برج البُرُلُّس … طريق الحرير التشكيلي

08:20 صباحًا الأربعاء 27 يناير 2016
أشرف أبو اليزيد

أشرف أبو اليزيد

رئيس جمعية الصحفيين الآسيويين

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print
الغلاف المزدوج لعدد يناير / كانون ثان، مجلة العربي

الغلاف المزدوج لعدد يناير / كانون ثان، مجلة العربي

قد يكون الرسم على الجدران هو الجدُّ الأول للفنون جميعها، وقد ولد هذا الفن الباكر حين سجلت خربشات صيادي الفرائس سيرة القنص، وعندما رسم قاطنو البراري سيرة حياتهم حول النار، وكذلك حين صوروا أنفسهم برموز بصرية كاشفة ليومياتهم، إثر عودتهم إلى كهوفهم بعد رحلة النهار الدرامية. لذلك تبدو علاقة الإنسان بالجداريات حميمة، وهي العلاقة المتجذرة منذ تلك الخطوط البكْر، والتي نمت مع نضوج الحضارات ذاتها. سيعرف المؤرخون، ونقاد الفن، والتشكيليون الجدران بوصفها معارض أبدية، سواء كانت في قلب مغارات جبال الصين، يتقرب بها الرهبان إلى آلهتهم، أو على حوائط مقابر الفراعنة، يدوِّنون بها سير الراحلين تنتظرهم حين يُبعثون، أو فوق الشواهد المعمارية الكثيرة التي عرفتها حضارات القارات جميعها. وإذا كانت تجربة الرسم المعاصر على الجدران لم تعد أسيرة للتاريخ، فقد عادت للظهور على أكثر من نحو؛ حين رسم الفنان الشعبي آيات الترحيب اللوني بالعائدين من الحج إلى بيت الله على واجهات البيوت، وكما برع فنانو الجرافيتي، المجهولون والمعروفون، على صبغ الجدران بالأفكار الثائرة، إلا أننا هنا نتحدث عن وجه ثالث للرسم على الجدران يمثل رحلة فنية بصرية جديدة على طريق الحرير التشكيلي.

مفردات الأسماك والأطفال، الحياة والبهجة، تتحرك على جدارية برج البرلس للفنان عادل مصطفى

مفردات الأسماك والأطفال، الحياة والبهجة، تتحرك على جدارية برج البرلس للفنان عادل مصطفى

ستذكِّرنا هذه الرحلة الجديدة بتجربة مماثلة قامت بها مدينة أصيلة المغربية على ساحل المحيط الأطلسي على مدى عقود، حين كان يأتيها كل موسم ثقافي سنوي فنانو العرب والعالم يضعون بصماتهم على جدرانها البيضاء، لكن تجربة الفنان عبد الوهاب عبد المحسن، في مدينة برج البرلس، المحاطة بالبحر المتوسط وبحيرة البرلس ، كانت أكثر صعوبة، لأنها تؤسس محاولة استثنائية في محيط صعب، وفي زمن غزا فيه القبحُ الحياة والسلوك، لذا كانت النتيجة مبهرة، لأنه استطاع في موسمين أن يكون ملتقى البرلس للرسم على الحوائط والمراكب فعالية ثقافية تتواصل مع محيطها المجتمعي وتعبر حدودها الجغرافية، وتعلي من قيمة الفن.

أتابع مسيرة الفنان المصري عبد الوهاب عبد المحسن منذ سنوات، معجبا بتلك الخطوات الوثابة والرؤية العميقة التي ميزته منذ عشق الفن، ودرسه، إلى أن أصبح أستاذا أكاديميا له في مصر وخارجها، فضلا عن دوره التنويري الذي ينبع من مواطنته الصالحة، العاشقة لكل ما هو مصري، وترى ذلك جليا في معارضه التشكيلية النوعية المرتبطة بتراب وطنه، وفي مداخلاته الواعية النقدية، وأخيرا في إنشاء “مؤسسة الفنان عبد الوهاب عبد المحسن للثقافة والفنون والتنمية”.

تبدى حب الفنان لبحيرة البُرُلُّس ، التي تقع بمحافظة كفر الشيخ، مسقط رأسه، شمال القاهرة، وتجلى هذا الحب في المعارض التي تناولت سطح البحيرة الذي لا يمل من رسمه، دون تكرار ، بل في فرادة تامة، تعي أدوات الفنان، وتدرك تجدد مياه البحيرة ووجوهها. لكن البحيرة لم تعد مياهًا وحسب، ولا محيطا جغرافيا فقط، بل أصبحت كرة أرضية، أو كوكبا يعيد عبد الوهاب عبد المحسن تعريفه لنا، بتفاصيل سطوحه، وساكني أعماقه، وناسه ، مفتونا بعنصري التكوين الماء والتراب، يضيف لهما نار الفن التي يوقدها بخامات شافة لكنها دالة، وساخنة، وحية مثل البشر الذين يعشقهم. والبشر حاضرون في لوحاته، حتى وإن غابوا جسديا، يكفي أن تتمعن في الأسماك والطيور، لندرك أنها صور معادلة للحضور البشري. إن تلك الكائنات جميعا لو غابت، فإن سطح الماء يذكرنا بمداعباتنا لوجه مياه النهر والبحر والترعة والبحيرة، فهذه المداعبات بالفقاقيع المتدفقة من الغيب والدوائر المتراقصة إلى ما لا نهاية، كلها تستحضر البشري الغائب.

خريطة من 3 أقسام، الأول لمحافظة كفر الشيخ وموقعي مدينة برج البرلس وبحيرة البرلس على شاطيء البحر المتوسط، والثاني لموقع المحافظة شمال مصر (على بعد 200 كلم من القاهرة)، والثالث لموقع مصر في إفريقيا.

خريطة من 3 أقسام، الأول لمحافظة كفر الشيخ وموقعي مدينة برج البرلس وبحيرة البرلس على شاطيء البحر المتوسط، والثاني لموقع المحافظة شمال مصر (على بعد 200 كلم من القاهرة)، والثالث لموقع مصر في إفريقيا.

على ساحل البحر المتوسط، في منطقة تبعد مائتي كيلو متر شمالي القاهرة تقع بحيرة البرلس. وتمثل هذه البحيرة مساحة حياة تتسع بتفاصيلها للتأمل والإبداع، لأهلها والقادمين إليها. لكن التجريف – مثله كأي فساد يهدد الكائنات والبشر – يزحف بقبضة التصحر عليها، مقلصا من مساحتها يومًا بعد يوم، مما يضع مصيرها، ومصير بحيرات عربية أخرى، على المحك. وهنا يحاول الفن المقاومة، وقد ساهم الفنان عبد الوهاب عبد المحسن نفسه بتقديم شهادات غرافيكية ومصورة للبحيرة؛ المعادل الموضوعي للجمال والحياة تستصرخ المتلقي لإنقاذها. كان يقف أمامها كصوفي تائه يبحث عن مركز كونه، وهو هنا البحيرة، التي تمثل متكأ الفنان لنقل إحساسه بالماء / الحياة، وألعاب الأشعة فوق وجهه، وحالة الجو الممثلة لحالته النفسية، باعتبار الماء مرآته المفصحة عن ذاته، والذي ينقلها عبر الإيقاعات الضوئية. لذلك كانت البحيرة في قلب حدث ملتقى البرلس،  وكان قدوم الفنانين والفنانات إلى شواطئها وكأنه وعدٌ لوثاق لا ينفصم مع الحفاظ عليها.

كأن الطيور تنشر سلامها للمارين بالبيت والمقيمين فيه، بأجنحتها البيضاء، وبين سماء مجنّحة، وبحر من الأسماك الملونة جلس هذا الأب مع طفليه، جزءا من المشهد، بأفكار مشرعة كما النوافذ

كأن الطيور تنشر سلامها للمارين بالبيت والمقيمين فيه، بأجنحتها البيضاء، وبين سماء مجنّحة، وبحر من الأسماك الملونة جلس هذا الأب مع طفليه، جزءا من المشهد، بأفكار مشرعة كما النوافذ

تجاوز دور الفنان إطار اللوحة إلى مجتمعه، ولتتحول البرلس في أولى فعاليات مؤسسته إلى مرسم مفتوح بفضل ملتقى الجداريات الأول الذي أقيم في 2014، بمدينة برج البرلس وشارك فيه خمسة عشر فنانا وفنانة تشكيلية واختير الموعد متزامنا مع العيد القومي لمحافظة كفر الشيخ ، وشارك الفنانون أطفال مدينة البرلس فى الورش الفنية لمدة أسبوعين ووفرت محافظة كفر الشيخ الإمكانيات المادية لإنجاح الملتقى وتهيئة المناخ المناسب لتفاعل أهالي وأطفال المدينة مع الفنانين المشاركين من نجوم الحركة التشكيلية في مصر والعالم. وهو يحتفل بختام ناجح للدورة الثانية، يبدأ الفنان عبد الوهاب عبد المحسن بالتفكير في الدورة القادمة، وضيوفها من مدن البحر المتوسط، لبلدان لم تشارك بعد مثل الجزائر وإيطاليا وقبرص ، على أن تظل المراكب الموضوع الرئيسي، وربما يفكر في نماذج أصغر من الحالية، تباع في نهاية الملتقى كهدايا تذكارية.

.الفنانة الدكتوره عقيله رياض تغازل مركبها بالريشة والروح معا (يمينا) و	الشغف بالتفاصيل الدقيقة والألوان الصريحة والحس الأنثوي للأسطورة الهندية عنوان العملين؛ الجداري والفلوكة  اللذين قدمتهما الفنانة الهندية بونام شاندريكا تياجي (الصفحة اليسرى)

. الفنانة الدكتوره عقيله رياض تغازل مركبها بالريشة والروح معا (يمينا) و الشغف بالتفاصيل الدقيقة والألوان الصريحة والحس الأنثوي للأسطورة الهندية عنوان العملين؛ الجداري والفلوكة اللذين قدمتهما الفنانة الهندية بونام شاندريكا تياجي (الصفحة اليسرى)

برج البرلس … جغرافيا صغيرة … تاريخ كبير

قبل أن تصبح مدينة، كانت برج البرلس قرية صغيرة، ذاع اسمها بعد معركة بحرية شهدها شاطئ بحيرة البرلس صباح 4 نوفمبر 1956، حين بدأت بهجوم بوارج تقودها البارجة الفرنسية جان بارت؛ أول سفينة مزودة بردار في العالم، ومدمرة بريطانية مدعومة بالطائرات الحربية الشواطئ المصرية. قاد الضابط جلال الدسوقي المعركة من الجانب المصري، واستطاعت ثلاثة زوارق طوربيد مصرية إطلاق ستار دخان لتقترب بسرعة وبحركات مفاجئة من الوحدات المهاجمة وأطلقت قذائفها في اتجاه البوارج الفرنسية والبريطانية المهاجمة ، ورغم اشتراك الطائرات الحربية في مهاجمة ضد الزوارق، إلا أن معركة البرلس انتهت في دقائق ودمرت المدمرة البريطانية والبارجة الفرنسية، ودافع المصريون بدون غطاء جوى حتى آخر طوربيد.

وحين قاد الضابط مختار الجندى زورقه ألأخير بعد استشهاد أغلب الزملاء طلب من رفاقه القفز إلى البحر ثم اخترق مدمرة أخرى بسرعة هائلة فأصيبت أصابة بالغة، وحكى الناجون عن ملحمة كبيرة لقرية صغيرة، وسجلت البحرية المصرية انتصارا مذهلا ضد الأسطولين؛ الفرنسي والبريطانى. وأصبح 4 نوفمبر عيدا سنويا لمحافظة كفر الشيخ.

عائلة الفنان عبد الوهاب عبد المحسن ليس بعيدة عن النضال، حيث تمر خلال أيام الملتقى الذي يقام في النصف الأول من شهر أكتوبر سنويا ذكرى استشهاد شقيقه خلال حرب العبور ٢١ أكتوبر ١٩٧٣. كان أخوه بين ٣ أشقاء يخوضون معركة الكرامة على الجبهة، وعاد شقيقاه محمد ومحمود واستشهد عبد السلام، من أجل الأرض التي يعشقها الفنان، ومن أجل الوطن الذي يحلم به ليكون أفضل.

جدارية الفنانة سالي الزيني ذات البعد الحركي الملائم لروح المكان بأشكالها المرسومة مائلة وغير الموازية لخطوط البيوت، وكأن بيتها الملون يمشي في حكاية خيالية ساحرة نقلت الحس الأنثوي بالوشي الذي تبثه في لوحاتها،  متعددة الخامات، وهي التي ترسم بقلب الطفل.

جدارية الفنانة سالي الزيني ذات البعد الحركي الملائم لروح المكان بأشكالها المرسومة مائلة وغير الموازية لخطوط البيوت، وكأن بيتها الملون يمشي في حكاية خيالية ساحرة نقلت الحس الأنثوي بالوشي الذي تبثه في لوحاتها، متعددة الخامات، وهي التي ترسم بقلب الطفل.

في الدورة الأولى للملتقى بدأ الفنانون والفنانات بالجدران، لكنهم هذا العام أضافوا العمل على المركب الصغيرة (الفلوكة) إلى الجدار، ولا عجب في ذلك في قرية أغلبها من صيادي السمك، يسعون كل صباح على صهوات مراكبهم لخطب ود البحر والبحيرة ليأخذوا نصيبهم من الرزق. وهكذا بين فنار البرلس وطابية عرابي، وبعيدا عنهما تمتد رحلة الصيد، وحولها تنتشر صناعة مراكب الصيد، وتصديرها للعديد من الدول، ولعل شهرة أهلها باحتراف الصيد جعل العديد من القرى الصغيرة أساسا للثروة السمكية بها مثل قرى البنائين، وسوق الثلاثاء،والشوش والوهيبة، والشرفا.

7.شارك فنانون من 8 دول في الملتقى، من بينهم التشكيلي الإيراني ناصر بلانجي (أعلاه) والفنان السوداني معتز علمان (الصورة أدناه) أما إلى اليسار فشيخ الحاضرين الفنان جميل شفيق (مصر) الذي تماست طزاجة أعماله المستلهمة من الأحياء الشعبية مع المكان الفطري، ولذلك امتدح كثيرا بكارة المكان.

7. شارك فنانون من 8 دول في الملتقى، من بينهم التشكيلي الإيراني ناصر بلانجي (أعلاه) والفنان السوداني معتز علمان (الصورة أدناه) أما إلى اليسار فشيخ الحاضرين الفنان جميل شفيق (مصر) الذي تماست طزاجة أعماله المستلهمة من الأحياء الشعبية مع المكان الفطري، ولذلك امتدح كثيرا بكارة المكان.

لم تبتهج الجدران وحدها، ولم ترقص المراكب على أنغام اللون وحسب، بل عم شعور الفرح على وجوه الجميع، وأصبح للفنانين عائلات وأطفال بتابعون ريشاتهم وهي تعيد صياغة الحياة، يوما بعد يوم، ولونا بعد آخر. وتنافس الصيادون على جذب الفنانين لواجها بيوتهم للفوز بلوحة نادرة من الفنانين الذين تطوعوا لتغيير وجه المدينة، وبدا أن الطاقة الإيجابية بين الفنان والمتلقي قد بلغت أوجها. نجحت التجربة بإثارة الوعي الجمالي، لتذوق الفن وعشقه، وكذلك السعي إلى بيئة نظيفة، وزاد دعم المؤسسات للفعالية، وانضمت للمحافظة ومؤسسة الفنان عبد الوهاب عبد المحسن للثقافة والفنون والتنمية كل من وزارة الشباب وجامعة المستقبل.  وسجلت العدسات للفنانين والزائرين لحظات تنشر الفرح، و البهجة، بين الغداء المشترك، والجدران المرسومة والمراكب الملونة، والوجوه الباسمة لأهل القرية، وخاصة الأطفال، كل ذلك يؤكد نجاح تجربة الفنان الذي عشق أرضه وناسه فرسم عالمهم، وها هو يستدعي الفن كائنا حيا يعيش بينهم، ويسبح في بحيرتهم.

فلوكة الفنان الشاب إسلام عبادة التي أنجبت كائنا أسطوريا يقف حارسا لها! اللون الأسود، لجسد الفلوكة وابنها، واللون الذهبي لأطرافها ورأسه، تقدم صياغة جديدة للربط بين الجسدين، الأول ـ وهو المركب ـ المتحرك فوق سطح الماء الوهمي، والثاني، وهو الحيوان الحارس، الثابت على أرض راسخة.الصور من ألبوم الفنانين المشاركين في الملتقى، من مصر: عبد الوهاب عبد المحسن، إيمان عزت،  رامي شهاب، أميرة عبد الله، ريم حسن، أحمد عبد الكريم،  جلال جمعه ، علاء عوض، محمد صبري، ياسين حراز، منى عليوة، يارا حاتم، عادل مصطفى، محمد عبلة، إبراهيم غزالة، إسلام عبادة، سالي الزيني، جميل شفيق، أيمن قدري، جيهان سليمان، كلاي قاسم، أشرف مهدي، أحمد رجب صقر، عاطف أحمد، عمر الفيومي، حسن عبد الفتاح، عقيلة رياض، من تونس: هيفاء تاكوتى، من الأردن: هيلدا حياري، من السودان معتز علمان، من الهند: بونام شاندريكا تياجي، من إيران ناصر بلاجي، من البرتغال : باولينا إيفاريستو ، ومن البحرين: جعفر العريبي  ، وعدسات المبدعين جلال المسري، ممدوح أحمد وفاطمة الزهراء حسن وبثينة شعلان...

فلوكة الفنان الشاب إسلام عبادة التي أنجبت كائنا أسطوريا يقف حارسا لها! اللون الأسود، لجسد الفلوكة وابنها، واللون الذهبي لأطرافها ورأسه، تقدم صياغة جديدة للربط بين الجسدين، الأول ـ وهو المركب ـ المتحرك فوق سطح الماء الوهمي، والثاني، وهو الحيوان الحارس، الثابت على أرض راسخة.الصور من ألبوم الفنانين المشاركين في الملتقى، من مصر: عبد الوهاب عبد المحسن، إيمان عزت، رامي شهاب، أميرة عبد الله، ريم حسن، أحمد عبد الكريم، جلال جمعه ، علاء عوض، محمد صبري، ياسين حراز، منى عليوة، يارا حاتم، عادل مصطفى، محمد عبلة، إبراهيم غزالة، إسلام عبادة، سالي الزيني، جميل شفيق، أيمن قدري، جيهان سليمان، كلاي قاسم، أشرف مهدي، أحمد رجب صقر، عاطف أحمد، عمر الفيومي، حسن عبد الفتاح، عقيلة رياض، من تونس: هيفاء تاكوتى، من الأردن: هيلدا حياري، من السودان معتز علمان، من الهند: بونام شاندريكا تياجي، من إيران ناصر بلاجي، من البرتغال : باولينا إيفاريستو ، ومن البحرين: جعفر العريبي ، وعدسات المبدعين جلال المسري، ممدوح أحمد وفاطمة الزهراء حسن وبثينة شعلان…

أصبحت فكرة الرسم على الجدران اختزالا لتواصل الفنان الحقيقي مع مجتمعه، في زمن غلبت فيه وجهات النظر التي تقول إن التشكيلي يعيش في برج عاجي، يبتعد بعمله عن المتلقي، فتحدث غربة الفنان عن المجتمع، وتنشأ قطيعة المجتمع مع الجمال. ونجحت التجربة في فضاء محاط بالجمال الطبيعي بين البحر والبحيرة.

قوافل الأجيال

من فضائل الملتقى الثانى، للرسم على الحوائط والمراكب بالبرلس هو ذلك الجمع الفذ بين كل أجيال الرسم، ولذلك كان شيخ الحاضرين هو الفنان جميل شفيق (مصر) الذي تماست طزاجة أعماله المستلهمة من الأحياء الشعبية مع المكان الفطري، ولذلك امتدح كثيرا بكارة المكان الذي تعرف في خلال عام واحد على أعمال فنانين وفنانات. الملتقى أقيم تحت رعاية الدكتور أسامة حمدى، محافظ كفر الشيخ، وشارك فيه 35 فنانا من: مصر، والهند، وإيران، والبحرين، والأردن، وتونس، والسودان، والبرتغال، وشارك طلاب وطالبات كليات الفنون الجميلة بالإسكندرية والمنصورة والفنون التطبيقية بدمياط والتربية النوعيه بكفر الشيخ في الحدث مع مجموعات من أطفال المدارس والأهالى، وتمثلت مشاركة وزارة الشباب بمشروع مدن ملونة… وهكذا وجد جيل الكبار أنفسهم بين جيل جديد قوامه 90 شابا وشابة يتعلمون درسهم الأول في فنون الهواء الطلق. وقد أهدت مؤسسة الفنان عبدالوهاب عبدالمحسن للثقافة والفنون والتنمية الجهات المشاركة والفنانين دروعا تذكارية تمثل مركبا ذهبيا، يستعد للانطلاق.

الأطفال قاسم مشترك في أعمال الفنانين والفنانات، سواء داخل الجدارية أو الفلوكة أو في الحياة اليومية، خلال الرسم أو أثناء الاستماع إلى الحكايات، وابتسامات بلا حدود.

الأطفال قاسم مشترك في أعمال الفنانين والفنانات، سواء داخل الجدارية أو الفلوكة أو في الحياة اليومية، خلال الرسم أو أثناء الاستماع إلى الحكايات، وابتسامات بلا حدود.

للعام الثاني شارك الفنان أحمد عبد الكريم (مصر)، وهو الذي بدأت رحلته التشكيلية قبل أكثر من ربع قرن بتقديم معماريات وجدانية أعاد بها اكتشاف إيقاع المعمار الصامت وتحرى مجسماته فى مسارات بصرية تتداخل فيها الالوان وتحكى داخله الخطوط  وترقص به الجدران بشخبطات ورسوم ولافتات اعلان وهمسات تدور حول الاصرخة وداخل اذهان الرجال والنساء والاطفال. ثم غاص في التاريخ قبل أن يخرج لعناق نهر النيل،  فيكتب معاجم مفرداته التى تخصبها الفلسفات والحكايات عن الخصوبة والحياة ولحظات الميلاد وطرح الحكايات؛ وكان جريئا في استخدام الخامات، ومن يزور مرسمه في دهشور سيستقبله تحت عنوان “ازرع قمحك يا مصري” عملٌ ثلاثي الابعاد   250 سم / 360 سم وقاعدة 150سم، منفذ بأعواد القمح المصري وتتوسطه لوحه زراعه القمح منذ عهد الفراعنه في أحد مقابر العمال بقريه القرنه بالبر الغربي في الأقصر، متوخيا إيجاد علاقة بين الحضارة المصرية الفرعونيه والحياة المعاصرة، ولذلك فإن مركبه كان يحمل بصمات الأيقونات الشعبية، بلونها القمحي / الذهبي السرمدي.

جزء من جدارية لمعركة بحرية مستلهمة من عصر الملك رمسيس الثالث وحربه ضد بعض  الشعوب الغازية القادمة عبر البحر المتوسط  للفنان علاء عوض.

جزء من جدارية لمعركة بحرية مستلهمة من عصر الملك رمسيس الثالث وحربه ضد بعض الشعوب الغازية القادمة عبر البحر المتوسط للفنان علاء عوض.

إذا كنا نوقن أن المثال محمود مختار هو حفيد بناة التماثيل العظام في الحضارة الفرعونية ، فإن الفنان طارق الكومي (مصر) هو صاحب ذلك الإرث، الذي يجدد فيه لتستمر رحلة النحت المصري متألقة. حول الكومي فلوكته إلى قطعة نحت عبقرية غنية ذات طبقات ثلاثية الأبعاد ربما لتقص سيرة الفلوكة، ليس قط بمن أخذوها حاليا إلى عرض البحر وقلب البحيرة ، وإنما تحولت إلى أثر تاريخي قادم من أزمنة لم نعشها تعكس هم الصيادين وتاريخ البرلس.

من بين الأجيال الجديدة يرى الفنان علاء عوض (مصر) أن الملتقى تجربه فريده من نوعها لأن فن الشارع (أو رسم الجداريات) هو بمثابه التعبير الايجابى عن المجتمع و يصل ويخاطب المتلقى بجميع فئاته وأعماره وثقافاته بدون وسيط على عكس المعارض والقاعات المغلقة. هنا يبدأ الدور الايجابي للتجربة ، كما أن الأعمال الجدارية هى بمثابه حلقه وصل بين الناس وتراثهم الثقافي، بما يؤكد على هويتهم، ويحيي ذاكرة التاريخ الممتد لآف السنين، وهو عمق ثقافي كان له عظيم الأثر في بناء الشخصية الوطنية. جدارية الفنان علاء عوض قدمت معركة بحرية أخرى، مستلهمة من عصر الملك رمسيس الثالث وحربه ضد بعض  الشعوب الغازية القادمة عبر البحر المتوسط  وتحالفهم مع قبائل خارج الحدود الغربية لغزو مصر، وكأن التاريخ كان يعيد نفسه في معركة 1956، ولم تكن اللوحة عودة إلى الماضي بقدر ما كانت محاولة تشكيلية لإعادة قراءته واستلهامه والتدبر منه.

الفنانة سالي الزيني (مصر) غرس عملها الجداري البهجة، ونال حظة كبيرة لدى المصورين، ولم تخل متابعات الصحف والدوريات من لوحتها الطفولية الروح الصريحة الألوان الساحرة التكوين والمختزلة زخرفيا لكل عناصر البيئة، حتى أن الفنانة والأكاديمية الدكتورة أمل نصر أكدت على ذلك البعد الحركي الملائم لروح المكان حيث جعلت الزيني من أشكالها المرسومة مائلة وغير موازية لخطوط البيوت، فجعل بيتها الملون وكأنه يمشي ببعده الحركي، في حكاية خيالية ساحرة، وكيف أنها نقلت الحس الأنثوي بالوشي الذي تبثه في لوحاتها،  متعددة الخامات، وهي التي ترسم بقلب الطفل.

الملتقى أقيم تحت رعاية الدكتور أسامة حمدى، محافظ كفر الشيخ، ونظمته مؤسسة الفنان عبدالوهاب عبدالمحسن للثقافة والفنون والتنمية، بحضور أعلام التشكيليين في مصر ومن بينهم الدكتور أحمد عبد الكريم.  وفي رحلة عكس النيل، الفلوكات تستعد للانتقال من مينائها التشكيلي على طريق الحرير في برج البرلس إلى معرضها في القاهرة.

الملتقى أقيم تحت رعاية الدكتور أسامة حمدى، محافظ كفر الشيخ، ونظمته مؤسسة الفنان عبدالوهاب عبدالمحسن للثقافة والفنون والتنمية، بحضور أعلام التشكيليين في مصر ومن بينهم الدكتور أحمد عبد الكريم.
وفي رحلة عكس النيل، الفلوكات تستعد للانتقال من مينائها التشكيلي على طريق الحرير في برج البرلس إلى معرضها في القاهرة.

رحلة عكس النيل

إذا كان النيل يصب مياهه شمال في نهاية رحلته من المنابع، فإن الفلوكات سارت عكس تياره، وانتقلت ن فضاء برج البرلس إلى قاعة سمارت آرت. العرض القاهري أعدته دينا شعبان ولينا موافى بشكل احترافي وكأنهما أعادتا بناء مدينة أتلانتس.

لقد جاءت المراكب حاملة رائحة الماء، وعطر الأنفاس التي سكبتها وهي تلونها، ومن تحت ضوء الشمس الذي غمرها خلال رحلة الميلاد، لتعيش رحلة جديدة، بعطر زوار جدد، وتحت أضواء صناعية ، تحمل رائحة الحنين، بذكريات الفنانين والجمهور معا. كانت رحلة عكس النيل، ولكنها كانت أيضا رحلة باتجاه القلب. وهكذا وجدت الفلوكات متكأ لها في الطابق الأرضي الفسيح، في المعرض ذي الثلاثة طوابق، بما يجعله الأضخم في مصر. وبدا وكأن الفلوكات تتجاور وتحاور، وفيها من يتكيء على الجدران، وكأنها تلتقط صورة selfie  معا، ومنها من اتخذت بلونها مكانا قصيا كأنها لا تريد أن تبوح بسرها لفلوكة أخرى، وبدا أن الألوان والأشكال والرموز والإضافات التي وضعها بعض الفنانين فوق مراكبهم الصغيرة وحولها وكأنها تصنع موزاييك التجانس في كورال تشكيلي كبير، وكأن طريق الحرير التشكيلي امتد إلى درب جديد يستقطب جمهورا جديدا.

.بين عروس البحر الأسطورية، أقصى يمين الجداريات، والسيدة الساعية للعمل ولحياة، عالم من الرسوم التي امتزجت مع الحياة اليومية

. بين عروس البحر الأسطورية، أقصى يمين الجداريات، والسيدة الساعية للعمل ولحياة، عالم من الرسوم التي امتزجت مع الحياة اليومية

ظننت أنني أمام عرس للمراكب ، خاصة حين واجهتني عروس الفنانة عقيلة رياض في مركبها ترتدي ثوب الفرح، أو حين التقتني في مقدمة المحفل مركب الفنان هيلدا حياري (الأردن) وكأنه “كوشة الفرح” تحمل كرسيين غطاهما قماش ثوب العرس الشاف. تحكي هيلدا عن تلك التجربة المميزة للحضور في برج البرلس ضمن عدد كبير من الفنانين والفنانات من جنسيات مختلفة:

“المنطقة سحرتنا وأثرت بنا وجدانيا ببساطتها أوﻻ. كنت أعتقد أن الهدف من المشروع هو اﻻختلاط بسكان المنطقة ليتعلموا ويكتشفوا فنونا جديدة من ثقافات مختلفة لكني وجدت أني تعلمت منهم أكثر مما أعطيت. كنت غاية في اﻻرهاق أحيانا وخاصة كفنانة امرأة ترسم حائطا كبيرا بمنطقة شعبية تفتقد للخدمات لكني لم أشعر بتعبي وأنا بين الحاجة رضا والحاجة عزيزة والحاج محمد أطال الله بعمرهم .. أحسست أني ابنتهم، وجزء من عائلتهم بالمحبة والكرم. وجدت نفسي منسجمة بكل لحظة لأعبر عن محبتي لهم، بالإضافة ﻻنسجام مجموعتنا كفنانين من إيران والسودان واﻻردن والبحرين وتونس ومصر وغيرها من البلدان المشاركة. كنا حقا عائلة واحدة يجمعنا كل اﻻحترام. هذه تجربة فريدة بمسيرتي الفنية وأسلويي الذي أتبعه. ﻻ تهمني العواصم كثيرا وﻻ الأبنية الشاهقة المغلقة، إذ تعودت دائما أن أبحث عن الإنسان ووجدته في البرلس … هم أيضا تعلموا تقبّل الآخر مهما كان شكله ولونه وأسلوب حياته، وما زالت بعض أسئلة اﻻطفال تعيش ذاكرتي وتعني لي الكثير، وما زلت على تواصل اتصال معهم، مثلما اطلع السكان على فنون مختلفة عما يعرفون … لقد تبادلنا الأدوار بالمعرفة والحب والعطاء من الطرفين”.

 

الفلوكات تقف للتصوير، من اليمين أعمال عقيلة رياض، وعمر الفيومي، وجميل شفيق وجيهان سليمان

الفلوكات تقف للتصوير، من اليمين أعمال عقيلة رياض، وعمر الفيومي، وجميل شفيق وجيهان سليمان

أسماكٌ ونساء وأساطير

لعل فضاء المكان كان له سحره الخاص في استلهام التشكيليين لمفرداته، على نحو متكرر ولكن بشكل غير متشابه أو متطابق. ومثلما حضرت الأسماك برشاقة متزنة وبذخ لوني في معظم الأعمال ، الجدارية أو المركبية، ظهرت أيضا النساء ببهاء وتجل ناشرات الفرح، وألحت الأساطير بغموض وشموخ، وكأنها حكايات النسوة في الأمسيات، أو قصص الرجال في عرض البحر.

وكأن البحر انتقل مع الفلوكات، فجلس الأطفال على شاطئه يعيدون رسم المراكب الصغيرة، ورائحة الصيد التشكيلي تفوح بين المراكب والشباك والمقاطف المصنوعة من الخوص

وكأن البحر انتقل مع الفلوكات، فجلس الأطفال على شاطئه يعيدون رسم المراكب الصغيرة، ورائحة الصيد التشكيلي تفوح بين المراكب والشباك والمقاطف المصنوعة من الخوص

من ذلك السحر خرجت فلوكة الفنان المصري المخضرم سمير فؤاد ( 72  سنة)، التي تحمل نساء أربعة رسمهن بألوان الأكليريك، كشخصيات أسطورية، بينما ترقص في خلفية اللوحة الأسماك طافية على قاع الفلوكة. وكأنه يقدم نسخة مصرية من أسطورة بنات آخيلوس اللائي ينادين بأصواتهن العذبة على البحارة فتأتي سفنهم لتتحطم بسبب الشعاب المرجانية، والنسخة هنا عن النداهة التي تغرب الصيادين أو فلاحي نهر النيل بصوتها فيتقدمون إلى عرض المياه حتى يتمكن منهم الغرق. إنه السحر الأنثوي العابر للحضارات والثقافات والأساطير والمياه والجدران والفلوكات. آلهة اليونان امتزجت بمفردات مستوحاة من الفن الإسلامي والفن القبطي في أعمال فنان متمرس آخر هو عمر الفيومي الذي عُرف بلوحاته المستلهمة من وجوه الفيوم الجنائزية.

.فنانات الهند والبرتغال ومصر أمام بحيرة البرلس ÷أعلى لليمين) و	الفنانون إسلام عبادة ود. محمد الشال ويارا حاتم ومعتز علمان وعلاء عوض خلال افتتاح معرض المراكب في آرت سمارت، وإلى اليسار 	الفنان عبد الوهاب عبد المحسن يتحدث إلى الأجيال الجديدة التي شاركت الحلم، بالحضور والرسم معا.

. فنانات الهند والبرتغال ومصر أمام بحيرة البرلس ÷أعلى لليمين) و الفنانون إسلام عبادة ود. محمد الشال ويارا حاتم ومعتز علمان وعلاء عوض خلال افتتاح معرض المراكب في آرت سمارت، وإلى اليسار الفنان عبد الوهاب عبد المحسن يتحدث إلى الأجيال الجديدة التي شاركت الحلم، بالحضور والرسم معا.

هذا التناسخ، أو ربما تجدر تسميته بالتناسل، تبدى بقوة في فلوكة الفنان الشاب إسلام عبادة (مصر)، والتي أنجبت كائنا أسطوريا يقف حارسا لها! اللون الأسود، لجسد الفلوكة وابنها، واللون الذهبي لأطرافها ورأسه، تقدم صياغة جديدة للبط بين الجسدين، الأول ـ وهو المركب ـ المتحرك فوق سطح الماء الوهمي، والثاني، وهو الحيوان الحارس، الثابت على أرض راسخة. هذا الحوار في العمل الصامت هو سر فرادة هذا العمل الفني. إضافات الفنانين للفلوكة تحدت نفسها، الفنان  جلال جمعه (مصر)  أضاف المعدن مشكلا منه أسطورته الخاصة، وأضافت الفنانة باولينا إيفاريستو (البرتغال) قطع الأحجار الأسمنتية الجاهزة للبناء بعد أن منحتها لون البحر، وأضاف فنانون آخرون شباك الصيد والدلاء الجلدية التي يحتفظ فيها الصيادون بالسمك طازجا.

في قلب المتوسط كان فنار برج البرلس يضيء رحلة طريق الحرير التشكيلي، للقادمين والقادمات من الهند وإيران شرقا إلى تونس والبرتغال غربا، ومن الأردن شمالا إلى السودان جنوبا، رحلة آمن بحارتها بقيمة ألوانهم، وتأثيرها الذي تخطى الباليتة، وتجاوز إطار اللوحة، ليغرس البهجة في قلوب البسطاء، وليحرك الراكد في بحيرة التشكيل، وليجدد العهد مع الفنون التي أحيت الحضارات وخلدتها.

………………………………..

منشور في عدد يناير 2016 من مجلة العربي

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات