منافع روسيا في شبه الجزيرة الكورية

01:18 مساءً الخميس 21 نوفمبر 2013
آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

رئيسة كوريا الجنوبية بارك جون ـ هي، مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، 13 نوفمبر الحالي بالقصر الرئاسي البيت الأزرق (Xinhua/NEWSis)

لقاء القمة التي عقدتها رئيسة كوريا الجنوبية بارك جون ـ هي، مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، جذب الكثير من الاهتمام باتجاه مشكلات شبه الجزيرة الكورية.

عندما يتعلق الأمر الى موقف روسيا من كوريا الجنوبية ، من المستغرب أن هناك القليل مما يمكن مناقشته. فعلى الرغم من بعض حالات سوء التفاهم و الاحتكاكات الطفيفة ، تخلو العلاقات بين موسكو وسيئول من أية دسيسة تعكِّر الصفو . فالاهتمام الرئيس للجانبين هو اقتصادي و هذه العلاقات متبادلة على نحو سلس : كوريا الجنوبية تحتاج المواد الخام والتكنولوجيا الروسية ، في حين ان روسيا لديها شهية كبيرة للبضائع الاستهلاكية القادمة من بلاد الصباح الهادئ (كما يُطلق على جمهورية كوريا، أو كوريا الجنوبية).. أضف إلى ذلك ، هناك مستوى متواضع ومعقول من التبادلات السياحية، فضلا عن التفاعلات الثقافية المزدهرة بين البلدين .

الأمور مختلفة نوعا ما عندما يتعلق الأمر بكوريا الشمالية. ففي حين أن علاقات روسيا مع كوريا الجنوبية هي اقتصادية أساسا سنجد أن هذه الاعتبارات والمقاصد غائبة من جميع المقاصد في علاقات الروس مع كوريا الشمالية .

على الرغم من أن هذا الأمر ليس مفهوما على نطاق واسع في جنوب المنطقة المنزعة السلاح DMZ، فإن التجارة البينية الكورية الشمالية الروسية تغيب تماما. لوضع الأمور في نصابها، نقول إنه في عام 2012 بلغ حجم التجارة بين الصين وكوريا الشمالية 6.1 مليار دولار ، بعد أن ارتفع ما يقرب من 10 أضعاف خلال العقد الماضي . وفي الوقت نفسه، ظلت التجارة الروسية مع كوريا الشمالية ضئيلة توازي  90 مليون دولار ، وكانت راكدة منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي. بعبارة أخرى ، تعد التجارة الكورية الروسية الشمالية الآن أقل بحوالي 60 مرة من التجارة بين الصين وكوريا الشمالية.

ومن المهم أيضا أن نتذكر أن على مدى العقد الماضي في حين بدأ إجمالي التجارة الخارجية الكورية الشمالية في الازدياد، فإن تجارتها مع روسيا انخفضت في الواقع إلى حد ما. وفي بعض الأحيان، فإن قائمة الشركاء التجاريين لكوريا الشمالية ، تضع في المرتبة نفسها روسيا إلى جانب هولندا وتايلاند، ووجود حجم تجاري قوامه حوالي 100 مليون دولار يعني أن البلدين لا يتشاركان في أية تفاعلات اقتصادية ذات جدوى أو مغزى.

التجارة الروسية – الكورية الشمالية في الانخفاض

ينبغي للمرء أن لا يفاجأ بشكل مفرط حول هذه الحقيقة : اقتصادات روسيا وكوريا الشمالية لم تكن أبدًا مجانية في هيكلها. كوريا الشمالية ليس لديها الكثير من الفائدة للتعامل التجاري مع روسيا، كما أنه ليس لديها المال لدفع ثمن ما يمكن لروسيا بيعه. في الوقت الحاضر ، لدى كوريا الشمالية ميزات تنافسية معتبرة في ثلاثة مجالات – الموارد المعدنية وصيد الأسماك و العمالة الرخيصة . وبالمقابل فإن أيا من هذه الميزات لا تشكل الكثير من الاهتمام لدى رجال الأعمال الروسي.

تشكل الموارد المعدنية جزءا كبيرا وسريع النمو من الصادرات الكورية الشمالية. ومع ذلك ،فإن  روسيا ، لديها كل ثروات سيبيريا تحت تصرفها ، فلن تكون في دائرة اهتمامها على الإطلاق صادرات الكوريين الشماليين منها. وقد اقتربت بالفعل بعض الشركات الروسية من قبل وكالات الحكومة الكورية الشمالية ، التي سعت من أجل الاستثمار الروسي في مجال التعدين كوريا الشمالية (من الواضح أن مثل هذا الاستثمار يعد مرغوبا سياسيا ، من أجل مواجهة الهيمنة المتنامية للصين ) لكن الشركات الروسية لم تكترث بما شاهدته في الشمال : كانت المناجم المفحوصة في حالة سيئة جدا ، وتفتقر حتى إلى البنية التحتية الأساسية. نوعية الودائع نفسها كانت أبعد من أن تُقبل. لذلك قرر رجال الأعمال الروس أن المشاريع لن تكون مفيدة مقابل  الجهود اللازمة ، لا سيما في ضوء الوضع السياسي المتفجر في المنطقة .

المأكولات البحرية أيضا ذات أهمية محدودة لرجال الأعمال الروس . الصيادون في كوريا الشمالية يسعدون ببيع صيدهم للصينيين ، الذين تعرف جدا شهيتهم للأطعمة البحرية. في بعض الحالات ، ينتهي بيع المأكولات البحرية إلى كوريا الجنوبية واليابان ( أيضا اثنان من بلدان أخرى معروفة بشهيتها الأسطورية لمثل هذه الأطباق ). أما الروس فلم يكونوا من الذين لديهم شهية للأسماك ، ناهيك عن المأكولات البحرية الأخرى كخيار البحر أو السبيط، ، وعلاوة على ذلك ، لدى روسيا أسطول صيد كبير عالي الكفاءة ، قادر تماما على تلبية الطلب المحلي المعتدل للأسماك .

قد تبقى لليد العاملة الرخيصة بعض الفائدة محدودة لدى رجال الأعمال الروس ، وخاصة عندما يكون لديهم الفرصة لاستخدام عامل كوري شمالي في مواقع بناء روسية داخل كوريا الشمالية. ومع ذلك ، فإن رجال الأعمال الروس – على عكس زملائهم الصينيين – ليست لديهم نسبة اهتمام ببناء مصانع في كوريا الشمالية. وقد بدأت الشركات الصينية و حتى كوريا الجنوبية الى النظر بجدية في الاستعانة بمصادر خارجية لإنتاجها من الشمال (في بلد يعتبر 35-40 دولارا راتبًا شهريا جيدًا ) . لا يحتاج النموذج الاقتصادي في روسيا لمصانع العمل الرخيصة ، وبالتالي فإن الطلب محدود جدا . هناك عشرة ىلاف عامل كوري شمالي يعملون في روسيا في الوقت الحاضر ، وهذا الرقم ليس من المرجح أن يزيد بشكل كبير .

في الآونة الأخيرة ، كانت الآمال الكبيرة معقودة على بناء السكك الحديدية و أنابيب الغاز العابرة للأراضي الكورية. غالبا ما توصف هذه المشاريع بأنها الحالات المحتملة للتعاون بين روسيا وكوريا الشمالية. رغم ذلك،  في الواقع ، فإن كلا المشروعين لن يكون لهما تأثير كبير على الاقتصاد الفعلي لكوريا الشمالية ، لقد صممت المشاريع لاجتياز كوريا الشمالية بتكلفة الحد الأدنى ، مع توفير طرق أسرع و أرخص لوصول التجارة الروسية إلى الأسواق الكورية الجنوبية و اليابانية المربحة. لذلك، فإذا ما تم تشييده ، لن يكون لهذين المشروعين الكثير ليقدماه إلى الاقتصاد الكوري الشمالي الفعلي.

أوركسترا نسائية أثناء عرض افتتاح خط راجين إلى خاسان، في رانسون، بجمهورية كوريا الديمقراطية (الشمالية) (Xinhua/NEWSis)

دافع اقتصادي بالكاد

والواقع أن كوريا الشمالية سواء كانت صحراء غير مأهولة أو غابة فإن الاختلافات لن تكون ذات درجة كبيرة اقتصاديا. ويبدو أنه من غير المرجح في الوقت الحاضر أن ترى هذه المشاريع ضوء النهار، بدرجة أكثر من أي وقت مضى. لقد ظل مشروع السكك الحديدية المفترضة العابرة لكوريا عند مرحلة العروض لنحو خمسة عشر عاما . في الوقت الذي اقترح فيه لأول مرة، في أواخر تسعينيات القرن الماضي فهناك نقص في الإعلانات الحكومية كما هي الحال في الفوائد الاقتصادية للمشروع. وحتى الآن لم يبدأ أي عمل في هذا المشروع.

 إنشاء روسيا مؤخرا لخط للسكك الحديدية بين هاسان ( محطة السكك الحديدية على الحدود الكورية الشمالية الروسية ) وميناء كوريا الشمالية راسون رآه العديدون مرحلة أولى لإنشاء السكك الحديدية العابرة لكوريا . ومع ذلك ، فهذا ليس هو الحال ، لأن هذا الخط قصير ، حوالي 54 كلم، و يربط خط السكك الحديدية ميناء راسون – المؤجرة جزئيا من قبل الروس – مع نظام السكك الحديدية الروسية ، مما جعل مرافق الموانئ في متناول الشركات الروسية . وحينما يتم بناؤه على أي حال ، لن يمكنه أن يقدم سوى القليل  إذا كان هناك أي اتصال مع خطة السكك الحديدية العابرة لكوريا الشمالية.

حقيقة أنه إما خط أنابيب أو مشاريع السكك الحديدية لم تبدأ ليست أمرًا مستغربا. فالسكك الحديدية العابرة لكوريا من المرجح أن تكون مكلفة جدا : تكاليف التشغيل تصل الى بلايين الدولارات الأمريكية ( التقدير الحالي هو 3.5 مليار دولار) . شركة السكك الحديدية الحكومية في روسيا ليست مهتمة بشكل خاص بالاستثمار بمثل هذا المبلغ الضخم من المال في هذه المنطقة غير المستقرة سياسيا . أي أزمة في شبه الجزيرة الكورية قد تقطع البناء أو توقف عمليات السكك الحديدية الجاهزة. وإذا كان لهذا أن يحدث ، سيتم فقدان الموارد المستثمرة بالفعل ، ولا أحد سوف يعوض الشركة عن هذه الخسائر .

والشيء نفسه ينطبق على مشروع خط أنابيب الغاز الطبيعي الذي نوقش كثيرا . فخط أنابيب مكلف كما هو الحال في بناء خط للسكك الحديدية ويقوم البناء والتشغيل بالمثل على الاستقرار السياسي النسبي . للأسف ، لا تعرف شبه الجزيرة الكورية هذا الاستقرار ، وبالتالي فإنه ليس من المستغرب أن رجال الأعمال الروس يبدون متشككين جدا حول هذا المشروع . إنهم يبدون الاهتمام، ولكن لا يبدو أنهم في عجلة من أمرهم لبدء الحفر الفعلي .

وهكذا، خلافا للعلاقات بين روسيا وكوريا الجنوبية ، فإن ما يحرك العلاقات بين موسكو وبيونغ يانغ ليس طريق الاقتصاد ولكن دروب الجغرافيا السياسية . روسيا تريد شبه الجزيرة الكورية مستقرة ، كما أنها أيضا لا تريد زيادة لنفوذ الولايات المتحدة أو بشكل ملحوظ . هذا هو السبب وراء استعداد روسيا لأن تنشط نسبيا في التعامل مع كوريا الشمالية . بيد أن هذه الجهود الدبلوماسية لا يكم وراءها عمليا أي دافع اقتصادي .

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات