أرجوك اعتنِ بأمي

12:04 صباحًا الأربعاء 26 ديسمبر 2012
محاسن محمد عبد الوهاب

محاسن محمد عبد الوهاب

معيدة بقسم اللغة الكورية، كلية الألسن، جامعة عين شمس، مصر

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

الكورية كيونج سو شين تتسلم جائزة العام 2011 لأفضل رواية

تعد كوريا واحدة من البلدان التى أحرزت نمواً ضخماً و سريعاً خلال سنوات قليلة, و لكنها أيضاً شيئاً فشيئاً تفقد أسساً من آداب و أخلاقيات توارثتها لأجيال عديدة لايتمسك بها اليوم إلا القليل, و البعض الأخر يلتزم بشكليات كالتحية و الإنحناء و غيرها. ربما كانت تجربتى فى كوريا الجنوبية- خاصة عاصمتها سيول-, ساعدتى على رسم صورة للأم التى تضيع وسط جموع من أبناء كوريا الحديثة، أخذتهم الأنا و المادية ليتخلوا عما كانوا يتمتعون به لزمن قريب من خلق كريم  خاصة تجاه تللك الأم  العجوز الريفية الضائعة.

 ملاحظات نقدية و فنية

1.الملاحظات النقدية:

أ.الزمان النفسى:-

رواية  “أرجوك اعتنى بأمى” تعد واحدة من الروايات المعاصرة التى تعتمد  على الزمان النفسى فى سرد النص الروائى. مثلها كمثل الروايات المعاصرة التى تميل إلى التحليل النفسى للشخصيات، و تهتم بوصف العالم الداخلى و تحاول أن تستنبط معنى الحدث أو الحكاية، و هذا يترتب عليه بالضرورة أن تحدث قفزات فى تصور الزمان.

تتميز رواية  “أرجوك اعتنى بأمى” بكثافة رمزية عالية، فهى تصور غياب الأم عن البيت، و بحث أبنائها الدائب عنها فى كل مرة. و رغم محاولاتهم العديدة و  ترددهم على كل الأماكن المتوقع رؤيتها فيها إلاٌ أنهم لا يجدونها فى النهاية؛ مما ينبئ عن مواصلتهم البحث حتى بعد انتهاء زمان الرواية. و يمثل غياب الأم غياب كل قيم الحب و الترابط بين افراد المجتمع الكورى؛ إذ يتفرق الجميع و يسود الشقاق بين الأبناء[1].

إذا كان الأبناء فى هذه الرواية قد أحسوا أزمة الواقع الذى يعيشونه بعد اختفاء والدتهم، و عبروا عن ذلك قولاً بالاعتراف بالتقصير تجاهها و لوم الذات،  و فعلاً  فى محاولات البحث عنها, فإن صورة الأم قدمت تجسيداً للأزمة بدرجة يصح القول فيها إن صورة الأم هنا تكاد تكون موازية لحركة الواقع الإجتماعى.

 ب. ثنائيات متباينة:-

و قد شغلت “شين كيونغ سوك” أيضاً فى هذه الرواية بثنائية فكرية هى العطاء و نقيضها من المادية و الجحود, كما شغلت إيضاً أن تقدم ثنائيات بشرية متباينة للشخصيات فيما ذكرته؛ قصة الطالب الجامعى فى فترة الستينات, حتى نلمح المجتمع فى جدله المجسد لأوضاعه القائمة[2].

و كما شغفت الكاتبة فى هذه الرواية بالثنائية الفكرية، شغفت أيضاً بثنائية النموج البشرى بالنسبة لصورة المرأة حيث نجد الأم: المخلصة الصابرة، ذات المسؤلية المتماسكة، المحافظة فى إطار التقاليد بجوار ابنتها: البرجوازية الصغيرة، المتطلعة، المتحررة. و زوجة هايونتشول ابنها الأكبر: السلبية معدومة المسئولية.

جـ. صورة الواقع:-

جميع هذه النماذج هى اختصار دقيق لصورة الواقع، أو محصلة لما أفرزه الوضع الإجتماعى أثناء الفترة الزمنية التى تصورها هذه الرواية. و بالرغم من اختلاف هذه المناذج إلاٌ أنه يربطها جميعاً إطار فكرى واحد؛ لأن المنظور الفنى واحد يعكس صدق تمثل الأديب للواقع و وضوح رؤيته لجوانب العلاقات الإجتماعية التى تجمع بين النماذج البشرية الممثلة لقطع فى الحياة[3].

على نفس القدر من الجلال الذى تحتله الأم فى وافع الحياة يأتى التصوير المعبر الذى تقدمه كيونغ سوك شين عنها فى هذه الرواية، و يكاد تكون الوحيدة من بين الروائيين التى تقف كثيراً عند صورتها، حيث الأم تعيش فى كنف من –من المفترض- يحميها و يعولها زوجاً أو ابناً و من ثم تتعرض لأزمات تنم عن معدنها و تكشف عن مدى صلابتها.

طبعتان بالإنجليزية للرواية: أرجو اعتن بأمي

2.الملاحظات الفنية:

 تعكس الناحية الفنية للغة الرواية التطور الزمنى لنمو شخصية الأم، و ذلك فى أدوارها المختلفة المتمثلة فى  رعاية الأسرة و القيام بالخدمات المنزلية و المحافظة على تقاليد العائلة الكورية التى تهتم فى المواسم و الأعياد بإعداد المأكولات و تجهيز المنزل.

و الحوار التالى بين الأخت الصغيرة مع أخيها بعد اختفاء الوالدة، يصور جزءاً من ذلك:-

سألت تشاى هون: “من سينظف نوافذ البيت؟”

“عندما كنا نذهب إلى البيت فى هذا الوقت من السنة، كنا دائماً نجد أمى تنظف النوافذ”

“النوافذ؟”

“نعم بالطبع. فقد اعتادت أن تقول:كيف يسعنا أن نترك نوافذنا متسخة هكذا و سيأتى جميع أفراد العائلة لحضور طقوس حصاد اكتمال القمر؟”

“عندما اقترحت أن تستخدم شخصاً لينظف النوافذ، قالت لى: من سيأتى إلى هذا البيت الريفي لمجرد القيام بهذا؟”

سألت:”لقد اعتادت الوالدة و نحن صغار أن تنزع كل أبواب البيت و تغسلها فى هذا الوقت من السنة. أتتذكر هذا؟”

“نعم”

“هل تتذكر؟”

“قلت إننى أتذكر ذلك”

“إنك تكذب”

“لماذا تقولين إننى كاذب؟ إننى أتذكر فعلاً. فقد أصرت على لصق أوراق نبات القيقب على الأبواب بعد غسلها حتى لو وبختها عمتى لقيامها بذلك.”

“إذاً أنت تتذكر فعلاً. هل تتذكر كيف كنا نقصد عمتنا لنقطف اوراق القيقب؟”

“أتذكر”[4]

مما تقدم يتبين أن الحوار قائم على السؤال و الإجابة مثل استخدام أساليب الاستفهام و التقرير،  و استخدام ضمائر الخطاب و الغائب، و استخدام أسلوب التوكيد بإن و قد. مما يعكس المراحل الزمنية لأدوار الأم فى بيتها و بين أبنائها. الذى يؤكد على حالة الفقدان العاطفى لها فى أسلوب إنشائى فنى.

3.رمزية صورة الأم:

إن الأزمات الإقتصادية الطاحنة التى تمر بها هذه الأسرة تقدم لنا صورة قوية لهذه الأم، و دورها الكبير الذى تقوم به من أجل تماسك الاسرة و استمرارها، فنجدها عصب الأسرة و سر تماسكها و رمزاً لاستمرارها، بل لاستمرار الأمة باسرها.

و هى بذلك تمثل النموذج السوى المستمر فى الرواية الواقعية على الرغم من المحن التى تصادفها. فتهب الأسرة حياتها، و تمضى بحسن سياستها تؤمن المستقبل لأبنائها، فتستمر مسيرة الأسرة بفضل رعايتها و عنايتها.

و على هذا فقد كانت الأم عصب الأسرة، و فى سبيلها انهدت حيويتها، و هرمت سريعاً و هزلت، حتى أصابها المرض.[5]

صورة الأم هنا أيضاً ترقى إلى أن تكون رمزاً للعناصر الأصيلة التى تجاهد لتبقى حية فى الوجدان الكورى، لا يطمسها تمدن و لا ظلم أبنائها لها. و إنما تبرز منها رغم الأزمة ما يولد إعادة اكتشاف الذات للواقع و يغرى بنوع من الإصلاح.

و كأن تراجع قوة الأم و انهيارها شيئاً فشيئاً يمثل تراجع واضحاً للقيم إلى أن تضيع. و تبدا رحلة البحث عنها أولاً فى نفوس كل واحد من أبنائها، و كانها رحلة بحث عن قيم و أخلاق ضاعت من هذا الشعب، فى همسة من الكاتبة لأذن كل فرد من الأفراد وطنها تحاول أن توقظهم فيها ليتداركوا ما بقى من قيم و تقاليد توارثوها، قبل فقدها.

4.النهاية

لم تعد الأم فى نهاية الرواية ،و لم تجزم الكاتبة باستحالة عودتها ،و لم تلق كذلك ببصيص أمل فى عودتها.

فهل ستنجح كوريا فى استعادة قيمها التى تتراجع عنها و تفقدها شيئاً فشيئاً فى ظل التمدن و العولمة أم لا؟ هل تفتر همتها فى البحث عما أضاعته و التمسك بما بقى منها؟

 الأم فى هذه الرواية رمزاً للأخلاق و القيم و التمسك بالعادات و التقاليد و الموروثات، رغم غفلة أصابت الابناء و سخرية البعض الاخر منها.

5.لغة الرواية:-

ملاحظات على لغة ترجمة الرواية:-

1.اللغة الوسيطة.

2.عدم الإلمام بالثقافة الكورية.

3.عدم استخدام الهوامش.

الأمثلة على ذلك:-

1.اللغة الوسيطة:

     إن الاستعانة بلغة وسيطة فى ترجمة هذه الرواية إلى جانب عدم الإلمام بالثقافة الكورية أخل بأركان كثيرة فى نقلها إلى العربية  منها على سبيل المثال الخلط بين المذكر و المؤنث، و بين المؤنث و المؤنث، فهناك العديد من الفقرات المصوغة بصيغة المؤنث يصعب فهم ما إذا كان الفاعل المؤنث هو الأم أو الأبنة. كذلك الخلط بين صيغة المخاطب و الغائب.

 2.عدم الإلمام بالثقافة الكورية:

 الترجمة الحرفية لبعض العبارات من الإنجليزية تغاير المعنى المقصود فى الأصل الكورى و تفسده مثل عبارة الأم: حتى الأن؟ و المقصود “و الأن، أتستمع إلى الكلام؟

فيكون الرد بـ “لا” و ليس “حتى الأن”[6]

 3.عدم استخدام الهوامش فى:

أ. التعريف  باسماء البلدان و الأماكن

ب. التعريف باسماء المناسبات مثل الأعياد،  تقاليد الطعام و اسماء اللأكلات

ج. التعريف باسماء المشاهير

و هو مما يصعب على القارئ العربى فهمه و تذوقه بل و ينفره من قراءة الرواية ، مثل عدم تفسير أسماء النباتات و الأكلات و الأماكن و الأعياد و لا حتى بهامش مختصر، و خاصة أسماء الأكلات البحرية و الأسماك و الخضر المستخدمة فى عمل الأطباق الجانبية التى تشتهر بها كوريا و اللجوء إلى أسمائها المعجمية التى يصعب على القارئ العربى حتى فهمها أو تصورها كسمك “الغمد” و “الإسقمرى” و “أذن البحر” . و حتى أسماء المشاهير كـ “تشين يون بوك” و هو أحد الرسامين المشاهير فى كوريا قديماً. و لا يعرفه إلاٌ أصحاب الثقافة و البيئة الكورية فقط.

مما سبق نلحظ أن هذه الملاحظات على لغة ترجمة الرواية توضح أخطاء الترجمة على المستوى النحوي و المعجمي و كذلك السياقي. التى يمكن تداركها فى ترجمات مستقبلية لنفس الرواية و الاستفادة منها فى ترجمة غيرها من القصص الروائى الكورى.

ملاحظة: فاز هذا النص النقدي بالمركز الأول في مسابقة نقدية حول الرواية.

هوامش

    1. د. أميمة عبدالرحمن: ظواهرالتجديد فى الرواية العربية فى مصر من سنة 1967 إلى الأن، ص 210-211جامعة عين  شمس – كلية الألسن، 1996بتصرف
    2.  د.طه وادى :صورة المرأة فى الرواية المعاصرة،ص 223 ط.دار المعارف، الثالثة،1984بتصرف[1]
    3.  د.طه وادى :صورة المرأة فى الرواية المعاصرة،ص 225، ط.دار المعارف، الثالثة، 1984بتصرف[1]
    4. كيونج سوك شين : أرجوك اعتن بأمى ،ص 104،ط. الدار العربية للعلوم ناشرون، الأولى،2011[1]
    5.  د.طه وادى :صورة المرأة فى الرواية المعاصرة، ص 247، ط.دار المعارف، الثالثة، 1984،بتصرف[1]
    6.  كيونج سوك شين : أرجوك اعتن بأمى،ط. الدار العربية للعلوم ناشرون، الأولى،2011، ص 95[1]

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات