صور المرأة العاملة في السينما المصرية

08:36 مساءً الأحد 28 أبريل 2013
محمود قاسم

محمود قاسم

ناقد وروائي من مصر، رائد في أدب الأطفال، تولى مسئوليات صحفية عديدة في مؤسسة دار الهلال، كتب عشرات الموسوعات السينمائية والأدبية، فضلا عن ترجمته لعدد من روائع الأدب الفرنسي.

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

ادت المرأة العاملة دوراً بارزاً فى حياة المصريين، خاصة فى القرن العشرين، وخرجت إلى جانب الرجل تعمل فى أغلب مجالات العمل، تبحث عن رزقها الخاص، لاعالة بيتها، سواء كان الرجل موجوداً، أو غادر حياتها إلى الأبد.

والحديث عن مكانة المرأة العاملة يثير الاهتمام، فى مجتمعات أغلقت أبواب العمل فى وجه المرأة، فى مجتمعات رجولية فى المقام الأول، فبدأت المرأة فى هذه العقود، تسبح ضد تياراجتماعى شديد التحفظ، فكافحت، واجتهدت، وصار لديها عملان أساسيان، يتمثل الأول فى دورها المنزلى الذى لم تتخل عنه قط، بالاضافة إلى وظيفتها التى تذهب اليها، إما لتدبير الحياة والمال للأسرة، وإما لتكون لها مكانة اجتماعية ملحوظة.

وقد انعكس دخول المرأة المصرية إلى معترك الحياة فى تاريخ ومسيرة الأفلام المصرية حتى العقد الثانى من القرن الحالى، فسوف نلاحظ أن كافة مجالات العمل، وأنواع الوظائف، التىك انت عصية على المرأة فى بداية صناعة السينما، صارت الآن متاحة أمام المرأة، حيث نافست الرجل فى الحصول على العمل، وتفوقت عليه، وفى بعض الأحيان صارت مديرة عليه، ترأسه، وتأمره كما أنها صارت وزيرة فى الحياة، وفى السينما.

وفى الأفلام المصرية، مثلما فى الواقع فإن المرأة ذهبت مع الرجل إلى المصنع، ورافقته إلى المزارع، وعملت موظفة، وطبيبة، ومهندسة، ومدرسة، وصحفية، وفنانة بكافة أشكاالها فى التمثيل والاخراج، والموسيقى، والغناء وغيرها، بل أن المرأة مارست بعض المهن التى ارتبطت بها من أجل أن تعول أسرة، أو أن تهرب من براثن الفقر، والحاجة، ومنها مهنة “الدعارة” التى هى مصدر رزق للكثير من النساء.

نزلت المرأة إلى العمل الصعب سينمائيا فى عام 1940، من خلال فيلم “الورشة” التى كتبته عزيزة أمير وشاركت بطولته مع محمود ذو الفقار، أى أن ذلك حدث بشكل مبكر، وذلك من خلال الزوجة زينب التى اختفى زوجها عندما هبت عاصفة عليه فى الصحراء، وتصور الجميع أن الزوج قد مات، ويحاول شفيق الزوج أن يدير الورشة فيفشل، ويتوقف العمل، وتصبح الزوجة مديونة للعمال بأجورهم، ومن أجل مسئولية أسرتها، فإنها تنزل للعمل فى الورشة، وترتدى ملابس العمال “الافرول”، وتبدو أقرب إلى الرجال، وذلك لقسوة هذا النوع من العمل، أى أن المرأة هنا مارست العمل اليدوى الشاق، وحاولت التصدى لكافة الاغراءات من حولها، وقد سعت الى اثبات أن المرأة أكثر قدرة على تحمل المسئولية، وانجاح المشاريع الانتاجية، فهذه ورشة لاصلاح السيارات، تحتاج إلى عزيمة قوية، وايد رجولية، لكن زينب تخترق حاجز الفشل، ويمكنها النجاح.

وهناك أفلام عديدة دخلت فيها امرأة إلى عنابر المصانع الكبرى، منها على سبيل المثال فيلم “النظارة السوداء” الذى تدور أحداث نصفه الأخير فى إحدى الشركات، وقد رأينا النساء يدخلن مثل هذه المصانع فى أفلام عديدة، سواء كعاملة، أو مهندسة مثل الدور الذى جسدته هدى رمزى فى فيلم “لست شيطانا ولا ملاكا” لبركات عام 1980.

ومن المرأة العاملة ذات الافرول، إلى الموظفة التى تجلس أمام مكتب تمارس عملا روتينيا، وتتعرض لاغراءات الفساد، من أجل أن تقوم بتيسير مهام بعض رجال الاعمال الفاسدين، ولعل أشهر مثال على ذلك هو الموظفة فى فيلم “العيب” لجلال الشرقاوى عام 1967، فحسب الرواية التى كتبها يوسف ادريس، فإن الموظفات الجدد، فى مصلحة حكومية لم تشهد امرأة عاملة من قبل، قد قبلن الرشوة بعد ضغوط عديدة، وصرن مثل الرجال، أما السينما فقد اضفت طهارة على الموظفات، ونجحت احداهن أن تجعل زميلها محمد يغير من سلوكه، ويرفض الرشوة.

تعددت أشكال الموظفات فى السينما المصرية، ولكنها بشكل عام هى المرأة التى تعمل فى وظيفة محدودة الأجر. تقبض راتبها فى آخر الشهر، أيا كان طبيعة الوظيفة التى تمارسها، وهى فى أغلب هذه الافلام اجيرة لدى طرف آخر، قد يكون الجهاز الحكومى، أو صاحب مؤسسة خاصة.

وعندما يذكر مصطلح “موظفة” فى السينما المصرية، فانها تعنى عدة أشياء، منها أن الشخص هنا حاصل على مؤهل دراسى، على الأقل متوسط، أى أنه اجتهد وحصل على درجة من العلم، وأن دخله المادى من هذه الوظيفة التى يعمل بها قد لا يكفيه، كما أن الموظف ظل يعنى مستوى أفضل من الثقافة، مع تطلع وطموح لتحقيق حلم خاص، قد يصطدم فى الكثير من الأحيان مع الأعراف الاجتماعية.

والموظفة المصرية، قد تكون فى الغالب هى التى تمارس عملها أمام مكتب ادارى، وفى الكثير من الأحيان قد تكون سكرتيرة حسناء، أو عاملة تحويلة أو ممرضة فى مستشفى، أو موظفة استقبال فى فندق، وقد تترقى فى بعض هذه الوظائف لتصير مسئولة، أو مدير عام، وفى بعض الأحيان وزيرة.

ومن المهم الاشارة فى البداية الى شكل المرأة كمديرة، من خلال مجموع أفلام قليلة، فالمرأة المديرة فى العديد من الأفلام هى العانس التى فاتها قطار الزواج، ترتدى نظارة على عينيها، وتتعامل بقسوة واضحة خاصة مع البنات اللاتى يعملن تحت ادارتها، وقد بدا هذا واضحا فى افلام منها “بيت الطالبات” لأحمد ضياء الدين 1967، و”بيت القاصرات” لأحمد فؤاد عام 1984، و”الارهاب والكباب”لشريف عرفة 1992، فالمرأة الأولى بالغة القسوة والصرامة ضد التلميذات المقيمات فى بيت الطالبات، هى عانس فاتها القطار، ولم تستطع الحصول على زوج، وترى البنات يعشن قصص حب متعددة الأشكال، ضد كل منهن بحجة الالتزام بقواعد الاقامة فى البيت.

والمديرة ايضا بالغة القسوة فى “بيت القاصرات” ليس فقط تجاه البنات، ولكن ايضا مع الموظفين الذين يعملون تحت قمة ادارتها، وهى كما صورها الفيلم، لا تهنأ بحياتها الزوجية وقد تكررت هذه الصورة فى أفلام عديدة كنموذج لامرأة تعمل مدير عام، مثل فيلم “صباح الخير يا زوجتى العزيزة”، لعبدالمنعم شكرى، ولكن هناك بعض الاستثناءات، فليست المديرة امرأة قاسية بحكم وظيفتها فقط، ولكن ايضا تبعا لطبيعة العمل الذى تمارسه فهى امرأة حازمة يعمل تحت ادراتها الكثير من العاملين والموظفين، ذكورا واناثا، مثلما كانت المديرة تفعل فى فيلم “مع تحياتى لاستاذى العزيز” لأحمد ياسين 1981، ومن دواعى الوظيفة مراقبة سلوك البنات، والمرور عليهن فى العنابر أثناء ساعات الليل من أجل الاطمئنان على سير الأمور.

وقد قدمت السينما هذا النوع من المرأة العاملة بشكل منفر، فهن يغلقن أبواب العاطفة أمام البنات، حين يتبعن القوانين بصرامة، مثلما تصرفت المديرة بقسوة وهى تدخل نعيمة الاصلاحية فى “بيت القاصرات” وايضا مثلما فعلت المديرة مع بنات الاصلاحية فى “4 بنات وضابط” لانور وجدى 1954.

وقد ارتبطت المرأة العاملة كمديرة بالخشونة والتشبه بالرجال حماية لنفسها، وتبعا لطبيعة الوظيفة، مثلما رأينا فى “بنات حواء” لنيازى مصطفى 1954، و”مراتى مدير عام” لفطين عبدالوهاب 1966، فالمرأة فى الفيلمين تحمل اسما رجوليا، تتعرض لغزل الرجال، بينما هى جادة للغاية، وعصمت فى “مراتى مدير عام” متزوجة من موظف يعمل مهندسا فى المصلحة نفسها، تبدو فى البيت أنثى عاشقة.. وفى العمل ترتدى ثوب الخشونة، وتضع نظارة على عينيها، وهى تقف أمام حماقات رجولية من قبل بعض الموظفين بالمرصاد. لكنها لا تقطع كل الأحبال بينها وبين موظفيها.

وإذا عدنا إلى فيلم “العيب” فإن الموظفات تجلسن فى غرف مشتركة تجمع كل واحدة من هذه الغرف الكثير من الموظفين والموظفات فيبدو الاحتكاك المهنى والانسانى وجوبيا، ومن هؤلاء الموظفات، فإن سكرتيرة المدير تحظى بمكانة ادارية فائقة، شابة تلف أنوثتها حول المدير كعادة كافة السكرتيرات فى السينما المصرية، خاصة أحلام فى فيلم “خيوط العنكبوت” لعبداللطيف زكى 1985، حيث نرى كيف تتغلغل موظفة فى حياة رئيسها، وكيف تسلبه مقاومته فالرجل هنا متزوج وسعيد فى حياته وبعد أن يتم اكتشاف فساده الادارى، فإن أحلام تبقى فى وظيفتها وتستقبل رئيس الادارة الجديد وتكون معه التجربة.

صارت المرأة العاملة، الموظفة، فى الكثير من الافلام بمثابة سلعة عاطفية، سواء لزملائها فى المصلحة نفسها، أو المترددين على المكان، وفى فيلم “المنسى” لشريف عرفة عام 1992، حاول المدير دفع سكرتيرته الحسناء كى تقضى ليلة عاطفية مع أحد رجال الأعمال من أجل تحقيق صفقة اقتصادية مربحة، لكن الموظفة ترفض، وتهرب من الحقل، وتلجأ إلى التحويلة القريبة من دار صاحب المؤسسة التى تعمل فيها.

وقد تباين ظهور المرأة العاملة فى الكثير من الافلام، ومنها فيلم “أحلام البنات” ليوسف معلوف 1959، الذى تم انتاجه مرة أخرى فى “عندما يغنى الحب” لنيازى مصطفى، فالبنات الثلاث صاحبات أحلام متناقضة، الأولى تحلم بالثراء السريع، والثانية تحلم بالمجد الفنى، أما هدى فهى تصبو إلى الحب الشريف، وهناك أفلام كثيرة وصفت ما يحدث فى عالم المحلات الكبرى، حيث تبدو المرأة العاملة فقيرة، تسعى للاقتران من شاب ميسور، مثلما رأينا فى “يا حلاوة الحب” لحسين فوزى عام 1952.

هؤلاء البنات العاملات يعشن حياة متواضعة، جئن من خارج العاصمة لتحقيق أحلامهن، وقد لجأت الموظفة سهام التى تعمل فى مكتب بريد فى “أهل القمة” لعلى بدرخان 1981، إلى أن تتزوج من لص سابق، لجأ إلى الأعمال الحرة، هذه الموظفة تعانى الكثير من المتاعب فى بيتها. فقد سبق أن فشلت فى حب عميق مع حبيب اختار السفر إلى الخارج دون أن يعود، ووجدت نفسها تستجيب لمن يطلب حبها، والمرأة العاملة هنا تعيش فى أفضل ظروف الفقر، تسكن وأمها مع خالها ضابط الشرطة، صاحب عائلة متعددة الأفراد، وتخشى أن يفوت بها قطار العمر دون أن تتزوج، لذا تقرر الزواج بأى رجل يتقدم لها، حتى وان كان لصا سابقا.

ومثلما اشرنا، فإن هناك صورا متعددة للمرأة العاملة فى السينما المصرية، لكن الملاحظ أن مصر قد تحولت فى غالبها إلى مصلحة حكومية واسعة، مليئة بالعاملين والعاملات بكافة الاشكال، فالمرأة تعمل فى تحويلة التليفون فى “المليونير الفقير” لحسن الصيفى 1959 و”أمواج بلا شاطىء” لأشرف فهمى 1970، والعاملة الأولى تعيش مع أمها فى غرفة واحدة تتشاركا الفراش نفسه، تخلو حياتها من طموح حقيقى، وليس فى حياتها سوى الفقير الذى جاء من الريف، فسرق اللصوص أمواله، ونزلت عليه ثروة من السماء.

ومن بين النساء العاملات فى قصص السينما، الفتاة فى فيلم “الحب فوق هضبة الهرم” لعاطف الطيب 1986، فهناك موظفة جديدة، سرعان ما تكتشف بعد أن تسلمت الوظيفة، أن العمل يعنى أن تذهب للجلوس فى كافيه قريب من المصلحة ساعات عديدة تثرثر مع زميلها “على” بداية من الحبس للثرثرة فى المصلحة، العمل هنا لم يعد حلما، انه مكان لتسمية اجتماعية ليس أكثر، باعتبار أنها ابنة وحيدة لوكيل وزارة.

ومثلما فى الحياة، فإن المرأة العاملة فى الافلام المصرية تعيش حياتين مزدوجتين، الاولى فى الوظيفة، والثانية فى البيت، هى امرأة لديها وظيفتان: التدريس، والأمومة، وذلك فى فيلم “صباح الخير يا زوجتى العزيزة” هى موظفة متزوجة من رجل يعمل رئيساً لقسم به مجموعة من الموظفات، تأتى أغلبهن بعد المواعيد المقررة، تعانى زوجته بعد الولادة، من المتاعب نفسها التى يرفض الاعتراف بها حين تقوم بها مرؤوساته، سامية هنا عليها أن تواءم بين مهام وظيفتها وبين رعاية وليدها، وقد بدت المرأة العاملة هنا فى حاجة إلى الوظيفة بسبب المال. وبالتالى فهى لا يمكنها أخذ اجازة للرعاية، فى فترة لم تكن شهور الرعاية قد وصلت إلى عدة سنوات بنصف أجر أو بدون أجر.

المرأة العاملة فى هذه السينما لا تمارس العمل حباً فيه أو رغبة فى تطويره، بل هى تفعل ذلك لأنها تريد اقامة السعادة والأمن الاقتصادى فى بيتها، وبالتالى فإن هذا البيت هو محرابها، ووظيفتها الاولى.

ومن المهم أن نشير إلى نموذج المرأة العاملة كما رأيناه فى “ملف فى الآداب” لعاطف الطيب 1986، فنحن أمام ثلاث عاملات فى وظائف متعددة، الأولى تعمل فى مكتب، والثانية فى محل تجارى، ويجمع الثلاثة معاً أن عملهن يتم على فترتين: صباحية ومسائية، ولذا فإن كل منهن عليها أن تقضى فترة الظهيرة فى أحد مطاعم منتصف المدينة، ونحن لا نتعرف على الحياة الخاصة لكل عاملة منهن، باعتبار أن أغلب ساعات النهار يقضونها خارج البيوت، احداهن سبق لها الزاج، والأخرى مرت بتجبرة عاطفية فاشلة، وهؤلاء العاملات يمثلن عشرات الألوف من مثيلتهن اللائى يعملن فى المحلات، أو فى مكاتب فى وسط المدينة.

هؤلاء الموظفات يجدن انفسهن فى مأزق خلقى، حين يذهبن الى شقة المدير رشاد، وبحجة دعوتهن على الغداء من أجل اتمام مراسيم الاتفاق على خبطة  بين واحدة منهن وزميل لها، والفيلم كما نرى يؤكد أن مثل هؤلاء العاملات المطحونات اجتماعياً، هن أول من يتعرضن للمتاعب والشبهات من قبل رجال الشرطة الباحثين عن فرصة لاثبات البراعة فى العثور على قضايا ساخنة.

المرأة العاملة فى السينما المصرية تعددت صورها، وإن كانت هذه المرأة قد قامت الأفلام بتسطيح صورتها فى أفلام السنوات الأخيرة حيث اتجهت هذه المرأة للعمل فى مجال الأزياء، والسياحة، والكمبيوتر، وبدا كأنما العبء قد خف عن المرأة، لكنها فى الواقع تعانى من ازدياد فى المتاعب المالية، والاجتماعية.

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات