روايات مصرية : الفصل الأول من رواية دكتور نبيل فاروق | قلعة الشر

07:16 صباحًا الثلاثاء 31 أكتوبر 2017
  • Facebook
  • Twitter
  • Rss
  • Mail
  • Print

1 – مهمة غير رسمية
التقط (قدرى) نفساً عميقاً؛ محاولاً تهدئة مشاعره، عقب تلك المحاضرة، التى ألقاها على مسامع الجيل الجديد، من ضباط المخابرات العامة، والتى اضطر خلالها، كما يحدث دوماً، للإجابة على عشرات الأسئلة، حول (أدهم صبرى)، وتاريخه، وعملياته المبهرة، التى تحتل مساحة كبيرة، فى متحف المخابرات …

09F3240B-6323-4FE0-B80F-548B8C0F2258
كان يعلم أن (أدهم) أسطورة مبهرة، بالنسبة لكل رجل مخابرات، ليس فى مصر وحدها، ولكن فى كل جهاز مخابرات فى العالم تقريباً، على الرغم من الهزائم العنيفة، التى تلقوها على يديه، قبل أن يختفى، دون أن يعلم أحد أين هو …
ولا كيف هو …
أما بالنسبة إليه، فـ(أدهم) ليس أسطورة فحسب …
بل هو أيضاً صديق عمر …
وهذا هو المهم …
والأهم …
تطَّلع فى لا مبالاة إلى شطيرة كبيرة، أحضرها أحد عمال البوفيه إلى معمله، بناءً على طلبه …
وعلى الرغم من رائحتها الشهية، لم يجد فى نفسه أدنى رغبة فى التهامها …
وبالنسبة إليه، كان هذا أكبر دليل على ذلك الحزن، الذى يملأ قلبه، على الرغم من ثقته، فى أن (أدهم) بخير، فى مكان ما …
ولكنه لم يعد يراه …
أو حتى يسمع صوته …
ولقد كان المدير على حق، عندما قال له يوماً: إن العثور على رجل مثل (أدهم)، يعتمد فقط على أن يرغب (أدهم) فى أن يعثر عليه …
و(أدهم) لم يرغب بعد فى هذا …
لسبب يخصه هو وحده …
انحدرت دمعة حزينة، من عينى (قدرى)، وهو ينهض إلى موقد صغير، ويستعد لعمل كوب من الشاى، عندما طرق باب معمله، على نحو يشفَّ عن تردَّد صاحب الطرقات، فغمغم دون أن يلتفت إلى الباب:
– ادخل يا (عادل).
دفع شاب فى منتصف عقده الثالث الباب، وهو يغمغم فى حيرة:
– كيف علمت أنه أنا يا سيَّد (قدرى) ؟!
أشار (قدرى) إلى أذنه، دون أن يلتفت إليه:
– لدى أذنان حساستان.
ثم التفت إليه بابتسامة باهتة:
– هل أعدَّ لك كوباً من الشاى معى ؟!
غمغم (عادل)، وهو يتخذ مجلساً:
– سأكون شاكراً.
أعدَّ (قدرى) كوبى الشاى، ووضع أحدهما أمام (عادل)، وشفتاه مازالتا تحملان تلك الابتسامة الباهتة:
– لست هنا لسبب رسمى … أليس كذلك ؟!
صمت (عادل) لحظات متردَّداً، ثم هزَّ كتفيه:
– إنه سبب بحثى فى الواقع.
أشار إليه بيده:
– هات ما لديك.
اعتدل (عادل) فى اهتمام، حفر قسماته على ملامحه، وهو يقول:
– فى محاضرتك، أكَّدت لنا، أن سيادة العميد (أدهم)، لم يكن يميل أبداً إلى القتل، أو سفك الدماء، إلا دفاعاً عن النفس، وعندما لا يكون هناك سبيل آخر .
غمغم (قدرى) فى انتباه:
– هذا صحيح … إنه دوماً يحترم الحياة البشرية، حتى حياة خصومه وأعدائه.
مال (عادل) نحوه:
– ولكننى رصدت عدة مرات، قتل فيها عمداً.
تمتم (قدرى):
– لم يحب القتل أبداً.
أشار (عادل) بيده:
– ولكنه فعلها … ويمكننى ذكر التفاصيل من السجلات، و …
كان (قدرى) من أ شار بسبَّابته هذه المرة:
– السجلات لا تحوى كل شئ.
بهت (عادل) لحظة، حدَّق خلالها فى وجه (قدرى)، قبل أن يغمغم فى حذر:
– السجلات تحوى تفاصيل كل العمليات الرسمية.
مال (قدرى) نحوه، وهو يقول فى عمق:
– وماذا عن غير الرسمية ؟!
لوهلة، تصوَّر (عادل) أنه قد أخطأ السمع، فحَّدق فى وجه (قدرى) بضع لحظات أخرى، اعتدل خلالها (قدرى)، وبدا وكأنه قد نفض عن نفسه حزنه، وبدأ يستمتع بالموقف، فى حين تمتم (عادل):
– وهل لسيادة العميد عمليات غير رسمية ؟!
صمت (قدرى) لحظات، ثم هزَّ كتفيه، مغمغماً:
– هذا يحدث، فى كل أجهزة المخابرات تقريباً.
كرَّر (عادل)، وكأنه غير مصدَّق، لما تسمعه أذناه:
– عمليات غير رسمية ؟!
اكتفى (قدرى) بإيماءة من رأسه هذه المرة، ونهض يحضر شطيرته، التى بدت له فجأة شهية للغاية، و(عادل) يسأله فى شغف:
– وهل تعلم تفاصيل واحدة، من تلك العمليات غير الرسمية ؟!
عاد (قدرى) إلى مقعده، وقضم قضمة كبيرة من شطيرته، وهو يجيب بفم ممتلئ:
– بالطبع.
تضاعف شغف (عادل):
– هل يمكنك أن تقصها على مسامعى؟
تطَّلع إليه (قدرى) لحظات، ثم وضع شطيرته أمامه، وتنهَّد فى عمق، قبل أن يقول فى خفوت:
– اعتدت سماع هذا من (منى)، وهى تجلس مكانك.
أومأ برأسه عدة مرات، وعاد يلتقط شطيرته :
– كان هذا فى التسعينات، عندما انتشر الإرهاب، على نحو غير مسبوق، وارتكب عدة اغتيالات لمفكرين، ورجال أعمال وسياح ومدنيين … فى تلك الفترة حصلت المخابرات على معلومة موَّثقة، عن مموَّل خطير للإرهاب، يقيم فى قلعة منيعة فى (أوكرانيا)، محاطاً بطاقم حراسة من أقوى رجال الكى جى بى القدامى، ويرتبط بصلات قوية بالموساد الإسرائيلى … كان (فيكتور كوالسكى)، وهذا اسمه يمد زعماء وقادة التنظيمات الإرهابية بالمال والسلاح، وكل المعلومات اللازمة لارتكاب أعمالهم الإرهابية.
غمغم (عادل):
– هذا يشبه ما يحدث الآن.
لم يحاول (قدرى) التعليق على عبارته، وهو يواصل:
– لو اعتبرنا أن الإرهاب، فى تلك المرحلة، كان أشبه ببركاناً ثائر، يصب حمم الكراهية والموت على الجميع، فـ(كوالسكى) هذا كان قمة البركان، التى من الضرورى إغلاقها، حتى تتحبس الحمم داخلها … وكانت هذه أهم خطوة؛ للقضاء على موجة الإرهاب.
اندفع (عادل) مبهوراً:
– هل قرَّر سيادة العميد، توَّلى هذا الأمر، بصفة شخصية ؟!
هزَّ (قدرى) رأسه نفياً، وهو يلتهم قضمة كبيرة من شطيرته، متمتماً:
– كان مجَّرد مقدَّم، فى تلك الفترة، يلتزم بالتعليمات، ويقاتل فى سبيل (مصر)، وأمن (مصر).
تمتم (عادل):
– لم تجب سؤالى !!
ازدرد (قدرى) طعامه فى استمتاع، وارتشف رشفة من الشاى، ثم أجاب، وهو يرَّبت على كرشه:
– لقد توَّلى الأمر بصفة رسمية.
تراجع (عادل) بكل الدهشة:
– رسمية أم غير رسمية ؟!
قهقه (قدرى) فى استمتاع، ولوَّح بكفه:
– كلتاهما.
هزَّ (عادل) رأسه فى قوة:
– لست أفهم.
التهم (قدرى) آخر قضمة من شطيرته، وأفرغ ما تبقى من كوب الشاى فى حلقة، وتنهَّد فى قوة، ثم مال نحو (عادل) مرة أخرى:
– استمع إلىَّ جيداً إذن.
وأرهف (عادل) سمعه …
بكل الانتباه …
* * *
شدَّ (أدهم) قامته، وهو يقف أمام مدير المخابرات، الذى تطَّلع إليه لحظات فى صمت، قبل أن يشير إلى مقعد أمامه:
– استرح واجلس يا (ن- 1)، فحديثنا قد يطول.
جلس (أدهم)، متسائلاً فى اهتمام:
– هل الأمر خطير إلى هذا الحد يا سيدى ؟
أومأ المدير برأسه:
– أكثر مما تتصوّر
صمت بضع لحظات أخرى، ثم مال على سطح مكتبه.
– تتابع -بحكم موقعك- تلك الهجمة الإرهابية الشرسة، التى تستهدف (مصر)، فى الآونة الأخيرة.
أجاب فى سرعة:
– ولقد كتبت تقريراً فى هذا الشأن.
التقط المدير ملفاً من على سطح المكتب، وهو يقول:
– قرأته تفصيلياً ثلاث مرات يا (ن-1)، وأنا أتفق معك تماماً، فى أن الإرهاب لا يقتصر على من يحمل السلاح فحسب، ولكن الأخطر منه من يموَّل حصوله على ذلك السلاح، وعلى الأموال، التى ينفقها الإرهابيون، لتخطيط وتنفيذ عملياتهم الإرهابية.
أشار (أدهم) إلى الملف:
– لقد بدأوا بسرقة محال الذهب، لتمويل عملياتهم، ثم فجأة، لم يعودوا يبالون بهذا؛ مما يعنى أنهم قد حصلوا على منبع تمويل قوى.
خبط المدير على الملف بسبَّابته عدة مرات، قائلاً:
– التخطيط الذى يتبعونه، صار أكثر دقة ومهارة أيضاً يا (ن-1)، وهذا يعنى أن التمويل لا يقتصر على الأموال فحسب، ولكنه كما يقول تقريرك، يمتَّد إلى الدعم اللوجيستى والعسكرى.
أضاف (أدهم)، مشيراً بسبَّابته:
– والمخابراتى أيضاً يا سيدى.
وافقه المدير بايماءة من رأسه:
– قرأت هذا فى تقريرك.
ثم نهض من خلف مكتبه، واتجه إلى النافذة، المطَّلة على ساحة المبنى، وتطَّلع عبرها لحظات، قبل أن يواصل، وهو مازال يولى (أدهم) ظهره:
– وأنا اتفق معك تماماً، فيما اقترحته، فى نهاية تقريرك.
اعتدل (أدهم) فى انتباه:
– سد فوهة البركان.
أومأ المدير برأسه مرتين، وحمل صوته شيئاً من التوتر:
– القضاء على مصادر التمويل، التى تتدفق منها حمم الإرهاب.
التقطت حواس (أدهم) لمحة التوتر، فى لهجة وصوت المدير، فغمغم فى حذر:
– بالضبط.
كرَّر المدير:
– وأنا أتفق معك فى هذا.
ثم انطلقت من صدره زفرة حارة:
– ولكن القيادة السياسية لا تتفق معنا.
مطَّ (أدهم) شفتيه:
– هذا ما خشيته.
زفر المدير مرة أخرى، وتابع، وهو يواصل التطَّلع عبر النافذة:
– القيادة السياسية دوماً حذرة، فيما يخص التعامل خارج الحدود، وما قد يستتبعه من مشكلات دبلوماسية، وتعقيدات سياسية، ومهاجمة شخص يحمل جنسية أخرى، فى قلب دولته، أمر محفوف دوماً بالمخاطر.
غمغم (أدهم):
– وبقاؤه محفوف بمخاطر أكبر.
ثم نهض بدوره، واتجه نحو المدير، الذى التفت يواجهه، فتابع فى حزم:
– مادمنا قد شبهَّنا ما يحدث بالبركان، فدعنا نقول: إن سد فوهة البركان أمر محفوف بالمخاطر حتماً، ولكن التغاضى عن هذا، يطلق الحمم القاتلة من الفوهة، فيتضاعف الخطر أضعافاً.
أجابه المدير فى حسم:
– هذا أتفق فيه معك تماماً.
ثم حملت لهجته مزيجاً من الحزم والصرامة، وهو يضيف:
– ولهذا، فبغض النظر عن السياسة وتعقيداتها، سنسد فوهة البركان.
شدَّ (أدهم) قامته، قائلاً:
– هذا يستلزم الوصول إلى قمة البركان.
أشار إليه المدير فى قوة:
– وهذه مهمتك يا (ن-1) … مهمتك غير الرسمية.
وشدَّ (أدهم) قامته أكثر …
وأكثر …
* * *
رفع (كوالسكى) عينيه فى بطء، يتطَّلع إلى الرجل الواقف أمامه لحظات، قبل أ ن يشعل سيجاراً كوبياً كبيراً، وينفث دخانه فى بطء، ثم يقول فى هدوء، لم يخل من لمحة صارمة:
– إلى ماذا تنتمى يا (فيدروف) ؟!
بدا (فيدروف) هذا حازماً متماسكا، وهو يجيب:
– وهل يصنع هذا فارقاً:
أشار (كوالسكى) بسيجاره إشارة، فهمها مساعداه (إيفان) ذلك الأشقر الطويل رياضى القوام، صاحب القسمات الباردة، و(أيجور) الضخم، الذى تخاله من النظرة الأولى دباً برياً؛ لضخامته غير الطبيعية، والشعر الغزير على رأسه، وفى لحيته الكثة، وقال فى لهجة، غلبت صرامتها هدوءها:
– بالتأكيد … من الضرورى أن أعلم مع من اتعامل.
شدَّ (فيدروف) قامته فى اعتداد:
– تاريخك لا يشير إلى هذا يا مستر (كوالسكى)، فأنت تمنح السلاح لكل من يدفع الثمن، حتى أنك فى بعض الحالات، كنت تمنح السلاح للجانبين المتحاربين معاً.
حملت لهجة (كوالسكى) كل الصرامة هذه المرة:
– هذه قواعد تجارية، لا شأن لك بها.
أطلق (فيدروف) زفرة محدودة، مجيباً:
– تستطيع ان تقول: إننى وسيط أفغانى.
مال (كوالسكى) نحوه:
– وهل تتحدَّث الأفغانية إذن ؟!
أجابه (فيدروف)، وقد بدأ التوتر يسرى فى صوته:
– ليس بالضرورة، فأنت تتعامل مع الكثير من التنظيمات العربية غير الرسمية، ولا تعرف حرفاً واحداً من العربية.
تطَّلع (كوالسكى) إلى شاشة اللاب توب أمامه، ثم حملت شفتاه ابتسامة، لم ترق لـ(فيدروف)، الذى انتبه لأوَّل مرة، إلى تلك الكاميرا الدقيقة، المخفاة بين نقوش الإطار العلوى للحائط، خلف (كوالسكى) تماماً، وشعر بتوتر شديد، عندما تراجع (كوالسكى) فى مقعده الفخم، الشبيه بالعروش الملكية، واتسعت ابتسامته، وهو ينفث دخان سيجاره، قائلاً:
– أنت كاذب، أيها العقيد (تورجنيف).
انتفض جسد الرجل فى عنف، عندما نطق (كوالسكى) اسمه الحقيقى، وندت منه حركة عصبية، تحوَّلت إلى توتر شديد، عندما التصقت فوهة مسدس (إيفان) الباردة بمؤخرة عنقه فى قسوة، و (كوالسكى) يتابع:
– العقيد (أندريه تورجنيف)، من المخابرات الروسية، من أيام الكى جى بى … عملت تحت رياسة نجم الكى جى بى (سيرجى كوربوف) … حاصل على الوسام الأحمر، من قادة (الكريملين) مباشرة.
غمغم (تورجنيف) فى عصبية:
– اعترف لك بالتفوق يا (كوالسكى) … ربحت هذه الجولة.
اعتدل (كوالسكى)، وحملت ملامحه مع صوته وحشية شرسة:
– وأنت خسرتها يا هذا.
قال فى عصبية أكثر:
– سأعترف بهذا فى تقريرى، و …
قاطعه (كوالسكى) فى شراسة:
– الذى لن تكتبه.
فى نفس اللحظة، التى نطق فيها عبارته، ارتفعت زمجرة وحشية، من خلف (تورجنيف)، وانعقد ساعدا (أيجور) القويين حول وسطه وذراعيه، ككلابتين من الصلب، فقاوم فى شراسة، صارخاً:
– لن تنجو من هذا يا (فيكتور).
نفث (كوالسكى) دخان سيجاره فى هدوء:
– نجوت مما هو أكثر خطورة.
وفى قوة غير طبيعية، حمل (أيجور) (تورجنيف)، واتجه به نحو النافذة،و (كوالسكى) يسأل (إيفان) فى برود:
– هل تناولت كلابنا طعام العشاء ؟!
ابتسم (إيفان) ابتسامة باردة، مغمغماً:
– لم تتناول حتى طعام الغداء.
التمعت عينا (كوالسكى) فى وحشية، وهو يلتفت إلى (تورجنيف)، الذى وصل به (أيجور) إلى النافذة:
– سينتهى الأمر بسرعة إذن.
صرخ (تورجنيف)، وهو يقاوم فى شراسة:
– لن تنجو من هذا … الرفاق لن يتركوك تحيا.
أطلق (كوالسكى) ضحكة ساخرة قصيرة، وقال موجهاً حديثه إلى (إيفان):
– لم يتخلَّص بعد من لقب رفيق هذا.
ثم أشار بيده إلى (أيجور)، الذى استجاب لإشارته، بدفع (تورجنيف) عبر النافذة، من الطابق الثالث للقصر…
ومع ارتفاع صراخ (تورجنيف)، وصوت ارتطامه العنيف بالأرض، والذى اعقبه نباح كلاب وحشية وزمجرتها، ابتسم (كوالسكى)، ونفث دخان سيجاره، وقال:
– أنت تعلم ما ستفعله ببقاياه يا (إيفان).
أومأ (إيفان) برأسه إيجاباً، وابتسم ابتسامته الباردة …
كالثلج …
* * *
” هذه المهمة غير رسمية يا (ن-1) …”
استعاد ذهن (أدهم) كلمات المدير، وهو يتطَّلع عبر نافذة فندق صغير، إلى أحد شوارع العاصمة الأوكرانية (كييف)، واتخذ مجلساً إلى جوار النافذة، يسترجع ذلك الحوار الأخير …
” هذا يعنى أنك لن تحصل منا على أية مساعدة رسمية … لن يمكنك الاستعانة بالسفارة، مهما بلغت تعقيدات الأمر، ولن يمكنك حتى الاستعانة بمكتبنا هناك، ولا بأية إمكانيات، يمكن أن يوفرها لك … والأهم، أنه لو تعقدَّت الأمور، فسننكر رسمياً أية علاقة لنا، بما تقوم به … هل يوافقك هذا ؟!…”
استمع إلى المدير فى اهتمام صامت، قبل أن يشد قامته:
– كل ما هو فى صالح (مصر) يوافقنى يا سيدى.
بدا أن المدير كان يتوَّقع الموقف والجواب، فقد قال مباشرة:
– هل ستستعين بأحد ؟!
وبدون تردَّد أ يضاً، أجابه (أدهم):
– فريقى المعتاد … (منى)، و (قدرى).
أشار المدير بسبَّابته محذراً:
– لاحظ أن الشروط نفسها ستنطبق عليهما، وهذا يعنى ضرورة موافقتهما عليها، قبل بدء المهمة.
“(أدهم) … فيم انشغالك ؟!…”
انتزعه صوت (منى) من ذكرياته، فالتفت إليها:
– (منى) … مازالت أمامك فرصة للتراجع، فما ان تبدأ المهمة، حتى لا يعود هناك سبيل لذلك.
اكتفت (منى) بابتسامة، فى حين هتف (قدرى) فى مرح:
– شرطى الوحيد هو أن نختبر المطعم الأوكرانى أوَّلاً.
ابتسم (أدهم):
– لن يختلف عما اعتدته، أثناء دراستك الفن فى (موسكو).
قهقه (قدرى) ضاحكاً:
– تصوَّرت أنه سيختلف، بعد سقوط الاتحاد السوفيتى.
اتخذت (منى) مجلساً، وهى تبتسم:
– ربما تكون على حق … لقد لمحت مطعماً أمريكياً شهيراً للهامبورجر، ونحن فى طريقنا، من المطار إلى هنا.
اعتدل (أدهم) فجأة، وهو يقول فى حزم:
– ألا ينبغى أن نراجع خطتنا ؟!
اعتدلت (منى) بدورها:
– ألسنا هنا لهذا الغرض.
نهض (أدهم) إلى مائدة صغيرة، فرد فوقها رسماً تخطيطياً لقصر (كوالسكى)، وأشار إليه:
– (فيكتور كوالسكى) يقيم فى قصر أشبه بالقلعة الحصينة … منعزل تماماً، وسط مساحة خمسين فداناً، مزروعة بالعشب فحسب، بحيث يمكن رصد أى متسلَّل، من مسافة كيلو مترين، ولا يوجد سوى طريق ممهَّد واحد، يقود إلى القلعة، والمساحة المحيطة بالقصر مزروعة بالألغام الأرضية، أما القلعة نفسها، فمحاطة بأسوار عالية، بارتفاع ثلاثة أمتار، يعلوها سلك شائك مكهرب، وفى الأركان، ومنتصف الأسوار، هناك أبراج حراسة، وأنوار كاشفة قوية، والأسوار مزوَّدة بمدافع آلية قوية، يمكنها مقاومة فرقة مسلحة كاملة.
غمغم (قدرى):
– أهذا ما نريد اقتحامه ؟!
ثم تجشأ، وربَّت على كرشه، قبل أن يتابع:
– يبدو لى أننى قد فقدت شهيتى.
تطَّلع (أدهم) إليه لحظات، ثم عاد ببصره إلى الرسم التخطيطى:
– حتى لو نجحنا فى عبور الأسوار، فسنجد خلفها جيشاً من رجال الحراسة، وقطيع من الكلاب، المدرَّبة ليس على مهاجمة الغرباء فحسب، وإنما على التهامهم أيضاً.
ألقى (قدرى) جسده الضخم على مقعد قريب، وهو يمسح عرقاً وهمياً عن وجهه:
– ضاعت شهيتى إلى الأبد.
أما (منى)، فقد صمتت لحظات، وهى تتطَّلع إلى الرسم، قبل أن ترفع عينيها إلى (أدهم) فى توتر:
– وماذا عن (كوالسكى) نفسه؟!… ألا يغادر قلعته أبداً ؟!
هزَّ (أدهم) رأسه نفياً فى بطء:
– لم يغادرها منذ تسع سنوات.
بدت مبهوتة:
– وكيف يمكن الوصول إلى رجل كهذا ؟!
اعتدل (أدهم)، وحمل صوته كل الحزم، وهو يرفع سبَّابته:
– لا توجد سوى وسيلة واحدة.
وعندما شرح ما لديه، انتفض جسدا (منى) و(قدرى) …
وبمنتهى العنف.
* * *
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرواية فى جناح (الشركة العربية الحديثة) بمعرض القاهرة الدولى للكتاب يناير 2018

اترك رد

"البراجماتية" العُمانية

محمد سيف الرحبي

محمد سيف الرحبي

كاتب وصحفي من سلطنة عُمان، يكتب القصة والرواية، له مقال يومي في جريدة الشبيبة العمانية بعنوان (تشاؤل*، مسئول شئون دول مجلس التعاون في (آسيا إن) العربية

كوريا الشمالية: الأسرة والزواج وأشياء أخرى!

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

آندريه نيكولايفيتش لانكوف Andrei Nikolaevich Lankov

كاتب روسي حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة الدولة في ليننجراد ، درس في جامعة كيم إل ـ سونج، أستاذ في الجامعة الأسترالية الوطنية وجامعة كوكمين.

أحدث التغريدات