عبد المجيد سباطة … مسحراتي الكتب في رمضان

12:53 مساءً الأحد 19 يونيو 2016
  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

imageبدأ الكاتب والروائي المغربي عبد المجيد سباطة تجربة فريدة في رمضان يهديها إلى متابعي تدويناته النقدية المتعمقة على صفحات التواصل التواصل الاجتماعي بتخصيص قراءة يومية لكتاب جديد، أو تأصيلي، بعنوان #كتاب_كل_يوم.

ويقدم الروائي والناقد عبد المجيد سباطة لأعماله المختارة سرديا بكشف سر اختيار كتاب كل حلقة، وبصريا بنشر بطاقة للكتاب يعد تعريفا سريعا وتصنيفا يخصه ابتكره لتحديد المستوى القرائي.
في أولى الحلقات التي بدأت مع الشهر الكريم، كان الكتاب الأول : إسم الوردة:

imageسيكون كتابنا الأول في هذه السلسلة آخر كتاب قرأته، وهو رواية اسم الوردة Il Nome Della Rosa للفيلسوف والروائي والباحث التاريخي الإيطالي أمبرتو إيكو، صدرت لأول مرة عام 1980 وترجمها للعربية أحمد الصمعي.
هذه الرواية هي الثالثة في سلسلة قراءاتي لعدد من الأعمال الروائية التي اعتمدت تقنية المخطوطة في حبكتها، بدأتها بعزازيل ليوسف زيدان، وأتبعتها بتغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية لعبد الرحيم لحبيبي، وتنتظرني ظل الأفعى والنبطي لزيدان نفسه، وربما أعمال أخرى…
تدور أحداث هذه الرواية داخل دير مسيحي إيطالي سنة 1327، حيث ترتكب سلسلة من الجرائم الغامضة يذهب ضحيتها عدد من الرهبان، وكل هذه الجرائم لها علاقة وثيقة بمكتبة الدير، فيتولى راهب فرانشيسكاني يدعى غوليالمو دي باسكرفيل رفقة تلميذه أدسو دي مالك (الراوي وكاتب المذكرات) مهمة التحقيق في هذه الجرائم، اعتمادا على ثقافته الواسعة وذكائه الحاد للتوصل في النهاية إلى القاتل الحقيقي.
أحدثت هذه الرواية ضجة كبيرة فور صدورها في بداية الثمانينات، وترجمت لأزيد من 40 لغة، وكتب عنها ما لا يعد ولا يحصى من المقالات والدراسات النقدية التي حاولت تشريح وفهم الأبعاد الحقيقية للعمل، فقد أبدع عالم السيميائيات المعروف أمبرتو إيكو في روايته الأولى هذه، وصنع مزيجا بوليسيا تاريخيا فلسفيا قلما تمكنت روايات أخرى من تحقيقه، فهذا العمل المميز زاخر بالنقاشات الفلسفية العميقة التي يستلزم فهمها بشكل واضح إعادة قراءتها مرات ومرات، وتتناول حقيقة الوجود الإنساني وخبايا النفس البشرية في أبرز تجلياتها، وطبيعة الصراع المحتدم بين الطوائف المسيحية المتقاتلة واتهام كل واحدة منها للأخرى بالهرطقة، وأيضا العلاقة المعقدة للسلطة الحاكمة برجال الدين، والتي تتراوح بين العداوة والتحالف حسب ما تقتضيه المصلحة السياسية، بالإضافة طبعا إلى التشويق البوليسي المرتبط بفك الرموز الغامضة المحيطة بمكتبة الدير وما ستكشفه من أسرار رهيبة عن حياة الرهبان والعلاقات المتشابكة بينهم.
الجميل في هذا العمل هو روحه التي لا تلتزم بمكان أو زمان معين، فالدير و سنة 1327 مجرد إطارات يمكن اعتبارها وهمية وخطوطها تتجاوز الحدود الزمكانية، وأي قارئ في هذا العالم مهما اختلفت الأجناس والديانات والمعتقدات سيجد أن هذه الرواية تخاطب جزءا من وجدانه وسيجزم بأنها إسقاط دقيق على حالته هو، وهذا ما جعل الآراء تختلف حول اسم الوردة، فعندما صدرت وأحدثت تلك الضجة في بداية الثمانينات جزم الإيطاليون بأنها إسقاط على الحالة السياسية في بلادهم، فيما اعتبر الإيرلنديون أنها ترمز للصراع المحتدم آنذاك بين الكاثوليك والبروتيستانت وعلاقته بالتدخل البريطاني في بلادهم، وأكد الألمان على أنها تحاكي واقعهم المنقسم بين المعسكرين الشرقي والغربي قبل سقوط جدار برلين وتوحيد شطري البلاد فيما بعد، كما أدلى العرب بدلوهم في الموضوع معتبرين أن هذه الرواية تجسد حالة التشرذم التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط والتوظيف السياسي الخطير للإنقسام الطائفي بين الشيعة والسنة، وعموما فقد تناسى الجميع بأن هذه الرواية ببساطة شديدة لا تخاطب سوى : الإنسان ! كيفما كان جنسه أو معتقده أو طائفته…
لا أتفق مع الرأي القائل بأن يوسف زيدان قد “سرق” اسم الوردة عند كتابته لعزازيل، فهذا مبالغ فيه في نظري، وزيدان له مكانته وتميزه الواضح في مشروعه الأدبي، لكن أوجه التشابه بين عزازيل واسم الوردة واضحة في بعض النقاط، وأهمها استخدام تقنية المخطوطة، والتطرق لموضوع الصراعات بين الكنائس والطوائف المسيحية، وعلاقتها بالدولة، رغم اختلاف الحقب التاريخية المعالجة، ويكمن الإختلاف في توظيف زيدان للغة الراقية الجميلة، واعتماد إيكو على التشويق البوليسي والإبداع في فك الرموز والعرض التاريخي وبعض التفاصيل الأخرى.
بالإضافة لكل ما سبق، فقد أحببت هذه الرواية لأنني أصلا من عشاق الرواية التاريخية، كما أنني من أنصار ما يمكن تسميتها بالرواية “المعلوماتية”، وأقصد بها الرواية التي تقدم لك إلى جانب حبكتها المتقنة ولغتها الجميلة رصيدا معرفيا مهما، تاريخيا كان أو علميا أو طبيا أو دينيا، فالرواية كانت ومازالت في نظري مزيجا محكما بين المتعة والإفادة، إن تم تجاهل أحدهما اختل توازن العمل ككل وفقد بعضا من روحه، وقد أثبتت اسم الوردة تفوقها في هذا الصدد عن جدارة واستحقاق.
تجدر الإشارة إلى أن الرواية قد تحولت إلى فيلم سينمائي من إنتاج عام 1986 وبطولة الممثل البريطاني المعروف شون كونري بطل سلسلة أفلام جيمس بوند الشهيرة في بداياتها.
نقطة أخيرة تتعلق بالنفس الطويل، كنت قد نشرت قبل بضعة أيام مقولة لإيكو عن هذه النوعية من الأعمال الروائية التي تتطلب صبرا من نوع خاص لأنها ليست سهلة الهضم، وشبه الأمور بصعود الجبل، وعليه فنصيحتي لمن يعتزم قراءة هذه الرواية أن يكون صبورا على صعوبة بعض حواراتها الفلسفية العميقة، وأن يبدأ القراءة بإعادة رسم لخريطة الدير المرفقة بالكتاب حتى يضع نفسه في الصورة الكاملة للوصف، وأن يدون أسماء الأبطال الرئيسيين حتى لا يتوه بين مختلف الشخصيات التي غص بها العمل إلى جانب البطلين الرئيسيين غوليالمو دي باسكرفيل وأدسو دي مالك.
هي إذن رواية ضخمة وعميقة تعتبر من بين أهم ما كتب في جنس الرواية في القرن العشرين، ولا داعي للقول بأنها تستحق مكانتها المتميزة في مكتبة كل قارئ مخضرم.”

image image image image

وفي حوار مفتوح مع قارئه، يسترسل سباطة بداية كل حلقة مكملا، وكأنه يعيد سيرة شهرزاد بتقديم حكايات متوالدة يوميا:

“طيب، وماذا عن الأدب الفلسطيني ؟ #كتاب_كل_يوم

الكتاب السابع : رجال في الشمس

كتابنا لهذا اليوم هو رواية “رجال في الشمس” للروائي والقاص والصحفي والقيادي البارز في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين غسان كنفاني، صدرت لأول مرة عام 1963 في بيروت.
هي أول رواية في سلسلة قراءاتي لأدب كنفاني، أتبعتها برواية “عائد إلى حيفا” و “موت سرير رقم 12” وتنتظرني طبعا سلسلة من الأعمال والدراسات الأخرى لهذا الرمز الفلسطيني البارز.
هي أول رواية للكاتب، ويرصد فيها التحولات العميقة التي لحقت بالشعب الفلسطيني بعد نكبة 1948، خاصة اللاجئين منهم، من خلال أربعة نماذج مختلفة :
أبو قيس الذي فقد بيته وشجيرات زيتونه، ويحلم باستعادة ما ضاع منه، فيرضخ للضغوط ويقرر السفر إلى العراق ومنها إلى الكويت باحثا عن ثروة ومستقبل جديد لزوجته الحامل وابنه الصغير.
أسعد الناشط السياسي الذي يهرب إلى العراق مخططا للدخول إلى الكويت وتكوين ثروة يرد بها قرض عمه ويتزوج من ابنة عمه التي خطبت له يوم مولدهما.
مروان الشاب الذي أجبر على ترك المدرسة والذهاب إلى مدينة البصرة العراقية ومنها إلى الكويت، لإعالة أسرته التي توقف أخوه عن مدها بالنقود، وهرب منها والده وتزوج بفتاة معاقة، فقط لأنها تملك دارا من ثلاث حجرات وسقف إسمنتي بدلا من مخيمات اللاجئين !
أبو الخيزران وهو المهرب الذي اتفق مع الثلاثة المذكورين على تهريبهم في خزان مياه قديم وعبور الحدود العراقية الكويتية مقابل عشرة دنانير لكل فرد، وهنا نعلم بأن أبو الخيزران عمل سابقا مع الفدائيين وتسببت إصابته بشظايا قنبلة في فقدانه لرجولته، التي يتحسر عليها بعدما ضاع كل شيء، الرجولة والوطن !

image
يعبر أبو الخيزران بالثلاثة المختبئين في الخزان نقطة الحدود العراقية، في ظروف أقل ما يقال عنها أنها أكثر من رهيبة في صحراء ترتفع فيها درجة الحرارة إلى مستويات قياسية، لكنه في نقطة الحدود الكويتية يتوقف بعدما عطله موظف عابث أصر أن يحكي له عن قصته مع الراقصة العراقية كوكب التي تعشقه بسبب فحولته، وهي بطبيعة الحال أكذوبة يداري بها أبو الخيزران عجزه، والمفارقة هنا هي أن هذه الأكذوبة ستتسبب في موت الثلاثة المختبئين في الخزان بعدما تأخر عليهم أبو الخيزران !
وهكذا يختم كنفاني روايته بواحد من أشهر المقاطع في الأدب العربي، لدلالاته المتعددة ورمزيته الكبيرة :
“لماذا لم تدقوا جدران الخزان ؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان ؟ لماذا ؟ لماذا ؟ لماذا ؟”
تم تحويل هذه الرواية إلى فيلم روائي طويل من إنتاج سوري، عام 1972، وإخراج المصري توفيق صالح، وحمل إسم “المخدوعون” وحصل على الجائزة الذهبية بمهرجان قرطاج للأفلام العربية والأفريقية سنة 1973، واختير كواحد من أهم مائة فيلم سياسي في تاريخ السينما العالمية.
الرواية جميلة جدا ومليئة بالمعاني والدلالات المرتبطة بتطورات القضية الفلسطينية بعد النكبة ومعاناة اللجوء والرغبة في تغيير الواقع المزري، كما أنها اعتمدت على المونولوج الداخلي في السرد، وعلى ما يمكن اعتبارها تقنية التصوير السينمائي للأحداث، ما سهل عملية تحويلها إلى فيلم سينمائي فيما بعد، كما أن صغر حجمها (96 صفحة فقط) يجعلها مناسبة لكل شرائح القراء.
أما فيما يخص كنفاني نفسه، فهو يعتبر أحد رواد أدب المقاومة بلا منازع، من خلال دراساته الهامة ورواياته ومجموعاته القصصية، وأيضا لنشاطاته السياسية، فقد كان ناطقا رسميا بإسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وناشطا بارزا في كل ما يتعلق بمواضيع التحرر الفلسطيني
ويعتبره الكثيرون أحد أبرز أضلاع المثلث الفلسطيني الذي شكله هو برواياته، ومحمود درويش بشعره، والمبدع ناجي العلي بريشته ورسوماته.
وقد استشهد عام 1972، عن عمر يناهز 36 عاما فقط، بعدما فجر الموساد الإسرائيلي سيارته في منطقة الحازمية قرب بيروت، تاركا زوجة دنماركية تدعى آن، وولدين، هما فايز وليلى”.

في وسط الهزل الدي يُكرّس يوميا على شاشات التليفزيون في رمضان، وخارج سياق الكسل البدني والعقلي، يبدو عبد المجيد سباطة، الذي درس الهندسة، معماريا في مدينة الأدب، أو هو مسحراتي الكتب في رمضان، يدق بأغلفتها وينشد ما تيسر له من صفحاتها.

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات