريدٍ//ٍ تَولى بَعيداً.. بَعيداً تَولى // وَلا لَمْ يَذٌقن الذِي  قَر فِيهْ

وفى قصيدة آخِرُ المَلِكَاتِ ص 35 يقول :

أَوَمَا عَلمْتِ بِأنَ لي قلباً // نَبِيلَ الكِبرِيَاءِ //إِذَا أبَى تَأبَى الحَياةُ // إِذَا رَضِي تَرضى العُصُورْ ؟!

القَلبُ ليسَ أَرِيكَةً لِلعَابِراتِ// لِيسْتَرِحْنَ // وَ يَلتَمسْنَ الدفءَ حِيناً //كَي يُواصِلنَ المسِيرْ

وهكذا يستمر الشاعر فى رومانسيته الأبية فى كثير من قصائد الديوان .

** الطفولة النيل البحر **

لايمكن التعامل مع العالم الشعري للسيد حسن بشكل عام بمنأى عن ثلاثة أشياء جوهرية، شكلت ملامح دواوينه السابقة والديوان محل الدراسة، وهى : ( الطفولة، والنيل، والبحر) فالطفولة هى ذاك النبع الخصب لكثير من الذكريات الطفولية البريئة الكامنة داخل الشاعر، وما إن يستدعها حتى يقفز الطفل الكامن بداخله فرحاً مهللاً ليرسم لنا بمداد الذكريات الجميلة عوالم من البهجة على جبين القصيدة، وتظهر لنا تلك العلاقة الحميمية بين الطفل وأشيائه البسيطة كما جاء فى قصيدة طفولية ص 104 فالطفل بداخل الشاعر ظل مختبئاً يراوغه، يلاحقه، يذيب السحر فى شعره وخاطرته، ويمنحه من وضاءته، كما يهديه من براءته، ويغادر قريته ليأتي لقاهرته .

كذلك للنيل  والبحر مكانتهما القدسية الحاضرة على الدوام فى قصيد السيد حسن ، ولم لا ؟ وهو الطفل الذى تفتحت عيناه على منظر العناق الأبدي المقدس فى منطقة البرزخ، حيث نقطة لقاء الموجة السمراء من نيل مصر المقدس بالموجة الشقراء من مياه البحر المتوسط، فى مدينة رأس البر الشهيرة بمحافظة دمياط، لذلك حضر النيل بقوة فى قصائد: (استشهدوا النيل ، نيلية أولى، نيلية أخرى)

كما يفرد للبحر قصيدة كاملة وهى (حال للبحر) فى ص 45 يكون البحر فيها هو البطل والفاعل والمحدث فى أُذنِ السكينة فى الشتاء، كما جاء ذكره فى قصيدة (قبة الجامعة) ص 55 // فَفِي صُحبًة البَحرِ جَاءَتْ فتَاةُ // .

** سمات القصيدة عند السيد حسن **

1. الرمز والتكثيف
2. العنوان الدال
3. العاطفة
4. الخيال
5. الصورة الفنية
6. اللغة والبنية الشعرية
7. ثقافة القصيدة

** الرمز والتكثيف .. وَهُوية نموذجاً **

الرمز والتكثيف .. سمتان من أهم سمات الشعر الجيد بصفة عامة، وسمة فارقة بل من أميز سمات القصيدة عند السيد حسن، وقد حظي ديوان “مُلك ليسَ يفنى” بكم كبير من استخدام الرمز الموظف، مصاحباً له لغة مكثفة بديعة، وقد وجدت فى الديوان استخدام الرمز بشكل ذكي، فهو يؤدى دوراً مفصلياً فى تعميق المفهوم الدلالى فى القصيدة، كما يعكس ثقافة الشاعر وقدرته الفائقة فى اختصار الأزمنة، والأماكن، والعصور معاً من خلال استخدام الرمز الواضح  على مستوى الدال، والفياض الثرى المتنوع على مستوى المدلول، وسوف آخذ قصيدة هُويةُ كنموذج تطبيقي لأهمية الرمز فى الديوان .

نالت لدى قصيدة هوية مكانة متميزة من بين قصائد الديوان ، نظراً لما تحمله من سمات فنية فى شعر السيد حسن ككل، ولو جاز لي أن أعيد تسميتها لقلت عنها القصيدة “الأم” داخل الديوان ، فهى الكاشفة لشخص الشاعر وشخصيته، والمعرفة بانتماءاته وهويته، والدالة على تاريخه وحضارته، والمشيرة لجينات الحضارة عنده ولعقيدته.

فى هوية لعب الرمز دوراً مفصلياً فى الكشف عن شخصية مصر (الفرعونية، العربية، الإسلامية، الشرق أوسطية) بداية  من استجابة البدوي لهتفة من  قلب حابى ، مرورا  باستخدام كلمات ( الفنار ، المسلة، الخيمة، الطمي، الصحراء، الملح ) هذا بالإضافة للغة التكثيف العالية، فهوية السيد حسن التى أفرد لها خمس صفحات داخل ديوانه هى هوية مصر التى امتدت ولاتزال تعلم الدنيا على مدى آلاف السنوات .

** العنوان الدال **

لقد وفق الشاعر فى اختيار عنوان الغلاف باعتباره عتبة النص الأولى ، فهو متسق مع مضمون القصيدة ص 18 التى ختمت ختاماً مميزاً بقول الشاعر ص 20

سَألتُ اللهَ مُلكَاً لَيسَ يَفنَى // فَكَانَ الشعرُ، مَملَكتِي، وَمُعجِزَتِي،  وَمَأسَاتِي .

كما أن المتصفح لقصائد الديوان ال 28 ، سيجد فى كل قصيدة ملمحاً من هذا المُلك المشيد بقيم ، وأحوال ، ودلالات ، ورؤى ، لا تشبه إلا صاحبها فى مُلكِه الذى تمنى .

** العاطفة **

تخللت العاطفة عدداً كبيراً من القصائد وسرت كسريان الماء العذب الرقراق ، ويظهر تأثيرها فى القصائد التى يعبر فيها الشاعر عن حنينه لأيام طفولته الباكرة، وشوقه ومصادقته للبحر، فنجد العاطفة ظاهرة فى مجموعة قصائد الطفولة كما أطلقت عليها وهى 🙁 الركن المنسي ، نورس وحيد ، طفولية) كما تظهر عاطفة الحنين على استحياء حينما يتذكر الفتى طفل الماضى فى ثنايا القصيد كما فى قصيدة  (الظلال)

إِنَ الطٌفُولةَ فِي الجَوَانِحِ// سرُنَا وجَمَالُنَا

** الخيال **

يظل الخيال بالنسبة للشاعر هو بساط الريح السحري الساعي لرسم فضاءات الشعر الممتدة على المدى ، الخيال هو ذاك الشيء العبقرى الذى يحول كل “المعانى والأشياء والموجودات” لكائنات حية، نستطيع أن نحاورها ونناجيها ونسامرها، ونرى فيها قلوباً تنبض بالحب والشوق حيناً وحيناً آخر تئن وتشكو قسوة الإنسان عليها والحياة، ويقيني أن سر تلك الحروف المفعمة بالحياة داخل ديوان “ملك ليس يفنى” يقبع معظمه فى تلك الكلمة المدهشة ” الخيال:

فهو الذى صور من الصمت ذاك الذاهل المتلعثم المهادن المتحين الفرصة للقبض على فريسته ماإن تطأ قدم الشاعر فخه . (فى نص مؤامرة ص 53.)
وهو الذى حول نغم الكمان السحري كآلة حفر مهولة تنقب فى الكيان .

(نص الكمان ص 74.)

وهو الذى جعل القلم يبتكر حديقته الخاصة ، وينادى على أطيار الأحلام .

(نص حميمية 101)

هكذا يشيد صاحب ديوان ” مُلك ليس يفنى عظيم ملكه من جميل الخيال

** الصورة الفنية **

تشكل الصورة الشعرية فى ديوان ملك ليس يفنى مساحة كبيرة ، وقد أجاد الشاعر استخدامها مما أكسب شعره سرعة الوصول والتأثير فى المتلقى.

ونظراً لثقافته اللغوية، نجده يستخدم أفرع البيان فى قصائده من تشبيه واستعارة بشقيها المكنية والتصريحية، والكناية،  كما يستخدم المجاز بألوانه.

** اللغة والبنية الشعرية عند السيد حسن **

أستطيع القول إن مفهوم البنية الشعرية لدى السيد حسن يعتمد على عنصرين أساسيين وهما ، جماليات اللغة + الرمز والتكثيف .

فاللغة لديه سلسة غير متكلفة، والعبارات تتميز بالرشاقة والبلاغة معاً، ولا تخلو لغة الديوان من موسيقى الشعر متمثلة فى الوزن والقافية، التى أكسبتها ميزة جمالية مضافة، ومن أهم ملامح جماليات اللغة حيويتها، فاللغة عند السيد حسن لغة حية متفاعلة (ديناميكية)، ويظهر ذلك بوضوح فى كثرة استعماله للأفعال المضارعة فى القصائد، أيضاً نسبه القول للمعاني والأشياء والموجودات أضاف نوعاً من الحركة الداخلية فى القصائد مما أكسب اللغة حيوية مستمرة ،ويحسب له قدرته المدهشة  فى استخدام الرمز والتكثيف، وسبق الحديث عنهما فى الجزء العلوي من الدراسة .

** ثقافة القصيدة **

القصائد فى الديوان مثلما هى عاكسة لعاطفة جياشة، وفكر مرتب، لكنها أيضاً عاكسة لثقافة شاعر ملم بالكثير من أحداث  وطنه وحضارته، وعلى دراية بموروثه  الثقافى ، كما أنها عاكسة للبيئة الإجتماعية للشاعر، ولنا فى قصائد ( هُويةُ) ثقافة حضارية وتاريخية مدهشة، وفى قصيدة ( الفصحى تتنفس شعراً ) تتبدى ثقافته اللغوية وفى قصيدة ( حال للبحر) نرى إنعكاساً لثقافة البيئة والنشأة عليه فى رحاب النيل والبحر معاً ، كما نرى تأثره بالثقافة الدينية فى القصائد التى تتخذ طابع الحال، كما فى قصيدة (حال من الوجد) استخدم فيها بعض الكلمات التى تنم عن ثقافة دينية (معراجي، براق الرضا، قدت قميص الدجى والليل من قبل) وفى قصيدة (استشهدوا النيل) نجد : (أسرفت يا وطني .. فى الوحي ..فانتفضت فينا النبوات .. حتى ضجت الصحف).

كما تتبدى لنا ثقافته الموسيقية من خلال حبه لآلة الكمان التى أفرد لها قصيدة كاملة فى ص 73 .

*** رأى ورؤية :

نظراً لأننا نتحدث عن عمل أدبى فنحن بصدد تباين فى الآراء حسب رؤية المتلقى للنص الأدبى أو القصيدة الشعرية ، والناقد من وجهة نظرى ما هو إلا متلقٍ ذو رؤية وعين لاقطة، يقيناً يتفق ويتفاعل مع كل ميزات وجماليات العمل الإبداعي إيجابا، ولكنه أيضاً يتمنى على المبدع أن يصل ببعض المناطق إلى قمة جمالها وهذا ما يسبب بعض الاختلاف فى الرؤية .

وفى  ديوان ” مُلك ليس يفنى “كانت مساحات الجمال والجودة عالية جداً ، إلا من بعض الأشياء البسيطة ، آثرت أن أجملها فى نهاية مقاربتي النقدية .
كنت أتمنى على الشاعر أن يقوم بعملية تصنيف للقصائد داخل الديوان، خاصة أننى رأيت تصنيفاً داخلياً موضوعياً للقصيدة وقسمته إلى  قصيدة القيمة، وقصيدة الحال، فليته قسمها على هذا النحو لاسيما أنه قام بتقسيم مجموعة من القصائد تحت مسمى حالات فى   ص 99 .
وجدت أن قصيدة (قبة الجامعة) ص 55 خارجة عن سياق قصائد الديوان فى موضوعها، كما أننى لم أجدها بنفس قوة باقى قصائد الديوان سواء فى وحدة موضوعها أو لغتها .
لا أعلم لماذا كرر الشاعر عنوان نيلية أولى ونيلية آخرى ، وكان من الممكن تفادى التكرار .
صحيح أن لكل شاعر قاموسه اللغوي الذى ينشده ، ومما لاشك فيه أن السيد حسن يمتلك ملامح هذا القاموس فى مفرداته اللغوية ، ولكننى أخذت على الشاعر تكرار بعض المفردات فى قصائد الديوان مثل ” نورس ، مستطار ، ظبي، الخ .
نقطة جوهرية بدت لي فى الديوان وهى قدرة السيد حسن على مغازلة القصيدة الصوفية، وحدسي يقول: لو أفرد السيد حسن المساحة لمجموعة من القصائد ذات الطبيعة الصوفية، وجمعها فى ديوان منفرد لفزنا بديوان جديد به من الرؤى الروحية ما يرضى أبناء النور، ولاسيما أن الشاعر يعشق المفردة الصوفية، ووضح ذلك فى لغة القصائد التى تتسم بطابع الحال .

وفى الختام أقول: إن مفاتيح ديوان ” مٌلكُ لَيسَ يَفنَى”  بدت لي مفاتيح وانعكاساً للدخول لشخصية السيد حسن الشاعر والإنسان، اتساقاَ مع قناعتي الشخصية بأن ما يسطره المرء على جبين الصفحة البيضاء ما هو إلا مداد من قلب وعقل وروح شاعر محب وواع لقيمة كل ما مضى، ويحدوه الأمل والرغبة فى الأفضل لكل ما هو أت.

القاهرة : 9-8-2019          

اترك رد

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات