عشاق من الشرق | ثلاث حكايات حب

09:27 مساءً السبت 22 سبتمبر 2018
محمد ماهر بسيوني

محمد ماهر بسيوني

باحث أكاديمي وناقد أدبي مصري

  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

مقدمة كتاب: عشاق من الشرق (ثلاث حكايات حب)

إن الحب في الواقع حرب،

تلك الحرب أبدية وشرسة حقًّا.

الكاتبة الصينية: وانغ آن يي

عشاق من الشرقهل يمكن حقا الحديث عن الحب؟

يبدو السؤال غريبا، فالحب موضوع خالد، وكان دائما موضع اهتمام الفكر البشري بكافة تجلياته عبر العصور، فقريحة الفيلسوف وخيال الشاعر وريشة الرسام ونغمات الموسيقي وحنجرة المغني والفنون الحديثة كالرواية والسينما؛ كلها قد ناقشت موضوع الحب وعبرت عنه. فالحب هو أسمى العواطف وأشملها عند الإنسانية كلها، وقد تعددت مفاهيمه، وتدرجت من اللعب واللهو إلى الطقوس والعبادة، فهو حينا “لعبة الحب”، وحينا “دين الحب”، وهو حينا الداء وحينا الدواء. وقد فهم كل شعب الحب بطريقته الخاصة واكتسى حديثه عنه بخصائص ثقافته الوطنية وعاداته وتقاليده.

والقارئ العربي يستمد معرفته بظاهرة الحب من ثلاثة مصادر، هم: التراث العربي والأدب الأوروبي والسينما الأمريكية، وهو غافل عن طرق التعبير عنه فيما سوى ذلك من تراث الشعوب الأخرى وفنونها.

والكاتبة الصينية “وانغ آن يي” في نوفيلاتها الثلاث: حب البلدة الصغيرة، وحب الجمال، وحب الجبل العاري، تحاول مقاربة ظاهرة الحب من منظور ثقافتها الصينية، وهي في سبيل ذلك تحكي لنا عنه عبر ثلاث تجارب مختلفة، بوعي منها لتعقد تلك الظاهرة وعدم قابليتها للتكرار، فكل علاقة حب هي تجربة خاصة وفريدة لا تتكرر وإن بدت غير ذلك. فالحب لا يولد في فراغ، بل هو يعبر عن نفسه كحدث يجري في إطار اجتماعي ونفسي يتغير حسب سيرورة المجتمعات وتطورها، فعلاقة الحب المكتوب لها النجاح في مسار اجتماعي ما قد تعد مستحيلة في سياق اجتماعي آخر.

تطرح علينا الكاتبة قضية الحب مجسدة في شخصيات روائية، تحمل بالتأكيد ظلالا من خبرتها الشخصية مع تلك العاطفة الإنسانية، وتعرض تفاعلات متناقضةً تناقُض النفس الإنسانية في جدليتها مع المؤثر الواحد الذي تنتج عنه استجابات متغايرة، شارحة حقيقة أن كل قصة حب هي عالم قائم بذاته ومستقل بنفسه وإن تشابهت العناصر وتماثلت الحوادث، التي تعطي لكل تلك التجارب العاطفية مسمى واحد.

حين نقرأ تلك النوفيلات الثلاثة – الأقرب إلى سيمفونية من ثلاث حركات، تمنحنا كل حكاية منها تجربة حب مختلفة وفريدة – سوف نجد وصفا لتلك العاطفة التي خضناها يوما ما – أو ظننا أننا خضناها – دون أن نقدر على التعبير عنها أو تفسيرها، وذلك هو سحر الأدب الذي يتكلم عنا وينطق بلساننا عما ذقناه وعرفناه وسبرنا أغواره، مع عجزنا عن الإفصاح عنه.

وانغ آن يي

وانغ آن يي

في حكايتها الأولى “حب البلدة الصغيرة” تقص علينا الروائية حكاية عن الحب في انفجارته العصبية، أو ذلك النمط من الحب الذي أسماه عالم علم النفس الشهير “إريك فروم”: “التجربة البذيئة للوقوع في الحب”، وهي تلك التجربة التي تندلع “إذا حدث لاثنين يكونان غريبين – شأننا جميعا – أن سمحا فجأة للحائط بينهما أن يسقط ويشعرا بالقربى، شعرا بأنهما أصبحا شخصا واحدا، فإن هذه اللحظة الخاصة بالشعور بالواحدية هي من أشد التجارب في الحياة انبعاثا للبهجة والإثارة. وهذه التجربة تكون باعثة أكثر للدهشة والإعجاز بالنسبة للأشخاص المنعزلين المتوحدين الذين بلا حب” (إريك فروم، فن الحب، ترجمة: مجاهد عبد المنعم مجاهد، ص 13). وإذا ما نظرنا إلى بطلي الحكاية الأولى نجد البطلة تعاني من الوحدة، حتى أن جارتها في الغرفة تشعر بالقرف منها، وتعتقد أنها تقريبًا تحوي قملاً وما شابه، وترفض أن تقترب منها بسريرها أو أن تنام بجوارها نظرا لرائحتها الكريهة التي تشبه بول الثعالب، الأمر الذي يحزن بطلتنا ويشعرها بالنقص وإن أظهرت خلاف ذلك. وكذلك نجد البطل يشاركها تلك الوحدة، فلا نعرف له حياة خاصة خارج غرفة التدريب على الرقص. وحين تتوطد علاقتهما ويبدءا في الشعور بالانجذاب الجنسي يدخلا في الطور الثاني من ذلك النمط من أنماط الحب، والذي وصفه إريك فروم: “وهذه الأعجوبة الخاصة بالصميمية الفجائية غالبا ما تكون أمرا سهلا إذا ما اقترنت أو صدرت بجاذبية وتحقق جنسيين” (المرجع السابق، نفس الصفحة). وقد وصفت الكاتبة الخطوات البذيئة والانفجارات العصبية التي شكلت حب بطلينا في مشهد بديع لا يمكن لمن يقرأه أن يتخيل أن يكون فاتحة لقصة حب: “وحين يساعدها في فتح قدميها، تتولد في قلبه أفكار شريرة، فيريد إيذاءها، ويبذل قوة خارقة؛ فتصرخ صراخًا حادًّا كالصفارة، يصيبه بالذعر، وتلين يداه، ويترك ركبتيها؛ فتقرب ركبتيها من بعضهما، وتحتضنهما بذراعيها أمام صدرها، وتستمر في الصراخ، ثم تشتمه، تشتمه بكلام قبيح للغاية لا يتفوه به سوى الرجال، على سبيل المثال: اللعنة عليك. إنها لا تفهم مطلقًا المغزى الحقيقي لذلك، فقط، تهاجمه بكل قوة، وتنفس عن غضبها، ولم تتوقع أن هذا سيثير خياله، ويجعله أكثر قلقًا، فيشتمها بالكلام القبيح نفسه، لكن هذا يمثل المغزى الفعلي الحقيقي، الذي لم تفهمه بعد، وما زالت تستند على الأرض ولم تقم، محتضنة ركبتيها لكن ليس احتضانًا صادقًا، فأحيانًا تمد إحداهما، وتحتضن واحدة فقط، وأحيانا تمد الثانية، وتحتضن الركبة الأخرى. وأثناء مدها لساقها، تحدث تقلبات قوية جدًّا لصدرها وبطنها بالكامل. وتعاود شتمه حين تراه. وكلما غضبت، شتمت بكلام قبيح مروع وغير منطقي، على سبيل المثال: “اللعنة عليك!”؛ فيزيد هذا من إثارته، ويرد عليها بكلام أكثر قبحًا ذي مغزى حقيقي. ولم تدعه هي يتحدث ثانية، فكانت تشتمه باستمرار، وصوتها حاد وطويل، محاولة قمع صوته الموبخ. صوته منخفض وقوي، فقدرته على التغلغل بطيئة. وحين تعتقد أنها نجحت في إسكاته وسيرتاحون، يتردد صوته بقوة. وهنا تدرك حقًّا أن لعناته لن تتوقف أبدًا، فيلاحقها كفرقة تشيلوا الموسيقية، على الرغم من ضعف اللحن، فإن الصوت لم يختف. هي لم تتمكن من أخذ نفسها، واستمرت في التوبيخ المتواصل، محاولة قمعه، فإنه لم يتراجع، فقابل ضجيجها بهدوء، إلى أن بح صوتها، واستلقت على الأرض تبكي وهي تتقلب هنا وهناك، هنا توقف عن الكلام، ونظر إليها بصمت. لقد طُلي جسدها باللون الأسود بفعل تقلبها، وحكت يداها السوداوان عينيها دون خوف؛ فصبغت دموعها باللون الأسود، وامتلأ وجهها بدموع متسخة. حينها شعر قلبه ببعض من الحزن؛ فحمل برميلها وملأه مياهًا دافئة مناسبة، وطلب منها أن تغسل وجهها، لكنها لم تستمع إليه، واستمرت في البكاء. بسبب المواساة، أصبح بكاؤها أكثر جرحًا، وأصبح هذا الجرح أكثر واقعية”. وتتوالي المقاطع السردية التي تؤكد على على حبهما لبعضهما باستماتة دون تلاشي للحب أو اعتدال فيه. لقد شعرا بوحدة كبيرة، فلم يملكا نفسيهما من التشبث ببعضهما بإحكام، والاتكاء على بعضهما لمواجهة العالم أكمل بشكل عدائي.

ولكن إريك فروم في حديثه عن هذا النمط لا يتوقع له الاستمرار، فهو يقول: “وعلى أية حال، فإن هذا النمط من الحب لا يدوم بطبيعته نفسها”، ويعلل ذلك قائلا: “فالشخصان يزدادان تعرفا على بعضهمها، وتشرع صميميتهما في فقدان طابعها الإعجازي إلى أن يقتل تطاحنهما وخيبات أملهمها وهمهما المشترك ما يتبقى من الإثارة الأولى” (نفس المرجع والصفحة). وقد بدأت خيبة الأمل تلك بعد أن “اندفع الجسد بجنون ناحية الطرف الآخر، وفي لحظة التلامس، شعرا ببرود، لكن لم يعد الشعور غريبًا، ولم يعد هناك أي فضول جديد، ذعر وألم. وكأنهما تحولا تحولاً كاملاً، ولا يوجد بقلبيهما سوى الكآبة. ولم يستطيعا الحصول ولو على القليل من السعادة، بل لطخا جسديهما بالقذارة، ولم يعودا قادرين على أن يكونا أشخاصًا أبرياء. في هذه اللحظة فقط، شعرا بالحزن والندم، لكن، كان الوقت قد تأخر بالفعل”. فقد استنفدا استمتاعهما بالسعادة مبكرًا، والآن لم يتبق سوى الخجل والمرارة. وتحول الحب إلى خوف.

في ذلك النمط من الحب، تتبدى لحظات السعادة قصيرة كحلم ليلة صيف، مع توالي نوبات الإثارة الجنسية التي يليها الشعور بالإثم والإحباط الشديد والبكاء المرير. وهو ما عاناه بطلانا حين تأكد حمل بطلتنا. حقا لقد قاومت الفضيحة ورفضت إجهاض حملها ولكنها عادت لتواجه الوحدة حين هرب بطلنا من تحمل مسؤوليته واندفع في طريق تدمير الذات عن طريق الإغراق في القمار وشرب الخمر والتوقف عن التدريب، بل والزواج من أخرى، حتى أصابه المرض وقرر العودة لقريته.

لقد ذهبت سكرة الحب، وعادت الوحدة، فعلى الرغم من رغبتها في الزواج، فإن أحدا لم يعد يرغب في الزواج من فتاة اشتهرت في المدينة بسوء السمعة، وحملت بطفلين سرا. لقد كانا – حسب وصف إريك فروم – “يعتبران شدة الافتنان، هذه “الجُنَّة” ببعضهما دليلا على شدة حبهما، بينما لا يبرهن هذا إلا على درجة وحدتهما السابقة” (المرجع نفسه). وحين التقيا قبل رحيله كانا كغريبين لم يعرفا بعضهما يوما قط، فالحب الذي بدأ بآمال عظيمة وتوقعات السعادة القصوى قد فشل بشكل تراجيدي.

وفي الحكاية الثانية “حب الجمال”، نرى نمطا آخر من أنماط الحب، وهو ذلك الحب المفاجئ الذي يأتي فجأة وعلى غير انتظار، حتى ليعد ظرفا قدريا للسعادة، بقدر ما يبدو غامضا، مقاوما لكل أشكال العقلنة، لا يدري أحد سببه، أو كما قال بطلا الحكاية بطريقة مرتبكة ولكن في لهجة حاسمة، وقد أصيبا بالدهشة لوقوعما في الحب: “الحب لا يحتاج سببا”.

لقد منحتنا الكاتبة فرصة التأمل فيما تضمنته حكايتها الثانية من درس قدري عن عبثية الحب العابر، فقد نشأ حب بطلينا نتيجة لقاء استثنائي، رحلة عمل، كان يمكن ألا تكلف بها، ولكنها حدثت، وأعقبها كل ما كان. أما ما يجعل ذلك الحب غير مرغوب فيه، فهو حقيقة أن بطلتنا متزوجة. ولكن ما هو غير مرغوب فيه اجتماعيا، سوف يكون دافعا لها للوقوع في هذا الحب، فهو حصاة يقذفها القدر في موج أيامها الروتينية، بعد أن ملت من الحياة الزوجية التقليدية، فالكاتبة تصفها قائلة: “إنها امرأة متزوجة، وبسبب كونها متزوجة، اعتادت كثيرًا على الرجال، لدرجة أنها لم تعد تشعر بالفرق واللقاء الجنسي. فقد عاشت تحت سقف غرفة ضيقة مع رجل طيلة حياتها، ولم يعد هناك غموض بينهما منذ زمن، فكشفا كل شيء، ولم يعد هناك سرّ يمكن قوله. لقد فقدت هي وهو الاختلاف الجنسي مبكرًا، تبعه فقد الارتجاف الفضولي الناشئ عن هذا الاختلاف أيضًا بينهما. لقد نست من فترة ذلك الارتجاف الفضولي وأصبح غريبًا، وعند مجيء هذا الارتجاف ثانية، تولد لديها شعور الحب الأول. وكأنه أول جنس آخر لها. لكنه في النهاية ليس جنسها الآخر، فقد دفنت ذلك الارتجاف الذي مرت به في أعمق مكان بذاكرتها وجسدها، واستعادت تجربتها تلك كالشبح، ورحبت بدعوتها تلك المرة، لذلك، تجاوزت هذه الهزة جميع هزاتها السابقة. واقتلعت عدة حبال، فشعرت بقوة هذه الهزة، لكنها لا تعرف خفاياها. لقد تحمس شعورها النائم طويلاً تحمسًا شديدًا، بسبب راحتها الكافية، وبسبب وحدتها الكثيرة أيضًا، ويحتاج فقط إلى حركة قليلة ليحفز السعادة الملموسة بكامل جسدها. لقد استغرقت في النوم لفترة طويلة بعد زواجها، وانكشفت جميع أسرار الجنس الآخر، فلا تحتاج لاستهلاك الخيال والفضول لاكتشافه ومعرفته. لقد كُشف كل شيء بين الزوجين، ولا يحتاج إلى بذل الجهد الكبير، ولا يحتاج أيضًا للخجل، بل هناك الكثير أو القليل من الشعور بالراحة يصاحب الخجل، فإذا لم يوجد الخجل، سيصبح كل شيء مملاً رتيبًا”. إن ما كان كامنا في أعماق نفسها قد طفا على السطح بغتة مع أول تغيير عابر في روتينها اليومي، ما يدل على هشاشة أسس حياتها، التي انهارت أمام أول معول من ضربات الحب القدري. ولذا فإن أول تلامس مع عشيقها قد جعلها تستعيد كل أحاسيس أنوثتها التي غيبتها الاعتيادية، وتظل “أحيانًا، تتذكر بعقلها الكسول أول تلامس بينها وبين ذلك الرجل، لكنها لا تتذكر وإن بذلت جهدها، ولا يمكنها التخيل أيضًا، ما سبب إصابة هذا الرجل لها بالخجل، يبدو أنه ولد معها وخرجا كالتوأم. إنها لا تشعر أنه رجل، وفي الوقت نفسه لا تشعر بأنها امرأة. الآن، قد عبرت نصف الغرفة، ونظرت إليه وهو يدخن سيجارته، وإلى يده الممسكة بعلبة السجائر، واكتشفت رجلا مرة أخرى، وأدركت ثانية أنها امرأة، واستعادت الجنس ثانية. آه! كيف حضنها وقبلها بحماسة بالأمس! ما أسعد أن تُحب المرأة من قبَل رجل!”. لقد بدأت حياة جديدة و”ظهرت شخصية جديدة وسط الجبال تدريجيًّا. وأدركت بوضوح تام خلال حياتها الجديدة ثانية أنها امرأة، امرأة، إنها محظوظة جدًّا بكونها امرأة، يمكنها حب الرجل، وأن تُحَب من قبَل رجل”، وصار ذلك الحب العارض، الذي تكون في خمسة أيام، يجمع جميع مذاقات الحياة، ويلخص جميع التجارب الحياتية. لقد أغواها ذلك الحب وأيقظ أحاسيسها، ولكن ما إن استسلمت له حتى أوشك أن ينتهي، فرحلتها لن تزيد على عشرة أيام! لقد كان هذا الحب كالحلم، ما لبث أن انتهى حين فتحت عينيها، فحين انتهت الرحلة ” عادا إلى عالم، تظهر فيه الأشياء بوضوح، فشعرا بالحيرة أحيانًا، وتبددت طاقتهما، فهما بحاجة إلى مرحلة للاعتياد، وكأنها فاقا من حلم فجأة، حتى أن كلا منهما نسي الآخر لفترة مؤقتة”. لقد كانت فترة حبهما مرحلة هدنة قبل العودة إلى عالم محكم من الأسباب والنتائج، حيث كل سلوك لديه علاقة سببية واتصال، ولا بد أن يسير كل شيء فيه طبقا لقواعد، أو كانت فترة حبهما نزهة في حدائق الخيال قبل العودة إلى صحراء الواقع. لقد مضى الحب ولكن أثرا كأثر الفراشة ما زال باقيا منه. حقا لقد عادت إلى حياة زوجية تقليدية وعمل أكثر تقليدية، ولكنها عادت بروح جديدة تتقلب ما بين الهدوء الشديد، حين تمتلئ بالأمل أن يتواصل معها عشيقها، والغيظ والمرارة حين تفقد الأمل في ذلك، دون أن تتوقف عن التفكير في ذلك الحب الضبابي الذي تبدد سريعا.

أما الحكاية الثالثة “حب الجبل العاري”، فتحوي حكاية عن الحب يظهر فيها التأثير الاجتماعي والثقافي على مسار الحب ومصيره، فهي قصة صينية خالصة لا يمكن تصور حدوثها إلا في الصين، بما تحمله من أصداء للأعمال الكلاسيكية العظيمة، مثل: “رحلة إلى الغرب”، و”حلم القصور الحمراء”، وغيرها. فجندي الجيش مثلا حين يحاول أن يلفت انتباه بائعة الثمار المجففة – تلك التي تراهن صبيان مجمع مجلس الثورة بالمدينة، أن من يتحدث معها ثلاث جمل، يذهب للجبل يوم الأحد للعب الدومينو الصينية وليس بحاجة لإخراج المال، والمياه الغازية، والخبز، فيأكل ويشرب دون مقابل، كما يضرب المسدس هباء، دون تألم مهما بلغت كمية الضرب – يسألها عن جبل يطل عليهما من عل، قائلا: “أليس هذا جبل الأزهار والثمار في (رحلة إلى الغرب)؟”، بينما هي لا تعيره انتباها وتنشغل بغناء الأناشيد الوطنية بينما تبيع له ما يحتاجه! كما أن مشاعر بائعة الثمار المجففة تمتلئ بتراث الصين الذي يحدد ما تحبه وما تكرهه في الرجال، فهي ” ترفع عينيها وتنظر لكل شيء داخل المنضدة، لا تحرك ملامح وجهها، لكن قلبها يضحك بسخرية. من لا يعرف هؤلاء الجماعة من الطبقة الأرستقراطية؟ لكن، من يحبهم أيضًا! إنها تلعب مع الأولاد لأنهم أولاد، بغض النظر عن كونهم أبناء الإمبراطور أو فقراء، فهي لا تلعب مع آبائهم. بالإضافة إلى، ما بهم الأباطرة؟ وما بهم الفقراء أيضًا؟ الإمبراطور يتزوج، والفقير أيضًا يتزوج. الإمبراطور ينجب أطفالا، والفقراء ينجبون أطفالا أيضًا. يرى الإمبراطور المرأة ناعمة الساق والقلب، ألم تتلاعب المحظية يانغ بإمبراطور أسرة تانغ، وكاد يفقد دولته. إن جميع الرجال يتشابهون أمام المرأة. لقد رأت أولادًا كثيرين، جميع الأشكال والأنواع، لكنها تحتقر هؤلاء أصحاب الطبقة الأرستقراطية، فتشعر أنهم طائشون، مثل الديك الذي تعلم الصياح للتو، ولم ينم شعر ذيله بشكل كامل، إنها تحب الرجال الكبار، الذين عاشوا عمرًا، وعلى وجههم التجاعيد، وذقنهم صلبة سوداء، مروا بصعاب كثيرة، وتحملوا معاناة كبيرة. هذا ما يشبه الرجال.  إن زي هذا النوع من الرجال، يسمى زي المهارة، ويدعو الناس للحماسة. من وجهة نظرها، الشخص الذي يعتمد على سلطته لإغراء النساء، لا يعد رجلا في الأساس. إن الرجل الجيد يجب أن يكون أعزل، لا يعتمد على أي شيء خارجي، يعتمد فقط على كونه رجلا، للحصول على المرأة”.

تحفل هذه الحكاية بالمواقف الثانوية التي تتكون منها مشهدية سردية جديدة المذاق على القارئ العربي، تطلعه على ثقافة شديدة الاختلاف في التأثر بالحب والتعبير عنه، تتفاعل مع تحولات اجتماعية شديدة التأثير على حياة شخوص حكايتنا، تمنح تلك الحكاية فرادتها. فالحب لا يتشكل بمعزل عن بيئته المحيطة، بل هي تؤثر فيه وتعمل على إتمامه حينا إو إنهائه حينا آخر. “دائما ما تتقدم آراء الناس خطوة نحو الحقيقة. فحين قال من في الفرقة إنهما يحبان بعضهما، كانا في الواقع يتحدثان فقط في حجرة تدريب الفريق الموسيقي، وحين أذاع من في الفريق أنهما يتمشيان معًا في الغابة المشجرة يوميًّا صباحًا ومساء ويداهما مشتبكتان، كانا يتناولان البيض بالخمر للتو في حجرتها. وحين أقر من في الفرقة بالفعل أن لديهما حياتهما الخاصة، ويجب أن يتزوجا، حينها ذهبا في الواقع أخيرًا إلى الغابة المشجرة في موعد غرامي. لذلك، حينما كانا مترددين وليس لديهما الجرأة لإظهار سلوكهما، ساعدهما العالم الخارجي لكشف هذه الطبقة من الغطاء، ودفع علاقتهما للتطور سريعًا. وبعد عرض استقبال عيد الربيع، منحت الفرقة إجازة للموظفين الذين يسكنون بعيدًا لزيارة أقاربهم، فعادا معًا للجنوب. ذهب معها أولا إلى نانجينغ، وقابل والديها، وبعد حصوله على القبول، أحضرها معه إلى منزله”.

ولكن القصة الرئيسية في الحكاية الثالثة تحمل بعدا تراجيديا واضحا، فإذا كانت الحكاية الأولى “حب البلدة الصغيرة” قد انتهت بالفضيحة والفراق، والثانية “حب الجمال” قد انتهت بالفراق وما يتبعه من ألم، فإن تلك الحكاية “حب الجبل العاري” قد انتهت باختيار العاشقين الموت معا هربا من الفراق في الحياة!

في ختام هذه المقدمة القصيرة، أشير إلى أننا في حاجة إلى التعرف على أدب مغاير لما تعودنا عليه، له خصوصيته الثقافية الشديدة، الزاخرة بالظواهر الأدبية الفريدة. ولكنه على خصوصيته يبدو أقرب إلى ثقافتنا من الأدب الغربي الذي شكل وحده ذائقتنا الأدبية، حتى حسبناه الأدب الوحيد في العالم وغفلنا عن كنوز الآداب الأخرى التي ننتظر من يترجمها، خاصة الأدب الصيني، الذي زاد الاهتمام به، بعد أن حققت الصين معجزتها الاقتصادية وفرضت نفسها كقوة اقتصادية وسياسية مركزية عالميا.

 

 

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات