ظاهرة يوسف زيدان

04:50 مساءً الأربعاء 25 أكتوبر 2017
  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print
534F37BB-F976-4130-AA7D-CAB44EFCDEEC

د. يوسف زيدان | أكثر من وجه

مجلة الجديد | بقلم الشاعر والكاتب: وليد علاء الدين (مصر) | مدير تحرير مجلة تراث
-1-
في تصريحات يوسف يوسف زيدان لا تندهش إن اكتشفتَ أن “أهل الجزيرة العربية مجرد سرّاق إبل” هكذا بلا ضابط علمي أو منهجي، أو أن حادثة المعراج “مجرد قصة روجها القصاصون في القرون الأولى”.
ولا تغضب إذا سمعتَ الرجل يصف بكل هدوء صلاح الدين الأيوبي بأنه “واحد من أحقر الشخصيات في التاريخ”، أو يضيف ببرود أعصاب إلى ألقاب البطل أحمد عرابي لقب “الفأر” إلى جوار وصفه بـ”الخائن والكذاب”. وغير ذلك من تصريحات ساخنة. فهذه هي طريقة الرجل المجربة التي يضمن بها تصدر ذروة ساعات المشاهدة في قنوات الإعلام المصري، والحصول على أكبر عدد من المتابعين على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي.
من يمتلك قدرًا -ولو بسيطًا- من المعرفة بالتاريخ، وقدرًا موازيًا من الحس النقدي، لاكتشف سريعًا أن المنهج الذي يدير به يوسف زيدان معاركه لا هدف منه إلا البقاء على قمة رغوة الإعلام.
وهو لا يبذل جهدًا حتى في تجديد أو تطوير أدواته لتحقيق ذلك، مستفيدًا إلى آخر رمق من ضعف الإعلام المصري مستغلًا ببراعة تلك العلاقة الشاذة بين وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، بما تتسم به الأخيرة من ميوعة وسيولة وتدفق غير منضبط لا يجوز تسميته بالإعلام، وبما تفتقده الأولى من ضوابط مهنية وعلمية واحترافية جعلتها تابعة لكل صيحة فارغة يعلو صوتُها في “السوشيال ميديا”.
“مُحدث النعمة” وصف يُطلقه أولاد البلد على الإنسان الذي تهبط عليه من السماء ثروةٌ بعد طول معاناة مع الفقر أو حتى الستر. وهم -للإنصاف- لا يطلقون هذا الوصف هكذا من دون ضوابط، إنما يستحقه من تصيبه الثروة بما يشبه اللوثة -خاصة إذا جاءت متأخرة- فيظل يسعى لتعويض ما فاته بإسرافٍ فاقعٍ لافت للانتباه.
متأخرةً جدًا جاءت الشهرة للباحث والكاتب يوسف زيدان، فقد ظلّ الرجلُ في الظلِّ لفترة طويلة من عمره (مواليد 1958) إلى أن أخرجته إلى النور جائزة أدبية شهيرة، من دون أن تبدو عليه قبل ذلك معالم وأمارات المفكر أو الفيلسوف!
فرغم أنه درس وتخرج في قسم الفلسفة بجامعة الإسكندرية، إلا أن مستوى طموحه وجهده كباحث في مساحة الفلسفة الإسلامية والتصوف الإسلامي لم يتجاوز دور محقق المخطوطات. وليس أدل على ذلك من الموضوعين اللذين اختارهما لنيل درجتي الماجستير والدكتوراه، واللذين يكشفان بوضوح عن الطريقة التي كان الرجل يزن بها قدراته والمستقبل الذي اختاره لنفسه في مجال البحث العلمي.
لم يُظهر زيدان أي ميل أو اهتمام فكري ناقد، إنما اختار لرسالتيه العلميتين الزاويةَ الأسهل والأكثر شيوعًا: الشرح والتحقيق -والتي رغم كبير تقديرنا لها- تبقى مساحة شديدة الضيق بعيدة إلى حد كبير عن رحابة المعنى الحقيقي للمفكر أو الناقد أو الفيلسوف.
ليس في “دراسة وتحقيق قصيدة النادرات العينية للجيلي مع شرح النابلسي” التي اختارها للماجستير، أو “دراسة وتحقيق ديوان عبدالقادر الجيلاني” الذي اختاره للدكتوراه، ما يمكن تسميته بإعمال العقل الناقد في التراث الفكري، أو ما يدل على بوادر ثورة أو تمرد فكري على التراث، ولم تتضمن أيّ من الدراستين لفتة واحدة أو بارقة مغايرة لتقديم الأمور من زاوية فريدة وجديدة. ويمكن لمن أراد المزيد من الاطلاع على هذه المسألة مطالعة الدراستين أو إحداهما.
تأكدتْ ملامحُ هذا التوجه الحاكم لعقلية الرجل، عند انصرافه التام -ولزمنٍ طويل- نحو تحقيق مجدِه في مساحة المخطوطات وما يتعلق بها من أعمال جمع وتوصيف وتصنيف وفهرسة وأحيانًا دراسة وتحقيق. وهو جهد مهم لا يمكن لأحد التقليل من خطورته، إنما فقط نُحدده هنا من باب الإشارة إلى ملامح التجربة الخاصة بمحقق المخطوطات التي تختلف -بلا شك- كثيرًا عن تجارب التفكير النقدي أو المغامرة الفلسفية والفكرية للمثقف.
وكان أن نجح زيدان بفعل هذه الاهتمامات، في إنشأ قسم المخطوطات في مكتبة الإسكندرية عام 1994، ونقل إليه محتويات مكتبة البلدية العظيمة بالإسكندرية وغيرها من مكتبات، وعمل رئيسًا لهذا القسم لفترةٍ انتهت بالخلاف الشهير بينه وبين رئيس المكتبة وقتها الدكتور إسماعيل سراج الدين.
….
-2-
بالإضافة إلى رسالتيه العلميتين لنيل درجتي الماجستير والدكتوراه، من يطالع قائمة الكتب التي أصدرها يوسف زيدان، قبل قبل الجائزة الأدبية -وكذلك بعدها إلى حد كبير- لن يجد فيها ما يشذ كثيرًا أو قليلًا عن هذا النهج المركز على التحقيق وبعض الشرح والتقديم لمخطوطات مختارة في مساحات معينة من تراث التصوف.
معظم، إن لم يكن كل نتاجه كتب فهرسة وجمع وتصنيف وتقديم، من قبيل “شعراء الصوفية المجهولون” وهو عمل -رغم أهميته- إلا أنه يظل جهدًا تجميعيًا وتعريفيًا لا يحتاج إلى طاقة فكرية أو رؤية للعالم، يحتاج فقط إلى مصدر معلومات متاح وسهل. وهي ملامح النعمة التي تمتع بها زيدان طويلًا وبصلاحيات مفتوحة قبل نعمة الجائزة التي جعلته يفكر في غزو مساحة جديدة. فقد وقعت يدا الدكتور يوسف زيدان مبكرًا على خزائن المخطوطات والمعلومات في زمن كان فيه مجرد الحصول على مخطوطة -وأحيانًا كتاب- أمرًا دونه أهوال الروتين والتكاليف والغباء الإداري.
الحق، أجاد الرجل استغلال المخزن، كما أبدع في الاستفادة من صلاحياته وسلطاته، صلاحيات الاطلاع على ما لا يتاح لغيره من الباحثين، وسلطات توجيه المعاونين من الباحثين الشباب والطلاب الراغبين في مجرد فرصة لدخول مكتبة مخطوطات!
الخلاصة، نظرة سريعة على قائمة إنتاج يوسف زيدان تُغني عن كل كلام، كتبٌ تصنيفية لفهارس مكتبات، كتب تجميعية لبحوث مؤتمرات، كتب لمختارات من نوادر المخطوطات، بعض الدراسات التقديمية لمقالات تراثية… ما لا يقل عن 99 بالمئة من إنتاج يوسف زيدان في تلك الفترة كانت هذه صفته، كتبٌ -على ضخامتها وكبر حجمها وتعدد أجزائها ومجلداتها- ليست سوى جهد تجميع وتصنيف وإعداد وتقديم وفهرسة. إنتاجٌ أهمُّ ما فيه أنه نَهَل من أرشيف متاح ووجد زيدان من يساعده في إخراجه .
لا يمكن عند هذه المرحلة الحديث عن مفكر أو صاحب رؤية فارقة أو فيلسوف أو باحث ذي عقل ناقد. بل إن عددًا من تلك الكتب وشى باتّباع غريب لتيارات صوفية بعينها، وغنيٌ عن البيان أن العقل الصوفي بالصيغ والملامح التي قدم بها من قبل زيدان -وبشكل عام- لا يجتمع مع عقلٍ ناقدٍ أو متفلسف أو متمرد في رأس واحدة.
خرج الإنتاجُ الأدبي للدكتور يوسف زيدان في تلك الفترة من العباءة نفسها، شديد الصلة باللغة التراثية وعوالم المخطوطات وقصصها، لا شيء نأخذه عليه في ذلك، فالكتابة الأدبية لا ينبغي أن تُرضي جميع الأذواق، جاءت كتاباته مسبوكة العبارة متينة الأسلوب، ولكنها كما يرى كثيرون وقفتْ عند هذا الحد ولم تقدم جديدًا للأدب، وهو الأمر الذي ربما دفع البعض إلى التشكك الذي وصل إلى حد الاتهام بأنه يقتبس من مصدر مجهول، أو يترجم من وثائق ومخطوطات وقعت تحت يديه بحكم المسؤوليات التي اضطلع بها وبفضل العلاقات التي أنشأها في هذا المجال. لكن هذا التصور أقرب إلى أن يكون ضرباً من شطط النقد بحق زيدان.
إلى جانب هذه النوعية من الكتابات، ليوسف زيدان إنتاج قصصي، كما أنه حاول تقديم نفسه ناقدًا أدبيًا، وله محاولات منها كتاب “ملتقى البحرين” وهو محاولة نقدية لتجارب معاصرة له مثل تجربة الأديب الراحل جمال الغيطاني.
ما يستحق الانتباه في هذه النقطة هو أنه رغم ما اشتهر به الوسط الإعلامي والثقافي في مصر بمجاملة ومحاباة كل صاحب نفوذ وسلطة، وكان الدكتور يوسف زيدان منهم، فإن محاولاته الأدبية والنقدية لم تَلق اهتمامًا كافيًا في أوساط الأدب والنقد، والأسوأ الإعلام الذي بطبعه لا ضوابط نوعية تحكمه إنما هو جاهز لتبادل المصالح، فهل يعوض يوسف زيدان اليومَ فشلًا ما قديمًا، بحرصه على أن يتسيد المشهد الإعلامي؟ سؤال يصلح للبحث.

-3-
الخلاصة، أن الاهتمام الإعلامي ظلّ بعيدًا عن الدكتور يوسف زيدان سواء كباحث أو أديب -رغم رحلته الطويلة ومنتجه المتعدد كما وصفناه. ولم تنطلق شرارةُ شهرته إلا بعد حصول روايته “عزازيل” على الجائزة العالمية للرواية العربية المعروفة إعلاميًا بجائزة البوكر العربية في دورتها الثانية سنة 2009.
هي شهرة أو قُل نِعمة جاءت للرجل بعد أن صرفَ من عمره 51 سنة في محاولات مضنية لتحقيق بعض الانتشار من خلال النبش في خزائن المخطوطات والتقليب بين أوراقها والظفر بفرصة الاطلاع على ما لم يطّلع عليه آخرون وتقديمه في فهارس وكتب تجميعية ودراسات وصفية لمقالات تراثية… إلخ، إلى جوار جهود أخرى في إثارة معارك إدارية وأكاديمية يعرفها الجميع، فشلت كلُّها في إرضاء رغبته الجارفة في “النجومية” وأن يكون محط أنظار الجماهير ومحل اهتمام وسائل الإعلام.
ولكنه في أعقاب الجائزة، بدا وكأنه يريد أن يستثمر الفرصة، وأن يظل متصدرًا واجهة وسائل الإعلام. فكان أن بَحثَ ودقّق طويلًا في ذخيرته واكتشف أن الأدب مهما بلغ شأنه لن يُبقيه محل اهتمام الإعلام أكثر من شهر بعد صدور كتاب جيد، أو شهرين بعد الحصول على جائزة مرموقة.
انتبه زيدان إلى أن ما في جعبته يصلح تمامًا لمغازلة إعلامٍ غير منضبط متعطش للفضائح، سواء بطبعه (بحكم مستويات ثقافة العاملين فيه) أو لخدمة مصالح أصحابه (الحكومات ورؤوس الأموال التي ترى في الإعلام أداة تعبئة أو إلهاء)؛ فاستعد للمعركة ووضع خطتها بمهارة يُحسد عليها، وبالفعل تلقفته وسائلُ الإعلام لأنه أحسنَ تقديم نفسه كبضاعة موافقة لطبيعتها وتتوافق وأولوياتها.

-4-
كلنا نعرف نموذج واعظ القرية الذي يسعى لتعزيز مكانته بين القرويين من خلال ترديد بعض الآراء الفقهية المخالفة لما اعتاد الناس على سماعه. وهناك الكثير من البشر الذين يتبنون الآراء النادرة باعتبارها اكتشافات ترفعهم في أعين البسطاء وتكسوهم هيبة.
تكتمل هذه الهيبة والشهرة لدى البسطاء برفع الصوت كأنما هي الحرب، ووصفِ الآخرين إما بالجهل أو بالعمالة لأيّ جهة، ومنح الأمر مسحة مسرحية ذات أداء لفظي وحركي فاقع.
هنا يصبح الإنسان ظاهرة بالونية يزداد حجمها كلما نفخنا فيها، ويصبح الأمر المحير: هل من واجبنا أن نكتب محللين لتلك الظواهر، على الأقل لمعادلة أثرها السلبي في نفوس البسطاء والمراهقين فكريًا أو ثقافيًا؟ أم أن كل كتابة سوف تصب دفقة هواءٍ إضافية يزداد بها انتفاخ الشخص الظاهرة وتحليقه فيزداد نهمُه في المزيد؟
ما زال هذا السؤال يحيرني، وعزائي أنني أكتب هذه الكلمات، ليس من أجل التأثير على شهرة زيدان أو التقليل من حضوره الإعلامي، إنما أعزي نفسي بأن قارئًا واحدًا على الأقل ربما يقتنع فينتبه فيتحدث إلى أصدقائه فنكون قد بذرنا بذرة إيجابية في هذه الأرض اليباب.
أما زيدان، فمثله مثل كل ظاهرة تعتمد الإثارة منهجًا، لن يتأثر -إلا إيجابًا- بكل مقالة يرد فيها اسمه، مدحًا أو قدحًا. ولن تنتهي ظاهرته إلا بأن تحل محلها أخرى أشد قوة وبأسًا ونهمًا في استهلاك معطيات الفرصة.
وسبب ذلك ببساطة أن المناخ السياسي الذي نعيش فيه يشجع على ظهور هؤلاء ويستفيد منهم، وإن بدا رافضًا لهم. وكذلك الوسط الإعلامي، وقطاعات أخرى عريضة تمنح هؤلاء -واعية أو بلا وعي- السلطةَ، بداية من البسطاء الطيبين الذين يتسلون بمشاهدة هذه الألعاب مرورًا بالوسطاء والسماسرة والمنتفعين وصولًا إلى من يجنون عوائد كل ذلك نقدًا ماديًا ملموسًا أو منافع أخرى متعددة مما يخطر لنا أو لا يخطر على بال.

-5-
لم يقدم زيدان رغم القائمة الطويلة من الكتب ما يمكن أن نصفه بالإضافة الفكرية أو المراجعة النقدية الفارقة لأفكار الأولين، وهو رأي قد يبدو للبعض عموميًا ومتسرعًا، ولكن الكتب موجودة ولنعتبرها دعوة لمن يرى غير ذلك لتقديم الدليل.
هذا عن مجمل إنتاجه البحثي والأدبي، فماذا عن الزوابع التي أثارها؟ هل مثلت أيّ إضافة إلى مسيرة الفكر العربي والإسلامي؟ هل أثارت إشكالية واحدة جديدة بشكل يسمح بفتح باب التفكير فيها ومراجعتها؟ هل قدمت إجابة أو مبادئ إجابة لسؤال قديم شغل العقل الفلسفي والنقدي العربي والإسلامي؟
هذا هو السؤال الذي يمكن من خلاله تقييم جهد المثقف من أجل إنصافه. لو أنه فعل شيئًا من ذلك لغفرنا له كلَّ ما صاحَبَ تساؤلاته من أداء فاقع وتجاوزٍ مشين في بعض الأحيان، واعتبرناه نوعًا من الأسلوب المقصود والمتعمد بذكاء من أجل إثارة انتباه الناس لخلاصات جادة لا غنى عنها لإنقاذ العقل العربي، وصنفناه كالممثل المسرحي الموهوب الذي يتعمد ادعاء الوقوع في الخطأ ليستحوذ على أسماع وأبصار الجمهور فيقدم موهبته في دفقةٍ يحصل بعدها على التصفيق ويَقرّ في قلوب العوام ممن لا قدرة لديهم على صنع آرائهم بأنفسهم.
وإن كنتُ شخصيًا قد اعترضت على الطريقة التي أدار بها إسلام بحيري -في موسمه الأول- معركته ضد الجمود في التعامل مع التراث. رغم اتفاقي معه ومع غيره من المنادين بتنقيح التراث وكسر حواجز تقديس الأشخاص وإعمال العقل في الأحداث والأخبار التي تزخر بها الكتب. وبررت ذلك بأنني رأيته -بطريقته الحادة الغاضبة- ساعيًا لإحلال خطاب كراهية علماني محل خطاب كراهية سلفي، غافلًا عن أن النتيجة واحدة: الكراهية. (يجب أن أسجل هنا أيضًا رفضي لما تعرض له بحيري تحت مظلة الازدراء التي أراها تتسع يومًا وراء يوم).
ومثلما فعلتُ مع ظاهرة بحيري، فإنني أعلن الآن تحفظي على منهج يوسف زيدان وأدواته وخطابه، وإن اتفقت معه -ومعي كثيرون- في كثير مما يطرح من قضايا ويثير من تساؤلات ومراجعات لتاريخنا المتخم بالفعل بالمغالطات، مع ضرورة التأكيد على أنه لم يأت في أيّ منها بجديد، إنما أعاد طرح ما طرحه الأولون، ولكن بمنهجه الدعائي الذي أراه خاليًا من اللياقة، مؤشرًا على أهداف أخرى لا علاقة لها بلافتة التنوير التي ظلمها الكثيرون.
شخصيًا وربما مثلي كثيرون، لست ضد انتقاد الشخصيات التاريخية أو مراجعة التاريخ والتراث الديني أو غير الديني، بل أرى أن إعادة تقييم شخوص التاريخ وأبطاله وتقديمهم للناس كبشر يصيبون ويخطئون واستعراض كافة الآراء حولهم بحلوها ومرّها أمر واجب، نتعلم منه جميعًا على أمل أن تصبح سمة من سمات شخصية الأجيال المقبلة “تقدير الأفعال وليس تقديس الرجال”.
ليس هناك شخص ولا حدث في التاريخ يعلو على السؤال والبحث والمراجعة والاستعراض، وما هدف التاريخ كعلم ومناهج بحث سوى تقديم العبرة وتوفير القدرة على فهم الماضي للإفادة منه في معالجة الحاضر والتجهّز للمستقبل!
فهل فعل الدكتور يوسف زيدان ذلك؟
هل قدّم في هذا السياق شيئًا أكثر من اختياره لتوقيتات مثيرة للشك لإثارة قضايا مكرورة ومعروضة على العقل العربي منذ عشرات وأحيانًا مئات السنين؟
هل يمكن ببساطة تصديقُ ما يروِّج له زيدان من أنه يُلقي -على حد قوله- بعض “الحصوات، في البحيرة الراكدة العطنة” من دون التوقف عند ملامح الطريقة الفظة التي يفعل بها ذلك؟
مراجعة سريعة لقائمة أشهر زوابعه قد تُفيد في محاولة الإجابة عن هذا السؤال.

-6-
واحدة من أشهر زوابع يوسف زيدان قصة المعراج، ورفضه لها باعتبارها منافية للعقل.
العنوان العريض “يجب علينا إعمال العقل في الخبر”، ولكن ما الجديد في هذا الأمر المطروح منذ القدم، ليس فقط من خارج حظيرة الإسلام -إذا جاز التعبير- وإنما أيضًا من داخلها؟
الجديد ليس فقط التوقيت الغريب، إنما الأداء الاستعراضي والأسلوب المثير الذي قدّم به زيدان الأمر ليجعله محل اهتمام البسطاء من داخل “حظيرة الإعلام” ومن خارجها، الذين لم تمر عليهم مثل هذه الحواديت من قبل.
والنتيجة انشغال كبير ومتابعات كثيرة وفرقعات ومعارك تسيل فيها دماء السوشال ميديا الزرقاء لتبلغ حدود الرُّكب “جمع ركبة” ليسبَح فيها الرجل وتزداد أعداد “الفولورز” فيظل يسبح إلى أن يستنفد طاقة الفرقعة فيُلحقها بالتي تليها؛ يزعم مثلًا أن المسجد الأقصى ليس في القدس، وهو ليس فقط طرح شديد الشهرة، إنما هو أحد أدوات الصهاينة في خدمة قضيتهم. فما الجديد؟
الجديد كما هي العادة هو “الساسبنس” الذي يقدم به زيدان الفكرة فتتلقفها وسائل الإعلام فيظل فوق موجتها إلى أن تهبط بفعل الجاذبية وطبيعة الأشياء والبشر فيستعد بالتالية؛ يصف صلاح الدين الأيوبي بأنه “واحد من أحقر الشخصيات في التاريخ”، لاحظ تركيب جمله الاستعراضي الاستعلائي، هو لا يقصد إعادة تقديم أو التذكير بوجهة نظر مطروحة من قبل في شخصية تاريخية، إنما يقصد (مع استخدام أقصى درجات حُسن النية) لفتَ الانتباه إليه هو شخصيًا بوصفه “جاب التايهة” مثله في ذلك مثل مدرس النحو في استعراضه بغريب إعراب القرآن، أو الواعظ في الاستعراض بفتوى قديمة مهملة.
والسؤال: هل في الاختلاف حول شخصية الأيوبي أيّ أمر جديد؟ على الإطلاق مجرد آراء مختلفة باختلاف توجهات أصحابها، اشتهر بعضها وتوارى الآخر لأسباب سياسية وثقافية.
أيًا يكن الأمر، فمن حق الناس -بلا أدنى شك- معرفة كل الآراء ووجهات النظر، ومن المعيب أن نفرض رؤية وحيدة ونغيب الرؤى الأخرى، فهل فعل زيدان ذلك؟
لم يفعل سوى أنه وقع في الخطأ نفسه الذي يدّعي مقاومته؛ فقد حصرَ التاريخ في رؤية واحدة وسعى لفرضها بكل ما منحه الإعلام والجائزة من سلطة. كل ما فعله أنه سعى لفرض رؤيته وأثار الزوبعة بأسلوب يخلو من الحصافة واللياقة، لأنه الأسلوب الوحيد الذي يجذب السوشال ميديا والإعلاميين، أعني السطحيين منهم أو المنتفعين، فتعلو رغوة النقاشات ويزداد عدد زيارات موقع الكاتب والمفكر والفيلسوف الكبير… إلى أن يخفت الضجيجُ فيتبع الزوبعة بأخرى جديدة.
الزوبعة الجديدة كانت في وصفه أحمد عرابي بالفأر الكذاب، واتهامه بأنه السبب في خراب مصر وتحكم الإنكليز فيها، هكذا بهذا التبسيط المخل يمارس بعنجهية ما يرفضه من فرض وجهة نظر منفردة على التاريخ. كم تابع لزيدان سوف يتبنى هذا الرأي ويؤمن به وينقله لآخرين لا يمتلكون الفرصة أو القدرة على تدقيق وفحص هذا العرض؟
لو أن هدف الرجل يقف عند إثارة الوعي الموضوعي بشأن وقائع وأحداث التاريخ لاختار أسلوبًا يليق بعالم وباحث، لتردّد طويلًا قبل أن يمارس فرض رأيه بسيف سُلطةِ شهرته، وسطوة تأثيره في تابعيه الذين يزدادون يومًا بعد يوم كلما أفسح له الإعلامُ مساحة.
لو أنه لا يتعمد في المقام الأول استعراضَ ذاته لاكتفى بطرح رؤيته وطلبَ من البسطاء الذين يخاطبهم دائمًا ويصدقونه، أن يبذلوا بعض الجهد ولو عن طريق “غوغل” لقراءة ما تورده صفحات الإنترنت عن عرابي ليكتشفوا معه وبواسطته أن روايته التي يستعرض بها مجرد واحدة من روايات كثيرة عن أحمد عرابي، وعن الحادثة التاريخية، وإن كانت ثورة أم مجرد هوجة، وحول صحة بعض الوقائع، وحول أسباب قيامه بهذا الأمر وكيف تطورت الأحداث، إلى آخر ذلك من نقاشات شائعة ومنتشرة ولا جديد فيها.
الجديد هو المنهج الزيداني الذي قرر الرجل أن يظل بواسطته على قمة رغوة الإعلام سواء التقليدي أو الحديث، وأن يظل متوجًا بين مريديه وأتباعه ممن لا يملكون الوقت أو الجهد أو الحافز اللازم، أو القدرة حتى على البحث الجاد والقراءة بهدف تكوين رأي، فيبحثون عن نبيّ جديد يتبنون آراءه، فهل بات علينا أن نستنتج من كل ما سلف أن يوسف زيدان هو هذا النبيٌ المناسب لهذا العصر؟

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات