الشعر الجاهلي بين طه حسين ومارغليوث

12:30 مساءً الأربعاء 27 ديسمبر 2017
أشرف أبو اليزيد

أشرف أبو اليزيد

رئيس جمعية الصحفيين الآسيويين

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

8536792._UY200_صادف الكتاب الأشهر لعميد الأدب العربي طه حسين ، والمعنون : في الشعر الجاهلي،  جدلا واسعا في الثقافة العربية المعاصرة، ولم يقتصر هذا الجدل على فحواه ومعناه، وإنما امتد ليسائل عن أصوله ومصادره، فإذا كان مؤلفه يقول عن الشعر الجاهلي إنه منحول كتبه اللاحقون، فإن من النقاد من يعد ذلك الكتاب ـ كذلك ـ منحولا من كتاب للمستشرق الإنجليزي ديفيد صموئيل مرغليوث.

هذه القضية الشائكة هي التي كرست لها حياتها الباحثة التونسية بسمة حجام بن عثمان ، وقد جعلتها مادة كتابها الذي بين أدينا، وإذ رحلت قبل أن تراه منشورا فقد صدر مؤلفها برعاية زوجها، وشقيقها، اللذين أهديا نسخته لمجلة العربي، وهم ـ ثلاثتهم ، كما جاء في الرسالة المرفقة بالكتاب ـ “من القراء الأوفياء لمجلة العربي وندرك قيمة ما يُكتب فيها من أعمال جيدة ومقالات ممتازة ودراسات ثرية للتراث الفكري العربي منفتحة على التراث الفكري والأدبي العالمي”.

والحق أن هذا الكتاب يدخل في صميم ما أشار إليه الدكتور يوسف بن عثمان والأستاذ الطاهر الحجام، فقد شرعت الكاتبة الباب واسعا لدراسة مقارنة، ومتعمقة، أدبية وتاريخية، فلم تقف عند حد القضايا التي أثيرت، وإنما وضعت أمام القاريء ـ بحياد أكاديمي ـ الأمر برمته، مستقصية كل شيء يتصل بتاريخ العلَمين في دراسة الشعر الجاهلي؛ طه حسين ومرغليوث، في بابين، تناول الأول في فصليْه قضية الانتحال في الشعر الجاهلي، وتعرض الثاني في فصلين آخرين إلى مظاهر الاختلاف والائتلاف بين المدونتين ، مدونة طه حسين في كتابه، ومدونة مرغليوث في مؤلفه.

فقد أثار طه حسين بكتابه  ،  منذ صدوره سنة  1926، ردود أفعال متباينة جعلت النقاد يسمونه الكتاب “الضجة” نظرا إلى أطروحة صاحبه الجريئة وهي الشك في صحة الشعر الجاهلي واعتباره شعرا نظم بعد ظهور الإسلام.

وما لفت انتباه الباحثة  في الكثير من الدراسات النقدية اقتران مضمون هذا الكتاب بمقال كتبه المستشرق الانجليزي دافيد صموئيل مرغليوث بعنوان :أصول الشعر العربي The Origins of Arabic Poetry

نُشر سنة 1925 في مجلة الجمعية الملكية الآسيويةThe Journal of the Royal Asiatic Society.

فبعض النقاد يؤكدون ان طه حسين سطا على هذا المقال وقدمه في الجامعة في شكل محاضرات، ويدفع آخرون هذه التهمة عنه مبرزين أوجه الاختلاف بين ما ورد في مقال مرغليوث وما جاء في كتاب طه حسين.

ومؤلفة  الكتاب هي بسمة حجّام بن عثمان (1968 /  2014) التي نالت شهادة الأستاذية في اللغة والآداب والحضارة العربية من كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس سنة 1992 و شهادة الماجستير في الاختصاص نفسه سنة 2009. ،  ونشرت كتابها الأطلسية للنشر، في تونس، ديسمبر 2014

وقد تواتر البحث في مسألة الانتحال في الشعر العربي القديم ومواقف المحدثين من الرواة والقصاصين الذين يرجع إليهم الفضل في حفظ ما تبقى من الشعر العربي القديم والإسهام في حركة جمعه وتدوينه بما لهذه المسألة من أبعاد عقدية وسياسية وايديولوجية ظهر صداها بوضوح فيما كتب من مؤلفات في العصر الحديث فقد أولى الدارسون عرباً ومستشرقين أهمية كبرى لمصادر هذا الشعر وجذوره، ولكيفية انتشاره وتدوينه، فلم يتعرضوا – فيما كتبوا – لأغراضه ومضامينه إلا بالقدر الذي يكشف عن مدى تصويره للفترة التي ظهر فيها، ولم يتناولوا أشكاله إلا بالقدر الذي يشي بطرائق الشعراء في التعبير وتشكيل المعاني.

طه حسين ومارغليوث

طه حسين ومارغليوث

ولا شيء يصل العصور الإسلامية بالعصر الجاهلي سوى هذا الشعر المنسوب إلى الجاهليين ومن غير الطبيعي أن لا يكون للعرب تاريخ قبل ظهور الإسلام، بكل ما يتضمنه لفظ تاريخ من أحداث ووقائع، ومساجلات ومنافرات، وانتصارات وانكشافات. وقد كان الشعر العربي خير حافظ لها وخير معين على تحسس حياة العرب في الجاهلية والوقوف على طرائق عيشهم وأنواع المعاملات فيما بينهم ووسائل التعبير عندهم. لذا يعتبر الشعر الجاهلي أقدم أثر عن الفترة الجاهلية، وهو الأصل الذي مهد لظهور الشعر العربي عموماً في سائر عصوره كما أنه المرجع الذي يعتمد لمعرفة جيد الشعر من رديئه، فقد اكتملت به الأغراض والمواضيع وتدعمت به البنى والأوزان.

وأسئلة الباحثة الأساس هي : كيف وصل إلينا هذا الشعر؟ وهل كانت المحافظة عليه الرواية أم الكتابة؟ وهل عرف العرب الكتابة في الجاهلية، فإن كان ذلك كذلك فلم دوّن الشعر وأهمل النثر؟ وهل دوّن كل الشعر حقا؟ أم دوّن بعضه وأسُسقط كثيره؟ وما هي الاعتبارات في تدوين البعض وإسقاط قسم كبير منه؟

وإذا أقررنا بتعذر وجود كتابة عند العرب في العصر الجاهلي تسمح بتقييد الشعر كله وبأن التدوين قد تم في القرن الثاني للهجرة كما تذهب إلى ذلك أغلب المصادر والمراجع فإن وسيلة الاحتفاظ به الوحيدة إنما هي الرواية الشفوية بكل ما في الرواية من تسلسل وانقطاع وإسناد وغير إسناد وحفظ ونسيان وصدق وكذب.

فهل استطاع الرواة حفظ آلاف الأبيات من الشعر ومئات القصائد والمقطوعات لينقلوها سماعا من عصر إلى عصر لتدون في القرن الثاني مثلما سمعت أول مرة ومثلما قالها أصحابها في الجاهلية؟ وهل كان الرواة – وفي مقدمتهم حماد الراوية وخلف الأحمر – على قدر سواء من الحفظ والعلم والثقة؟ هذه التساؤلات وغيرها كثير تناولها لماما المستشرق مرغليوث في أكثر من موضع من مؤلفاته آخرها كتابه الموسوم : أصول الشعر العربي (1925) (The origin of Arabic poetry).

وبعد سنة من ظهور كتاب مرغليوث أخرج طه حسين كتابه الشهير «في الشعر الجاهلي» (1926)، وقد أعلن هذا وذاك في غير تردد أن ما يسمى شعرا جاهليا إنما هو شعر منتحل من وضع مجموعة من الرواة في القرنين الأول والثاني من الهجرة، وأكد طه حسين رأي سابقه فقال: «إن الكثرة المطلقة مما نسميه أدبا جاهليا ليست من الجاهلية في شيء وإنما هي منحولة بعد ظهور الإسلام. فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين».

وعرضت الباحثة دراسة المسائل الأدبية في كتابه في الشعر الجاهلي. وما يدعونا إلى ذلك إنما هو بالأساس ما لفت انتباهنا في كثير من الدراسات النقدية لكتاب طه حسين من اقتران مضمونه بمقال كتبه المستشرق الانقليزي دافيد صموئيل مرغليوث بعنوان «أصول الشعر العربي» (The Origins Of Arabic Poetry) نشر سنة 1925 في مجلة الجمعية الملكية الآسيوية (The Journal of the Royal Asiatic Society).

وللتعريف بدافيد صمويل مرغليوث (1858 – 1940)، فهو  مستشرق بريطاني متخرج من جامعة أكسفورد. اعتنى بالتراث العربي بعد أن أتقن العربية وأصبح مدرسا لها. ثم ترأس تحرير مجلة الجمعية الملكية الآسيوية ونشر فيها بحوثه. تردد كثيرا على البلدان الشرقية. وانتخب عضوا في المجمع العلمي العربي في دمشق، والمجمع اللغوي البريطاني، والجمعية الشرقية البريطانية وغيرها. وله آراء  في الشعر العربي القديم حيث انشغل بقضية الشك بهذا الرصيد الأدبي طيلة حياته العملية.

كتب مرغليوث هذا المقال في أفريل سنة 1925 ونشر في شهر يوليو من السنة نفسها. وترجم أربع مرات. وقد  آثرت المؤلفة اعتماد الترجمة الأخيرة  “نظراً إلى جدتها وإلى استفادة المترجم إبراهيم عوض من الترجمات الثلاث السابقة”.

انطلق مرغليوث من تأكيد أن القرآن الكريم  ينبذ الشعراء لصفاتهم التي تتنافى والإسلام مثل المبالغة والكذب والكهانة، وتعتبر هذه الفكرة دعامة أسّس عليها فكرته المتمثلة في أن المسلمين أنكروا الشعر الجاهلي ولم يعتنوا بتدوينه وحفظه لأنه كان يُتناقل شفويا. لذلك ضاع هذا الشعر وما بقي في كتب الأدب القديم ليس إلا أصوات الرواة المنتحلين الذين ينظمون القصائد الطوال وينسبونها إلى فحول الشعراء. واستند مرغليوث إلى حجج كثيرة لإثبات الانتحال في الشعر الجاهلي سمّاها البراهين الداخلية والبراهين الخارجية.

ويبدو مرغليوث متأثرا  في نظرية الشك هذه بآراء ياقوت الحموي في الانتحال المبثوثة في كتاب إرشاد الأريب وهو الكتاب الذي اعتنى بتحقيقه بين سنتي 1907 و1926، أي تقريباً في الفترة التي كتب فيها هذا المقال إذا استغلّ ما ورد في الكتاب من التشكيك في أشعار الجاهليين والطّعن في مصداقية بعض الرّواة ليُنكر صحّته كلّه. وذهب في ذلك كلّ مذهب.

وقد رد على آراء مرغليوث الكثيرون، وأبرز الذين تكفّلوا بذلك تشارلز جيمس ليال في دائرة معارف الدّين والأخلاق الصادرة باللغة الإنجليزية في مقدّمة الجزء الثاني من كتاب المفضّليات المكتوب أيضاً بالإنجليزية، وجاء الرّد ملخّصاً في كتاب موقف النقد الأدبي من الشّعر الجاهلي لمحمّد رجب البيّومي.

وأهمّ مواطن الخطأ في نظرية مرغليوث في نظر جيمس ليال الأطروحة نفسها المتمثّلة في إنكاره لصحّة الشعر الجاهلي. فقد عبّر ليال عن رفضه لهذه الفكرة في قوله:  ومن إفراط الخيال أن تظنّ أن معظم القصائد المنسوبة إليهم منحولة في عصر متأخر ومن تأليف أدباء عاشوا تحت ظروف مغايرة تمام المغايرة وفي عالم شديد الاختلاف عن أيّام الحياة البدويّة في الصحراء العربية .

أما طه حسين الذي التحق بالأزهر سنة 1902 ثم درس بالجامعة المصرية في عام 1908 وتخرّج فيها حاصلاً على شهادة الدكتوراه عن أبي العلاء المعرّي سنة1914، قبل أن ينتقل  إلى فرنسا ويتخصّص في الأدب والدراسات الكلاسيكية في مونبيلييه Montpellier ثم يواصل دراسته في السّربون بين سنتي 1915و1919 ويحصل على الدكتوراه باللغة الفرنسية عنوانها دراسة تحليلية نقدية لفلسفة ابن خلدون الاجتماعية. ويشتغل إثر عودته إلى مصر بالتّدريس ولكنه يُفصل من الجامعة المصريّة بسبب نشره لكتاب “في الشعر الجاهلي”. ويحال على النيابة بسببه. ويبدأ التحقيق معه يوم 19 أكتوبر سنة 1926 غير أن المحكمة برّأته يوم 30 مارس 1927. ليعود إلى التدريس بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. وفي عام 1942 أصبح مستشاراً لوزير المعارف ثم مديراً لجامعة الإسكندرية، وفي عام 1950 أصبح وزيراً للمعارف.

وطه حسين كاتب غزير الإنتاج جمعت مؤلفاته في 16 مجلداً، وبأفكاره النيّرة حصل على أكثر من 36  جائزة ودولية أهمها وسام قلادة النيل سنة 1965 وجائزة الأمم المتحدة سنة 1973، وتم انتخابه رئيساً لمجمع اللغة العربية عام 1963 وظلّ في هذا المنصب حتّى وفاته يوم 28 أكتوبر سنة 1973.

وبجانب القضايا الملتبسة التي أثارها الكتاب، فإن أحد المنشغلين بالقضية ـ  سلطان منير  ـ أعدّ بحثه عن ابن سلاّم وكتابه طبقات فحول الشعراء، يؤكد أن طه حسين أحيى هذا الكتاب ولفت إليه الأنظار قائلاً: ولا نبعد حين نقول إن أزمة الثقة بالشعر الجاهلي التي أثارها الدكتور طه حسين كانت خيراً عميماً على ابن سلاّم وكتابه إذ جعلت أنظار الباحثين المؤرخين للنقد العربيي تتجه إليه وتخلّي له مكاناً في أبحاثها وتحاول أن تعطيه ما سلبه منه الزمان

. ويرى عبدالرحمان تليمة في مقدّمته للنسخة الجديدة لكتاب في الشعر الجاهلي أن الكاتب تأثّر بمناهج المستشرقين في دراساتهم لآدابهم فأراد أن يطبّق هذا المنهج على الأدب العربي.

يقول عبدالرّحمان تليمة:

وبديهي أن طه حسين قد قرأ عمل المستشرقين في هذا الشأن وأنه قد اطّلع كذلك على دراسات أوربية تشكّك في الوجود التاريخي لسقراط وهوميروس وغيرهما من أئمّة الثقافة القديمة. فأغراه كل ذلك إغراء بالتوسّع في القول بانتحال كثرة الشعر الجاهلي.

ويقارن عبدالعزيز المقالح بين منهج طه حسين في الشك ومنهج ديكارت ويبرز الفرق بينهما بقوله: «ويستطيع القارئ غير المتخصص فضلاً عن القارئ المتخصص أن يدرك بين منهج ديكارت ومنهج طه حسين بونا شاسعاً. منهج الأول فلسفي ومنهج الآخر أدبي صرف، شك الأول وسيلة لليقين وشكّ الآخر وسيلة للإنكار… ويمكن القول بعد ذلك إن شك ديكارت كان منصباً على القضايا العقلية، بينما كان شك طه حسين منصبّاً على القضايا النقلية وعلى الأمور المتعلقة بالشعر والأدب.

ومثلما سجّلت الباحثة تشابهاً في الأسلوب سجّلت أيضاً تشابهاً في المصادر المشتركة بين المؤلفين وهي على التوالي الأغاني لاشتماله على أخبار الشّعراء والرّواة وكتاب العمدة في محاسن الشعر لابن رشيق وعاد طه حسين إلى تفسير الطبري وتاريخه، بينما اكتفى مرغليوث بذكر الطبري والجزء والصفحة دون تدوين اسم الكتاب، والأرجح أنه يشير إلى تاريخ الطبري لا إلى تفسيره

. وقد أحال كلا المؤلفين على البيان والتبيين للجاحظ والمزهر للسيوطي وطبقات ابن سعد. والملاحظ أنّ طه حسين لم يذكر مصادره في هوامش كتاب في الشعر الجاهلي، لذلك عدنا إلى كتاب في الأدب الجاهلي لتدوين قائمة المصادر التي عاد إليها طه حسين.

ولم يفت الباحثة ـ بجانب ما وثقته من فهارس ـ أن تضع بعض الملاحق؛ ومنها تصريح طه حسين نفسه بعدم اطلاعه على مقال مرغليوث، وتصريح مرغليوث بتبرئة طه حسين، وقد جاء فيه:

“فكرة الكتاب مماثلة إلى حد كبير للفكرة التي أدرت حولها بحثي عن أصول الشعر العربي الذي نشرته  في هذه المجلة ، في الوقت نفسه تقريبا، التي ظهرت فيه  طبعة الكتاب الأولى. وبذلك توصل كل منا مستقلا عن الآخر تماما إلى نتائج متشابهة”.

…………………………..

نشر المقال في المكتبة العربية، بمجلة العربي، أغسطس 2015 الشعر الجاهلي بين طه حسين ومارغليوث

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات